بحارالانوار · المجلد السادس
باب 3 تاريخ ولادته صلى الله عليه وآله وما يتعلق بها، وما ظهر
ج ۱۵، ص ۲۷۷–۳۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء، وإنه لنبي قد بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره، ولئن نفيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرا " تقولونه حتى تؤخرونه عنكم إلى أمر ما شاع، فجاؤوا إلى كسرى فقالوا له: قد نظرنا في هذا الامر فوجدنا حسابك الذي وضعت به طاق ملكك وسكرت دجلة الغوراء وضعوه على النحوس، فلما اختلف عليهم الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فذلك كل وضع عليها، وإنا سنحسب لك حسابا " تضع عليه بنيانك فلا تزول، قال:
فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر، وأنفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو حتى إذا فرغ، قال لهم: أجلس على سورها؟ قالوا: نعم، فأمر البسط والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمعوا إليه النقابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك إذ انتسفت دجلة بالبنيان من تحته فلم يخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا " من مائة، وقال: نميتكم وأدنيتكم دون الناس فأجريت عليكم أرزاقي تلعبون بي؟ قالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا، ولكنا سنحسب حسابا " فنبينه حتى تضعها على الوثاق من السعود، قال: انظروا ما تقولون، قالوا: فإنا نفعل، قال: فاحسبوا، فحسبوا ثم قالوا له:
ابنه فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر، فلما فرغوا قال: أفأخرج وأقعد عليها؟ قالوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب برذونا " له، وخرج يسير عليها
فبينا هو يسير إذا انتسفت دجلة بالبنيان فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فقال : والله لآمرن على آخركم، ولأنزعن أكتافكم، ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة، أو لتصدقني ما هذا الامر الذي تلفقون علي؟ قالوا لا نكذبنك أيها الملك، أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة وانقضت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا، فأظلمت علينا بأقطار السماء فتردد علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم نجومه فعرفنا أن هذا الامر حدث من السماء، وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث، فلذلك حيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نفينا إليك ملكك أن تقتلنا، فكرهنا من الموت ما يكره الناس فعللناك عن أنفسنا بما رأيت، قال: ويحكم فهلا يكون بينتم لي هذا فأرى فيه رأيي؟! قالوا: منعنا من ذلك ما تخوفنا منك، فتركهم ولها " عن دجلة حين غلبته.
بيان: التسكع: التحير والتمادي في الباطل. والمرازبة: رؤساء الفرس وأمراءهم، ويقال: نميته تنمية أي رفعته، ولفق الحديث: زخرفه، ثم الظاهر إن قوله: فلما أن بعث الله نبيه، من سهو الرواة أو الكتاب، وكان مكانه فلما ولد النبي صلى الله عليه وآله كما عرفت في الأخبار السابقة، على أنه يحتمل وقوع مثل هذا في الوقتين معا ".
25 - إعلام الورى: ولد صلى الله عليه وآله يوم الجمعة عند طلوع الشمس، السابع عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل، وفي رواية العامة ولد صلى الله عليه وآله يوم الاثنين، ثم اختلفوا فمن قائل يقول: لليلتين من شهر ربيع الأول، ومن قائل يقول: لعشر ليال خلون منه، وذلك لأربع وثلاثين سنة وثمانية أشهر مضت من ملك كسرى أنوشيروان بن قباد، وهو قاتل مزدك والزنادقة ومبيرهم، وهو الذي عنى رسول الله صلى الله عليه وآله على ما يزعمون ولدت في زمان الملك الصالح،
ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ملك العرب، وكنيته أبو القاسم، وروى أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وآله من مارية أتاه جبرئيل فقال: السلام عليك أبا إبراهيم، أو يا أبا إبراهيم، ونسبه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لوى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو قريش بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا بلغ نسبي عدنان فأمسكوا. وروي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله: قالت:
سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى، قالت أم سلمة: زيد هميسع، وثرا نبت، وأعراق الثرى، إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، قالت:
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله: (وعادا " وثمود وأصحاب الرس وقرونا " بين ذلك كثيرا ") لا يعلمهم إلا الله.
وذكر الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه: عدنان بن أد بن أدد بن يامين بن يشجب بن منحر بن صابوغ بن الهميسع، وفي رواية أخرى: عدنان بن أدد بن زيد بن يقدد بن يقدم بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل عليه السلام. وقيل: الأصح الذي اعتمد عليه أكثر النساب وأصحاب التواريخ أن عدنان هو أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام بن تارخ بن ناحور بن ساروع بن ارغوا بن فالع بن عابر - وهو هود عليه السلام - بن شالح بن أرفخشد ابن سام بن نوح بن ملك بن متوشلح بن أخنوخ - ويقال: احنوخ وهو إدريس عليه السلام - ابن يازد بن هلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام، وأمه آمنة
بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب، وأرضعته حتى شب حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة السعدية، من بني سعد بن بكر بن هوازن، وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب أرضعته أيضا " بلبن ابنها مسروح، وذلك قبل أن تقدم حليمة، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها، وكانت قد أرضعت ثويبة قبل حمزة بن عبد المطلب عمه، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابنة حمزة:
إنها ابنة أخي من الرضاعة، وكان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وآله بأربع سنين، وأما جدته أم أبيه عبد الله فهي فاطمة بنت عمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأم عبد المطلب سلمى بنت عمرة من بني النجار، وأم هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال من بني سليم، وأم قصي وزهرة فاطمة بنت سعد من أزد السراة، وصدع صلى الله عليه وآله بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب، وله يومئذ أربعون سنة، وقبض صلى الله عليه وآله يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشرين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
26 - كتاب النجوم: ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أنه قال بعض المنجمين: إن مواليد الأنبياء السنبلة والميزان، وكان طالع النبي صلى الله عليه وآله الميزان، وقال: صلى الله عليه وآله: ولدت بالسماك، وفي حساب المنجمين أنه السماك الرامح، وكان في ثاني طالعه زحل. فلم يكن له ملك ولا عقار.
27 - الفضائل: قال الواقدي: أول ما افتتح به عقيل بن أبي وقاص أن قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم، ومن شجرة إسماعيل، ومن غصن نزار، ومن ثمرة عبد مناف، ثم أثنى على الله تعالى ثناء " بليغا "، وقال فيه جميلا "، وأثنى
على اللات والعزى، وذكرهم بالجميل، وعقد النكاح، ونظر إلى وهب، وقال: يا أبا الوداح زوجت كريمتك آمنة من ابن سيدنا عبد المطلب على صداق أربعة آلاف درهم بيض هجرية جياد، وخمس مائة مثقال ذهب احمر؟ قال: نعم، ثم قال: يا عبد الله قبلت هذا الصداق يا أيها السيد الخاطب؟ قال نعم، ثم دعا لهما بالخير والكرامة، ثم أمر وهب أن تقدم المائدة فقدمت مائدة خضرة فاتي من الطعام الحار والبارد والحلو والحامض فأكلوا وشربوا، قال: ونثر عبد المطلب على ولده قيمة ألف درهم من النثار، وكان متخذا " من مسك بنادق، ومن عنبر ومن سكر ومن كافور، ونثر وهب بقيمة ألف درهم عنبرا "، وفرح الخلق بذلك فرحا " شديدا ".
قال الواقدي: فلما فرغوا من ذلك نظر عبد المطلب إلى وهب وقال: ورب السماء إني لا أفارق هذا السقف أو أؤلف بين ولدي وحليلته، فقال وهب: بهذه السرعة لا يكون، فقال عبد المطلب: لابد من ذلك، فقام وهب ودخل على امرأته برة وقال لها:
اعلمي أن عبد المطلب قد حلف برب السماء أنه لا يفارق هذا السقف أو يؤلف بين ولده عبد الله وبين زوجته آمنة، فقامت المرأة من وقتها ودعت بعشر من المشاطات وأمرتهن أن يأخذن في زينة آمنة، فقعدن حول آمنة، فواحدة منهن تنقش يديها، وواحدة تخضب، وواحدة تسرح ذؤابتها، فلما كان عند غروب الشمس وقد فرغن من زينتها نصبوا سريرا " من الخيزران، وقد فرشوا عليه من ألوان الديباج والوشي، وقعدت الجارية على السرير وعقدن على رأسها تاجا "، وعلى جبينيها إكليلا، وعلى عنقها مخانق الدر والجواهر، وتخوتمت بأنواع الخواتيم، وجاء وهب وقال لعبد المطلب: يا سيدي أقدم على العروس، فقام عبد المطلب إلى العروس وهي كأنها فلقة قمر من حسنها، وتقدم عبد المطلب إلى السرير وقبله وقبل عين العروس، فقال عبد المطلب لولده عبد الله: اجلس يا ولدي معها على السرير وافرح برؤيتها، قال: فرفع عبد الله قدمه وصعد إلى السرير، وقعد إلى جنب العروس، وفرح عبد المطلب، وكان من عبد الله إلى أهله ما يكون من الرجال إلى النساء،
فواقعها، فحملت بسيد المرسلين وخاتم النبيين، وقام من عندها إلى عند أبيه فنظر إليه أبوه وإذا النور قد فارق من بين عينيه، وبقي عليه من أثر النور كالدرهم الصحيح، وذهب النور إلى ثدي آمنة، فقام عبد المطلب إلى عند آمنة ونظر إلى وجهها فلم يكن النور كما كان في عبد الله بل أنور ، فذهب عبد المطلب إلى عند حبيب الراهب فسأله عن ذلك، فقال حبيب:
اعلم أن هذا النور هو صاحب النور بعينه، وصار في بطن أمه، فقام عبد المطلب وخرج مع الرجل وبقي عبد الله عند أهله إلى أن ذهبت الصفرة من يديه، وذلك أن العرب كانوا إذا دخلوا بأهلهم خضبوا أيديهم بالحناء، ولا يخرجون من عندهم وعلى أيديهم أثر من الحناء، وبقي عبد الله أربعين يوما "، وخرج ونظر أهل مكة إلى عبد الله والنور قد فارق موضعه، فرجع عبد المطلب من عند حبيب وقد أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهر واحد في بطن أمه، ونادت الجبال بعضها بعضا "، والأشجار بعضها بعضا " والسماوات بعضها بعضا "، يستبشرون ويقولون: ألا إن محمدا " قد وقع في رحم أمه آمنة، وقد أتى عليه شهر ففرح بذلك الجبال والبحار والسماوات والأرضون، فورد عليه كتاب من يثرب بموت فاطمة بنت عبد المطلب، وكان في الكتاب أنها ورثت مالا " كثيرا " خطيرا "، فأخرج أسرع ما تقدر عليه، فقال عبد المطلب لولده عبد الله: يا ولدي لابد لك أن تجئ معي إلى المدينة، فسافر مع أبيه ودخلا مدينة يثرب، وقبض عبد المطلب المال، ولما مضى من دخولهما المدينة عشرة أيام اعتل عبد الله علة شديدة، وبقي خمسة عشر يوما "، فلما كان اليوم السادس عشر مات عبد الله، فبكى عليه أبوه عبد المطلب بكاء شديدا "، وشق سقف البيت لأجله في دار فاطمة بنت عبد المطلب، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: قد مات من كان في صلبه خاتم النبيين، وأي نفر لا يموت؟ فقام عبد المطلب: فغسله و كفنه ودفنه في سكة يقال لها: شين، وبنى على قبره قبة عظيمة من جص وآجر، ورجع إلى مكة، واستقبلته رؤساء قريش وبنو هاشم، واتصل الخبر إلى آمنة بوفات زوجها، فبكت ونتفت شعرها، وخدشت وجهها، ومزقت جيبها، ودعت بالنائحات ينحن على
عبد الله، فجاء بعد ذلك عبد المطلب إلى دار آمنة وطيب قلبها، ووهب لها في ذلك الوقت ألف درهم بيض، وتاجين قد اتخذهما عبد مناف لبعض بناته، وقال لها: يا آمنة لا تحزني فإنك عندي جليلة، لأجل من في بطنك ورحمك، فلا تهتك أمرك، فسكتت وطيب قلبها.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن أمه شهران أمر الله تعالى مناديا " في سماواته وأرضه أن ناد في السماوات والأرض والملائكة: أن استغفروا لمحمد صلى الله عليه وآله وأمته، كل هذا ببركة النبي صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن أمه ثلاثة أشهر كان أبو قحافة راجعا " من الشام، فلما بلغ قريبا " من مكة وضعت ناقته جمجمتها على الأرض ساجدة "، و كان بيد أبي قحافة قضيب فضربها بأوجع ضرب، فلم ترفع رأسها، فقال أبو قحافة: فما أرى ناقة تركت صاحبها، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: لا تضرب يا أبا قحافة من لا يطيعك، ألا ترى أن الجبال والبحار والأشجار سوى الآدميين سجدوا لله، فقال أبو قحافة: يا هاتف وما السبب في ذلك؟ قال اعلم أن النبي الأمي قد أتى عليه في بطن أمه ثلاثة أشهر، قال أبو قحافة: ومتى يكون خروجه؟ قال: سترى يا أبا قحافة إن شاء الله تعالى، فالويل كل الويل لعبدة الأصنام من سيفه وسيف أصحابه، فقال أبو قحافة: فوقفت ساعة حتى رفعت الناقة رأسها، وجئت إلى عبد المطلب فأخبرته.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة أشهر كان زاهد على الطريق من الطائف، وكان له صومعة بمكة على مرحلة، قال: فخرج الزاهد وكان اسمه حبيبا، فجاء إلى بعض أصدقائه بمكة، فلما بلغ أرض الموقف، إذا " بصبي قد وضع جبينه على الأرض، وقد سجد على جمجمته، قال حبيب: فدنوت منه فأخذته، وإذا " بهاتف يهتف و يقول: خل عنه يا حبيب، ألا ترى إلى الخلائق من البر والبحر والسهل والجبل قد
سجدوا لله شكرا " لما أتى على النبي الزكي الرضي المرضي في بطن أمه خمسة أشهر، وهذا الصبي قد سجد لله، قال حبيب : فتركت الصبي ودخلت مكة وبينت ذلك لعبد المطلب، وعبد المطلب يقول: اكتم هذا الاسم، فإن لهذا الاسم أعداء، قال: وذهب حبيب إلى صومعته فإذا الصومعة تهتز ولا تستقر، وإذا على محرابه مكتوب وعلى محراب كل راهب: يا أهل البيع والصوامع آمنوا بالله وبرسوله محمد بن عبد الله، فقد آن خروجه، فطوبى ثم طوبى لمن آمن به، والويل كل الويل لمن كفر به، ورد عليه حرفا " مما يأتي به من عند ربه، قال حبيب: فقلت: السمع والطاعة، إني لمؤمن وطائع غير منكر.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن أمه ستة أشهر خرج أهل المدينة واليمن إلى العيد، وكان رسمهم أنهم يمرون في كل سنة ستة أعياد، وكانوا يذهبون عند شجرة عظيمة يقال لها: ذات أنواط، وهي التي سماها الله تعالى في كتابه (ومناة الثالثة الأخرى) فذهبوا في ذلك وأكلوا وشربوا وفرحوا وتقاربوا من الشجرة، وإذا " بصيحة عظيمة من وسط الشجرة وهو هاتف يقول: يا أهل اليمن، ويا أهل اليمامة، ويا أهل البحرين، ويا من عبد الأصنام، ويا من سجد للأوثان، جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، يا قوم قد جاءكم الهلاك، قد جاءكم التلف، قد جاءكم الويل والثبور، قال: ففزعوا من ذلك وانهزموا راجعين إلى منازلهم متحيرين متعجبين من ذلك.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن أمه سبعة أشهر جاء سواد بن قارب إلى عبد المطلب، وقال له: اعلم با أبا الحارث أني كنت البارحة بين النوم واليقظة، فرأيت أبواب السماء مفتحة، ورأيت الملائكة ينزلون إلى الأرض، معهم ألوان الثياب يقولون: زينوا الأرض فقد قرب خروج من اسمه محمد، وهو نافلة عبد المطلب رسول الله
إلى الأرض، وإلى الأسود والأحمر والأصفر، وإلى الصغير والكبير والذكر والأنثى، صاحب السيف القاطع، والسهم النافذ، فقلت لبعض الملائكة: من هذا تزعمون؟ فقال:
ويلك هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهذا ما رأيت ، فقال له عبد المطلب: اكتم الرؤيا ولا تخبر به أحدا " لننظر ما يكون.
قال الواقدي: فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله في بطن أمه ثمانية أشهر كان في بحر الهواء حوتة يقال لها: طينوسا، وهي سيدة الحيتان، فتحركت الحيتان، وتحركت الحوتة، واستوت قائمة على ذنبها، وارتفعت وارتفع الأمواج عنها، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا ترى إلى ما تفعل طينوسا ولا تطيعنا، وليس لنا بها قوة، قال: فصاح إستحيائيل الملك صيحة عظيمة، وقال لها: قري يا طينوسا ألا تعرفين من تحتك، فقالت طينوسا:
يا إستحيائيل أمر ربي يوم خلقني إذا ولد محمد بن عبد الله استغفري له ولامته، والآن سمعت الملائكة يبشر بعضهم بعضا " فلذلك قمت وتحركت، فناداها استحيائيل قري واستغفري، فإن محمدا " قد ولد، فلذلك انبطحت في البحر، وأخذت في التسبيح والتهليل والتكبير والثناء على رب العالمين.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن أمه تسعة أشهر أوحى الله إلى الملائكة في كل سماء: أن اهبطوا إلى الأرض، فهبط عشرة آلاف ملك بيد كل ملك قنديل يشتعل بالنور بلا دهن، مكتوب على كل قنديل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يقرأه كل عربي كاتب، ووقفوا حول مكة في المفاوز، وإذا " بهاتف يهتف ويقول:
هذا نور محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فورد الخبر على عبد المطلب فأمر بكتمانه إلى أن يكون.
قال الواقدي: فلما كملت تسعة أشهر لرسول الله صلى الله عليه وآله صار لا يستقر كوكب في السماء إلا من موضع إلى موضع يبشرون بعضهم بعضا "، والناس ينظرون إلى الكواكب
في السماء مسيرات لا يستقرون، فأقام ذلك ثلاثين يوما ".
قال الواقدي: فلما تم لرسول الله صلى الله عليه وآله تسعة أشهر نظرت أم رسول الله صلى الله عليه وآله آمنة إلى أمها برة وقالت: يا أماه إني أحب أن أدخل البيت فأبكي على زوجي ساعة وأقطر دمعي على شبابه وحسن وجهه، فإذا دخلت البيت وحدي فلا يدخل علي أحد ، فقالت لها برة: ادخلي يا آمنة فابكي، فحق لك البكاء، قال: فدخلت آمنة البيت وحدها وقعدت وبكت وبين يديها شمع يشتعل، وبيدها مغزل من آبنوس، وعلى مغزلها فلقة من عقيق أحمر، وآمنة تبكي وتنوح إذا أصابها الطلق، فوثبت إلي الباب لتفتحه فلم ينفتح، فرجعت إلى مكانها، وقالت: وا وحدتاه، وأخذها الطلق والنفاس، وما شعرت بشئ حتى انشق السقف، ونزلت من فوق أربع حوريات، وأضاء البيت لنور وجوههن، وقلن لامنة: لا بأس عليك يا جارية إنا جئناك لنخدمك، فلا يهمنك أمرك، وقعدت الحوريات واحدة على يمينها، وواحدة على شمالها، وواحدة بين يديها، وواحدة من ورائها، فهومت عين آمنة وغفت غفوة، قال ابن عباس: ما كان من أمر أم الصبي إلا أنها كانت نائمة عند خروج ولدها من بطنها، فانتبهت أم النبي صلى الله عليه وآله فإذا النبي تحت ذيلها، قد وضع جبينه على الأرض ساجدا " لله، ورفع سبابتيه مشيرا " بهما لا إله إلا الله.
قال الواقدي: ولد رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة الجمعة قبل طلوع الفجر في شهر ربيع الأول لسبعة عشر منه في سنة تسعة آلاف سنة وتسعمأة وأربعة أشهر وسبعة أيام من وفاة آدم عليه السلام.
قال الواقدي: ونظرت أمه آمنة إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو مكتحل العينين، منقط الجبين والذقن، وأشرق من وجنتي النبي صلى الله عليه وآله نور ساطع في ظلمة الليل، ومر
في سقف البيت، وشق السقف، ورأت آمنة من نور وجهه كل منظر حسن وقصر بالحرم، وسط في تلك الليلة أربعة وعشرون شرفا " من إيوان كسرى، وأخمدت في تلك الليلة نيران فارس، وأبرق في تلك الليلة برق ساطع في كل بيت، وغرفة في الدنيا ممن قد علم الله تعالى وسبق في علمه أنهم يؤمنون بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله، ولم يسطع في بقاع الكفر بأمر الله تعالى، وما بقي في مشارق الأرض ومغاربها صنم ولا وثن إلا وخرت على وجوهها ساقطة على جباهها خاشعة، وذلك كله إجلالا للنبي صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: فلما رأى إبليس لعنه الله تعالى وأخزاه ذلك وضع التراب على رأسه وجمع أولاده وقال لهم: يا أولادي اعلموا أنني ما أصابني منذ خلقت مثل هذه المصيبة، قالوا: وما هذه المصيبة؟ قال: اعلموا أنه قد ولد في هذه الليلة مولود اسمه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله يبطل عبادة الأوثان، ويمنع السجود للأصنام، ويدعو الناس إلى عبادة الرحمن، قال:
فنثروا التراب على رؤوسهم، ودخل إبليس لعنه الله تعالى في البحر الرابع وقعد فيه للمصيبة هو وأولاده مكروبين أربعين يوما ".
قال الواقدي: فعند ذلك أخذت الحوريات محمدا " صلى الله عليه وآله ولففنه في منديل رومي، ووضعنه بين يدي آمنة، ورجعن إلى الجنة يبشرون الملائكة في السماوات بمولد النبي صلى الله عليه وآله، ونزل جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ودخلا البيت على صورة الآدميين وهما شابان، ومع جبرئيل طشت من ذهب، ومع ميكائيل إبريق من عقيق أحمر، فأخذ جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وغسله، وميكائيل يصب الماء عليه فغسلاه، وآمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة، فقال لها جبرئيل: يا آمنة لا نغسله من النجاسة، فإنه لم يكن نجسا "، ولكن نغسله من ظلمات بطنك، فلما فرغوا من غسله وكحلوا عينيه ونقطوا جبينيه بورقة كانت معهم مسك وعنبر وكافور مسحوق بعضه ببعض فذروه فوق رأسه صلى الله عليه وآله قالت آمنة:
وسمعت جلبة وكلاما " على الباب، فذهب جبرئيل إلى الباب فنظر ورجع إلى البيت وقال: ملائكة سبع سماوات يريدون السلام على النبي صلى الله عليه وآله فاتسع البيت ودخلوا عليه
موكب بعد موكب وسلموا عليه، وقالوا: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا حامد.
قال الواقدي: فلما دخل من الليل ثلثه أمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن يحمل من الجنة أربعة أعلام، فحمل جبرئيل الاعلام ونزل إلى الدنيا، ونصب علما " أخضر على جبل قاف مكتوبا " عليه بالبياض سطران: لا إله إلا الله ، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، ونصب علما " آخر على جبل أبي قبيس له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما: شهادة أن لا إله إلا الله، وفي الثانية: لادين إلا دين محمد بن عبد الله، ونصب علما " آخر على سطح بيت الله الحرام له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما: طوبى لمن آمن بالله وبمحمد، والويل لمن كفر به ورد عليه حرفا " مما يأتي به من عند ربه، ونصب علما " آخر على ضراح بيت الله المقدس وهو أبيض عليه خطان مكتوبان بالسواد، الأول: لا غالب إلا الله، والثاني: النصر لله ولمحمد صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: وذهب إستحيائيل ووقف على ركن جبل أبي قبيس ونادى بأعلى صوته:
يا أهل مكة آمنوا بالله ورسوله، والنور الذي أنزلنا، وأمر الله غمامة أن ترفع فوق بيت الله الحرام، وتنثر على البيت الحرام ريش الزعفران والمسك والعنبر، وتمطر على البيت، فلما أصبحوا رأوا ريش الزعفران والمسك والعنبر، وارتفعت الغمامة وأمطرت على البيت، وخرجت الأصنام من بيت الله الحرام، وجاؤا إلى عند الحجر وانكبوا على وجوههم، وجاء جبرئيل بقنديل أحمر له سلسلة من جزع أصفر، وهو يشتعل بلا دهن بقدرة الله تعالى.
قال الواقدي: وبرق من وجه النبي صلى الله عليه وآله برق وذهب في الهواء حتى التزق بعنان السماء، وما بقي بمكة دار ولا منظر إلا دخله ذلك النور، ممن سبق في قدر الله تعالى وعلمه أنه يؤمن بالله، وبرسوله محمد صلى الله عليه وآله، وما بقي في تلك الليلة كتاب من التوراة والإنجيل والزبور ومما كان فيه اسمه صلى الله عليه وآله أو نعته إلا وقطر تحت اسمه قطرة دم، وقال:
لان الله تعالى بعثه بالسيف، وما بقي في تلك الليلة دير ولا صومعة إلا وكتب على محاريبها اسم محمد صلى الله عليه وآله، فبقيت الكتابة إلى الصباح حتى قرء الرهبانية والديرانية، وعلموا أن النبي الأمي صلى الله عليه وآله قد ولد.
قال الواقدي: فعندها قامت آمنة رضي الله عنها وفتحت الباب، وصاحت صيحة وغشي عليها، ثم دعت بأمها برة وأبيها وهب وقالت: ويحكما أين أنتما؟ فما رأيتما ما جرى علي؟ إني وضعت ولدي، وكان كذا وكذا، تصف لهما ما رأته، قال: فقام وهب ودعا بغلام وقال: اذهب إلى عبد المطلب وبشره، وأهل مكة على المغاير قد صعدوا والصروح ينظرون إلى العجائب ولا يدرون ما الخبر، وكذلك عبد المطلب قد صعد مع أولاده فما شعروا بشئ حتى قرع الغلام الباب، ودخل على عبد المطلب وقال: يا سيدنا أبشر فإن آمنة قد وضعت ولدا " ذكرا "، فاستبشر بذلك، وقال: قد علمت أن هذه براهين ودلائل لمولودي، فذهب عبد المطلب إلى آمنة مع أولاده ونظروا إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه كالقمر ليلة البدر يسبح ويكبر في نفسه، فتعجب منه عبد المطلب.
قال الواقدي: فأصبح أهل مكة يوم الثاني ونظروا إلى القنديل وإلى السلسلة وإلى ريش الزعفران والعنبر ينزل من الغمامة، وإلى الأصنام وقد خرجن منكبات على وجوههن، وبقى الخلق على ذلك، وجاء إبليس أخزاه الله على صورة شيخ زاهد وقال:
يا أهل مكة لا يهمنكم أمر هذا فإنما أخرج الأصنام الليل العفاريت والمردة، وسجدوا لهن، فلا يهمنكم، وأمر إبليس لعنه الله أن تدخل الأصنام إلى جوف بيت الله الحرام ففعلوا ذلك، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: جاء الحق وزهق الباطل،، إن الباطل كان زهوقا.
قال الواقدي: فأرسل الله تعالى إلى البيت جللا " من الديباج الأبيض مكتوب عليها
بخط أسود: بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا " ومبشرا " ونذيرا " وداعيا " إلى الله بإذنه وسراجا " منيرا.
قال الواقدي: فتعجب الناس من ذلك وبقيت الجلل على البيت أربعين يوما "، فذهب رجل من آل إدريس وكان بيده مد سمنا فتمسح بذلك الجلل والتحف به فارتفع الجلل من ليلته، ولو لم يلتحف به لبقي على بيت الله الحرام هذا الديباح إلى يوم القيامة.
قال الواقدي: فاجتمع رؤساء بني هاشم وذهبوا إلى حبيب الراهب وقالوا: يا حبيب بين لنا خبر هذا الجلل وإخراج الأصنام من جوف بيت الله الحرام، والكواكب السائرات، والبرق الذي برق في هذه الليلة، والجلبات التي سمعنا مما هي، فقال حبيب: أنتم تعلمون أن ديني ليس دينكم، وأنا أقول الحق، إن شئتم فاقبلوا، وإن شئتم لا تقبلوا، ما هذه العلامات إلا علامات نبي مرسل في زمانكم، ونحن وجدنا في التوراة ذكر وصفه وفي الإنجيل نعته، وفي الزبور اسمه، واسمه في الصحف، وهو الذي يبطل عبادة الأوثان والأصنام، ويدعو إلى عبادة الرحمن، ويكون على العلم قاطع السيف، طاعن الرمح، نافذ السهم، تخضع له ملوك الدنيا وجبابرتها، فالويل الويل لأهل الكفر والطغيان، وعبدة الأوثان من سيفه ورمحه وسهمه. فمن آمن به نجا، ومن كفر به هلك، فقام الخلق من عنده مغمومين مكروبين، ورجعوا إلى مكة محزونين.
قال الواقدي: وأصبح عبد المطلب اليوم الثاني ودعا بآمنة وقال لها: هاتي ولدي، وقرة عيني، وثمرة فؤادي، فجائت آمنة ومحمد على ساعدها، فقال عبد المطلب: اكتميه يا آمنة ولا تبديه لاحد، فإن قريشا " وبني أمية يرصدون في أمره، قالت آمنة: السمع والطاعة، فجاء عبد المطلب ومحمد على ساعده، وأتى به إلى بيت الله الحرام، وأراد أن يمسح بدنه باللات و العزى لتسكن دمدمة قريش وبني هاشم، ودخل عبد المطلب بيت الله الحرام، فلما وضع
رجله في البيت سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: بسم الله وبالله، وإذا البيت يقول: السلام عليك يا محمد ورحمة الله وبركاته، وإذا بهاتف يهتف ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا "، فتعجب عبد المطلب من صغر سنه وكلامه ومما قال له البيت، فأمر عبد المطلب خزنة البيت أن يكتموا ما سمعوا من البيت ومن محمد صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: فتقدم عبد المطلب إلى اللات والعزى وأراد أن يمسح بدن النبي صلى الله عليه وآله باللات والعزى فجذب من ورائه، فالتفت إلى ورائه فلم ير أحدا، فتقدم ثانية فجذبه من ورائه جاذب، فنظر إلى ورائه فلم ير أحدا، ثم تقدم ثالثة فجذبه الجاذب جذبة شديدة حتى أقعده على عجزه، وقال : يا أبا الحارث أتمسح بدنا " طاهرا " ببدن نجس؟!
قال الواقدي: فعند ذلك وقف عبد المطلب على باب بيت الله الحرام والنبي على ساعده وأنشأ يقول:
الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام طيب الأرداني قد ساد في المهد على الغلماني * أعيذه بالبيت ذي الأركاني حتى أراه مبلغ الغشياني * أعيذه من كل ذي شنآني من حاسد ذي طرف العيناني قال: وخرج عبد المطلب متفكرا " مما سمع، ورأي من محمد صلى الله عليه وآله إلى أمه، وقد وقعت الدمدمة في قريش وبين بني هاشم بسبب محمد صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: فلما كان اليوم الثالث اشترى عبد المطلب مهدا من خيزران أسود، له شبكات من عاج، مرصع بالذهب الأحمر، وله بركتان من فضة بيضاء، ولونه من جزع أصفر، وغشاه بجلال ديباج أبيض، مكوكب بذهب، وبعث إليها من الدر واللؤلؤ الكبار الذي تلعب به الصبيان في المهد بألوان الخرز، وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا انتبه من نومه
يسبح الله تعالى بتلك الخرز.
قال الواقدي: فلما كان اليوم الرابع جاء سواد بن قارب إلى عبد المطلب، و كان عبد المطلب قاعدا على باب بيت الله الحرام وقد حف به قريش وبنو هاشم، فدنا سواد بن قارب وقال: يا أبا الحارث اعلم أني قد سمعت أنه قد ولد لعبد الله ذكر، وأنهم يقولون فيه: عجائب، فأريد أن أنظر إلى وجهه هنيئة، وكان سواد بن قارب رجلا إذا تكلم سمع منه، وكان رجلا " صدوقا "، فقام عبد المطلب ومعه سواد بن قارب وجاء إلى دار آمنة رضي الله عنها ودخلا جميعا " والنبي صلى الله عليه وآله نائم، فلما دخلا القبة قال عبد المطلب: اسكت يا سواد حتى ينتبه من نومه، فسكت فدخلا قليلا قليلا حتى دخلا القبة، ونظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وآله وهو في مهده نائم، وعليه هيئة الأنبياء، فلما كشف الغطاء عن وجهه برق من وجهه برق شق السقف بنوره، والتزق بأعنان السماء، فالقى عبد المطلب وسواد أكمامهما على وجهيهما من شدة الضوء، فعندها انكب سواد على النبي صلى الله عليه وآله وقال لعبد المطلب: أشهدك على نفسي أني آمنت بهذا الغلام، وبما يأتي به من عند ربه، ثم قبل وجنات النبي صلى الله عليه وآله وخرجا جميعا "، ورجع سواد إلى موضعه، وبقي عبد المطلب فرحا " نشيطا.
قال محمد بن عمر الواقدي: فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله شهر كان إذا نظر إليه الناظرون توهموا أنه من أبناء سنة لوقارة جسمه، وتمام فهمه، وكانوا يسمعون من مهده التسبيح والتحميد والثناء على الله تعالى.
قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهران مات وهب جده أبو أمه آمنة، وجاء عبد المطلب وجماعة من قريش وبني هاشم وغسلوا وهبا وحنطوه وكفنوه ودفنوه على ذيل الصفا.
بيان: المخانق: جمع المخنقة كمكنسة وهي القلادة. والتهويم: هز الرأس من النعاس.
وغفت: نامت. والصرح: القصر وكل بناء عال.
28 - الكافي: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن أحمد بن الحسين، عن أبي العباس، عن جعفر بن إسماعيل، عن إدريس، عن أبي السائب، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: عق أبو طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم السابع ودعا آل أبي طالب فقالوا: ما هذه؟ فقال: هذه عقيقة أحمد، قالوا: لأي شئ سميته أحمد؟
قال: سميته أحمد لمحمدة أهل السماء والأرض.
29 - الكافي: علي عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما ولد النبي صلى الله عليه وآله جاء رجل من أهل الكتاب إلى ملا من قريش، فيهم هشام ابن المغيرة والوليد بن المغيرة، والعاص بن هشام، وأبو وجزة بن أبي عمرو بن أمية وعتبة ابن ربيعة، فقال. أولد فيكم مولد الليلة؟ فقالوا: لا، قال فولد إذا بفلسطين غلام اسمه أحمد، به شامة كلون الخز الأدكن، ويكون هلاك أهل الكتاب واليهود على يديه، قد أخطأكم والله يا معشر قريش، فتفرقوا وسألوا فأخبروا أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فطلبوا الرجل فلقوه، فقالوا: إنه قد ولد فينا والله غلام، قال: قبل أن أقول لكم أو بعد ما قلت لكم؟ قالوا: قبل أن تقول لنا، قال: فانطلقوا بنا إليه حتى ننظر إليه، فانطلقوا حتى أتوا أمه فقالوا: أخرجي ابنك حتى ننظر إليه، فقالت: إن ابني والله لقد سقط وما سقط كما يسقط الصبيان، لقد اتقى الأرض بيديه، ورفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصري، وسمعت هاتفا " في الجو يقول: لقد ولدتيه سيد الأمة، فإذا وضعتيه فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، وسميه محمدا، قال الرجل:
فأخرجته فنظر إليه ثم قلبه ونظر إلى الشامة بين كتفيه فخر مغشيا " عليه، فأخذوا الغلام فأدخلوه إلى أمه وقالوا: بارك الله لك فيه، فلما خرجوا أفاق، فقالوا له: مالك ويلك؟
قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا والله من يبيرهم، ففرحت قريش
بذلك، فلما رآهم قد فرحوا قال: فرحتم، أما والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب، وكان أبو سفيان يقول: يسطو بمصره.
30 - الكافي: حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن محمد بن زياد، عن أسباط بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب، فلم تزل معها حتى وضعت، فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب، فبينما هما كذلك إذ دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما؟ من أي شئ تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت. فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك؟
فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود.
31 - الكافي: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن ابن مسعود، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري قال: سمعت إسحاق بن جعفر يقول : سمعت أبي يقول:
الأوصياء إذا حملت بهم أمهاتهم أصابها فترة شبه الغشية، فأقامت في ذلك يومها ذلك إن كان نهارا "، أو ليلتها إن كان ليلا "، ثم ترى في منامها رجلا يبشرها بغلام عليم حليم فتفرح لذلك، ثم تنتبه من نومها فتسمع من جانبها الأيمن في جانب البيت صوتا يقول: حملت بخير، وتصيرين إلى خير، وجئت بجير، أبشري بغلام حليم عليم، وتجد خفة في بدنها، ثم تجد بعد ذلك اتساعا " من جنبيها وبطنها، فإذا كان لتسع من شهورها سمعت في البيت حسا " شديدا "، فإذا كانت الليلة التي تلد فيها ظهر لها في البيت نور تراه لا يراه غيرها
إلا أبوه، فإذا ولدته ولدته قاعدا "، وتفتحت له حتى يخرج متربعا "، ثم يستدير بعد وقوعه إلى الأرض، فلا يخطئ القبلة حيث كانت بوجهه، ثم يعطس ثلاثا " يشير بإصبعه بالتحميد، ويقع مسرورا " مختونا "، ورباعيتاه من فوق وأسفل وناباه وضاحكاه، ومن بين يديه مثل سبيكة الذهب نور، ويقيم يومه وليلته تسيل يداه ذهبا، وكذلك الأنبياء إذا ولدوا، وإنما الأوصياء أعلاق من الأنبياء.
أقول: سيأتي شرح الخبر مع سائر الأخبار في ذلك في كتاب الإمامة.
32 - عيون أخبار الرضا (ع): في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام من خلق الله من الأنبياء مختونا "؟ قال: خلق الله عز وجل آدم عليه السلام مختونا "، وولد شيث عليه السلام مختونا "، وإدريس ونوح وسام بن نوح وإبراهيم وداود وسليمان ولوط، وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله عليهم.
33 - العدد: روي أن قريشا " كانت في جدب شديد، وضيق من الزمان، فلما حملت آمنة بنت وهب برسول الله صلى الله عليه وآله اخضرت لهم الأرض، وحملت لهم الأشجار، وأتاهم الوفد من كل مكان، فأخصب أهل مكة خصبا عظيما "، فسميت السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وآله سنة الفتح والاستيفاء والابتهاج، ولم تبق كاهنة إلا حجبت عن صاحبها،
وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم يبق سرير لملك من الملوك إلا أصبح منكوسا "، والملك مخرسا " لا يتكلم يومه ذلك، وفي كل شهر من الشهور نداء من السماء أن أبشروا فقد آن لمحمد أن يخرج إلى الأرض ميمونا " مباركا ".
34 - العدد: عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعت آبائي يحدثون: كانت لقريش كاهنة يقال لها: جرهمانية، وكان لها ابن من أشد قريش عبادة للأصنام، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت إليها تابعتها، وقالت لها جرهمانية: حيل بيني وبينك، جاء النور الممدود الذي من دخل في نوره نجا، ومن تخلف عن نوره هلك، أحمد صاحب اللواء الأكبر، والعز الأبدي، وابنها يسمع، فلما كانت الليلة الثانية عاد بمثل قوله، ثم مر، فلما كانت الليلة الثالثة عاد بمثل قوله فقالت: ويحك ومن أحمد؟ قالت: ابن عبد الله بن عبد المطلب يتيم قريش صاحب الغرة الحجلاء، والنور الساطع، فلما تكلمت بهذا الكلام نظرت إلى صنمها يمشي مرة ويعدو مرة، ويقول: ويلي من هذا المولود، هلكت الأصنام، قال: فكانت الجرهمانية تنوح على نفسها بهذا الحديث.
35 - العدد: قيل: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أبو طالب لفاطمة بنت أسد: أي شئ خبرتك به آمنة أنها رأت حين ولدت هذا المولود؟ قالت: خبرتني أنها لما ولدته خرج معتمدا " على يده اليمنى، رافعا " رأسه إلى السماء، يصعد منه نور في الهواء حتى ملا الأفق، فقال لها أبو طالب: استري هذا، ولا تعلمي به أحدا "، أما إنك ستلدين مولودا " يكون وصيه.
36 - الكافي: علي بن محمد، عن عبد الله بن إسحاق العلوي، عن محمد بن زيد الرزامي، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: حججنا مع أبي عبد الله
عليه السلام السنة التي ولد فيها ابنه موسى عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال -: وذكرت حميدة أنه سقط من بطنها حين سقط واضعا " يده على الأرض، رافعا " رأسه إلى السماء، فأخبرتها أن ذلك أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمارة الوصي عليه السلام من بعده، فقال لي: إنه لما كانت الليلة التي علق فيها بجدي أتى آت جد أبي بكأس فيه شربة أرق من الماء، وألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من الثلج، وأبيض من اللبن، فسقاه إياه وأمره بالجماع، فقام فجامع فعلق بجدي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بأبي أتي آت جدي فسقاه كما سقى جد أبي وأمره بمثل الذي أمره، فقام فجامع فعلق بأبي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بي أتى آت أبي فسقاه بما سقاهم، وأمره بالذي أمرهم به، فقام فجامع فعلق بي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بابني أتاني آت كما أتاهم ففعل بي كما فعل بهم، فقمت بعلم الله، وإني مسرور بما يهب الله لي فجامعت فعلق بابني هذا المولود، فدونكم، فهو والله صاحبكم من بعدي، وإن نطفة الامام مما أخبرتك، وإذا سكنت النطفة في الرحم أربعة أشهر وأنشئ فيها الروح بعث الله تبارك وتعالى ملكا " يقال له:
حيوان فكتب على عضده الأيمن: (وتمت كلمة ربك صدقا " وعدلا " لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) ولاذا وقع من بطن أمه وقع واضعا " يديه على الأرض، رافعا " رأسه إلى السماء، فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم لله أنزله من السماء إلى الأرض، وأما رفعه رأسه إلى السماء فإن مناديا " ينادي به من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الاعلى باسمه واسم أبيه، يقول: يا فلان بن فلان أثبت تثبت، فلعظيم ما
خلقتك، أنت صفوتي من خلقي، وموضع سرى، وعيبة علمي، وأميني على وحيي، وخليفتي في أرضي، لك ولمن تولاك أوجبت رحمتي، ومنحت جناني، وأحللت جواري، ثم وعزتي وجلالي لأصلين من عاداك أشد عذابي، وإن وسعت عليه في دنياي من سعة رزقي، فإذا انقضي الصوت صوت المنادي أجابه هو واضعا " يديه، رافعا " رأسه إلى السماء يقول:
(شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولوا العلم قائما " بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) قال: فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الأول والعلم الاخر، واستحق زيارة الروح في ليلة القدر.
37 - أقول: روى الشيخ أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار عن أبي عمرو الشيباني وجماعة من أهل الحديث أن السحرة والكهنة والشياطين والمردة والجان قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يظهرون العجائب ويأتون بالغرائب، ويحدثون الناس بما يخفون من السرائر، ويكتمون في الضمائر، وتنطق السحرة والكهنة على ألسنة الجن والشياطين والمردة بما يسترقون من السمع من الملائكة، ولم تحجب السماء عن الشياطين حتى بعث النبي صلى الله عليه وآله.
قال البكري: ولقد بلغنا أنه كان بأرض اليمامة كاهنان عظيمان فاقا على أهل زمانهما في الكهانة ويتحدث الناس بهما في كل مكان، وكان أحدهما اسمه ربيعة بن مازن ويعرف بسطيح، وهو أعلم الكهان، والاخر اسمه وشق بن باهلة اليماني، فأما سطيح فإن الله تعالى قد خلقه قطعة لحم بلا عظم ولا عصب سوى جمجمة رأسه، وكان يطوى كما
يطوى الثوب، وينشر ويجعل على وضمة كما يجعل اللحم على وضمة القصاب، لا ينام من الليل إلا اليسير، يقلب طرفه إلى السماء، وينظر إلى النجوم الزاهرات، والأفلاك الدائرات، والبروق اللامعات، ويحمل على وضمه إلى الأمصار، ويرفع إلى الملوك في تلك الاعصار، يسألونه عن غوامض الاخبار، وينبئهم بما في قلوبهم من الاسرار، و يخبر بما يحدث في الزمان من العجائب، وهو ملقى على ظهره، شاخص ببصره، لا يتحرك منه غير عينيه ولسانه، وقد لبث دهرا " طويلا على هذه الحالة، فبينا هو كذلك ذات ليلة شاخصا " إلى السماء إذ لاحت له برقة مما يلي مكة ملأت الأقطار، ثم رأى الكواكب قد علا منها النيران، فظهر بها دخان، وتصادم بعضها ببعض، واحد بعد واحد.
حتى غابت في الثرى، فلم ير لها نور ولا ضياء، فلما نظر سطيح إلى ذلك دهش وحار وأيقن بالهلاك والدمار، وقال: كواكب تظهر بالنهار، وبرق يلمع بالأنوار، يدل على عجائب وأخبار، وظل يومه ذلك حتى انقضى النهار، فلما أدركه الليل أمر غلمانه أن يحملونه إلى موضع فيه جبل هناك، وكان شامخا " في الجبال، فأمرهم أن يرفعوه عليه، فجعل يقلب طرفه يمينا وشمالا "، فإذا هو بنور ساطع، وضياء لامع، قد علا على الأنوار، وأحاط على الأقطار، وملا الآفاق، فقال لغلمانه: انزلوني فإن
عقلي قد طار، ولبي قد حار، من أجل هذه الأنوار، وإني أرى أمرا " جليلا، وقد دنا مني الرحيل، بلا شك عن قليل، قالوا له: وكيف ظهر لك ذلك يا سطيح؟ قال: يا ويلكم إني رأيت أنوارا " قد نزلت من السماء إلى الأرض، وأرى الكواكب قد تساقطت إلى الأرض وتهافتت، وإني أظن أن خروج الهاشمي قد دنا، فإن كان الامر كذلك فالسلام على الوطن من أهل الأمصار واليمن، إلى آخر الزمن، فحار غلمانه من كلامه، وأنزلوه، وقد أرق تلك الليلة أرقا "، وأصبح قلقا "، لم يتهنأ برقاد، ولم يوطأ له مهاد، كثير الفكر والسهاد، وجمع قومه وعشيرته وقال لهم: إني أرى أمرا " عظيما "، وخطبا " جسيما "، وقد غاب عني خبره، وخفي علي أثره، وسأبعث إلى جميع إخواني من الكهان، فكتب إلى سائر البلدان، وكتب إلى وشق يخبره عن الحال، وبشرح له المقال، فرد عليه الجواب، قد ظهر عندي بعض الذي ذكرت، وسيظهر نور الذي وصفت، غير أني لا علم لي فيه، ولا أعرف شيئا " من دواعيه، فعند ذلك كتب إلى الزرقاء ملكة اليمن، وكانت من أعظم الكهنة والسحرة، قد ملكت قومها بشرها وسحرها، وكان المجاورون لها آمنين في معايشهم، لا يخافون من عدو، ولا يجزعون من أحد، وكانت حادة البصر، عظيمة الخطر، تنظر من مسيرة ثلاثة أيام، كما ينظر الانسان الذي بين يديه، وإذ أراد أحد من أعدائها الخروج إلى بلدها تخبر قومها، وتقول: احذروا فقد جاءكم عدوكم من جهة كذا وكذا، فيجدون الامر كما ذكرت.
قال أبو الحسن البكري: ولقد بلغني أن أهل اليمامة قتلوا قتيلا من غسان وكان قد قتل منهم رجلا قبل ذلك فبلغ قومه قتله فاجمعوا أن يكبسوا قومها في أربعة آلاف
مدرع، وقال لهم سيدهم من غسان: يا ويحكم أتطمعون في الدخول إلى اليمامة وفيها الزرقاء؟ أما تعلمون أنها تنظر إلى الوافدين، وتعاين، الواردين من البعد؟ فكيف إذا رأت ركائبكم قد أقبلت فتخبر قومها ويأخذون حذرهم وأنشأ يقول:
إني أخاف من الزرقاء وصولتها * إذا رأت جمعكم يسري إلى البلد ترميكم بأسود لا قوام لكم * بشرها ثم لا تبقي على أحد كم من جموع أتوها قاصدين لها * فراح جمعهم بالخوف والنكد فقالوا: ما الذي تشير به علينا؟ قال: رأيت رأيا وأنا أرجو أن يكون فيه الظفر إن ساعدني فيه القدر، قالوا: وما ذلك؟ قال: إني أقول لكم: أنزلوا عن خيلكم، ثم اعمدوا إلى الشجر، فيقطع كل واحد منكم ما يستره ثم تحملونه في أيديكم، ثم تقودون خيلكم، وتسيرون في ظل الشجر، فعسى أن يتغير عليها النظر، قالوا: نعم الرأي ما رأيت، ففعلوا ما قال حتى بقي بينهم وبين اليمامة ثلاثة أيام، جعلوا أمامهم رجلا معه كتف بعير يلوح به، ونعل يخصفه، لينكر عليها النظر، فلما نظرت إليهم الزرقاء وكانت في صومعتها صاحت بأعلا صوتها وقالت: يا أهل اليمامة أقبلوا، فأقبل إليها الناس وقالوا: ما عندك من خبر؟ قالت: إني رأيت عجبا " عجبيبا "، وأظن أن الملبسة تسير إلينا في ظل الشجر، وهم جمع كثير، يتقدمهم رجل في يده كتف بعير، ومعه
نعل يخصفه تارة "، وتارة " يلوح بكتف البعير، فلما سمعوا كلامها أعرضوا عنها وقال بعضهم لبعض: إن الزرقاء قد خرفت، وتغير نظرها، فهل رأيتم شجرا " يسير، ورجلا " يلوح بكتف بعير؟، إن هذا وسواس وجنون قد عارضها، فلما سمعت منهم ذلك أغلقت صومعتها، وكان لا يقدر عليها أحد قط، فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلا حتى كبسوا اليمامة، وهدموا البنيان، وسبوا النسوان، وقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال، ثم ولوا راجعين، فوقع بقومها الندامة، وأعقبتهم الملامة حيث لم يسمعوا منها وخالفوها.
ثم إن سطيحا " كتب إليها كتابا " يقول فيه: باسمك اللهم من سطيح، صاحب القول الفصيح، إلى فتاة اليمامة، المنعوتة بالشهامة من سطيح الغساني، الذي ليس له في عصره ثاني، أما بعد فإني كتبت إليك كتابي وأنا في هموم وسكرات، وغموم و خطرات، وقد تعلمين ما الذي يحل بنا من الدمار والهلاك ، من خروج التهامي الهاشمي الأبطحي العربي المكي المدني السفاك للدماء، وقد رأيت برقة لمعت، و كواكبا " سطعت وإني أظن أن ذلك من علاماته، ولا شك أنه قرب أوانه، وما كتبت إليك إلا بما أرى عندك من التحصيل، وما في نساء عصرنا لك من مثيل، فإذا ورد رسولي إليك وقدم كتابي عليك ردي جوابي بما عندك من الخطاب، وما ترينه من الصواب، فإنه لا يقر لي قرار، لا في الليل ولا في النهار، ولم أقف على هذه الدلائل والآثار والسلام.
ثم دعا بغلام له اسمه صبيح، وقال له: سر بهذا الكتاب إلى اليمامة، وأتني
بالجواب، فأخذ صبيح الكتاب ومضى به حتى صار بينه وبين اليمامة ثلاثة أيام فرمقته الزرقاء والكتاب في طي عمامته، فصاحت في قومها قد جاءكم راكب قاصد، إلى بلدكم وارد، قد أرسل زمام ناقته، والكتاب في طي عمامته، فجعل القوم يرتقبونه إلى أن وصل بعد ثلاثة أيام، فلما رأته انحدرت إليه، وفتحت الباب، فدفع إليها الكتاب، فقرأته ثم قالت: خبر قبيح، أتانا به صبيح، من كاهن اليمن سطيح، يسأل عن نور ساطع، وضياء لامع، ذلك ورب الكعبة من دلائل خراب الاطلال، ويتم الأطفال، فإنه يظهر من عبد مناف، محمد النبي بلا خلاف، قال صبيح: فتعجبت من كلامها، وطلبت الجواب، فكتبت: إلى سطيح يقول: بسم الله من الزرقاء الذي ليس عليها شئ يخفى، إلى سيد غسان، وأفضل الكهان، المعروف بسطيح، صاحب القول الفصيح، أما بعد فإنه ورد كتابك علي، وقدم رسولك لدي، تذكر أمرا " عظيما "، قد هجس بقلبك، واختلج بلبك،، أما نزول الكواكب فكأنك بآيات الهاشمي قد قربت، فإذا قرأت كتابي فأيقظ نفسك، واحذر من الغفلة والتقصير، وبادر إلى التشمير والمسير لنلتقي بمكة، فإني راحلة إليها لأعرف هذا الامر على حقيقته، فلعلنا نتساعد على هذا المولود، فنعمل فيه الحيلة عسى أن نظفر بهلاكه، ونخمد نوره قبل إشراقه، فلما قرء كتابها انتحب وبكى بكاء " شديدا "، ثم قال:
لا صبر لا صبر أضحى بعد معرفة * تعذو الجلادة كالمستضعف الوهن إن كان حقا " خروج الهاشمي دنا * فارحل بنفسك لا تبكي على اليمن ثم اجعل القفر أوطانا " تقيم بها * واغد عن الأهل ثم الدار والوطن فالعيش في مهمه من غير ما جزع * أهنأ من العيش في ذل وفي حزن قال: ثم أخذ في أهبة السفر، وخرج من ساعته إلى مكة، وقال لقومه: إني سائر إلى نار قد تأججت، فإن أدركت إخمادها رجعت إليكم، وإن كانت الأخرى فالسلام مني عليكم، فإني لاحق بالشام أقيم بها حتى أموت، فلما وصل مكة أقبل إلى سطيح رجال من قريش، وفيهم أبو جهل وأخوه أبو البختري وشيبة وعتبة بن أبي معيط والعاص بن وائل، فقالوا: يا سطيح ما قدمت إلا لأمر عظيم، ألك حاجة فتقضى؟ فقال لهم: بورك فيكم، ما لي يديكم حاجة، فقالوا له: تمضي معنا إلى منازلنا؟ فقال: بل أنزل عند من إليهم قصدت، ونحوهم أردت، وبفنائهم أنخت، وقد علمتم فضلي، وقد جئتكم أحدثكم بما كان وما يكون إلهاما " ألهمني الله بالصواب، وأنطقني بالجواب، فأين المتقدمون في العهد ومن لهم السابقة في الحمد والمجد؟ لقد أردت أفضل قريش من بني عبد مناف، فأنا لهم المبشر بالبشير النذير، والقمر المستنير، فقد قرب ما ذكرته، فأين عبد المطلب وسلالته الأشبال، فعظم ذلك على أبي جهل وتفرقوا عنه يمينا " وشمالا "، واتصل الخبر إلى بني عبد مناف، فجمع أبو طالب إخوته: عبد الله والعباس وحمزة وعبد العزى، وقال لهم: إن هذا القادم عليكم هو كاهن اليمن و
وسيدها، وكان قديما " ورد على أبيكم وأخبره بمولود يخرج من ظهره، مبارك في عمره، يملك الأقطار، ويدعو إلى عبادة الملك الجبار، فساروا إليه، وقال لهم:
أنكروه أنسابكم، ولا تعرفن أحسابكم، ثم إن أبا طالب سار في إخوته حتى وردوا إليه، وكان في ظل الكعبة جالسا "، والناس حوله، فلما نظر إليهم فرح بهم، ثم دفع أبو طالب سيفه ورمحه إلى غلامه وقال: هذه هدية مني إلى سطيح، فإنه لواجب الحق علينا، ثم انحرف إليه من قبل أن يخبره غلامه، فلما وصل إليه قال: حييت بالكرامة، وخلدت في النعمة، فإنا قد أتيناك زائرين، ولواجب حقك غير منكرين، فقال سطيح: حييتم بالسلام، وأتحفتم بالانعام، فمن أي العرب أنتم؟
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.