پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب ما يحصل من الأنواع للصلوات اليومية بحسب ما يعرض لها

باب وجوب الجمعة وفضلها وأورد الاخبار ولم يورد معارضا،

ج ۸۶، ص ۲۰۹–۲۳۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۸۶

(أما إذا صلى الجمعة أربع ركعات) والمشهور بين قدماء الأصحاب استحباب الجهر بالظهر يوم الجمعة، ونقل المحقق في المعتبر عن بعض الأصحاب المنع من الجهر بالظهر مطلقا وقال: إن ذلك أشبه بالمذهب وقال ابن إدريس: يستحب الجهر بالظهر إن صليت جماعة لا انفرادا، ويدفعه صريحا رواية زرارة، هنا، وحسنة الحلبي في التهذيب والأول أقوى.

55 - العروس: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي للامام الذي يخطب يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشتاء والصيف، ويتردى ببرد يمنية أو عبري، ويخطب وهو قائم.

ومنه: باسناده عن جعفر بن محمد قال: ليس على أهل القرى جماعة ولا خروج في العيدين.

ومنه: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: لا جمعة إلا في مصر يقام فيه الحدود.

بيان: روى الشيخ في التهذيب هذه الرواية عن طلحة بن زيد والذي قبله عن حفص بن غياث، والأول ضعيف على المشهور والثاني موثق، وحملهما الشيخ على التقية، لأنهما موافقان لمذاهب أكثر العامة، أو على حصول البعد بأكثر من فرسخين مع اختلال الشرايط عندهم، وورد هما في المنتهى بالضعف والحمل على

ما ذكر، وقال: المصر ليس شرطا في الجمعة وهو قول علمائنا، ثم قال: و قال أبو حنيفة: لا تجب على أهل السواد، وقال في الذكرى: ليس من شرط الجمعة المصر على الأظهر في الفتاوي، والأشهر في الروايات، ثم قال: وقال ابن أبي عقيل: صلاة الجمعة فرض على المؤمنين حضورها مع الامام في المصر الذي هو فيه، و حضورها مع أمرائه في الأمصار والقرى النائية عنه، وفي المبسوط لا تجب على أهل البادية والأكراد، لأنه لا دليل عليه ثم قال: لو قلنا إنما تجب عليهم أما إذا حضر العدد لكان قويا انتهى.

واستدلال جماعة بالخبرين على اشتراط الامام طريف.

56 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: لما سوى رسول الله صلى الله عليه وآله الصفوف بأحد قام فخطب الناس فقال: أيها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، وساق الخطبة إلى أن قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه بالجمعة يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا، ومن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد الخبر.

بيان: قال في النهاية : استغنى الله عنه أي أطرحه الله، ورمى به من عينه فعل

من استغنى عن الشئ فلم يلتفت إليه، وقيل جزاه جزاء استغنائه عنها كقوله تعالى:

(نسوا الله فنسيهم).

57 - رسالة الجمعة: في أعمال الجمعة للشهيد الثاني قال: قال النبي صلى الله عليه وآله الجمعة حج المساكين.

وكان سعيد بن المسيب يقول: الجمعة أحب إلى من حجة تطوع.

وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقرأ في الجمعة في الركعة الأولى بسورة الجمعة ليحرض بها المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين ليفزع بها المنافقين.

وقال: من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام.

وقال عليه السلام: من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، و لبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كان كفارة لما بينهما، ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له طهرا.

وقال: من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت لا جمعة له.

وقال: من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج يأتي المسجد، ولم يتخط رقاب الناس، ثم يركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت أما إذا خرج الامام، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها.

وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله برد يلبسه في العيدين والجمعة سوى ثوب مهنته.

وفي حديث آخر عنه عليه السلام: إن الله وملائكة يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة.

وقال عليه السلام: أما إذا كان يوم الجمعة كان على باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الامام طووا الصحف وجاؤوا يستعملون الذكر.

وقال عليه السلام: يجلس الناس من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات الأول والثاني والثالث.

قوله: (من الله) أي من كرامة ونحوها.

وقال عليه السلام: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، وإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.

وعن الباقر عليه السلام قال: يجلس الملائكة يوم الجمعة على باب المسجد فيكتبون الناس على قدر منازلهم الأول والثاني، حتى يخرج الامام.

وروى عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فضل الله الجمعة على غيرها من الأيام، وإن الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن أتاها، وإنكم لتتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة، وإن أبواب السماء لتفتح لصعود أعماد العباد. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام واستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها.

وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله: مشيك إلى المسجد وانصرافك إلى أهلك في الاجر سواء.

وعنه صلى الله عليه وآله أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة.

وعنه صلى الله عليه وآله: أما إذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يغير الجمعة.

وعن سهل بن سعيد قال: كنا لا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، وكنا نصلي

مع النبي صلى الله عليه وآله الجمعة، ثم تكون القائلة.

وعن النبي صلى الله عليه وآله من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره، ولا تقضى له حاجة.

وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب يوم الجمعة يودعه لسفر فقال: لا تعجل حتى تصلي فقال: أخاد أن تفوتني أصحابي، ثم عجل فكان سعيد يسأل عنه حتى قدم قوم فأخبروه أن رجله انكسرت. فقال سعيد: إني كنت لأظن أنه سيصيبه ذلك.

وروي أن صيادا كان يخرج في الجمعة لا يحرجه مكان الجمعة من الخروج فخسف به وببغلته فخرج الناس وقد ذهبت بغلته في الأرض، فلم يبق منها إلا اذناها وذنبها.

وروي أن قوما خرجوا إلى سفر حين حضرت الجمعة فاضطرم عليهم خباؤهم نارا من غير نار يرونها.

وعن سلمان الفارسي - ره - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هو اليوم الذي جمع الله فيه بين أبويكم، لا يبقى منا عبد فيحسن الوضوء ثم يأتي المسجد لجمعة إلا كانت كفارة لما بينها و بين الجمعة الأخرى ما اجتنب الكبائر.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله النهي عن الاحتباء وقت الخطبة، قيل: والمعني فيه أن الحبوة تجلب النوم فتعرض طهارته للنقض ويمنع من استماع الخطبة.

وعنه صلى الله عليه وآله قال: إن لكم في كل جمعة حجة وعمرة، فالحجة الهجرة إلى الجمعة، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة.

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إذا راح منا سبعون رجلا إلى الجمعة كان كسبعين من قوم موسى الذين وفدوا إلى ربهم وأفضل.

بيان: قال في النهاية: فيه ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته أي بذلته وخدمته، والرواية بفتح الميم وقد تكسر وخطأ الزمخشري الكسر انتهى (غسل الجنابة) أي كغسلها ويحتمل الحقيقة كما يظهر استحباب الجماع قبل الذهاب إلى الجمعة من بعض روايات العامة.

قوله عليه السلام: (غسل يوم الجمعة واغتسل) قال في النهاية: ذهب كثير من الناس إلى أن (غسل) أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة، لان ذلك يجمع غض الطرف في الطريق يقال غسل الرجل امرأته بالتشديد وبالتخفيف أي جامعها وقد روي مخففا وقيل: أراد غسل غيره واغتسل هو لأنه أما إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل وقيل: أراد بالغسل غسل أعضائه للوضوء، ثم يغتسل للجمعة، وقيل: هما بمعنى واحد كرر للتأكيد انتهى، وقال بعضهم غسل معناه غسل الرأس خاصة، لان العرب لهم شعور يبالغون في غسلها فأفردها بالذكر، واغتسل يعني غسل سائر جسده.

أقول: ويحتمل أن يراد به غسل الرأس بالخطمي والسدر أو غسل الثياب.

(وبكر وابتكر) قال في النهاية بكر إلى الصلاة أتى أول وقتها، وكل من أسرع إلى شئ فقد بكر إليه، وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شئ باكورته، وابتكر الرجل أما إذا أكل باكورة الفواكه.

وقيل: معنى اللفظين واحد فعل وافتعل، وإنما كررا للمبالغة والتوكيد، كما قالوا جاد مجدا انتهى، وقال بعضهم: معنى بكر أي تصدق قبل خروجه كما في الحديث، باكروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها.

أقول: هذه الأخبار أكثرها عامية أوردناها تبعا للشيخ المتقدم ذكره قدس الله لطيفه.

58 - المكارم: عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله عليا: يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة، ولا أذان ولا إقامة ولا تسمع

الخطبة ولا تخرج من بيت زوجها إلا باذنه الخبر.

59 - المحاسن: عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن إبراهيم بن يحيى المديني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالخروج في السفر ليلة الجمعة.

60 - الكشي: عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن محمد بن حكيم وغيره، عن محمد بن مسلم، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله في الجمعة قال: أما إذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فلهم أن يجمعوا.

61 - المعتبر: نقلا من جامع البزنطي، عن داود بن الحصين، عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا جمعة إلا بخطبة، وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين.

62 - المتهجد: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الجمعة قال: وقتها أما إذا زالت الشمس، فصل ركعتين قبل الفريضة، فان أبطأت حتى يدخل الوقت هنيئة فابدأ بالفريضة، ودع الركعتين حتى تصليهما بعد الفريضة.

ومنه: عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقت الصلاة فقال: وجعل لكل صلاة وقتين إلا الجمعة في السفر والحضر، فإنه عليه السلام قال: وقتها أما إذا زالت الشمس، وهي فيما سوى الجمعة، لكل صلاة وقتان، وقال:

إياك أن تصلي قبل الزوال، فوالله ما أبالي بعد العصر صليتها أو قبل الزوال.

وعن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة تحافظ عليها فأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يسأل الله تعالى عبد فيها خيرا إلا أعطاه الله.

وروى حريز قال: سمعته يقول: أما أنا أما إذا زالت الشمس يوم الجمعة بدأت بالفريضة، وأخرت الركعتين أما إذا لم أكن صليتهما.

ومنه: روى ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إني لأحب للرجل أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع، ولو مرة، وأن يصلي الجمعة في جماعة.

بيان: قد يستدل بهذا الخبر على الوجوب التخييري لصلاة الجمعة، لقوله (لأحب) وهو ظاهر في الاستحباب، ولذكرها مع المتعة وهي مستحبة اتفاقا، والجواب أن قوله: (لأحب) لا ظهور له في الاستحباب بحيث يصلح لتخصيص تلك العمومات ولذا ضمها مع مستحب لا دلالة فيه على الاستحباب، بل هو نكتة باعثة للتعبير عنهما بقوله: (لأحب) ليشملهما.

على أنه لا ريب أن للجمعة أفرادا واجبة، وأفرادا مستحبة كمن بعد بأزيد من فرسخين والأعمى والمريض والمسافر، وساير من تقدم ذكره، فلو لم يمكن حملها على الواجبة فلتحمل على الافراد المستحبة، ولا تعيين في الرواية أن أي فرد من أفرادها المستحبة أريد بها، حتى يتعين حملها عليه، مع أنه يمكن حملها على الصلاة مع المخالفين تقية جمعا بين الاخبار.

63 - المتهجد: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، قال: ما بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف بالناس، وساعة أخرى من آخر النهار إلى غروب

الشمس.

64 - المجالس والخصال للصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن الحسين البرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن ابن علي عليه السلام في حديث طويل قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما سأله أخبرنا عن سبع خصال أعطاك الله من بين النبيين، وأعطى أمتك من بين الأمم فقال: أعطاني الله عز وجل فاتحة الكتاب، والاذان، و الجماعة في المسجد، ويوم الجمعة، والصلاة على الجنايز، والاجهار في ثلاث صلوات والرخصة لامتي عند الأمراض والسفر، والشفاعة لأصحاب الكبائر من أمتي قال: صدقت يا محمد فما جزاء من فعل هذه الأشياء؟ وساق الحديث إلى أن قال.

قال: وأما يوم الجمعة فيوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فما من مؤمن مشى فيه إلى الجمعة، إلا خفف الله عليه أهوال يوم القيامة، ثم يؤمر به إلى الجنة.

65 - الصحيفة السجادية: وكان من دعائه عليه السلام في يوم الأضحى ويوم

الجمعة:

اللهم هذا يوم مبارك ميمون، والمسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السائل منهم والطالب والراغب والراهب - إلى قوله - اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك، ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك - إلى قوله - حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين، يرون حكمك مبدلا، وكتابك منبوذا - إلى قوله عليه السلام - وعجل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم إلى آخر الدعاء.

بيان: لا يخفى على العارف بأساليب البلاغة أن هذا الدعاء يدل على مطلوبية اجتماع المؤمنين في الجمعة والأعياد للصلاة والدعاء، والسؤال والرغبة، وبث الحوائج في جميع الأحوال والأزمان، لأنه معلوم أن أدعية الصحيفة الشريفة مما أملاها عليه السلام لتقرأها الشيعة إلى آخر الدهر، وهي كالقرآن المجيد من البركات المستمرة إلى يوم الوعيد.

ووجه الدلالة أنه ذكر في وصف اليوم وبيان فضله أن المسلمين يجتمعون في أقطار الأرض، ومعلوم أن اجتماعهم كانوا لصلاة الجمعة والعيد، ولم يكونوا مأذونين منه عليه السلام لغاية خوفه واختفائه، وكذا الأزمان بعده إلى زمان القائم، فلابد من مصداق لهذا الاجتماع في زمانه عليه السلام وأكثر الأزمان بعده، حتى يحسن تعليمهم مثل هذا الدعاء.

ولما كان في البلاد الذي كان فيه حاضرا فارغا لم يجز لغيره التقدم عليه أشار إلى خصوص هذا المقام فقال عليه السلام: (إن هذا المقام لخلفائك) وشكى إلى الله سبحانه ذلك، أو أنه لما كان من الحكم العظيمة للجمعات والأعياد ظهور دولتهم عليهم السلام و تمكنهم، وأمرهم ونهيهم، وإرشادهم، وكان في تلك الأزمان الامر بعكس ذلك تظهر فيها دولة المتغلبين والغاصبين، وتقوى فيها بدعهم وإضلالهم، فأشار بتلك المناسبة

إلى الخلافة الكبرى التي ادعوها وابتزوها وغصبوها.

فان قيل ذكر اجتماعهم لا يدل على رجحان بل هو بيان لأمر واقعي، قلنا معلوم من سياق الكلام حيث ذكر لبيان كرامة اليوم وشرافته، ولتمهيد الدعاء وإدخال نفسه المقدسة في جملتهم إما تواضعا أو تعليما أنه في مقام التحسين والتجويز، ولو كان اجتماعهم كذلك بدعة وحراما لكان مثل أن يقول أحد: اللهم إن هذا يوم مبارك يجتمع فيه الناس في أقطار الأرض لشرب الخمور وضرب الدفوف والمعازف واللعب بالقمار والملاهي، ويطلبون حوائجهم فأسئلك أن توفر حظي ونصيبي منه.

والعجب أن جماعة من المانعين استدلوا بالعبارة الأخيرة على عدم وجوب صلاة الجمعة في أزمنة الغيبة، بل بعضهم على حرمتها، حيث قالوا: هذا المقام إشارة إلى إمامة الجمعة والعيد والخطبة وقوله: (لخلفائك) يدل على الاختصاص بهم وكذا قوله (قد اختصصتهم بها) وقوله: (قد ابتزوها) فان الابتزاز هو الاستلاب والاخذ قهرا.

والجواب أما أولا فبما عرفت أن المشار إليه بهذا المقام يحتمل أن يكون الخلافة الكبرى، لظهور آثارها في هذا اليوم، بقرينة قوله بعد ذلك (حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا و فرائضك محرفة من جهات إشراعك، وسنن نبيك متروكة) إذ ظاهر أن الأمور المذكورة مما يترتب على الولاية الكبرى، والخلافة العليا.

وثانيا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى الصلاة والخطبة، يمكن إرجاعه إلى الصلاة المخصوصة ، إذ إرجاع الضمير إلى الخاص أولى من إرجاعه إلى العام المتحقق في ضمن الخاص، كما أما إذا أشير إلى هذا بزيد وأريد به زيد أو الانسان المتحقق في ضمنه، وظاهر أن الأول أظهر وأحق بكونه حقيقة، والصلاة المخصوصة كانت صلاة [محرمة] ظ لحضور الامام بغير إذنه عليه السلام مع قهره عليه السلام على الحضور والاقتداء به، فلا يدل على المنع من غيرها.

وثالثا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى مطلق الصلاة يكفي لصدق الاختصاص المستفاد من اللام كونهم أحق بها في الجملة، مع أنه قد حقق المحقق الدواني في حواشيه على شرح المختصر العضدي أن هذا الاختصاص ليس بمعنى الحصر بل يكفي فيه ارتباط مخصوص، كما يقال: الجل للفرس وقد حققنا ذلك في الفرائد الطريفة في شرح الحمد لله.

وقوله: (ابتزوها) في بعض النسخ على بناء الفاعل، وفي بعضها على بناء المفعول، فعلى الأول ظاهر أن الضمير المرفوع راجع إلى خلفاء الجور، وأتباعهم الغاصبين لحقوقهم، وعلى الثاني أيضا المراد ذلك لان شيعتهم ومواليهم الذين يفعلونها إطاعة لأمرهم، وإحياء لذكرهم، لا يصدق عليهم أنهم ابتزوها منهم، كما أن النائب الخاص خارج منهم اتفاقا.

ورابعا بأنه يمكن تعميم الخلفاء والأصفياء والامناء بحيث تشمل فقهاء الشيعة ورواة أخبار الأئمة، كما روى الصدوق وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله اللهم ارحم خلفائي قيل له: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي: يروون حديثي وسنتي، وفي رواية أخرى زاد فيه: ويعلمون الناس بعدي، لكن في هذا الوجه بعد، نعم لا يبعد حمل الامناء بل الأصفياء على الشيعة، لا سيما علماؤهم، والتأسيس أولى من التأكيد.

* (تتميم) * أقول: جملة القول في هذا المسألة التي تحيرت فيها الأوهام، واضطرب فيها الاعلام، أنه لا أظن عاقلا يريب في أنه لو لم يكن الاجماع المدعى فيها، لم يكن لاحد مجال شك في وجوبها على الأعيان في جميع الأحيان والأزمان كما في ساير الفرائض الثابتة بالكتاب والسنة فكما ليس لأحد أن يقول لعل وجوب صلاة العصر وزكاة الغنم مشروطان بوجود الامام وحضوره وإذنه، كذا ههنا لعدم الفرق بين الأدلة الدالة عليها.

لكن طرأ ههنا نقل إجماع من الشيخ وتبعه جماعة ممن تأخر عنه كما هو دأبهم في ساير المسائل، فهو عروتهم الوثقى، وحجتهم العظمى، به يتصاولون،

وعليه يتطاولون، فاشتهر في الأصقاع، ومالت إليه الأطباع، والاجماع عندنا على ما حققه علماؤنا رضوان الله عليهم في الأصول هو قول جماعة من الأمة يعلم دخول قول المعصوم في أقوالهم، وحجيته إنما هو باعتبار دخول قوله عليه السلام، فهو كاشف عن الحجة، والحجة إنما هي قوله عليه السلام.

قال المحقق - ره - في المعتبر: وأما الاجماع فهو عندنا حجة بانضمام قول المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما، بل باعتبار قوله، ولا تغتر أما إذا بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الأصحاب مع جهالته قول الباقين، إلا مع العلم القطعي بدخول الامام في الجملة انتهى.

والاجماع بهذا المعنى لا ريب في حجيته على فرض تحققه، والكلام في ذلك.

ثم إنهم قدس الله أرواحهم لما رجعوا إلى الفروع، كأنهم نسوا ما أسسوه في الأصول فادعوا الاجماع في أكثر المسائل، سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا، وافق الروايات المنقولة فيها أم لا حتى أن السيد رضي الله عنه وأضرابه كثيرا ما يدعون الاجماع فيما يتفردون في القول به، أو يوافقهم عليه قليل من أتباعهم، وقد يختار هذا المدعي للاجماع قولا آخر في كتابه الاخر، وكثيرا ما يدعي أحدهم الاجماع على مسألة ويدعى غيره الاجماع على خلافه.

فيغلب الظن على أن مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأصول بأن سموا الشهرة عند جماعة من الأصحاب إجماعا كما نبه عليه الشهيد - ره - في الذكرى وهذا بمعزل عن الحجية ولعلهم إنما احتجوا به في مقابلة المخالفين ردا عليهم أو تقوية لغيره من الدلائل التي ظهرت لهم.

ولا يخفى أن في زمان الغيبة لا يمكن الاطلاع على الاجماع، إذ مع فرض

إمكان الاطلاع على مذاهب جميع الامامية، مع تفرقهم وانتشارهم في أقطار البلاد، والعلم بكونهم متفقين على مذهب واحد، لا حجة فيه، لما عرفت أن العبرة عندنا بقول المعصوم، ولا يعدم دخوله فيها.

وما يقال: من أنه يجب حينئذ على المعصوم أن يظهر القول بخلاف ما أجمعوا عليه، لو كان باطلا، فلو لم يظهر ظهر أنه حق، لا يتم، سيما أما إذا كانت في روايات أصحابنا رواية بخلاف ما أجمعوا عليه، إذ لافرق بين أن يكون إظهار الخلاف على تقدير وجوبه بعنوان أنه قول فقيه، وبين أن يكون الخلاف مدلولا عليه بالرواية الموجودة في روايات أصحابنا.

بل قيل إنه على هذا لا يبعد القول أيضا بأن قول الفقيه المعلوم النسب أيضا يكفي في ظهور الخلاف، وإن كان في زمان الحضور، أي ادعوا أنه يتحقق الاجماع في زمان حضور إمام من الأئمة عليهم السلام، فإن لم يعلم دخول قول الإمام بين أقوالهم فلا حجية فيه أيضا، وإن علم فقوله كاف، ولا حاجة إلى انضمام الأقوال الأخر إلا أن لا يعلم الامام بخصوصه، وإنما يعلم دخوله لأنه من علماء الأمة، وهذا فرض نادر يبعد تحققه في زمان من الأزمنة.

وأيضا دعوى الاجماع إنما نشأ في زمن السيد والشيخ ومن عاصرهما ثم تابعهما القوم، ومعلوم عدم تحقق الاجماع في زمانهم، فهم ناقلون عمن تقدمهم فعلى تقدير كون المراد بالاجماع هذا المعنى المعروف، لكان في قوة خبر مرسل، فكيف يرد به الأخبار الصحيحة المستفيضة، ومثل هذا يمكن أن يركن إليه عند الضرورة، وفقد دليل آخر أصلا.

وما قيل من أن مثل هذا التناقض والتنافي الذي يوجد في الاجماعات يكون في الروايات أيضا، قلنا: حجية الاخبار ووجوب العمل بها مما تواترت به الاخبار، و استقر عليه عمل الشيعة، بل جميع المسلمين في جميع الأعصار، بخلاف الاجماع الذي لا يعلم حجيته ولا تحققه، ولا مأخذه ولا مراد القوم منه، وبالجملة من تتبع موارد الاجماعات وخصوصياتها، اتضح عليه حقيقة الامر فيها.

وأما الاجماع المدعى ههنا بخصوصه ، فله جهات مخصوصة من الضعف.

منها تحقق الخلاف في المسألة من الشيخ المفيد الذي هو أفضل وأقدم، والكليني والصدوق وأبي الصلاح والكراجكي فكيف يقبل دعوى الاجماع مع ذلك، و مع أنهم عللوا الاجماع هنا بعلة ضعيفة بخلاف ساير الاجماعات.

قال في المعتبر: والبحث في مقامين أحدهما في اشتراط الامام أو نائبه، والمصادمة مع الشافعي ومعتمدنا فعل النبي صلى الله عليه وآله فإنه كان يعين لصلاة الجمعة وكذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء، فكما لا يصح أن يصب الانسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام كذا إمامة الجمعة، وليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الاعصار، فمخالفته خرق للاجماع انتهى.

وقال الشهيد الثاني: مع تسليم اطراده في جميع الأزمنة نمنع دلالته على الشرطية، بل هو أعم منها، والعام لا يدل على الخاص، والظاهر أن تعيين الأئمة إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة، ورد الناس إليه بغير تردد، و اعتمادهم على تقليده بغير ريبة، واستحقاقه من بيت المال لسهم وافر من حيث قيامه بهذه الوظيفة الكبيرة من أركان الدين.

ويؤيد ذلك أنهم يعينون لامامة الصلوات اليومية أيضا، والاذان وغيرهما من الوظائف الدينية مع عدم اشتراطها باذن الامام باجماع المسلمين، ولم يزل الامر مستمرا في نصب الأئمة للصلوات الخمس والاذان ونحوهما أيضا من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا من الخلفاء والسلاطين، وأئمة العدل والجور، كل ذلك لما ذكرنا من الوجه، لا للاشتراط، وهذا أمر واضح، لا يخفى على منصف انتهى.

ومنها أن ظاهر كلام أكثرهم أن هذا الشرط إنما هو عند حضور الامام، والتمكن منه كما أومأ إليه المحقق، حيث شبهه بالقضاء، فان التعيين في القضاء عندهم إنما هو عند حضور الامام، وأما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه.

قال الشهيد الثاني روح الله روحه: إن الذي يدل عليه كلام الأصحاب أن موضع الاجماع المدعى إنما هو حال حضور الامام، وتمكنه، والشرط المذكور حينئذ إنما هو إمكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة لأنهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب ويدعون الاجماع عليه أولا، ثم يذكرون حال الغيبة وينقلون الخلاف فيه، ويختارون جوازها حينئذ أو استحبابها، معترفين بفقد الشرط.

هكذا عبروا به عن المسألة، وصرحوا به في الموضعين، فلو كان الاجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع، لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك، بل اختيار جواز فعلها بدونه أيضا فإنهم يصرحون بأنه شرط للوجوب، ثم يذكرون الحكم بعد الغيبة، ويجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب وهو دليل بين على أن الوجوب الذي يجعلونه مشروطا بالامام عليه السلام وما في معناه إنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العيني حين حضوره، بناء منهم على أن ما عداه لا يسمونه واجبا، وإن أمكن إطلاقه عليه من حيث أنه واجب تخييري، وعلى هذا الوجه يسقط الاستدلال بالاجماع في موضع النزاع، لو تم في غيره.

ومنها أن كلامهم في الاذن مشوش، فبعض كلماتهم يدل على الاذن لخصوص الشخص، لخصوص الصلاة، أو لما يشملها، وبعضها على الاذن الشامل للاذن العام للفقيه، وبعضها على الأعم من ذلك حتى يشمل كل من يصلح للإمامة، فتسقط فائدة النزاع.

قال الشيخ في الخلاف بعد أن اشترط أولا في الجمعة الامام أو نائبه، ونقل فيه الاجماع ما هذا لفظه: فان قيل أليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم أنه يجوز لأهل القرى والسواد من المؤمنين أما إذا اجتمعوا العدد الذي ينعقد بهم أن يصلوا جمعة؟

قلنا: ذلك مأذون فيه ومرغب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الامام من يصلي بهم انتهى.

فظهر أن الاذن الذي ادعي الاجماع على اشتراطه يشمل الاذن العام لسائر

من يمكنه أن يأتي بها، فيرد عليه أنه لا ريب أن أصل صلاة الجمعة كانت واجبة عينا والباعث على عدم وجوبها في زمان الغيبة باعتقادكم عدم الإذن، فإذا قام الاذن العام مقام النصب الخاص، فأي مانع من الوجوب العيني؟ ولذا حمل كلامه هذا جماعة على الوجوب العيني، وقالوا مأذون فيه ومرغب فيه، لا ينافي ذلك لما رأوا أنه يلزمه ذلك وإن كان بعيدا من كلامه.

وقال - ره - في المبسوط: وأما الشروط الراجعة إلى صحة الانعقاد، فأربعة:

السلطان العادل أو من يأمره السلطان، وقال بعد ذلك بجواز صلاة الجمعة في زمان الغيبة، وبينهما تناف ظاهرا، ويمكن أن يوجه بوجهين أحدهما تخصيص الأول بزمان الحضور، والثاني أن يقال: من يأمره السلطان أعم من أن يكون منصوبا بخصوصه أو مأذونا من قبلهم، ولو بالألفاظ العامة على ما استفيد من الخلاف.

وقال العلامة قدس سره في المختلف بعد ما حكى المنع من ابن إدريس:

والأقرب الجواز، ثم استدل بعموم الآية والاخبار، ثم حكى حجة ابن إدريس على المنع بأن شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه الامام إجماعا، ثم قال: والجواب بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع، وأيضا فانا نقول بموجبه لان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام على العموم انتهى.

والذي يغلب على الظن ولعله ليس من بعض الظن أن الذي دعى القوم إلى دعوى الاجماع على اشتراط الاذن أحد أمرين:

الأول إطباق الشيعة على ترك الاتيان بها علانية في الاعصار الماضية خوفا من المخالفين، لأنهم كانوا يعينون لذلك أئمة مخصوصين في البلاد، ولم يكن يتمكن أحد من الاتيان بها إلا معهم، وكان يلزم المشاهير من العلماء الحضور في مساجدهم ولو كانوا يفعلون في بيوتهم كان نادرا مع نهاية السعي في الاستتار، فظن أن تركهم إنما هو لعدم الاذن.

الثاني أن المخالفين كانوا يشنعون عليهم بترك الجمعة، ولم يمكنهم الحكم بفسقهم وكفرهم، فكانوا يتعذرون بعدم إذن الإمام، وعدم حضوره دفعا لتشنيعهم، و

كان غرضهم عدم الإذن للتقية، وعلى هذا يظهر وجه تشويش كلام الشيخ وتنافر أجزائه كما لا يخفى على المتأمل.

فاعتبر أيها العاقل الخبير أنه يجوز لمنصف أن يعول على مثل هذا الاجماع مع هذا التشويش والاضطراب، والاختلاف بين ناقليه، مع ما عرفت مع ما في أصله من البعد والوهن، ويعرض عن مدلولات الآيات والاخبار الصريحة الصحيحة، وهل يشترط في التكليف بالكتاب والسنة عمل الشيخ ومن تأخر عنه إلى زمان الشهيد حيث يعتبر أقوال أولئك ولا يعتبر أقوال هؤلاء، مع أنه لا ريب أن هؤلاء أدق فهما وأذكى ذهنا وأكثر تتبعا منهم، ونرى أفكارهم أقرب إلى الصواب في أكثر الأبواب وابتداء الفحص والتدقيق وترك التقليد للسلف نشأ من زمان الشهيد الأول قدس الله لطيفه، وإن أحدث المحقق والعلامة شيئا من ذلك.

قال الشهيد الثاني نور الله ضريحه في كتاب الرعاية: إن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ، كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنهم به، فلما جاء المتأخرون، وجدوا أحكاما مشهورة، قد عمل بها الشيخ ومتابعوه، فحسبوها شهرة بين العلماء، وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ، وأن الشهرة إما حصلت بمتابعته، ثم قال: وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي والسيد رضي الدين بن طاوس وجماعة.

قال السيد في كتابه المسمى بالبهجة الثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح ورام ابن أبي فراس قدس الله روحه: أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للامامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك، وقال السيد عقيب ذلك: والآن قد ظهر أن الذي يفتى به

ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين.

وقال طيب الله مضجعه في رسالة صلاة الجمعة، بعد أن أورد بعض الأخبار الدالة على وجوبها: فهذه الأخبار الصحيحة الطرق، والواضحة الدلالة، التي لا يشوبها شك ولا يحوم حولها شبهة من طريق أهل البيت في الامر بصلاة الجمعة، و الحث عليها، وإيجابها على كل مسلم عدا ما استثني، والتوعد على تركها بالطبع على القلب الذي هو علامة الكفر، والعياذ بالله، كما نبه عليه تعالى في كتابه العزيز، وتركت غيرها من الاخبار حسما لمادة النزاع ودفعا للشبهة العارضة في الطريق.

وليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام، ولامن نصبه، ولا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة، فكيف ينبغي للمسلم الذي يخاف الله أما إذا سمع مواقع أمر الله ورسوله وأئمته بهذه الفريضة، وايجابها على كل مسلم أن يقصر في أمرها، ويهملها إلى غيرها، ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها، وأمر الله تعالى ورسوله وخاصته عليهم السلام أحق، ومراعاته أولى، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

ولعمري لقد أصابهم الأول، فليرتقبوا الثاني إن لم يعف الله ويسامح، نسأل الله تعالى العفو والعافية.

وقد يحصل من هذين أن من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء الله تعالى وأمره في الآية الكريمة، بهذه الفريضة العظيمة، وتهديده عن الالهاء عنها، ومن كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي صلى الله عليه وآله وقول الأئمة أنها واجبة على كل مسلم، ومن كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى: (من يفعل ذلك) يعني الالهاء عنها (فأولئك هم الخاسرون) وقولهم عليهم السلام من تركها على هذا الوجه طبع الله على قلبه لان (من) موضوعه لمن يعقل إن لم يكن أعم.

فاختر لنفسك واحدا من هذه الثلاث، وانتسب إلى اسم من هذه الأسماء أعني الايمان أو الاسلام أو العقل، وادخل تحت مقتضاه، أو التزم قسما رابعا إن شئت،

نعوذ بالله من قبح المدلة وتيه الغفلة.

ثم قال - ره - بعد ما بين حقيقة الاجماعات المنقولة، وضعف الاحتجاج بها لا سيما المنقول منها بخبر الواحد: والله تعالى شهيد وكفى بالله شهيدا أن الغرض من كشف هذا كله ليس إلا تبيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذي يألفه الأنام، ولو لاه لكان عنه أعظم صارف، والله تعالى يتولى أسرار عباده، ويعلم حقايق أحكامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ثم قال: حتم ونصيحة: أما إذا اعتبرت ما ذكرناه من الأدلة على هذه الفريضة المعظمة، وما ورد من الحث عليها في غير ما ذكرناه مضافا إليه، وما أعده الله من الثواب الجزيل عليها، وعلى ما يتبعها ويتعلق بها يوم الجمعة من الوظائف و الطاعات وهي نحو مائة وظيفة، وقد أقررنا عيونها في رسالة مفردة ذكرنا فيها خصوصيات يوم الجمعة، ونظرت إلى شرف هذا اليوم المذخور لهذه الأمة، كما جعل لكل أمة يوما يفرغون إليه، وفيه يجتمعون على طاعته، واعتبرت الحكم الإلهية الباعثة على الامر بهذا الاجتماع، وإيجاب الخطبة المشتملة على الموعظة، وتذكير الخلق بالله تعالى، وأمرهم بطاعته، وزجرهم عن معصيته، وتزهيدهم في هذه الدار الفانية، وترغيبهم في الدار الآخرة الباقية، المشتملة على ما لا عين رأت ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحثهم على التخلق بالأخلاق الحميدة، واجتناب الصفات الرذيلة، وغير ذلك من المقاصد الجميلة، كما يطلع عليها من طالع الخطب المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وغيرهما من الأئمة الراشدين والعلماء الصالحين.

علمت أن هذا المقصد العظيم الجليل لا يليق من الحكيم إبطاله، ولا يحسن من العاقل إهماله، بل ينبغي بذل الهمة فيه، وصرف الحيلة إلى فعله، وبذل الجهد في تحصيل شرائطه ورفع موانعه، ليفوز بهذه الفضيلة الكاملة، ويحوز هذه المثوبة الفاضلة.

ثم أورد - ره - أخبارا كثيرة دالة على فضل يوم الجمعة وعباداتها وصلاة الجمعة

والمباكرة إليها، وأن الصلاة أشرف العبادات وأن الصلاة الوسطى من بينها أفضلها.

ثم قال: وأصح الأقوال أنها صلاة الظهر، وصلاة الظهر يوم الجمعة هي صلاة الجمعة على ما تحقق أو هي أفضل فرديها على ما تقرر، فقد ظهر من جميع المقدمات القطعية أن صلاة الجمعة أفضل الأعمال الواقعة من المكلفين بعد الايمان مطلقا، وأن يومها أفضل الأيام، فكيف يسع الرجل المسلم الذي خلقه الله لعبادته، وفضله على جميع بريته، وبين له مواقع أمره ونهيه، وعرضه لتحصيل السعادات الأبدية والكمالات النفسية السرمدية، وأرشده إلى هذه العبادة المعظمة السنية، ودله على متفرعاتها العلية أن يتهاون في هذه الجليلة، أو بحرمة هذا اليوم الشريف ويصرفه في البطالة وما في معناها، فان من قدر على اكتساب درة يتيمة قيمتها مائة ألف دينار، مثلا في ساعة خفيفة، فأعرض عنها أو اكتسب بدلها خرقة قيمتها فلس، يعد عند العقلاء في جملة السفهاء الأغبياء، وأين نسبة الدنيا بأسرها إلى ثواب فريضة واحدة.

مع ما قد استفاض بطريق أهل البيت أن صلاة فريضة خير من الدنيا وما فيها فما ظنك بفريضة هي أعظم الفرائض، وأفضلها، على تقدير السلامة من العقاب، و الابتلاء بحرمان الثواب، فكيف بالتعرض لعقاب ترك هذه الفريضة العظيمة، والتهاون في حرمتها الكريمة، مع ما سمعت من توعد الله ورسوله وأئمته بالخسران العظيم والطبع على القلب، والدعاء عليهم من تلك النفوس الشريفة بما سمعت، إلى غير ذلك من الوعيد وضروب التهديد، على ترك الفرائض مطلقا فضلا عنها.

وتعلل ذوي الكسالة وأهل البطالة المتهاونين بحرمة الجلالة في تركها، بمنع بعض العلماء من فعلها في بعض الحالات، مع ما عرفت من شذوذه وضعف دليله، معارض بمثله في الامر بها والحث عليها، والتهديد لتاركها من الله ورسوله وأئمته، و العلماء الصالحين، والسلف الماضين، ويبقى بعد المعارضة ما هو أضعاف ذلك، فأي وجه لترجح هذا الجانب مع خطره وضرره، لولا قلة التوفيق، وشدة الخذلان، و

خدع الشيطان انتهى.

وأقول: وناهيك شدة اهتمام هذا البارع الورع المتين الذي هو أفقه فقهائنا المتأخرين بل المتقدمين، وفاز بالسعادة فلحق بالشهداء الأولين في أعلا عليين في إظهار هذا الحق المبين، مع أنه لم يكن متهما في ذلك بغرض من أغراض المبطلين إذ لم يكن يمكنه إقامتها في بلاد المخالفين.

وإني لم أطل الكلام في هذا المقام بايراد حجج الجانبين، ونقل كلمات القوم والتعرض لمدلولاتها، وإيراد الأخبار المذكورة في ساير الكتب، ولم أعمل في ذلك كتابا ولا رسالة، لظني أن الامر في هذه المسألة أوضح من أن يحتاج إلى ذلك.

وأيضا المنكرون لذلك إما علماء لهم أهلية الترجيح والنظر والاجتهاد، أو جهلة يتلبسون بلباس أهل العلم، لا لهم علم يمكنهم به التمييز بين الحق والباطل ولا ورع به يحترزون عن الافتراء على الله ورسوله، والقول بغير علم، أو جهال بحت يلزمهم تقليد العلماء:

فأما الفرقة الأولى، فان خلوا أنفسهم عن الاغراض الدنيوية، وبالغوا في الفحص والنظر، وتتبع مدارك الأدلة فأدى اجتهادهم إلى أحد الآراء المتقدمة، فلا حرج عليهم في الدنيا ولا في الآخرة، وإن قصروا في ذلك، فأمرهم إلى الله، وعلى أي حال الكتاب والرسالة لا ينفعان هذه الطائفة، وربما يصير سببا لمزيد رسوخهم في خطائهم، وإن أخطأوا.

وأما الفرقة الثانية فحالهم معلومة فإنهم في جل أعمالهم مبتدعون حائرون بائرون، ليس لهم علم يغنيهم، ولا يرجعون إلى عالم يفتيهم، وإنما هو تبع للدنيا وأهلها، ويختارون ما هو أوفق لدنياهم، فأي انتفاع لهم بالرسائل والزبر.

وأما الفرقة الثالثة فحكمهم بذل الجهد في تحصيل عالم رباني لا يتبع الهوى، ولا يختار على الآخرة الدنيا، وله تتبع تام في الكتاب والسنة، فالرسائل لا تنفعهم أيضا.

ونعم قال الصدوق - ره - في الفقيه إن البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها ولا قوة إلا بالله.

66 - مجمع البيان: قال: أما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فقيل إنه قدم رسول الله مهاجرا حتى نزل قبا على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضحى، فأقام بقبا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذوا اليوم في ذلك الموضع مسجدا، وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله في الاسلام.

فخطب في هذه الجمعة، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، فقال صلى الله عليه وآله:

الحمد لله الذي أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وضل ضلالا بعيدا.

أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية، لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، والذي صدق قوله، ونجز وعده لأخلف لذلك، فإنه يقول: ما يبدل القول

لدى وما أنا بظلام للعبيد.

فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السرو العلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، يعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله في كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم و سماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة 1.

بيان: قال الفيروزآبادي الكفر ضد الايمان، وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا جحدها وسترها، والفترة ما بين النبيين و (من) بعضها ابتدائية وبعضها صلة كدنو من الساعة، والمراد بانقطاع الزمان قرب انقطاعه بقرب القيامة، وقوله (ومن يعصهما) يدل على أن ما يقال: إنه صلى الله عليه وآله قال لمن قال ذلك: بئس الخطيب أنت، لا أصل له، إن كان ذلك المقام مقاما يقتضي التصريح بمقتضى البلاغة .

(فإنه) الضمير للشأن (على ما تبغون) أي تطلبون وترجون (تود لو أن بينها) اقتباس من قوله سبحانه ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد﴾ وفي الآية ضمير بينها راجع إلى النفس، وضمير بينه راجع إلى اليوم

أو إلى ما عملت، والظاهر هنا العكس، وإن أمكن حمله على ما في الآية بارجاع الضمير إلى النفس بقرينتها، وفي قوله: (ويحذركم الله نفسه) تهديد بليغ.

وقوله: (والذي صدق) يحتمل عطفه على رؤوف ويحتمل القسم، والتوقية الكلاءة والحفظ (بحظكم) أي من ثواب الآخرة (في جنب الله) أي قربه وطاعته (ونهج لكم) أي أوضح (ليعلم) أي بعد الوقوع أو ليعلم أولياؤه.

67 - المتهجد: روى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة فقال: الحمد لله ذي القدرة والسلطان، والرأفة والامتنان، أحمده على تتابع النعم، وأعوذ به من العذاب والنقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مخالفة للجاحدين، ومعاندة للمبطلين، وإقرارا بأنه رب العالمين.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قفى به المرسلين، وختم به النبيين، و بعثه رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، وقد أوجب الصلاة عليه، وأكرم مثواه لديه، وأجمل إحسانه إليه.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي هو ولي ثوابكم، وإليه مردكم ومآبكم، فبادروا بذلك قبل الموت الذي لا ينجيكم منه حصن منيع، ولا هرب سريع، فإنه وارد نازل، وواقع عاجل، فان تطاول الأجل، وامتد المهل، فكل ما هو آت قريب، ومن مهد لنفسه فهو المصيب، فتزودوا رحمكم الله ليوم الممات، واحذروا أليم هول البيات، فان عقاب الله عظيم، وعذابه أليم، نار تلهب، ونفس تعذب، وشراب من صديد، ومقامع من حديد، أعاذنا الله وإياكم من النار، ورزقنا و إياكم مرافقة الأبرار، وغفر لنا ولكم جميعا إنه هو الغفور الرحيم.

إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله - ثم تعوذ بالله ، وقرأ سورة العصر ثم قال: جعلنا الله وإياكم ممن تسعهم رحمته، ويشملهم عفوه ورأفته، وأستغفر الله لي ولكم ثم جلس يسيرا ثم قال:

الحمد لله الذي دنا في علوه، وعلا في دنوه، وتواضع كل شي لجلاله، و

استسلم كل شئ لعظمته، وخضع كل شئ لقدرته، مقصرا عن كنه شكره، وأومن به إذعانا لربوبيته، وأستعينه طالبا لعصمته، وأتوكل عليه مفوضا إليه، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا وترا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.

وأشهد أن محمدا عبده المصطفى، رسوله المجتبى، وأمينه المرتضى، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إليه باذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وعبد الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وآله في الأولين، وصلى الله عليه وآله في الآخرين، وصلى الله عليه وآله يوم الدين.

أوصيكم عباد لله بتقوى الله، والعمل بطاعته، واجتناب معصيته، فإنه من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل صلواتك على أنبيائك وأوليائك.

ايضاح: السلطان الحجة والبرهان، وقدرة الملك، والامتنان الانعام، وقال الفيروزآبادي: قفيت زيدا وبه تقفية أتبعته إياه (وقد أوجب) يدل على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله في الجملة، والمثوى المنزل، (ولي ثوابكم) أي المتولي له والقائم به، والمرد والمآب المرجع (فبادروا بذلك) أي بالتقوى أي سارعوا إليه قبل الموت، فكأن الموت يريد أن يحول بينكم وبينه، فبادروا إليه قبله، أو بادروا الناس إليه قبل ذلك، أو لم يعتبر فيه المغالبة بل المعنى عجلوا في فعله، والأول أبلغ، والعاجل السريع.

وقوله عليه السلام: (فكل ما هو آت) تعليل لذلك، والأجل مدة العمر وغايته والمهل بالتحريك المهلة والسكون والرفق، والبيات هو أن يقصد العدو بالليل

من غير أن يعلم فيأخذه بغتة (تلهب) أي تتلهب بحذف إحدى التائين، وتلهب النار اشتعالها، والصديد ماء الجرح الرقيق، والحميم اغلي حتى خثر.

(المقمعة) كمكنسة العمود من حديد أو كالمحجن يضرب به رأس الفيل، وخشبة يضرب بها الانسان رأسه (دنا في علوه) أي دنوه دنو العلية والإحاطة العلمية والرأفة والرحمة، وهو لا ينافي علوه عن مناسبة الخلق ومشابهتهم، واستغناءه عنهم، وعدم وصول عقولهم إلى كنه ذاته وصفاته، وكذا العكس، بل كل من الجهتين تستلزم الأخرى.

(لجلاله) أي عند جلاله أو عند سبب جلاله، والاحتمالان جاريان في الفقرتين الآتيتين (مقصرا) حال (إذعانا) مفعول مطلق من غير اللفظ أو مفعول لأجله، و يحتمل الحالية أي مذعنا (واستعينه) في جميع الأمور لا سيما في الطاعات طالبا لعصمته عن المعاصي (وأتوكل عليه) أي أعتمد عليه في جميع أموري مفوضا إليه راضيا بكل ما يأتي به.

(إلها) أي معبودا أو خالقا، والنصب على الحالية (واحدا) لا نظير له (أحدا) لا تثنية فيه بوجه (فردا) منفردا بخلق الأشياء (صمدا) مقصودا إليه في جميع الأمور (وترا) لا شريك له في المعبودية.

والاصطفاء والاجتباء والارتضاء متقاربة في المعنى، (بالحق) متلبسا و مؤيدا به. بشيرا بالثواب، ونذيرا بالعقاب، وداعيا إليه أي إلى الاقرار به وبتوحيده وما يجب الايمان به من صفاته (باذنه) بتيسيره وتوفيقه وعونه، وسراجا منيرا يستضاء به من ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره أنوار البصائر (ونصح الأمة) أي بذل الجهد في هدايتهم وإرشادهم (حتى أتاه اليقين) أي الموت المتيقن (في الأولين) أي معهم أما إذا صلى عليهم.

68 - المتهجد: روى زيد بن وهب قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم الجمعة فقال:

الحمد لله الولي الحميد، الحكيم المجيد، الفعال لما يريد، علام الغيوب، وستار العيوب، وخالق الخلق، ومنزل القطر، ومدبر الامر، ورب السماوات والأرض، والدنيا والآخرة، وارث العالمين، وخير الفاتحين، الذي من عظم شأنه أنه لا شئ مثله.

تواضع كل شئ لعظمته، وذل كل شئ لعزته، واستسلم كل شئ لقدرته وقر كل شئ قراره لهيبته، وخضع كل شئ من خلقه لملكه وربوبيته، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه، وأن تقوم الساعة ويحدث شئ إلا بعلمه.

نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونستغفره ونستهديه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ملك الملوك، وسيد السادات، وجبار السماوات والأرض الواحد القهار، الكبير المتعال، ذو الجلال والاكرام، ديان يوم الدين، ورب آبائنا الأولين.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله داعيا إلى الحق وشاهدا على الخلق فبلغ رسالات ربه كما أمره، لا متعديا ولا مقصرا، وجاهد في الله أعداءه لا وانيا ولا ناكلا، ونصح له في عباده صابرا محتسبا، وقبضه الله إليه وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وغفر ذنبه، صلى الله عليه وآله.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله، واغتنام طاعته ما استطعتم في هذه الأيام الخالية الفانية وإعداد العمل الصالح لجليل ما يشفى به عليكم الموت، وآمركم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، الزائلة عنكم، وإن لم تكونوا تحبون تركها، والمبلية لأجسادكم وإن أحببتم تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا، فكأنهم قد قطعوه وأفضوا إلى علم، فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري

إليها حتى يبلغها، وكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث من الموت يحدوه.

فلا تنافسوا في عز الدنيا و فخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فان عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى ارتجاع وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد، وكل مدة منها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى بلى.

أوليس لكم في آثار الأولين وفي آبائكم الماضين معتبر وبصيرة إن كنتم تعقلون، أو لم تروا إلى الأموات لا يرجعون، وإلى الاخلاف منكم لا يخلدون، قال الله والصدق قوله (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)) وقال: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).

أو لستم ترون إلى أهل الدنيا وهم يصبحون على أحوال شتى، فمن ميت يبكى ومفجوع يعزى، وصريع يتلوى، وآخر يبشر ويهنا، ومن عائد يعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي، والحمد لله رب العالمين، ورب السماوات السبع ورب الأرضين السبع، ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه موئل الخلق ومرجع الأمور، وهو أرحم الراحمين.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.