پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب الصلاة

باب تحقيق منتصف الليل ومنتهاه ومفتتح النهار

ج ۸۰، ص ۷۴–۱۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۸۰

نعم بعض أهل الحرف والصناعات لما كان ابتداء عملهم من طلوع الشمس قد يطلقون اليوم عليه، وبعض أهل اللغة لما رأوا هذا الاصطلاح ذكروه في كتب اللغة، ويحتمل أن يكون كلاهما بحسب اللغة حقيقة، وكذا المنجمون قد يطلقون اليوم على ما بين الطلوع إلى الغروب، وعلى ما بين الطلوع إلى الطلوع وعلى ما بين الغروب إلى الغروب، وعلى ما بين الزوال إلى الزوال، وكذا النهار على المعنى الأول، والليل على ما بين غروب الشمس إلى طلوعها.

لكن لا ينبغي أن يستريب عارف بقواعد الشريعة وإطلاقاتها في أنه لا يتبادر فيها مع عدم القرينة من النهار إلا ما هو مبتدأ من طلوع الفجر، وكذا اليوم بأحد المعنيين، وقد يطلق اليوم على مجموع الليل والنهار، ولا يتبادر من الليل إلا ما هو مختتم بالفجر، وأما انتهاء النهار واليوم وابتداء الليل فهو إما غيبوبة القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية كما عرفت.

ولنذكر بعض كلمات أهل اللغة والمفسرين والفقهاء من الخاصة والعامة ثم لنشر إلى بعض الآيات والأخبار الدالة على هذا المطلب، لإراءة الطالبين للحق سبيل التحقيق، فان استيفاء جميع الدلائل والبراهين، والتعرض لما استدل به بعض أفاضل المعاصرين لا يناسب هذا الكتاب، وفي بالي إن ساعدني التوفيق أن أفرد لذلك رسالة تتضمن أكثر ما يتق بهذا المرام، والله الموفق والمعين.

فأما كلمات القوم فقال الشيخ الطبرسي - رحمه الله - في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ 1 الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، ولم يذكر لهما معنى آخر 2.

وقال - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى. ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾

التسخير في الحقيقة للشمس والقمر، لان النهار هو حركات الشمس من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل حركات الشمس تحت الأرض من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوع الفجر، إلا أنه سبحانه أجرى التسخير على الليل والنهار، على سبيل التجوز والاتساع 1.

وقال في قوله تعالى: ﴿والنهار مبصرا﴾ 2 أي وجعل لكم النهار وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس مضيئا تبصرون فيه لمواضع حاجاتكم 3.

وقال في نقل الأقوال في الصلاة الوسطى: وثانيها أنها صلاة العصر ونسبه إلى جماعة منهم علي عليه السلام وابن عباس ثم قال: قالوا: لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وذكر ذلك أكثر المفسرين والعلماء من الفريقين 4.

وقال ابن البراج في جواهر الفقه: صلاة الصبح من صلاة النهار لقوله تعالى ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ولا خلاف في أن المراد بذلك صلاة الفجر والعصر ولما كانت صلاة الفجر وتقام بعد طلوع الفجر إلى قبل طلوع الشمس، كان ذلك دالا على أن هذا الوقت طرف النهار، لان إجماع الطائفة عليه أيضا.

وقال الشيخ في الخلاف: الفجر الثاني هو أول النهار وآخر الليل، فينفصل به الليل من النهار، وتحل به الصلاة ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وتكون صلاة الصبح من صلاة النهار، وبه قال عامة أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل، بل هو زمان منفصل عنهما، وذهبت طائفة إلى أن أول النهار هو طلوع الشمس، وما قبل ذلك من الليل، فتكون صلاة الصبح من صلاة الليل، ولا يحرم الطعام و

الشراب على الصائم إلى طلوع الشمس ذهب إليه الأعمش وغيره. وروي ذلك عن حذيفة.

دليلنا على فساد قول الفرقة الأولى قوله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل﴾ وهذا ينفي أن يكون بينهما فاصل، ويدل على فساد قول الأعمش قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر، فلما كانت صلاة الصبح تقام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، دل ذلك على أن الوقت طرف النهار، وعنده أنه من الليل، وأيضا أجمعت الفرقة المحقة على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وقد بينا أن ذلك حجة، على أن هذا الخلاف قد انقرض وأجمع المسلمون، فلو كان صحيحا لما انقرض.

وقال العلامة نور الله مرقده في المنتهى: روى الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر، إنهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل أتريد أن تقايس؟

لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة.

ثم قال: وفي هذا الحديث فوائد: أحدها الحكم بأنهما قبل الفجر، وثانيها أنهما وإن كانا قبل الفجر فإنهما يسميان بركعتي الفجر، وذلك من باب التجوز تسمية للشئ باسم ما يقاربه، وثالثها الحكم بأنهما من صلاة الليل، ورابعها تعليل أنهما قبل الفجر بأنهما من صلاة الليل وذلك يدل على أن ما بعد الفجر ليس من الليل خلافا للأعمش وغيره ولحذيفة على ما روي عنه حيث ذهبوا إلى أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل وأن صلاة الصبح من صلاة الليل، وأنه يباح للصائم الأكل والشرب إلى طلوع الشمس، ويزيده فسادا قوله تعالى: (أقم

الصلاة طرفي النهار) واتفق المفسرون على أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر إلى آخر ما قال.

وقال - ره - في كتاب الاعتكاف: لا تدخل الليالي في الاعتكاف بل ليلتان من كل ثلاث، ثم أجاب عن حجة المخالف بأن اسم اليوم حقيقة لما بين الفجر إلى الغروب، والليلة ما عدا ذلك، فلا يتناولها إلا مع القرينة، ومع تجرد اللفظ عنها يحمل على حقيقته.

ثم قال في سياق كلامه: فمن نذر اعتكاف يوم فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره، ونحو هذا قال المحقق قدس سره في المعتبر، وغيره من الأصحاب.

وقال ابن إدريس قدس سره في السرائر: تراوح على نزحها أربعة رجال من أول النهار إلى آخره، وأول النهار حين يحرم على الصيام الأكل والشرب، وآخره حين يحل له الافطار، وقد يوجد في كتب بعض أصحابنا (من الغدوة إلى العشية) وليس في ذلك ما ينافي ما ذكرناه، لان الغدوة والغداة عبارة عن أول النهار بغير خلاف بين أهل اللغة العربية، وقال في وقوف المشعر: وقته من طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس من ذلك اليوم.

وقال المفيد في المقنعة: من حصل بعرفات قبل طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدركها، وقال ابن أبي عقيل على ما نقل عنه حين عد النوافل: وثماني عشر ركعة بالليل، منها أربع ركعات بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس تعدان ركعة، وثلاث عشر ركعة من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر الثاني منها ثلاث ركعات الوتر.

وقال المفيد - ره - إذا كان يوم العيد بعد طلوع الفجر اغتسلت إلى آخر ما قال.

وقال السيد المرتضى - ره - في احتجاج أن الصلاة الوسطى صلاة العصر:

لأنها وسط بين الصبح والظهر، وهما صلاة النهار وبين المغرب والعشاء، وهما صلاة الليل.

وقال ابن الجنيد على ما نقل عنه: وقت صلاة الليل والوتر والركعتين من حين انتصاف الليل إلى طلوع الفجر على الترتيب، ولا أستحب صلاة الركعتين قبل سدس الليل من آخره، وقال في الفطرة: أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، وقال السيد في الجمل: وقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر، وقال أبو الصلاح:

وقت الوقوف بعرفة للمختار من زوال الشمس يوم التاسع إلى غروبها وللمضطر إلى طلوع الفجر يوم النحر.

وقال المفيد: من لم يتمكن من صلاة الليل في آخره فليترك صلاة الليلة ثم ليقضها في أول الليلة الثانية، والمسافر إذا خاف أن يغلبه النوم ولا يقوم في آخر الليل فليقدم صلاة ليلته في أولها، وقال وقت وجوب الفطرة: يوم العيد بعد الفجر منه، وقال إذا أصبح يوم النحر فليصل الفجر، وقال في التكبيرات، وآخرها الغداة من يوم الرابع.

وقال البغوي في شرح السنة في قول النبي صلى الله عليه وآله من صلى البردين دخل الجنة: أنه أراد بالبردين صلاة الفجر والعصر، لكونهما في طرفي النهار، والبردان الغداة والعشي.

وقال الشهيد روح الله روحه في الذكرى: صلاة الصبح من صلاة النهار عند الكل إلا أبا محمد الأعمش، إذ حكي عنه أنها من صلاة الليل بناء على أن أول النهار طلوع الشمس حتى للصوم فيجوز الأكل والشرب إلى طلوع الشمس عنده.

قال في الخلاف: وروي ذلك عن حذيفة لقوله تعالى (وجعلنا آية النهار مبصرة) وآية النهار الشمس، ولقول النبي صلى الله عليه وآله صلاة النهار عجماء، وجوابه منع أن الآية الشمس بل نفس الليل والنهار آيتان، وهو من إضافة التبيين كإضافة العدد إلى المعدود، سلمنا أنها الشمس، ولكن علامة الشئ قد تتأخر حتى تكون بعد دخوله، سلمنا أن الشمس علامة النهار وأنها متقدمة لكن الضياء الحاصل من أول الفجر عن الشمس طالعة، وفي الحقيقة هي طالعة وإن تأخر رؤية جرمها

ولهذا اختلفت أوقات المطالع بحسب الأقاليم، وأما الخبر فقد نسبه الدارقطني إلى الفقهاء، ويحمل على معظم صلاة النهار، ويعارض باستقرار الاجماع على خلافه وبقوله تعالى (أقم الصلاة طرفي النهار) قال الشيخ: ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح وصلاة العصر.

وقال - ره -: في بعض بحث القراءة، وذكر بعض العامة ضابطا للجهر والاخفات، وتبعهم عليه بعض الأصحاب كذلك وهو أن كل صلاة تختص بالنهار ولا نظير لها بالليل فجهر كالصبح، والعلامة - ره - في التذكرة قال صلاة صبح من صلوات النهار لان أول النهار طلوع الفجر الثاني عند عامة أهل العلم، لان الاجماع على أن الصوم إنما يجب بالنهار، والنص دل على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر، ثم ذكر قول الأعمش ودلائله كما مر إلى قوله: وقول أمية ابن الصلت.

والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يبصر لونها يتوقد ثم قال: وأما الشعر فحكى الخليل أن النهار هو الضياء الذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وسمي طلوع الشمس في آخر كل ليلة لمقارنتها لذلك وقال في تعليل كون الصلاة الوسطى هي الظهر بأنها وسط صلوات النهار وقال الشهيد الثاني - ره - وغيره في مسألة التراوح: واليوم من طلوع الفجر إلى الغروب.

وذكر أكثر الأصحاب كالمحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى، والشهيد الثاني وسبطه قدس الله أرواحهم في تعليل أن غسل الجمعة وقته ما بين طلوع الفجر إلى زوال الشمس بأن الغسل وقع مضافا إلى اليوم، وهو يتحقق بطلوع الفجر، وكذا في غسل العيدين وعرفة وغيرها مما علق باليوم، وهم كانوا أهل اللسان، عارفين باللغة والاصطلاح والعرف.

وفي الشرايع وغيره من كتب الفقه في المبيت عند الزوجة: ويختص الوجوب بالليل دون النهار، وقيل يكون عندها في ليلتها، ويظل عندها في صبيحتها وهو

المروي، ثم قالوا: ويستحب أن يكون صبيحة كل ليلة عند صاحبتها، ومعلوم أن ما بعد الصبح داخل في الصبيحة، وقال ابن الجنيد: العدل بين النساء هو إذا كن حرائر مسلمات لم يفضل إحداهن على الأخرى في الواجب لهن من مبيت الليلة، وقيلولة صبيحة تلك الليلة.

وقال النيشابوري في تفسيره في قوله تعالى: (مالك يوم الدين): اليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في الشرع.

وقال عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ 1 الآية أما النهار فإنه عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق وفي الشرع بزيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس، وأما الليل فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق أو بنقصان الزيادة المذكورة.

وقال الكفعمي في كتاب صفوة الصفات: قال صاحب كتاب الحدود الليل اسم يقع على امتداد الظلام من أول ما يسقط قرص الشمس إلى أن يسفر الصبح، وقال:

النهار اسم يقع على امتداد الضياء من أول ما يسفر الصبح إلى أن تغيب الشمس قال:

وقال أبو العباس أحمد بن القاضي الطبرسي في كتابه تقويم القبلة: اليوم مبدأه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس لقوله تعالى ﴿كلوا واشربوا﴾ 2 الآية مع قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ وقال أبو العباس: قيل اليوم والنهار مترادفان.

وذكر الراغب الاصفهاني في مفرداته عند ترجمة النهار: النهار الوقت الذي ينتشر فيه الضوء وهو في الشرع ما بين طلوع الصبح إلى غروب الشمس.

وقال أحمد بن محمد بن علي المقري في المصباح المنير: الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقال: النهار في اللغة من طلوع الفجر إلى غروب

الشمس، وهو مرادف لليوم، وفي حديث إنما هو بياض النهار وسواد الليل ولا واسطة بين الليل والنهار، وربما توسعت العرب فأطلقت النهار من وقت الاسفار إلى الغروب، وهو في عرف الناس من طلوع الشمس إلى غروبها، وإذا أطلق النهار في الفروع انصرف إلى اليوم، نحو: صم نهارا واعمل نهارا.

لكن قالوا إذا استأجره على أن يعمل له نهار يوم الأحد مثلا، فهل يحمل على الحقيقة اللغوية حتى يكون أوله من طلوع الفجر، أو يحمل على العرف حتى يكون أوله من طلوع الشمس، لاشعار الإضافة به: لان الشئ لا يضاف إلى مرادفه والأول هو الراجح دليلا، لان الشئ قد يضاف إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، نحو ﴿ولدار الآخرة﴾ 1 ﴿وحق اليقين﴾ 2.

وقال: الصبح الفجر وهو أول النهار، وقال: الفجر الثاني الصادق هو المستطير، وبطلوعه يدخل النهار، وقال في شمس العلوم آخر الليل قبل الفجر.

وقال إمامهم الرازي في تفسيره - عن ذكر الأقوال في الصلاة الوسطى في احتجاج من قال إن الصلاة الوسطى صلاة الظهر: الثالث أنها صلاة بين صلاتين نهاريتين بين الفجر والعصر: وفي احتجاج من قال إنها العصر، وثالثها أن العصر بين صلاتين بالنهار وصلاتين بالليل، وقال في قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) المراد بطرفي النهار الصبح والعصر.

وقال في القاموس: النهار ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس: أو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقال: الليل والليلاة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس، وقال الزمخشري في الأساس: إنما سمي السحر استعارة لأنه وقت إدبار الليل وإقبال النهار، فهو متنفس الصبح.

وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ الآية ووقت

الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وقال في قوله تعالى: ﴿وسبح بالعشي والابكار﴾ 1 الابكار مصدر أبكر يبكر إذا خرج للامر في أول النهار، هذا هو أصل اللغة سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا.

وقال البيضاوي: الابكار من طلوع الفجر إلى الضحى، وقال في قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي﴾ 2 أي في مجامع أوقاتهم أو في طرفي النهار، وقال الطبرسي - ره -: أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح والمساء لا شغل لهم غيره، ويستفتحون يومهم بالدعاء ويختمونه بالدعاء.

وقال الراغب في مفرداته: الصبح والصباح أول النهار، وقال: السحر اختلاط ظلام آخر الليل بضوء النهار، وقال الخليل بن أحمد النحوي - ره - في كتاب العين وهو الأصل في اللغة، وعليه المعول، وإليه المرجع: النهار ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولم يذكر له معنى آخر ، وقال: الليل خلاف النهار، وقال: السحر آخر الليل.

وقال الطيبي في شرح المشكاة: يوصف العصر بالوسطى لكونها واقعة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل وقال النيشابوري في قوله تعالى ﴿بقطع من الليل﴾ 3 عن ابن عباس أي في آخر الليل بسحر.

وقال الرازي في قوله تعالى ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ إن الانسان ما دام في الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته في التسبيح، فأشار الله إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح فيها يكون كأنه لم يفتر، وهو الأول والاخر والوسط من اليوم، وأول الليل ووسطه، ولم يأمر بالتسبيح في آخره لان النوم فيه غالب، فإذا صلى في أول النهار بتسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين

إلى التسبيح، وبالظهر أربع ساعات، وبالعصر في أواخر النهار أربع ساعات، وبالمغرب والعشاء في الليل سبع ساعات فبقي سبع ساعات وهو الذي لو نام الانسان فيه كان كثيرا، ثم قال بعد تحقيق طويل: النهار اثنى عشر ساعة، والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات، فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل، ويؤدي ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح، كما كان ابتداء النهار بالتسبيح ولما كان المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ركعة، لان تسبيح النهار طويل مثل ضعف تسبيح الليل، لان المؤدى في النهار عشرة، والمؤدى في الليل من تسبيح الليل خمس انتهى.

وقال الشهيد في الذكرى: وقت الوتر آخر الليل، ونحوه قال جماعة من الأصحاب، وقال في دعائم الاسلام: وقت صلاة الليل المرغب فيه أن يصلي بعد النوم والقيام منه في آخر الليل، وسنذكر في الاستدلال بالآيات تصريحات المفسرين بذلك.

وقال السيد الداماد رزقه الله أقصى السعادة يوم التناد، في بيان ما ورد أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وما بين غروب الشمس وغروب الشفق غير داخل في شئ من الليل والنهار: ثم إن ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وما عليه العمل عند أصحابنا رضي الله تعالى عنهم إجماعا هو أن زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار، ومعدود من ساعاته، وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فان ذلك أمارة غروبها في أفق المغرب فالنهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفي ساير الأبواب من طلوع الفجر المستطير إلى ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا هو المعتبر والمعول عليه عند الأساطين الإلهيين والرياضيين من حكماء يونان، وقد مر تمام الكلام في باب علل الصلاة.

وأما الآيات:

فالأولى: قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ 1 ووجه الاحتجاج بها أن الأصل في كلام الحكيم أن يكون مفهوما مفيدا ينتفع به المخاطب، وأجمعت الطائفة المحقة على حصر الصلاة الوسطى في صلاة الظهر والعصر، فلو أريد بها العصر لم نستفد من الآية شيئا إذ كونها وسطى بين الصلوات أو بين صلاتين مشترك بين جميعها فلا يتميز عندنا، وإن قلنا إن وجه التسمية لا يلزم اطراده، ولو قلنا بأنها الظهر لكونها بين صلاتي النهار كما ورد في الخبر يحصل لنا فائدة من الآية، ولا يكون ذلك إلا ويكون صلاة الفجر من صلاة النهار.

وبوجه آخر وهو أن المتبادر من الوسطى المتوسطة بين الشيئين من جنسها فلو لم يقيد بقيد يشترك فيها جميع الصلوات، فلابد من التقييد، إما بكونها وسطى بين صلوات الليل، أو صلوات النهار أو صلوات الليل وصلوات النهار، والأولى باطلة بالاجماع المتقدم، والثانية لا تستقيم إلا بكون صلاة الفجر من صلاة النهار وكذا الثالثة لان ما سوى العصر من محتملاتها خارجة بالاجماع، والعصر إنما يتخصص بهذا الوصف إذا قلنا إنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، ويمكن المناقشة فيه بوجوه أكثرها مندفعة بالتأمل الصادق.

الثانية: قوله سبحانه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار، وزلفا من الليل﴾ والتقريب أن المتبادر من الطرف أن يكون داخلا في الشئ، فإنه لا يطلق طرف الثوب وطرف الخشب على غير جزئه الذي هو نهايته، لا سيما مع مقابلته بالليل، وليس في الطرف الأول صلاة سوى الفجر، ويؤيده أن أكثر المفسرين فسروهما بصلاة الفجر والعصر، وما ورد في بعض الأخبار من التفسير بصلاة الفجر والمغرب فمع ارتكاب التجوز في أحد الطرفين لدليل لا يلزم ارتكابه في الطرف الآخر.

ويمكن أن تكون النكتة في التجوز الحث على المبادرة إلى صلاة المغرب في أول الليل، ولو قلنا بأن ما بين غيبوبة القرص إلى ذهاب الحمرة داخل في النهار وجوزنا الصلاة بغيبوبة القرص يكون التجوز فيه أقرب وأحسن.

وأيضا لو قلنا بأن طرفي النهار داخل في الليل، يكون زلفا من الليل مشتملا على تكرار، أو يرتكب فيه تخصيصات كثيرة، وهما خلاف الأصل، سواء فسر الزلف بالساعات القريبة من اليوم أو بالقرب، وبالجملة لا ينبغي أن يريب عارف باللسان في أن المتبادر من (طرفي النهار) المقابل لزلف الليل كونهما من النهار.

قال النيسابوري في تفسيره: الطرفان الغدوة وهي الفجر، والعشية وفيها الظهر والعصر، وقيل إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر، ثم قال: الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق.

وقال ابن إدريس - رحمه الله - في السرائر في الاستدلال بهذه الآية:

طرف الشئ ما يقرب من نهايته، ولا يليق ذلك إلا بقول من قال وقت العصر ممتد إلى قرب غروب الشمس، لان مصير ظل كل شئ مثله أو مثليه يقرب من الوسط، ولا يقرب من الغاية والنهاية، ولا معنى لقول من حمل الآية على الفجر والمغرب لان المغرب ليس هي طرف النهار، وإنما هي في طرف الليل.

قال الرازي في تفسير هذه الآية: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار، والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار هما الفجر والعصر، وذلك لان أحد طرفي النهار طلوع الشمس، والطرف الثاني منه غروبها، فالطرف الأول هو صلاة الفجر، والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب، لأنها داخلة تحت قوله تعالى: (وزلفا من الليل) فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر.

إذا عرفت هذا كانت الآية دليلا على قول أبي حنيفة في أن التنوير بالفجر أفضل، وأن تأخير العصر أفضل، وذلك لان ظاهر هذه الآية يدل على وجوب

إقامة الصلاة في طرفي النهار، وبينا أن طرفي النهار هو الزمان الأول لطلوع الشمس، والزمان الأول لغروبها، وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الآية، فوجب حمله على المجاز، وهو أن يكون المراد أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار، لان ما يقرب من الشئ يجوز أن يطلق عليه اسمه وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شئ مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شئ مثله، والمجاز ما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى، فظهر أن ظاهر هذه الآية يقوى قول أبي حنيفة في هاتين المسئلتين انتهى كلامه.

وقد ظهر بما قررنا ما فيه من الوهن والقصور، وكل هذه التكلفات التي ارتكبه مؤيد لما اخترناه، فان بناء جميع ذلك على أنه جعل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس خارجا من النهار، ولو جعله داخلا كما هو ظاهر الآية لم يحتج إلى شئ من ذلك.

وأماما توهمه من كون الطرف الجزء الغير المنقسم أو الصغير الذي هو نهاية الشئ قياسا على ما أنس به من السطح والخط والنقطة، فليس كذلك إذ يقال للغداة والعشي طرفا اليوم، وللنصف الأول والنصف الأخير الطرف الأول والطرف الآخر ويقال خذ طرف الثوب، وطرف الخشب، ولا يراد به الجزء الأخير، فالظاهر أن المراد بالطرف الأول ما بين الطلوعين، وبالطرف الاخر إما العصر أو الظهر إلى آخر اليوم، أو المغرب تجوزا للنكتة التي ذكرناها كما قال البيضاوي والزمخشري طرفي النهار غدوه وعشيته، وإن قال البيضاوي بعد ذلك صلاة الغداة صلاة الصبح لأنها أقرب الصلوات من أول النهار، وتبع في ذلك إمامه الرازي.

وقال الطبرسي - ره -: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر والمغرب عن ابن عباس

وابن زيد، وقيل الغداة والظهر والعصر، وبه قال مجاهد والضحاك، ومحمد بن كعب والحسن قالوا: لان طرفي الشئ من الشئ، وصلاة المغرب ليست من النهار، و قيل: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر انتهى.

وهذا يدل على أن كون وقت صلاة الفجر من النهار كان مسلما عندهم.

الثالثة: قوله تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر) فإنه ظاهر من سياق هذه السورة من أولها إلى آخرها أنها نزلت لبيان فضيلة تلك الليلة، وأن الغرض من تلك الآية شمول السلامة والعافية، أو السلام والتحية لجميع تلك الليلة، فلو كان ما بين الطلوعين داخلا في الليل لم يكن لاخراجه من هذه الفضيلة وجه لا سيما مع قوله (هي) الراجعة إلى الليلة، مع ما سيأتي من الأخبار الكثيرة الدالة على أن الاعمال المتعلقة بليلة القدر، من الاحياء والغسل وغيرهما، ينتهي إلى الفجر، ولا تتعلق بما بعده.

ويؤيده أن الرازي مع تصريحه في مواضع بدخوله في الليل جعله هنا خارجا ليستقيم الكلام، ويكمل النظام، حيث قال: وسادسها من أولها إلى طلوع الفجر سالمة في العبادة، كل واحدة من أجزائها خير من ألف شهر، ليست كسائر الليالي: يستحب للفرض الثلث الأول وللعبادة النصف والدعاء السحر، بل هي متساوية الأوقات والاجزاء.

وقال الطبرسي - ره -: أي هذه الليلة إلى آخرها سلامة من الشرور والبلايا وآفات الشيطان، ثم قال: سلام هي حتى مطلع الفجر أي السلامة والبركة والفضيلة تمتد إلى وقت طلوع الفجر ولا يكون في ساعة منها فحسب بل يكون في جميعها.

الرابعة: قوله تعالى ﴿والليل إذا دبر والصبح إذا أسفر﴾ فان الظاهر أنه أقسم بوقت واحد هو إدبار الليل وإسفار الصبح، مع أن ظاهر المقابلة عدم كون الصبح من الليل، وقال الطبرسي ره -: أقسم بالليل إذا ولى وذهب، و

قيل دبر إذا جاء بعد غيره، وأدبر إذا ولى مدبرا، فعلى هذا يكون المعنى في إذا دبر إذا جاء الليل في أثر النهار، وفي إذ أدبر إذا ولى الليل، فجاء الصبح عقيبه.

الخامسة: قوله تعالى ﴿والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس﴾ 1 بتقريب ما مر في الآية السابقة على الوجهين، قال الرازي: ذكر أهل اللغة أن عسعس من الأضداد يقال عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، وأنشدوا في ورودها بمعنى أدبر قول العجاج:

حتى إذا الصبح لها تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا ثم منهم من قال المراد هنا أقبل الليل، لان على هذا التقدير يكون القسم واقعا باقبال الليل، وهو قوله (إذا عسعس) وبادباره وهو قوله (والصبح إذا تنفس) ومنهم من قال قوله (والصبح إذا تنفس) إشارة إلى تكامل طلوع الصبح، فلا يكون تكرارا انتهى، فظهر أن العجاج والرازي أيضا فهما الآية كما فهمنا، وجعلا إدبار الليل والصبح متلازمين بل مترادفين.

وقال الواحدي في تفسيره الوسيط قوله (والصبح إذا تنفس) أي امتد ضوؤه حتى يصير نهارا ونحوه قال الطبرسي - ره -.

السادسة: قوله سبحانه ﴿قل أرأيتم إن أتيكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون﴾ استدل بها الراغب الاصفهاني على أن النهار في الشرع اسم لما بين طلوع الصبح إلى غروب الشمس وقال: بات فلان يفعل كذا موضوعة لما يفعل بالليل كظل لما يفعل بالنهار.

أقول: لا يتم ذلك إلا بضم ما سيأتي في ضمن الاخبار وأقوال العلماء من إطلاق التبييت على الزمان الذي نهايته طلوع الفجر كما ذكروا في تبييت الزوج عند ذات النوبة، والبيتوتة بالمشعر ومنى ومكة، وسيأتي الأخبار الكثيرة في ذلك وذكروا تبييت نية الصوم ولم يريدوا إلا النية قبل الفجر، قال في النهاية فيه:

لا صيام لمن لم يبيت الصيام، أي ينويه، من الليل.

والحاصل أن الآية تدل على أن البيات مقابل النهار كما صرح به جميع أهل اللغة والتفسير، وقد ورد في موارد الشرع أن منتهى البيتوتة طلوع الفجر فهو نهاية الليل أيضا كما روي في الكافي بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى ليس لك أن تخرج منها حتى تصبح 1.

وستأتي أخبار كثيرة في ذلك يتم الاستدلال بها، بمعونة تلك الآية وأمثالها.

السابعة: آيات الصيام من قوله تعالى ﴿لعلكم تتقون * أياما معدودات﴾ 2 وقوله: (فعدة من أيام أخر) 3 وقوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ثم بيان الليلة بقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض) إلى قوله

(ثم أتموا الصيام) فتدل، على معنى اليوم، وكذا ساير ما ورد في الصوم بلفظ اليوم

كقوله سبحانه ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ وأمثاله، والأصل عدم النقل والتجوز والتخصيص، وليلة الصيام معلوم أن التقييد فيه ليس لتخصيص معنى

الليلة من سائر معانيها بل لمعنى الليلة التي يصبح منها صائما.

وأما (ثم) في قوله تعالى: (ثم أتموا) فمعلوم أنه ليس للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبى إشارة إلى بعد ما بين حكم الليل من الإباحة، وحكم النهار من وجوب الامساك، وهذا الاطلاق شايع في القرآن، (وأتموا الصيام) معناه افعلوه تاما كقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.

ويمكن أن يقال: لما أمر الله تعالى سابقا بالصيام وأشار إليه بقوله (ليلة الصيام) لم يكن يحتاج إلى الامر بالصوم ثانيا، فلذا أمرهم بالاتمام وعدم النقص لا أصل الصيام، أو يقال: لما جوز لهم الجماع بالليل بعد التحريم، وكان مظنة أن يتوهم أن بهذا الفعل يحصل نقص في الصوم، قال: (ثم أتموا الصيام) إيماء إلى أن هذا الصوم تام لكم كما ورد في قوله تعالى (تلك عشرة كاملة).

وهذان وجهان وجيهان، لم أر من تعرض لهما ولا يخفى أن ارتكاب هذين التجوزين الشايعين اللذين وردت أمثالهما في الكتاب العزيز كثيرا، مع اشتمالهما على نكات بديعة توجب حسن الكلام وبلاغته، خير من حمل اليوم والليلة على المجاز، وارتكاب النقل.

ولقد أبدع من استدل بها على أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس غير داخل في النهار: حيث قال: حقيقة استعمال لفظة (ثم) التراخي وظاهر الاتمام أن يكون بعد حصول بعض الشئ، ولابد أن يجعل للنهاية المذكورة في الآية مبدء تدل القرينة عليه، والأقرب أن يكون المبدء المنوي في الكلام أول النهار حتى يكون الكلام في قوة أن يقال: ثم أتموا الصيام في زمان مبتدء من أول

النهار منته إلى الليل، ويكون مكافيا لقوله تعالى (يتبين لكم الخيط) فان المراد هنا ترخيص الاكل من أول الليل إلى وقت التبيين، وإذا قيل سرت إلى آخر الكوفة، كان المتبادر منه سرت من أوله إلى آخره، ولا يستقيم أن يجعل المبدء زمان التبيين، لمنافاته التراخي المستفاد من ثم، وظاهر معنى الاتمام، ولا جزءا من النهار من غير تعيين ولا جزءا معينا من النهار مثل النصف أو الثلث وأمثالهما.

وحينئذ نقول: لو كان طلوع الشمس مبدء النهار ومنتهى الليل استقام اعتبار هذه المعاني في الآية، لان الله تعالى لما خص الترخيص بأول الليل إلى وقت الفجر، ظهر منه وجوب الامساك في بقية الليل ثم أمر باتمام الامساك المذكور من أول النهار إلى الليل فصح معنى ثم والاتمام، وظهر حسن التعبير بهذا النحو بخلاف ما لو كان مبدء النهار الفجر إذ لا يصح حينئذ معنى ثم ولا الاتمام إلا بالعدول عن الظاهر وارتكاب تكلف، ولا يظهر حسن التعبير بهذا الوجه انتهى.

أقول: بما قررنا انهدم أساس هذا الكلام، وظهر بهذا الوجه حسن التقرير والنظام، وليت شعري كيف يكون ارتكاب مثل هذه التكلفات التي تخرج الكلام إلى التعمية والالغاز، أحسن من حمل الكلام على المجاز الشايع في كلام البلغاء، على أنا نقول على ما قررنا لا حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز أصلا وإنما ارتكبنا لبلاغة الكلام وطراوته إذ نقول لما كان الامر السابق كافيا في الشروع في الصيام، وقد نبههم عليه بقوله (ليلة الصيام) وتحديد الجماع والأكل والشرب بقوله (حتى يتبين) أيضا كان يدل عليه كما ذكره القائل الفاضل، فكأنه قال بعد شروعكم في الصيام بأمرنا يجب عليكم أن تتموه إلى الليل، فأي حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز

في ثم أو الاتمام؟ وأي توقف لهذا الوجه على كون أول النهار طلوع الشمس وحمل الأيام في المواضع على المجاز؟

ولعله قدس سره توهم أنه لابد من تعيين مبدء للاتمام وهو فاسد، لأنا إذا قلنا إذا شرعت في عمل فأتمه لا يلزم أن يكون للشروع حد معين، وأما ادعاؤه أن المتبادر من قول القائل سرت إلى آخر الكوفة، كون مبدء السير أوله غير مسلم، بل يفهم مبدء السير بالقرائن.

وقال الطبرسي - ره - في المجمع: المراد بليلة الصيام الليلة التي يكون في غدها الصوم 1 وقال في قوله سبحانه (حتى يتبين) أي يظهر ويتميز لكم على التحقيق الخيط الأبيض من الخيط الأسود أي النهار من الليل، فأول النهار طلوع الفجر الثاني وقيل بياض الفجر من سواد [الليل وقيل: بياض أول النهار من سواد] آخر الليل انتهى 2.

وقال الرازي في قوله تعالى: (أحل لكم) الآية هذا يقتضي حصول هذا الحل في جميع الليل لان ليلة نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا به، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لا كله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ وأما الذي بعده من قوله (كلوا واشربوا حتى يتبين) فذاك يكون كالتأكيد لهذا الناسخ، وأما الذي يقول إن قوله (أحل لكم) الخ يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به، فيكون الناسخ قوله (وكلوا) انتهى، فهذان الفاضلان من الفريقين فسرا الليل والنهار في تلك الآيات بما ترى.

الثامنة: قوله تعالى ﴿ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار﴾ فان مقابلة أطراف النهار بآناء الليل توجب حمله على الأطراف الداخلة

وعلى ما هو المشهور من حمل التسبيح على الصلاة ليس في الطرف الأول من اليوم إلا صلاة الفجر، فيكون وقته داخلا في النهار، ولعل الجمع باعتبار وقت الظهر والعصر أو إجزاء وقتي صلاة الفجر والعصر، ولعل الأول أظهر، وقد مر الكلام فيها .

التاسعة: قوله تعالى (قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا) إلى قوله ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا﴾ 1 فإنه لا ينبغي أن يرتاب في أن الليل المذكور في الآية وما ذكره المفسرون أنه كان قيامه واجبا ثم نسخ، هو الذي منتهاه طلوع الفجر، وأن النصف والثلثين والثلث إنما هي بالنسبة إلى الليل بهذا المعنى، ومن راجع الاخبار والأقوال الواردة في ذلك، لا يبقى له ريب فيما ذكرنا، وكذا قوله تعالى (إن ناشئة الليل) فإنه قد ظهر من الاخبار وأقوال المفسرين أنه نزل في صلاة الليل ووقتها إلى طلوع الفجر.

وقال الطبرسي - ره - 2 والمروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل وسيأتي بعض الأخبار في ذلك في باب صلاة الليل.

العاشرة: قوله سبحانه (فأسر بأهلك بقطع من الليل) إلى قوله ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ قال الرازي: القطع من الليل بعضه، وهو مثل القطعة يريد أخرجوا ليلا لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح، قال نافع بن الأزرق لعبد الله بن عباس أخبرني عن قول الله (بقطع من الليل) قال هو آخر الليل سحر وروي أنهم لما قالوا للوط: (إن موعدهم الصبح) قال أريد أعجل من ذلك بل الساعة، فقالوا أليس الصبح بقريب، قال المفسرون: إن لوطا عليه السلام لما سمع

هذا الكلام خرج بأهله في الليل انتهى وقال في موضع آخر: القطع في آخر الليل قال افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع الليل، وظاهر هذه الآية وقوله تعالى ﴿نجيناهم بسحر﴾ 1 وقوله ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ 2 وأقوال المفسرين فيها أن نجاة آل لوط كان في الليل، وعذاب قومه كان في النهار بعد الفجر، وقد مر بعض كلام المفسرين فيها.

الحادية عشرة: قوله تعالى ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون﴾ 3 فإنه سبحانه قابل الليل بالاصباح، فما بعد الصبح ليس من الليل وقال الطبرسي - ره -: أي تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام على منازلهم وقراهم بالنهار وبالليل، وقال البيضاوي: مصبحين داخلين في الصباح، وبالليل أي ومساء أو نهارا وليلا، وقال الرازي: ذلك لان القوم كانوا يسافرون إلى الشام والمسافر في أكثر الامر إنما يمشي بالليل وفي أول اليوم، فلهذا السبب عين تعالى هذين الوقتين انتهى وقال الواحدي في تفسيره الوسيط (مصبحين) أي نهارا، فظهر أن المفسرين أيضا فهموا كما فهمنا.

الثانية عشرة: قوله تعالى ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾ فإنه فسر في كثير من الروايات الايمان وجه النهار بالصلاة في أول النهار، وليست إلا صلاة الفجر، كما رواه علي بن إبراهيم عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة وهو يصلي إلى نحو بيت المقدس أعجب ذلك اليهود، فلما صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الله الحرام وجدت اليهود من ذلك،

وكان صرف القبلة صلاة الظهر، فقالوا: صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا، فآمنوا بالذي انزل على محمد صلى الله عليه وآله وجه النهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله المسجد الحرام لعلهم يرجعون إلى قبلتنا.

وقال الرازي: وجه النهار هو أوله، والوجه في اللغة مستقبل كل شئ لأنه أول ما يواجه منه كما يقال لأول الثوب وجه الثوب، وقال: قال ابن عباس وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، واكفروا آخره يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة، ففرح اليهود بذلك، و طمعوا أن يكون منهم فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاه الظهر، وقال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار يعني آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق، واكفروا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الظهر وهي آخر النهار فهي الكفر.

ثم روى رواية أخرى وهي أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض: صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة، لعلهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة.

وقال الطبرسي - ره -: وجه النهار أوله ثم ذكر تلك الروايات مجملا ونحوه ذكر البيضاوي وغيره من المفسرين.

الثالثة عشرة: قوله سبحانه (فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا) فان ظاهر التقابل بين الاصباح والليل عدم كون الصبح منه، قال الرازي: قال الليث الصبح والصباح هما أول النهار، وهو الاصباح أيضا، قال تعالى (فالق الاصباح) أي الصبح، وقيل الاصباح مصدر سمي به الصبح، وقال الطبرسي - ره -: نبه الله سبحانه على عظيم نعمته بأن جعل الليل للسكون، والنهار للتصرف، ودل بتعاقبهما

على كمال قدرته وحكمته.

الرابعة عشرة: قوله سبحانه (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) 1 فإنه قد وردت الأخبار المستفيضة بل المتواترة أن المراد بالمشهود أنه يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فظهر أن النهار عند الملائكة وفي السماء أيضا من طلوع الفجر، وقد مضت الروايات فيه أيضا ومقابلته بتهجد الليل مما يقوي ذلك، وظاهر أن التهجد لا يصدق على القيام إلى صلاة الفجر.

وقال الرازي: قال الجمهور معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الامام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الامام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.

وقال الطبرسي - ره -: كلهم قالوا معناه أن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، وكذا ذكر غيرهما من المفسرين وروى الشيخ والكليني والصدوق 2 وغيرهم بأسانيد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في تفسير هذه الآية:

يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فإذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرتين أثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار، وبسند آخر عنه عليه السلام 3 قال: إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر فأنا أحب أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي.

الخامسة عشرة: قوله تعالى ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ فأطلق على وقت عذابهم الصبح والبكرة، وقد صرح اللغويون بأن البكرة أول

النهار، وقد قال تعالى (إن موعدهم الصبح) قال الراغب الاصفهاني في مفرداته:

أصل الكلمة هي البكرة التي هي أول النهار، فاشتق من لفظه لفظ الفعل فقيل بكر فلان بكورا إذا خرج بكرة وقال في الكشاف: (ولقد صبحهم بكرة) أول النهار أو باكره كقوله مشرقين ومصبحين، وقال البيضاوي: وقرء بكرة غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار معين، وقال في قوله تعالى ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا﴾ 1 روي عن أبي العالية ان بكرة صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر، وأيضا ظاهر قوله تعالى قبل ذلك (نجيناهم بسحر) أن ما بعد الصبح ليس بداخل في السحر كما صرح به اللغويون، وقد صرح جماعة بأن السحر آخر الليل، وقال الرازي: (نجيناهم بسحر) أي أمرناهم بالخروج آخر الليل والسحر قبيل الصبح، وقيل هو السدس الاخر من الليل، وفي الكشاف (نجيناهم بسحر) بقطع من الليل، وهو السدس الاخر منه، وقال البيضاوي: أي في سحر وهو آخر الليل، وقد مر ما في الأساس.

السادسة عشرة: قوله سبحانه ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ فان أكثر المفسرين فسروا تسبيح الغد وبصلاة الفجر، وقد صرح اللغويون بأن الغداة من النهار، فصلاة الفجر من صلاة النهار، قال في النهاية: الغدوة المرة من الغدو، وهو سير أول النهار نقيض الروح، والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وفي القاموس الغدوة بالضم البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، كالغداة والغدية، وتغدى أكل أول النهار، وقال الخليل في كتاب العين: الغداء ما يؤكل في أول النهار، وقال في مصباح اللغة: غدا غدوا من باب قعد ذهب غدوة، وهو ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.

السابعة عشرة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا

وسبحوه بكرة وأصيلا) 1 وقد مر أن أكثر المفسرين فسروا تسبيح البكرة بصلاة الغداة، وصرح اللغويون بأن البكرة أول النهار كما مر، وقال في مصباح اللغة: البكرة من الغداة جمعها بكر مثل غرفة وغرف، إلى أن قال: قال أبو زيد في كتاب المصادر: بكر بكورا وغدا غدوا، هذان من أول النهار.

الثامنة عشرة: قوله (وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) 2 وقد مر تقريبه ووجه الاستدلال به وقال الطبرسي - ره - وقيل: معناه صل بأمر ربك بالعشي من زوال الشمس إلى الليل، والابكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس عن مجاهد، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة أكفك ما أهمك، وقال الرازي: الابكار مصدر أبكر يبكر إذا خرج للامر في أول النهار، هذا هو في أصل اللغة ثم سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا وقال في موضع آخر: العشي والابكار قيل صلاة العصر وصلاة الفجر، وقيل الابكار عبارة عن أول النهار إلى نصف النهار والعشي من نصف النهار إلى آخر النهار، وقيل المراد طرفي النهار، وقال البيضاوي: الابكار من طلوع الفجر إلى الضحى.

التاسعة عشرة: قوله سبحانه ﴿وسبح بحمدك ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وإدبار السجود﴾ فان ظاهر المقابلة كون قبل طلوع الشمس من النهار لا من الليل، وفسره الأكثر بصلاة الفجر كما مر، وقال الرازي: قبل طلوع الشمس وقبل الغروب إشارة إلى طرفي النهار، ومن الليل فسبحه إشارة إلى زلفا من الليل.

العشرون: قوله عز وجل: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) إذ المقابلة بين البكرة والأصيل وبين الليل

تقتضي المغايرة، وفسر ذكر البكرة بصلاة الغداة، قال في الكشاف: واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ودم على صلاة الفجر والعصر ومن الليل فاسجد له وبعض الليل فصل له، أو يعني صلاة المغرب والعشاء، وسبحه ليلا طويلا وتهجد له هزيعا طويلا من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه، ونحو ذلك قال الرازي والبيضاوي، إلا أنهما أدخلا صلاة الظهر في ذكر الأصيل، وقال الطبرسي - ره -: أي أقبل على شأنك من ذكر الله والدعاء إليه صباحا ومساء أو البكرة أول النهار والأصيل العشي، وهو أصل الليل، وقال الواحدي في الوسيط أي اذكره بالتوحيد في الصلاة بكرة وعشيا يعني الفجر والعصر، ومن الليل، فاسجد له يعني المغرب والعشاء، وسبحه ليلا طويلا يعني التطوع بعد المكتوبة.

الحادية والعشرون: قوله سبحانه: (والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر) بتقريب ما مر من التقابل كما قابل بين الليل والنهار في آيات كثيرة كقوله (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) (والضحى والليل إذا سجى).

وقال الرازي: ذكروا في القسم بالفجر وجوها أحدها ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب، أقسم الله تعالى بما يحصل فيه من انقضاء الليل وظهور الضوء وانتشار الناس، وسائر الحيوانات من الطير والوحش في طلب الأرزاق، إلى أن قال: ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع، ونظيره (والضحى) وقوله (والنهار إذا تجلى) وثانيها أن المراد نفس صلاة الفجر فأقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في مفتتح النهار، وتجتمع لها ملائكة الليل وملائكة النهار.

هذا ما حضر في الحال وخطر بالبال من الآيات التي يمكن أن يستدل بها على هذا المطلوب، فأشرنا إلى كيفية الاستدلال بها وبأضرابها على الاجمال.

واستدل بعض الأفاضل على خلاف هذا المدعى بقوله تعالى (يقلب الله الليل والنهار) حيث قال: فقد قيل في تفسيره أن الله يقلب بالمعاقبة بينهما أو بنقص

أحدهما وزيادة الاخر أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد، والظلمة والنور، أو ما يعم ذلك، وعندي كل هذه الوجوه خلاف الظاهر وفرق بين تقليب الشئ وتبديل الشئ ومعاقبتهما ، والظاهر من التقليب جعل الشئ عجزا وبالعكس.

وذلك إنما يتحقق في كل واحد من الليل والنهار بالمعنى الذي ذكرناه حسب، بناء على أن في أول الليل الحمرة في جهة المغرب ثم يزداد الليل ظلمة وتزول الحمرة، وتبقى الصفرة والبياض المعترض، ثم البياض المرتفع إلى السماء ثم السواد المحيط بالآفاق، ويزداد الليل ظلمة، وإن لم يظهر أثر الازدياد حتى ينتصف الليل ويصير رأس ظل المخروط على دائرة نصف النهار فوق الأرض، ويكون المخروط حينئذ إما قائما أو مائلا إلى جهة الجنوب أو الشمال مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب، ثم إذا زال الليل مال رأس المخروط عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب، وأخذ الظلمة في الانتقاص، وإن لم يظهر ذلك حسا وانقلبت الحالات الواقعة في النصف الأول فيميل النور إلى جهة المشرق حتى يظهر أثر النور المستطيل في الأفق الشرقي ثم الفجر المعترض ثم الصفرة

والحمرة الشرقيتان إلى أن تطلع الشمس من المشرق.

وفي هذه الحالات تقليب للحالة الأولى، وانعكاس لأمرها، وكذلك إذا طلع الشمس من المشرق، كثر النور في الجهات الشرقية، والظل ممتد من جهة الغرب، وكلما ارتفع نقص الظل وازداد النور والشعاع وارتفاع الشمس، وجميع ما يترتب على ذلك حتى إذا زالت الشمس انعكس الامر، وانقلبت الحال، فصارت الجهات الغربية في حكم الشرقية وبالعكس انتهى.

أقول: يرد عليه أنه مخالف لما ورد في ساير الآيات من إيلاج الليل في النهار، وتكوير الليل على النهار وغير ذلك، والظاهر أن يكون على سياق تلك الآيات، مع أن ذلك ليس تقليب الليل والنهار، بل لنصف الليل ونصف النهار، وعلى ما اخترناه يمكن توجيهه بوجه آخر أظهر، وأوفق بسائر الآيات، و هو أن يقال الليل مقلوب النهار، والنهار مقلوب الليل، من جميع الوجوه، إذ ابتداء اليوم ظهور البياض ثم الصفرة، ثم الحمرة، ثم يطلع الشمس، وكلما ارتفعت ازدادت نورا، وهكذا إلى الزوال، ثم ينقص النور إلى أن تغيب، ثم

يظهر الليل بعكس النهار ترتيبا وصفة، لغروب الشمس أولا ثم ظهور الحمرة ، ثم الصفرة، ثم البياض، ثم تزداد الظلمة إلى الغسق، ثم تنتقص إلى طلوع الفجر، فالليل مقلوب النهار، والنهار مقلوب الليل.

ويمكن أن يقال النكتة في جعل الشفق في أحد الطرفين من النهار، وفي الاخر من الليل أن الانسان بعد نوم الليل والاستراحة يغتنم أدنى ضوء للحركة والانتشار لطلب المعاد والمعاش، بخلاف انتهاء اليوم فإنه لكثرة مشاغله في اليوم وتضجره منها يغتنم أدنى ظلمة لترك الاعمال والاستراحة، فلذا عد من الليل.

وأما الاستدلال بأن الغسق نهاية الظلمة، وهو منتصف ما بين الطلوع والغروب فهو إنما يتم إذا كان المراد بالغسق جزء غير منقسم كالزوال، وهو في محل المنع بل الظاهر من إطلاقات اللغويين أنه قدر من الزمان في وسط الليل تشتد فيه الظلمة، فيمكن أن يكون ابتداؤه موافقا لمنتصف ما بين الغروب إلى الفجر.

وأما الأخبار الواردة في ذلك فهي أكثر من أن تجتمع في موضع، ولنذكر هنا ما يكفي في الدلالة على المقصود والجرعة تدل على الغدير، والحفنة على البيدر الكبير، وأرجو الإعانة من العليم القدير.

1 - الاحتجاج: عن الحسن بن محبوب، عن سماعة قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله عليه السلام: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم بل أقل من ذلك قال: فاستعظمه فقال يا عاجز لم تنكر هذا؟ إن الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، في أقل من يوم تمام الخبر.

بيان: ظاهره أن الأقل باعتبار انضمام ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وان أمكن أن يكون باعتبار الأفق الحسى والأفق الحقيقي لكنه بعيد و الاستدلال بالظواهر.

2 - العلل والخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الأشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أبي هاشم

الخادم قال: قلت لأبي الحسن الماضي عليه السلام: لم جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها؟ قال: إن ساعات الليل اثنتي عشرة ساعة، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، وساعات النهار اثنتي عشرة ساعة فجعل لكل ساعة ركعتين، وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق.

بيان: هذا اصطلاح آخر لليل والنهار، وللساعات المعوجة سوى المشهور، وكان مشهورا بين أهل الكتاب، ولا يدل على شئ من طرفي النزاع، وقال أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي نقلا عن براهمة الهند: إن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك.

3 - الخصال: عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عمه عن أبي إسحاق قال: أملى علينا تغلب ساعات الليل: الغسق، والفحمة، والعشوة، و الهدأة، والسباع، والجنح والهزيع، والفغد، والزلفة، والسحرة والبهرة، وساعات النهار: الرأد، والشروق: والمتوع، والترجل، والدلوك، والجنوح، والهجيرة، والظهيرة، والأصيل، والطفل.

بيان: قال الفيروزآبادي: الغسق محركة ظلمة أول الليل وقال فحمة الليل أوله، أو أشد سواده، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم الناس، خاص بالصيف وقال:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.