بحارالانوار · المجلد السادس عشر
23. باب مواعظ الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ووصاياه
ج ۷۵، ص ۲۵۸–۲۷۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۳
147 - قال محمد بن قيس سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفئتين يلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال عليه السلام، بعهما ما يكنهما الدرع والخفتان والبيضة ونحو ذلك.
148 - وقال عليه السلام: أربع لا تجري في أربع: الخيانة والغلول والسرقة والرياء، لا تجري في حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صدقة.
149 - وقال عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي الايمان إلا أهل صفوته من خلقه.
150 - وقال عليه السلام: من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال.
151 - قيل له: ما كان في وصية لقمان؟ فقال عليه السلام: كان فيها الأعاجيب وكان من أعجب ما فيها أن قال لابنه: خف الله خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك
وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا.
152 - قال أبو بصير: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان؟ فقال عليه السلام:
الايمان بالله أن لا يعصي، قلت: فما الاسلام؟ فقال عليه السلام: من نسك نسكنا وذبح ذبيحتنا.
153 - وقال عليه السلام: لا يتكلم أحد بكلمة هدى فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها. ولا يتكلم بكلمة ضلالة فيؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها.
154 - وقيل له: إن النصارى يقولون: إن ليلة الميلاد في أربعة وعشرين من كانون فقال: كذبوا، بل في النصف من حزيران ويستوي الليل والنهار في النصف من أزار.
155 - وقال عليه السلام: كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين. وكان الذبيح إسماعيل عليه السلام أما سمع قول إبراهيم عليه السلام: " رب هب لي من الصالحين " إنما سأل ربه أن يرزقه غلاما من الصالحين فقال في سورة الصافات: " فبشرناه بغلام حليم " يعني إسماعيل، ثم قال: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين ".
فمن زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل فقد كذب بما أنزل الله من القرآن.
156 - وقال عليه السلام: أربعة من أخلاق الأنبياء عليهم السلام: البر والسخاء والصبر على النائبة والقيام بحق المؤمن.
157 - وقال عليه السلام: لا تعدن مصيبة أعطيت عليها الصبر واستوجبت عليها من الله ثوابا بمصيبة، إنما المصيبة أن يحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها.
158 - وقال عليه السلام: إن لله عبادا من خلقه في أرضه يفزع إليهم في حوائج الدنيا والآخرة، أولئك هم المؤمنون حقا، آمنون يوم القيامة. ألا وإن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه، ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين.
159 - وقال عليه السلام: إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا إخوانكم وبروا إخوانكم، ولو بحسن السلام ورد الجواب.
160 - قال سفيان الثوري: دخلت على الصادق عليه السلام فقلت له: أوصني بوصية أحفظها من بعدك؟ قال عليه السلام: وتحفظ يا سفيان؟ قلت: أجل يا ابن بنت رسول الله، قال عليه السلام يا سفيان: لا مروة لكذوب، ولا راحة لحسود، ولا إخاء لملوك، ولا خلة لمختال . ولا سؤدد لسئ الخلق ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني؟ فقال عليه السلام: يا سفيان ثق بالله تكن عارفا. وارض بما قسمه لك تكن غنيا. صاحب بمثل ما يصاحبونك به تزدد إيمانا. ولا تصاحب الفاجر فيعلمك من فجوره. وشاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل. ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني؟ فقال عليه السلام: يا سفيان من أراد عزا بلا سلطان وكثرة بلا إخوان وهيبة بلا مال فلينتقل من ذل معاصي الله إلى عز طاعته.
ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني؟ فقال عليه السلام: يا سفيان أدبني أبي عليه السلام بثلاث ونهاني عن ثلاث: فأما اللواتي أدبني بهن فإنه قال لي:
يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم. ومن لا يقيد ألفاظه يندم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم. قلت: يا ابن بنت رسول الله فما الثلاث اللواتي نهاك عنهن؟
قال عليه السلام: نهاني أن أصحاب حاسد نعمة، وشامتا بمصيبة، أو حامل نميمة.
161 - وقال عليه السلام: ستة لا تكون في مؤمن: العسر. والنكد والحسد واللجاجة، والكذب. والبغي.
162 - وقال عليه السلام: المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الله فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلا خائفا، ولا يمسي إلا خائفا، ولا يصلحه إلا الخوف.
163 - وقال عليه السلام: من رضي بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته، وزكت مكتسبه، وخرج من حد العجز.
164 - وقال سفيان الثوري: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ فقال عليه السلام: والله إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب فقلت له: وما أحزنك؟ وما شغل قلبك؟ فقال عليه السلام لي: يا ثوري إنه من داخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه. يا ثوري ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟
هل الدنيا إلا أكل أكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة. دار الدنيا دار زوال ودار الآخرة دار قرار أهل الدنيا أهل غفلة. إن أهل التقوى أخف أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكروك أعلموك، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شئ منه. فكم من حريص على أمر قد شقى به حين أتاه. وكم من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه.
165 - وقيل له: ما الدليل على الواحد؟ فقال عليه السلام: ما بالخلق من الحاجة.
166 - وقال عليه السلام: لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة.
167 - وقال عليه السلام: المال أربعة آلاف. واثنا عشر ألف درهم كنز. ولم يجتمع عشرون ألفا من حلال. وصاحب الثلاثين ألفا هالك. وليس من شيعتنا من يملك مائة ألف درهم.
168 - وقال عليه السلام: من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله. ولا يحمدهم على ما رزق الله. ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن رزقه لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كره كاره. ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه قبل موته كما يدركه الموت.
169 - وقال عليه السلام: من شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحنه اذنه ولا يمتدح بنا معلنا. ولا يواصل لنا مغضبا. ولا يخاصم لنا وليا ولا يجالس لنا عائبا. قال له مهزم: فيكف أصنع بهؤلاء المتشيعة؟ قال عليه السلام: فيهم التمحيص وفيهم التمييز وفيهم التنزيل تأتي عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم. شيعتنا من لا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل وإن مات جوعا. قلت: فأين أطلب هؤلاء؟ قال عليه السلام: اطلبهم في أطراف الأرض
أولئك الخفيض عيشهم المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا وإن مرضوا لم يعادوا. وإن خطبوا لم يزوجوا. وإن رأوا منكرا أنكروا. وإن خاطبهم جاهل سلموا، وإن لجأ إليهم ذو الحاجة منهم رحموا. وعند الموت هم لا يحزنون. لم تختلف قلوبهم وإن رأيتهم اختلفت بهم البلدان.
170 - وقال عليه السلام: من أراد أن يطول الله عمره فليقم أمره. ومن أراد أن يحط وزره فليرخ ستره. ومن أراد أن يرفع ذكره فليخمل أمره.
171 - وقال عليه السلام: ثلاث خصال هن أشد ما عمل به العبد: إنصاف المؤمن من نفسه، ومواساة المرء لأخيه، وذكر الله على كل حال، قيل له: فما معنى ذكر الله على كل حال؟ قال عليه السلام: يذكر الله عند كل معصية يهم بها فيحول بينه وبين المعصية.
172 - وقال عليه السلام، الهمز زيادة في القرآن.
173 - وقال عليه السلام: إياكم والمزاح، فإنه يجر السخيمة ويورث الضغينة وهو السب الأصعر.
174 - وقال الحسن بن راشد: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكرها لبعض إخوانك، فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية، وإما معونة بجاه، أو دعوة مستجابة: أو مشورة برأي.
175 - وقال عليه السلام: لا تكونن دوارا في الأسواق ولا تكن شراء دقائق الأشياء بنفسك، فإنه يكره للمرء ذي الحسب والدين أن يلي دقائق الأشياء بنفسه إلا في ثلاثة أشياء: شراء العقار والرقيق والإبل.
176 - وقال عليه السلام: لا تكلم بما لا يعنيك، ودع كثيرا من الكلام فيما يعنيك حتى تجد له موضعا. فرب متكلم تكلم بالحق بما يعنيه في غير موضعه فتعب، ولا تمارين سفيها ولا حليما، فان الحليم يغلبك والسفيه يرديك، واذكر أخاك إذا تغيب بأحسن ما تحب أن يذكرك به إذا تغيبت عنه، فان هذا هو العمل، واعمل عمل من يعلم أنه مجزي بالاحسان مأخوذ بالاجرام.
177 - وقال له يونس: لولائي لكم وما عرفني الله من حقكم أحب
إلي من الدنيا بحذافيرها. قال يونس: فتبينت الغضب فيه، ثم قال عليه السلام: يا يونس قستنا بغير قياس ما الدنيا وما فيها هل هي إلا سد فورة، أو ستر، عورة وأنت لك بمحبتنا الحياة الدائمة.
178 - وقال عليه السلام: يا شيعة آل محمد إنه ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب، ولم يحسن صحبة من صحبه، ومرافقة من رافقه، ومصالحة من صالحه، و مخالفة من خالفه. يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
179 - وقال عبد الأعلى: كنت في حلقة بالمدينة فذكروا الجود فأكثروا فقال رجل منهم يكنى أبا دلين: إن جعفرا وإنه لولا أنه - ضم يده -. فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: تجالس أهل المدينة؟ قلت: نعم، قال عليه السلام: فما حدثت بلغني فقصصت عليه الحديث، فقال عليه السلام: ويح أبي دلين إنما مثله مثل الريشة تمر بها الريح فتطيرها ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل معروف صدقة وأفضل
الصدقة صدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من السفلى.
ولا يلوم الله على الكفاف، أتظنون أن الله بخيل وترون أن شيئا أجود من الله إن الجواد السيد من وضع حق الله موضعه. وليس الجواد من يأخذ المال من غير حله ويضع في غير حقه، أما والله إني لأرجو أن ألقى الله ولم أتناول ما لا يحل بي وما ورد علي حق الله إلا أمضيته، وما بت ليلة قط ولله في مالي حق لم أرده.
180 - وقال عليه السلام: لا رضاع بعد فطام ولا وصال في صيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد -
الفتح، ولا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين لولد مع والده ولا للمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة.
181 - وقال عليه السلام: ليس من أحد - وإن ساعدته الأمور - بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته لان من شأن الأيام السلب، وسبيل الزمن الفوت.
182 - وقال عليه السلام: المعروف زكاة النعم، والشفاعة زكاة الجاه، والعلل زكاة الأبدان، والعفو زكاة الظفر، وما أديت زكاته فهو مأمون السلب.
183 - وكان عليه السلام يقول عند المصيبة: " الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني والحمد لله الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم مما كانت [كانت] والحمد لله على الامر الذي شاء أن يكون وكان ".
184 - وقال عليه السلام: يقول الله: من استنقذ حيرانا من حيرته سميته حميدا وأسكنته جنتي.
185 - وقال عليه السلام: إذا أقبلت دنيا قوم كسوا محاسن غيرهم، وإذا أدبرت سلبوا محاسن أنفسهم.
186 - وقال عليه السلام: البنات حسنات والبنون نعم، فالحسنات تثاب عليهن والنعمة تسال عنها.
109 - تحف العقول: ومن حكمه عليه السلام لا يصلح من لا يعقل ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من يفهم، ويظفر من يحلم، والعلم جنة، والصدق عز، والجهل ذل، و الفهم مجد والجود نجح، وحسن الخلق مجلبة للمودة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس والحزم مشكاة الظن والله ولي من عرفه وعدو من تكلفه والعاقل غفور والجاهل ختور، وإن شئت أن تكرم فلن، وأن شئت أن تهان فاخشن، ومن كرم أصله لان قلبه، ومن خشن عنصره غلظ كبده ومن فرط تورط ومن خاف العاقبة تثبت فيها لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه، ومن لم يعلم لم يفهم، ومن لم يفهم لم يسلم، ومن لم يسلم لم يكرم ومن لم يكرم تهضم، ومن تهضم كان ألوم ومن كان كذلك كان أحرى أن
يندم، إن قدرت أن لا تعرف فافعل، وما عليك إذا لم يثن الناس عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا، إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: " لا خير في الحيادة إلا لاحد رجلين: رجل يزداد كل يوم فيها إحسانا ورجل يتدارك منيته بالتوبة ". إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل وإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن. صومعة المسلم بيته، يحبس فيه نفسه وبصره ولسانه وفرجه. إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله قبل أن يظهر شكرها على لسانه.
ثم قال عليه السلام: كم من مغرور بما أنعم الله عليه، وكم من مستدرج بستر الله عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه. إني لأجور النجاة لمن عرف حقنا من هذه الأمة إلا [ل] أحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن، الحب أفضل من الخوف، والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالي غيرنا ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله، كن ذنبا ولا تكن رأسا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من خاف كل لسانه ".
110 - السرائر: ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجزري قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله خاف منه كل شئ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ، ومن رضي من الله باليسير من المعاش رضي الله عنه باليسير من العمل، ومن لم يستحي من طلب الحلال وقنع به خفت مؤونته ونعم أهله، ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق به لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام.
111 - السرائر: من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن عنبسة العابد قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: أوصني قال: أعد جهازك، وقدم زادك وكن وصي
نفسك، لا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك.
112 - أقول: روى الشهيد الثاني - رحمه الله - بإسناده عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن سليمان النوفلي قال: كنت عند جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: فإذا بمولى لعبد الله النجاشي قد ورد عليه فسلم وأوصل إليه كتابه ففضة وقرأه فإذا أول سطر فيه بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاء سيدي وجعلني من كل سوء فداءه ولا أراني فيه مكروها فإنه ولي ذلك والقادر عليه، إعلم سيدي ومولاي إني بليت بولاية الأهواز فإن رأى سيدي أن يحد لي حدا أو يمثل لي مثلا لاستدل به على ما يقر بني إلى الله عز وجل وإلى رسوله ويلخص في كتابه ما يرى لي العمل به وفيما بذله وابتذله وأين أضع زكاتي وفيمن أصرفها وبمن آنس وإلى من أستريح ومن أثق وآمن وألجأ إليه في سري؟ فعسى أن يخلصني الله بهدايتك ودلالتك، فإنك حجة الله على خلقه، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك.
قال عبد الله بن سليمان فأجابه أبو عبد الله عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم جاملك الله بصنعه، ولطف بك بمنه، وكلاك برعايته، فإنه ولي ذلك. أما بعد فقد جاء إلي رسولك بكتابك فقرأته، وفهمت جميع ما ذكرته، وسألت عنه، وزعمت أنك بليت بولاية الأهواز فسرني ذلك و ساءني، وسأخبرك بما ساءني من ذلك، وما سرني إن شاء الله تعالى فأما سروري بولايتك فقلت: عسى أن يغيث الله بك ملهوفا خائفا من أولياء آل محمد صلى الله عليه وآله ويعز بك ذليلهم ويكسو بك عاريهم، ويقوي بك ضعيفهم، ويطفئ بك نار المخالفين عنهم، وأما الذي ساءني من ذلك فان أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بولي لنا فلا تشم حظيرة القدس، فاني ملخص لك جميع ما سألت عنه إن أنت عملت به، ولم تجاوزه
رجوت أن تسلم إن شاء الله تعالى.
أخبرني يا عبد الله أبي، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبه ".
واعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به تخلصت مما أنت متخوفه واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكف الأذى من أولياء الله والرفق بالرعية والتأني، وحسن المعاشرة مع لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، و مدارأة صاحبك ومن يرد عليك من رسله. وارتق فتق رعيتك بأن توفقهم على ما وافق الحق والعدل إن شاء الله.
إياك والسعاة وأهل النمايم فلا يلتزقن منهم بك أحد، ولا يراك الله يوما وليلة وأنت تقبل منهم صرفا ولا عدلا، فيسخط الله عليك ويهتك سترك، واحذر مكر خوز الأهواز فان أبي أخبرني، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " الايمان لا يثبت في قلب يهودي ولا خوزي أبدا " فأما من تأنس به تستريح إليه وتلجئ أمورك إليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك، وميز أعوانك وجرب الفريقين فان رأيت هنالك رشدا فشأنك وإياه.
وإياك أن تعطي درهما، أو تخلع ثوبا، أو تحمل على دابة في غير ذات الله لشاعر أو مضحك أو متمزح إلا أعطيت مثله في ذات الله، ولتكن جوائزك و عطاياك وخلعك للقواد والرسل والأجناد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس، وما أردت أن تصرفه في وجوه البر والنجاح العتق والصدقة والحج و
المشرب والكسوة التي تصلي فيها وتصل بها والهدية التي تهديها إلى الله تعالى عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وآله من أطيب كسبك، يا عبد الله اجهد أن لا تكنز ذهبا ولا فضة فتكون من أهل هذه الآية التي قال الله عز وجل " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية لتسكن بها غضب الله تبارك وتعالى.
واعلم أني سمعت من أبي يحدث من آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول لأصحابه يوما: " ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان و جاره جائع " فقلنا: هلكنا يا رسول الله، فقال: من فضل طعامكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفئون بها غضب الرب وسأنبئك بهوان الدنيا وهوان شرفها على ما مضى من السلف والتابعين.
فقد حدثني محمد بن علي بن الحسين قال عليه السلام: لما تجهز الحسين عليه السلام إلى الكوفة أتاه ابن عباس فنا شده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطف فقال: أنا أعروف بمصرعي منك وما وكدي من الدنيا إلا فراقها، ألا أخبرك يا ابن عباس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدنيا؟ فقال له: بلى لعمري إني لأحب أن تحدثني بأمرها، فقال أبي: قال علي بن الحسين عليه السلام: سمعت أبا عبد الله الحسين عليه السلام يقول: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام قال: إني كنت بفدك في بعض حيطانها، وقد صارت لفاطمة عليها السلام قال: فإذا أنا بامرأة قد هجمت علي وفي يدي مسحاة وأنا أعمل بها، فلما نظرت إليها طار قلبي مما تداخلني من جمالها فشبهتها ببثينة بنت عامر الجمحي وكانت من أجمل نساء قريش فقالت: يا ابن أبي طالب هل
لك أن تتزوج بي فأغنيك عن هذه المسحاة وأدلك على خزائن الأرض فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك؟ فقال لها: من أنت حتى أخطبك من أهلك فقالت:
أنا الدنيا قال لها: فارجعي واطلبي زوجا غيري [فلست من شأني]. وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول:
لقد خاب من عزته دنيا دنية * وما هي إن غرت قرونا بنائل أتتنا على زي العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشمائل فقلت لها: غري سواي فإنني * عزوف عن الدنيا فلست بجاهل وما أنا والدنيا فان محمدا * أحل صريعا بين تلك الجنادل وهبها أتتنا بالكنوز ودرها * وأموال قارون وملك القبائل أليس جميعا للفناء مصيرنا * ويطلب من خزانها بالطوائل فغري سواي إنني غير راغب * بما فيك من ملك وعز ونائل فقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل فاني أخاف الله يوم لقائه * وأخشى عذابا دائما غير زائل " فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة لاحد حتى لقى الله محمودا غير ملوم ولا مذموم. ثم اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم لم يتلطخوا بشئ من بوائقها صلوات الله عليهم أجمعين وأحسن مثواهم.
وقد وجهت إليك بمكارم الدنيا والآخرة، وعن الصادق المصدق رسول الله فان أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثم كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار رجوت الله أن يتجافى عنك عز وجل بقدرته.
يا عبد الله إياك أن تخيف مؤمنا فان أبي محمد بن علي حدثني، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: " من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها
أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله، وحشره في صورة الذر لحمه وجسده وجميع أعضائه حتى يورده مورده ".
وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أغاث لهفانا من المؤمنين أغاثه الله يوم لا ظل إلا ظله، وآمنه يوم الفزع الأكبر، وآمنه عن سوء المنقلب، ومن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له حوائج كثيرة إحديها الجنة، ومن كسا أخاه المؤمن من عرى كساه الله من سندس الجنة وإستبرقها و حريرها ولم يزل يخوض في رضوان الله ما دام على المكسو منها سلك، ومن أطعم أخاه من جوع أطعمه الله من طيبات الجنة، ومن سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم رية، ومن أخدم أخاه أخدمه الله من الولدان المخلدين، وأسكنه مع أوليائه الطاهرين، ومن حمل أخاه المؤمن من رحله حمله الله على ناقة من نوق الجنة، وباهى به الملائكة المقربين يوم القيامة، ومن زوج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها ويشد عضده ويستريح إليها، زوجه الله من الحور العين، وآنسه بمن أحب من الصديقين من أهل بيت نبيه وإخوانه وآنسهم به، ومن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه الله على إجازة الصراط عند زلزلة الاقدام، ومن زار أخاه المؤمن إلى منزله لا لحاجة منه إليه كتب من زوار الله، وكان حقيقا على الله أن يكرم زائره ".
يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لأصحابه يوما: " معاشر الناس إنه ليس بمؤمن من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، فلا تتبعوا عثرات المؤمنين فإنه من اتبع عثرة مؤمن اتبع الله عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته ".
وحدثني أبي عن علي عليه السلام أنه قال: " أخذ الله ميثاق المؤمن أن لا يصدق في مقالته ولا ينتصف من عدوه، وعلى أن لا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه، لان كل مؤمن ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة، أخذ الله ميثاق المؤمن على أشياء
أيسرها عليه مؤمن مثله يقول بمقالته، يبغيه ويحسده، والشيطان يغويه ويمقته، و السلطان يقفو أثره، ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دينا وإباحة حريمه غنما، فما بقاء المؤمن بعد هذا ".
يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال:
" نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يقرء عليك السلام ويقول: اشتققت للمؤمن اسما من أسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن مني وأنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة ".
يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوما: " يا علي لا تناظر رجلا حتى تنظر في سريرته، فان كانت سريرته حسنة فان الله عز وجل لم يكن ليخذل وليه وإن كانت سريرته ردية فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به أكثر مما عمله من معاصي الله عز وجل ما قدرت عليه ".
يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال:
" أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لأخلاق لهم ".
يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه قال: " من قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت أذناه ما يشينه ويهدم مروته، فهو من الذين قال الله عز وجل: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ".
يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه قال: من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروته وثلبه أوبقه الله بخطيئته حتى يأتي
بمخرج مما قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبدا، ومن أدخل على أخيه المؤمن سرورا فقد أدخل على أهل البيت عليهم السلام سرورا ومن أدخل على أهل البيت سرورا فقد أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله سرورا، ومن أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله سرورا فقد سر الله، ومن سر الله فحقيق عليه أن يدخله الجنة حينئذ ".
ثم إني أوصيك بتقوى الله، وإيثار طاعته، والاعتصام بحبله فإنه من اعتصم بحبل الله فقد هدي إلى صراط مستقيم، فاتق الله ولا تؤثر أحدا على رضاه وهواه فإنه وصية الله عز وجل إلى خلقه لا يقبل منهم غيرها ولا يعظم سواها، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشئ أعظم من التقوى، فإنه وصيتنا أهل البيت، فان استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئا تسأل عنه غدا فافعل.
قال عبد الله بن سليمان: فلما وصل كتاب الصادق عليه السلام إلى النجاشي نظر فيه فقال: صدق والله الذي لا إله إلا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلا نجا، فلم يزل عبد الله يعمل به في أيام حياته.
113 - كتاب الأربعين في قضاء حقوق المؤمنين وأعلام الدين: قال جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام: المؤمن يداري ولا يماري. وقال عليه السلام: من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان في غده شرا من يومه فهو مفتون، ومن لم يتفقد النقصان في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له، ومن أدب من غير عمد كان للعفو أهلا. وقال عليه السلام: اطلبوا العلم ولو بخوض اللجج وشق المهج.
وقال عليه السلام لجاهل سخي خير من ناسك بخيل.
وسئل عليه السلام عن التواضع فقال: هو أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقا.
وقال عليه السلام: إذا دق العرض استصعب جمعه.
وقال عليه السلام: المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل. والذي إذا قدر لم يأخذ أكثر من ماله.
وقال عليه السلام: كتاب الله عز وجل على أربعة أشياء: على العبارة والإشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء.
وقال عليه السلام: من سأل فوق قدره استحق الحرمان.
وقال عليه السلام: من أكرمك فأكرمه، ومن استخفك فأكرم نفسك عنه.
وقال عليه السلام: من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم.
وقال عليه السلام: سرك من دمك فلا تجريه في غير أوداجك.
وقال عليه السلام: صدرك أوسع لسرك.
وقال عليه السلام: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من دونه، ولم يصفح عمن اعتذر إليه، والقادر على الشئ سلطان.
وقال عليه السلام: إن القلب يحيى ويموت فإذا حيي فأدبه بالتطوع، وإذا مات فاقصره على الفرائض.
وقال عليه السلام: لا تحدث من تخاف أن يكذبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تثق إلى من تخاف أن يعذبك ومن لم يواخ إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب كثر تبعته.
وقال عليه السلام: من عذب لسانه زكي عقله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهله زيد في عمره.
وقال عليه السلام: إن الزهاد في الدنيا نور الجلال عليهم، وأثر الخدمة بين أعينهم، وكيف لا يكونون كذلك وإن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك الدنيا فيرى عليه أثره فكيف بمن ينقطع إلى الله تعالى لا يرى أثره عليه.
وقال عليه السلام: صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة قال الله تعالى:
" والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ".
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.