پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس عشر

24. باب ما روى عن الصادق عليه السلام من وصاياه لأصحابه

ج ۷۵، ص ۲۷۸–۲۹۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۵

يا ابن جندب حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه، فان رأى حسنة استزاد منها. وإن رأى سيئة استغفر منها لئلا يخزي يوم القيامة. طوبى لعبد لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من -

نعيم الدنيا وزهرتها، طوبى لعبد طلب الآخرة وسعى لها، طوبى لمن لم تلهه الأماني الكاذبة. ثم قال عليه السلام: رحم الله قوما كانوا سراجا ومنارا، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقتهم، ليس‍ [وا] كمن يذيع أسرارنا.

يا ابن جندب إنما المؤمنون الذين يخافون الله، ويشفقون أن يسلبوا ما أعطوا من الهدى، فإذا ذكروا الله ونعماءه وجلوا وأشفقوا، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا مما أظهره من نفاذ قدرته، وعلى ربهم يتوكلون.

يا ابن جندب قديما عمر الجهل وقوي أساسه وذلك لاتخاذهم دين الله لعبا حتى لقد كان المتقرب منهم إلى الله بعمله يريد سواه أولئك هم الظالمون.

يا ابن جندب لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة، ولأظلهم الغمام، و لأشرقوا نهارا، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولما سألوا الله شيئا إلا أعطاهم.

يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلا خيرا، واستكينوا إلى الله في توفيقهم، وسلوا التوبة لهم، فكل من قصدنا وتولانا، ولم يوال عدونا وقال ما يعلم، وسكت عما لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة.

يا ابن جندب يهلك المتكل على عمله، ولا ينجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمة الله. قلت: فمن ينجو؟ قال: الذين هم بين الرجاء والخوف، كأن قلوبهم في مخلب طائر شوقا إلى الثواب وخوفا من العذاب.

يا ابن جندب من سره أن يزوجه الله الحور العين، ويتوجه بالنور فليدخل على أخيه المؤمن السرور.

يا ابن جندب أقل النوم بالليل والكلام بالنهار، فما في الجسد شئ أقل شكرا من العين واللسان ، فان أم سليمان قالت لسليمان عليه السلام: يا بني إياك و النوم، فإنه يفقرك يوم يحتاج الناس إلى أعمالهم.

يا ابن جندب إن للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه ومصائده

قلت: يا ابن رسول الله وما هي؟ قال: أما مصائده فصد عن بر الاخوان، وأما شباكه فنوم عن قضاء الصلوات التي فرضها الله، أما إنه ما يعبد الله بمثل نقل الاقدام إلى بر الاخوان وزيارتهم، ويل للساهين عن الصلوات، النائمين في الخلوات، المستهزئين بالله وآياته في الفترات " أولئك (الذين) لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله [ولا ينظر إليهم] يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ".

يا ابن جندب من أصبح مهموما لسوى فكاك رقبته فقد هون عليه الجليل ورغب من ربه في الوتح الحقير ومن غش أخاه وحقره وناواه جعل الله النار مأواه، ومن حسد مؤمنا انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء.

يا ابن جندب الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر واحد، وما عذب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.

يا ابن جندب بلغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الاخوان في الله. وليس من شيعتنا من يظلم الناس.

يا ابن جندب إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى: بالسخاء والبذل للاخوان وبأن يصلوا الخمسين ليلا ونهارا، شيعتنا لا يهرون هرير الكلب، ولا يطمعون طمع الغراب، ولا يجاورون لنا عدوا، ولا يسألون لنا مبغضا، ولو ماتوا جوعا، شيعتنا لا يأكلون الجري ولا يمسحون على الخفين، ويحافظون على الزوال، ولا

يشربون مسكرا. قلت: جعلت فداك فأين أطلبهم؟ قال عليه السلام: على رؤوس الجبال وأطراف المدن. وإذا دخلت مدينة فسل عمن لا يجاورهم ولا يجاورونه فذلك مؤمن كما قال الله: " وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى " والله لقد كان حبيب النجار وحده.

يا ابن جندب كل الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك، وكل البر مقبول إلا ما كان رئاء.

يا ابن جندب أحبب في الله وابغض في الله، واستمسك بالعروة الوثقى، واعتصم بالهدى يقبل عملك فإن الله يقول: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " فلا يقبل إلا الايمان، ولا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بيقين، ولا يقين إلا بالخشوع وملاكها كلها الهدى، فمن اهتدى يقبل عمله وصعد إلى الملكوت متقبلا " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ".

يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا، واجعل الموت نصب عينك، ولا تدخر شيئا لغد، و اعلم أن لك ما قدمت وعليك ما أخرت.

يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه، من يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ويحفظ له ما غاب عنه. وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ولكل نعمة شكرا، ولكل عسر يسرا، صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال، أو رزية فإنما يقبض عاريته ويأخذ

هبته ليبلو فيهما صبرك وشكرك، وارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته، ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر و تعجب بعملك، فان أفضل العمل العبادة والتواضع، فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك، وأقنع بما قسمه الله لك، ولا تنظر إلا إلى ما عندك، ولا تتمن ما لست تناله، فان من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظك من آخرتك، ولا تكن بطرا في الغنى، ولا جزعا في الفقر، ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك، ولا تشار من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الامر أهله، ولا تطع السفهاء، ولا تكن مهينا تحت كل أحد، ولا تتكلن على كفاية أحد، وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، واجعل قلبك قريبا تشاركه واجعل علمك والدا تتبعه، واجعل نفسك عدوا تجاهده، وعارية تردها، فإنك قد جعلت طبيب نفسك، وعرفت آية الصحة وبين لك الداء، ودللت على الدواء. فانظر قيامك على نفسك، وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المنن والذكر لها، و لكن اتبعها بأفضل منها، فان ذلك أجمل بك في أخلاقك، وأوجب للثواب في آخرتك، وعليك بالصمت تعد حليما - جاهلا كنت أو عالما - فإن الصمت زين لك عند العلماء، وستر لك عند الجهال.

يا ابن جندب إن عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه: " أرأيتم لو أن أحدكم مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفا عنها كلها أم يرد عليها ما انكشف منها؟ قالوا: بل نرد عليها، قال: كلا، بل تكشفون عنها كلها - فعرفوا أنه مثل ضربه لهم - فقيل: يا روح الله وكيف ذلك؟ قال: الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم إنكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون.

إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة. طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عنيه لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب و انظروا في عيوبكم كهيئة العبيد. إنما الناس رجلان مبتلى ومعافي، فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية ".

يا ابن جندب صل من قطعك، واعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك وسلم على من سبك، وأنصف من خاصمك، واعف عمن ظلمك، كما أنك تحب أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار و الفجار، وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين.

يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك، فإن الذي تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا يطلع الناس على صدقتك. واخفض الصوت، إن ربك الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه، وإذا صمت فلا تغتب أحدا، ولا تلبسوا صيامكم بظلم، ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس، مغبرة وجوههم، شعثة رؤوسهم، يابسة أفواههم لكي يعلم الناس أنهم صيام.

يا ابن جندب الخير كله أمامك، وإن الشر كله أمامك، ولن ترى الخير والشر إلا بعد الآخرة، لان الله عز وجل جعل الخير كله في الجنة والشر كله في النار، لأنهما الباقيان، والواجب على من وهب الله له الهدى وأكرمه بالايمان وألهمه رشده، وركب فيه عقلا يتعرف به نعمه، وآتاه علما وحكما يدبر به أمر دينه ودنياه أن يوجب على نفسه أن يشكر الله ولا يكفره، وأن يذكر الله ولا ينساه وأن يطيع الله ولا يعصيه، للقديم الذي تفرد له بحسن النظر، وللحديث الذي أنعم عليه بعد إذ أنشأه مخلوقا، وللجزيل الذي وعده، والفضل الذي لم يكلفه من طاعته فوق طاقته وما يعجز عن القيام به وضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك

وندبه إلى الاستعانة على قليل ما كلفه وهو معرض عما أمره وعاجز عنه قد لبس ثوب الاستهانة فيما بينه وبين ربه، متقلدا لهواه، ماضيا في شهواته، مؤثرا لدنياه على آخرته، وهو في ذلك يتمنى جنان الفردوس، وما ينبغي لاحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجار منازل الأبرار. أما إنه لو وقعت الواقعة، وقامت القيامة، وجاءت الطامة، ونصب الجبار الموازين لفصل القضاء، وبرز الخلائق ليوم الحساب أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة والكرامة، وبمن تحل الحسرة والندامة، فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة.

يا ابن جندب قال الله حل وعز في بعض ما أوحي: " إنما اقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي، ويقطع نهاره بذكري، ولا يتعظم على خلقي، ويطعم الجائع ويكسو العاري ويرحم المصاب ويؤوي الغريب فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما، أكلاه بعزتي وأستحفظه ملائكتي، يدعوني فألبيه ، ويسألني فاعطيه، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنات الفردوس لا يسبق أثمارها، ولا تتغير عن حالها.

يا ابن جندب الاسلام عريان، فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس، وأساس الاسلام جبنا أهل البيت.

يا ابن جندب إن الله تبارك وتعالى سورا من نور، محفوفا بالزبرجد و الحرير، منجدا بالسندس والديباج، يضرب هذا السور بين أوليائنا وبين أعدائنا، فإذا على الدماغ وبلغت القلوب الحناجر ونضجت الأكباد من طول

الموقف ادخل في هذا السور أولياء الله، فكانوا في أمن الله وحرزه، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. وأعداء الله قد ألجمهم العرق، وقطعهم الفرق، وهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم، فيقولون: " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار " فينظر إليهم أولياء الله فيضحكون منهم، فذلك قوله عز وجل:

" اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار ". وقوله: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون " فلا يبقى أحد ممن أعان مؤمنا من أوليائنا بكلمة إلا أدخله الله الجنة بغير حساب.

2 - تحف العقول: وصيته عليه السلام لأبي جعفر محمد بن النعمان الأحول

قال أبو جعفر: قال لي الصادق عليه السلام: إن الله عز وجل عير أقواما في القرآن بالإذاعة فقلت له: جعلت فداك أين قال؟ قال: قوله: " وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به " ثم قال: المذيع علينا سرنا كالشاهر بسيفه علينا، رحم الله عبدا سمع بمكنون علمنا فدفنه تحت قدميه. والله إني لاعلم بشراركم من البيطار بالدواب، شراركم الذين لا يقرؤون القرآن إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، ولا يحفظون ألسنتهم.

إعلم أن الحسن بن علي عليهما السلام لما طعن واختلف الناس عليه سلم الامر لمعاوية فسلمت عليه الشيعة " عليك السلام يا مذل المؤمنين "، فقال عليه السلام: " ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الامر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم ".

يا ابن النعمان إني لا حدث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عني فأستحل بذلك لعنته ولا براءة منه. فان أبي كان يقول: " وأي شئ أقر للعين من التقية، إن التقية جنة المؤمن ولولا التقية ما عبد الله ". وقال الله عز وجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقيه ".

يا ابن النعمان إياك والمراء، فإنه يحبط عملك. وإياك والجدال، فإنه يوبقك. وإياك وكثرة الخصومات، فإنها تبعدك من الله. ثم قال: إن من كان قبلكم كانوا يتعلمون الصمت وأنتم تتعلمون الكلام، كان أحدهم إذا أراد التعبد يتعلم الصمت قبل ذلك بعشر سنين فإن كان يحسنه ويصبر عليه تعبد وإلا قال: ما أنا لما أروم بأهل، إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء وصبر في دولة الباطل على الأذى، أولئك النجباء الأصفياء الأولياء حقا وهم المؤمنون. إن أبغضكم إلي المتراسون المشاؤون بالنمائم، الحسدة لإخوانهم، ليسوا مني ولا أنا منهم. إنما أوليائي الذين سلموا لامرنا واتبعوا آثارنا واقتدوا بنا في كل أمورنا. ثم قال: والله لو قدم أحدكم ملء الأرض ذهبا على الله، ثم حسد مؤمنا لكان ذلك الذهب مما يكوى به في النار.

يا ابن النعمان إن المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا.

يا ابن النعمان إنه من روى علينا حديثا فهو ممن قتلنا عمدا ولم يقتلنا خطأ.

يا ابن النعمان إذا كانت دولة الظلم فامش واستقبل من تتقيه بالتحية، فان المتعرض للدولة قاتل نفسه وموبقها، إن الله يقول: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

يا ابن النعمان إنا أهل بيت لا يزال الشيطان يدخل فينا من ليس منا ولا من أهل ديننا، فإذا رفعه ونظر إليه الناس أمره الشيطان فيكذب علينا، وكلما ذهب واحد جاء آخر.

يا ابن النعمان من سئل عن علم، فقال: لا أدري فقد ناصف العلم، والمؤمن يحقد ما دام في مجلسه، فإذا قام ذهب عنه الحقد.

يا ابن النعمان إن العالم لا يقدر أن يخبرك بكل ما يعلم، لأنه سر الله الذي أسره إلى جبرئيل عليه السلام وأسره جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وأسره محمد صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام، وأسره علي عليه السلام إلى الحسن عليه السلام، وأسره الحسن عليه السلام إلى الحسين عليه السلام، وأسره الحسين عليه السلام إلى علي عليه السلام، وأسره علي عليه السلام إلى محمد عليه السلام، وأسره محمد عليه السلام إلى من أسره، فلا تعجلوا فوالله لقد قرب هذا الامر ثلاث مرات فأذعتموه، فأخره الله، والله مالكم سر إلا وعدوكم أعلم به منكم.

يا ابن النعمان ابق على نفسك فقد عصيتني. لا تذع سري، فان المغيرة بن سعيد كذب على أبي وأذاع سره فأذاقه الله حر الحديد. وإن أبا الخطاب

كذب علي وأذاع سري فأذاقه الله حر الحديد، ومن كتم أمرنا زينه الله به في الدنيا والآخرة وأعطاه حظه، ووقاه حر الحديد وضيق المحابس، إن بني إسرائيل قحطوا حتى هلكت المواشي والنسل فدعا الله موسى بن عمران عليه السلام فقال: يا موسى إنهم أظهروا الزنى والربا وعمروا الكنائس وأضاعوا الزكاة، فقال: إلهي تحنن

برحمتك عليهم فإنهم لا يعقلون. فأوحى الله إليه أني مرسل قطر السماء ومختبرهم بعد أربعين يوما. فأذاعوا ذلك وأفشوه، فحبس عنهم القطر أربعين سنة وأنتم قد قرب أمركم فأذعتموه في مجالسكم.

يا أبا جعفر مالكم وللناس كفوا عن الناس، ولا تدعوا أحدا إلى هذا الامر، فوالله لو أن أهل السماوات [والأرض] اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا أن يضلوه. كفوا عن الناس ولا يقل: أحدكم أخي وعمي وجاري. فإن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه، فلا يسمع معروفا إلا عرفه، ولا منكرا إلا أنكره، ثم قذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره.

يا ابن النعمان إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه، ولا تمارينه، ولا تباهينه ولا تشارنه، ولا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك، فإن الصديق قد يكون عدوك يوما.

يا ابن النعمان لا يكون العبد مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث سنن: سنة من الله وسنة من رسوله وسنة من الامام، فأما السنة من الله عز وجل فهو أن

يكون كتوما للاسرار يقول الله جل ذكره: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا " وأما التي من رسول الله صلى الله عليه وآله فهو أن يداري الناس ويعاملهم بالأخلاق الحنيفية، وأما التي من الامام فالصبر في البأساء والضراء حتى يأتيه الله بالفرج.

يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة.

يا ابن النعمان من قعد إلى ساب أولياء الله فقد عصى الله. ومن كظم غيظا فينا لا يقدر على إمضائه كان معنا في السنام الاعلى. ومن استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المجالس.

يا ابن النعمان لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به، ولا لتباهي [به]، ولا لتماري ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل، وزهادة في العلم: واستحياء من الناس، والعلم [ال‍] مصون كالسراج المطبق عليه.

يا ابن النعمان إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء، فجال القلب بطلب الحق. ثم هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره.

يا ابن النعمان إن حبنا أهل البيت - ينزله الله من السماء من خزائن تحت العرش كخزائن الذهب والفضة ولا ينزله إلا بقدر، ولا يعطيه إلا خير الخلق، وإن له غمامة كغمامة القطر، فإذا أراد الله أن يخص به من أحب من خلقه أذن لتلك الغمامة فتهطلت كما تهطل السحاب فتصيب الجنين في بطن أمه.

3 - تحف العقول: رسالته عليهما السلام إلى جماعة شيعته وأصحابه أما بعد فسلوا ربكم العافية. وعليكم بالدعة والوقار والسكينة والحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون منكم. وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم دينوا فيما بينكم وبينهم - إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم و نازعتموهم الكلام ، فإنه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم - بالتقية التي أمركم الله بها، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم ويعرفون في وجوهكم المنكر. ولولا أن الله يدفعهم عنكم لسطوا بكم وما في صدورهم من العداوة و البغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة إن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل - أصل الخلق - مؤمنا لم يمت حتى يكره إليه الشر ويباعده منه ومن كره الله إليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه وطلق وجهه، وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه، وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه، ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم، وترك مقاطعة الناس والخصومات، ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ.

وإن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل - أصل الخلق - كافرا لم يمت

حتى يحبب إليه الشر ويقر به منه، فإذا حبب إليه الشر وقر به منه ابتلي بالكبر والجبرية، فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها، فبعد ما بعد حال المؤمن والكافر، فسلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أكثروا من الدعاء، فان الله يحب من عباده الذين يدعونه، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة، والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة. وأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فان الله أمر بكثرة الذكر له، والله ذاكر من ذكره من المؤمنين، إن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير.

وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم. وعليكم بحب المساكين المسلمين، فإن من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم ". واعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس أشد مقتا، فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين، فان لهم عليكم حقا أن تحبوهم فان الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم، فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله و رسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات من الغاوين.

إياكم والعظمة والكبر، فان الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة.

إياكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خصال الصالحين، فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه. ومن نصره الله غلب

وأصاب الظفر من الله.

إياكم أن يحسد بعضكم بعضا، فان الكفر أصله الحسد .

إياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم، فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة ".

إياكم أن تشره نفوسكم إلى شئ مما حرم الله عليكم، فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها و كرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الآبدين.

4 - أمالي الطوسي: عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسين علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمش، عن عمرو ابن سعيد بن هلال قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أوصني فقال: أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه، وانظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك فكثيرا ما قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " وقال عز ذكره: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " فان نازعتك نفسك إلى شئ من ذلك فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف. وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه وآله فان الناس لم يصابوا بمثله أبدا ولن يصابوا بمثله أبدا.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.