بحارالانوار · المجلد السادس عشر
25. باب مواعظ موسى بن جعفر وحكمه عليهما السلام
ج ۷۵، ص ۲۹۶–۳۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ".
يا هشام بن الحكم إن الله عز وجل أكمل للناس الحجج بالعقول، و أفضى إليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالادلاء، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ". " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار " - إلى قوله - لايات لقوم يعقلون ". يا هشام قد جعل الله عز وجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون ".
وقال: " حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " وقال: " ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون ".
يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبتهم في الآخرة، فقال: " وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ". وقال:
" وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ".
يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه، فقال عز وجل: " ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون ".
يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم، فقال: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ".
يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون. فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " وقال: " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ". وقال:
" ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ".
ثم ذم الكثرة، فقال: " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون ". " وأكثرهم
لا يشعرون ".
يا هشام ثم مدح القلة، فقال: " وقليل من عبادي الشكور ". وقال:
" وقليل ما هم " وقال: " وما آمن معه إلا قليل ".
يا هشام ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ": يا هشام إن الله يقول: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " يعني العقل. وقال: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " قال: الفهم والعقل.
يا هشام إن لقمان قال لابنه: " تواضع للحق تكن أعقل الناس.
يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الايمان وشراعها التوكل، وقيمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر ".
يا هشام لكل شئ دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت.
ولكل شئ مطية، ومطية العاقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.
يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس: [في يدك] لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة.
يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
يا هشام مامن عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله.
يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسول والأنبياء. والأئمة وأما الباطنة فالعقول.
يا هشام إن العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.
يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.
يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك، وأطعت هواك على غلبة عقلك.
يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربه [وكان الله] آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه في غير عشيرة.
يا هشام نصب الخلق لطاعة الله ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم.
والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العالم بالعقل.
يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.
يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك.
يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن
الدنيا طالبة ومطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى منها رزقه ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا.
يا هشام إن الله عز وجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورادها. إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه.
يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما من شئ عبد الله به أفضل من العقل وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان.
والرشد والخير منه مأمولان وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، نصيبه
من الدنيا القوت، ولا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه. وهو تمام الامر.
يا هشام من صدق لسانه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمر.
يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا.
يا هشام لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا، أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: " لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق ". وقال الحسن بن علي عليهما السلام: " إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها " قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: " الذين قص الله في كتابه وذكرهم فقال: " إنما يتذكر أولو الألباب " قال: هم أولو العقول ". وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح. وأدب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا ".
يا هشام إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد مالا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه يقول: " أوصيكم بالخشية
من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى وأن تصلوا من قطعكم، وتعفوا عمن ظلمكم، وتعطوا على من حرمكم، وليكن نظركم عبرا، وصمتكم فكرا، وقولكم ذكرا، وطبيعتكم السخاء فإنه لا يدخل الجنة بخيل، ولا يدخل النار سخي ".
يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى.
والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات.
يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة.
يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
يا هشام وجد في ذؤابة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعتى الناس على الله
من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله، ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله، ومن أحدث حدثا، أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.
يا هشام أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة به: الصلاة، وبر الوالدين، وترك الحسد والعجب والفخر.
يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكن أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا كما ولى منها، فاعتبر بها. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيئ الظلال - ثم قال عليه السلام -: أولا حر يدع [هذه] اللماظة لأهلها - يعني الدنيا - فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس ".
يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم، ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة، ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها.
يا هشام إن المسيح عليه السلام قال للحواريين: " يا عبيد السوء يهولكم طول النخلة وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها، وتنسون طيب ثمرها
ومرافقها. كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده. و تنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه، بحق أقول لكم، لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فان دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما يغدوا ويروح. بحق أقول لكم:
إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب، وأن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله، ورجل أتقنها
بقوله وضيعها بسوء فعله، فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لأجسادكم وجباهكم، واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبا للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا، يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب الغادرة، ولا بالأسد العاتية كما تفعل بالفراس كذلك تفعلون بالناس، فريقا تخطفون وفريقا تخدعون وفريقا تغدرون بهم. بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقي الغل في صدوركم، يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه، يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر ".
يا هشام مكتوب في الإنجيل " طوبى للمتراحمين، أولئك هم المرحومون يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس، أولئك هم المقربون يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم، أولئك هم المتقون يوم القيامة، طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة ".
يا هشام قله المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب. فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر، وإن الله عز وجل يبغض الضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم، فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم.
يا هشام تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الجاهل مما علمت، عظم العالم لعلمه ودع منازعته، وصغر الجاهل لجهله، ولا تطرده، ولكن قربه وعلمه.
يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها، وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشية فأسكتتهم عن المنطق، وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالاعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل، يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لأكياس وأبرار ".
يا هشام الحياء من الايمان والايمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
يا هشام المتكلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب فأما الرابح فالذاكر لله. وأما السالم فالساكت. وأما الشاجب فالذي يخوض في البال، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي، قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، وكان أبو ذر - رضي الله عنه - يقول: " يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك ".
يا هشام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده ويأكله إذا غاب عنه، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله، إن أسرع الخير ثوابا البر. وأسرع الشر عقوبة البغي، وإن شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم.
ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه.
يا هشام لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو.
يا هشام قال الله عز وجل: عزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت الغنى في نفسه، وهمه في آخرته، وكففت [عليه] ضيعته وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.
يا هشام الغضب مفتاح الشر. وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدا منهم إلا من كانت يدك عليه العليا فافعل.
يا هشام عليك بالرفق. فإن الرفق يمن والخرق شؤم، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار، ويزيد في الرزق.
يا هشام قول الله: " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان " جرت في المؤمن والكافر والبر والفاجر. من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء.
يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجال ذووا العقول، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم.
يا هشام اصبر على طاعة الله، واصبر عن معاصي الله، فإنما الدنيا ساعة، فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا، وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت.
يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله.
يا هشام إياك والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. الكبر رداء الله، فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه.
يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنا استزاد منه وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه.
يا هشام تمثلت الدنيا للمسيح عليه السلام في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: كثيرا، قال: فكل طلقك؟ قالت: لا بل كلا قتلت، قال المسيح عليه السلام: فويح لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين.
يا هشام إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله. وإن ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربع وإذا كان عالما بربه أبصر دينه. وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل.
يا هشام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لان الله جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبر من آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجه ومن خفض رأسه استظل تحت وأكنه، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله. ومن تواضع لله رفعه.
يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح الخطيئة بعد النسك، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته.
يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين : لمستمع واع، وعالم ناطق.
يا هشام ما قسم بين العباد أفضل من العقل، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين. وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه.
يا هشام قال رسول الله صلى الله عليه وآله. " إذا رأيتم المؤمن صموتا فأدنوا منه، فإنه يلقى الحكمة. والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل ".
يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام " قل لعبادي: لا تجعلوا بيني وبينهم
عالما مفتونا بالدنيا فيصدهم عن ذكري، وعن طريق محبتي ومناجاتي، أولئك قطاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي ومناجاتي من قلوبهم.
يا هشام من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض، ومن تكبر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله ومن ادعى ما ليس له فهو أعني لغير رشده.
يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام " يا داود حذر، فأنذر أصحابك عن حب الشهوات، فإن المعلقة قلوبهم شهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني ".
يا هشام إياك والكبر على أوليائي والاستطالة بعلمك فيمقتك الله، فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك. وكن في الدنيا كساكن دار ليست له، إنما ينتظر الرحيل.
يا هشام مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة، ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله، فإذا أشار عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب.
يا هشام إياك ومخالطة الناس والانس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا فآنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية وينبغي للعاقل إذا
عمل عملا أن يستحيي من الله، وإذا تفرد له بالنعم أن يشارك في عمله أحدا غيره وإذا خر بك أمر ان لا تدري أيهما خير وأصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك، وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في الجهالة قال هشام: فقلت له: فإن وجدت رجلا طالبا له غير أن عقله لا يتسع لضبط ما القي إليه؟ قال عليه السلام: فتلطف له في النصيحة، فان ضاق قلبه [ف] لا تعرضن نفسك للفتنة، واحذر رد المتكبرين، فإن العلم يذل على أن يملى على من لا يفيق قلت: فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها قال عليه السلام: فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد، واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم، ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده، ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده، ولم يفرج المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته. فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأوليائه، فكيف بمن يؤذى فيه، وما ظنك بالتواب
الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضاه ويختار عداوة الخلق فيه.
يا هشام من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، وما أوتي عبد علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله بعدا، وازداد الله عليه غضبا.
يا هشام إن العاقل اللبيب من ترك مالا طاقة له به، وأكثر الصواب في خلاف الهوى، ومن طال أمله ساء عمله.
يا هشام لو رأيت مسير الأجل لألهاك عن الامل.
يا هشام إياك والطمع، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح للذل واختلاس العقل واختلاق المروات. وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه. وجاهد نفسك لتردها عن هواها، فإنه واجب عليك كجهاد عدوك، قال هشام: فقلت له: فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة قال عليه السلام: أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرهم بك وأعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك، ومن يحرض أعداءك عليك وهو إبليس الموكل بوسواس [من] القلوب فله فلتشتد عداوتك. ولا يكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنه أضعف منك ركنا في قوته وأقل منك ضررا في كثرة شره.
إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم.
يا هشام من أكرمه الله بثلاث فقد لطف به : عقل يكفيه مؤونة هواه، وعلم يكفيه مؤونة جهله، وغنى يكفيه مخافة الفقر.
يا هشام احذر هذه الدنيا واحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة أصناف: رجل متردي معانق لهواه، ومتعلم مقري كلما ازداد علما ازداد كبرا، يستعلى بقراءته وعلمه على من هو دونه، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته، يحب أن يعظم ويوقر، وذو بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به، فهو عاجز أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرف [- ه] فهو محزون مغموم بذلك، فهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلا.
يا هشام أعرف العقل وجنده، والجهل وجنده تكن من المهتدين، قال هشام: فقلت جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا؟
فقال عليه السلام: يا هشام إن الله خلق العقل وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له: أدبر فأدبر. ثم قال له:
أقبل فأقبل. فقال الله عز وجل: خلقتك خلقا [عظيما] وكرمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل، فلم يقبل. فقال له: استكبرت فلعنه. ثم جعل للعقل خمسة
وسبعين جندا، فلما رأى الجهل ما كرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل: يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به أعطني من الجند مثل ما أعطيته؟ فقال تبارك وتعالى: نعم، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي، فقال: قد رضيت. فأعطاه الله خمسة وسبعين جندا، فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين جندا: الخير، وهو وزير العقل. وجعل ضده الشر، وهو وزير الجهل.
الايمان، الكفر. التصديق، التكذيب. الاخلاص، النفاق.
الرجاء، القنوط. العدل، الجور. الرضى، السخط.
الشكر، الكفران. اليأس، الطمع. التوكل، الحرص.
الرأفة، الغلظة. العلم، الجهل. العفة، التهتك.
الزهد، الرغبة. الرفق، الخرق. الرهبة، الجرأة.
التواضع، الكبر. التؤدة، العجلة. الحلم، السفه.
الصمت، الهذر. الاستسلام، الاستكبار. التسليم، التجبر.
العفو، الحقد. الرحمة، القسوة. اليقين، الشك.
الصبر، الجزع. الصفح، الانتقام . الغنى، الفقر.
التفكر، السهو. الحفظ، النسيان. التواصل، القطيعة.
القناعة، الشره. المؤاساة، المنع. المودة، العداوة.
الوفاء، الغدر. الطاعة، المعصية. الخضوع، التطاول.
السلامة، البلاء. الفهم، الغباوة. المعرفة، الانكار.
المداراة، المكاشفة. سلامة الغيب، المماكرة. الكتمان، الافشاء.
البر، العقوق. الحقيقة، التسويف. المعروف، المنكر.
التقية، الإذاعة. الانصاف، الظلم. التقى، الحسد.
النظافة، القذر. الحياء، القحة. القصد، الاسراف.
الراحة، التعب. السهولة، الصعوبة. العافية، البلوى.
القوام، المكاثرة. الحكمة، الهوى. الوقار، الخفة.
السعادة، الشقاء. التوبة، الاصرار. المحافظة، التهاون.
الدعاء، الاستنكاف. النشاط، الكسل. الفرح، الحزن.
الألفة، الفرقة. السخاء، البخل. الخشوع، العجب.
صون الحديث، النميمة الاستغفار، الاغترار. الكياسة، الحمق.
يا هشام لا تجمع هذه الخصال إلا لنبي أو وصي أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان. وأما سائر ذلك من المؤمنين فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل ويتخلص من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. وفقنا الله وإياكم لطاعته.
2 - أمالي الصدوق: عن أبيه، عن محمد العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن سعيد بن عمرو، عن إسماعيل بن بشر بن عمار قال: كتب هارون الرشيد إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: عظني وأوجز، فكتب إليه: ما من شئ تراه عينيك إلا وفيه موعظة.
3 - تحف العقول: وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني.
1 - وقال عليه السلام: ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه.
2 - وقال: سألته عن اليقين؟ فقال عليه السلام: يتوكل على الله ويسلم الله ويرضى بقضاء الله ويفوض إلى الله.
3 - وقال عبد الله بن يحيى: كتبت إليه في دعاء " الحمد لله منتهى علمه " فكتب عليه السلام: لا تقولن منتهى علمه، فإنه ليس لعلمه منتهى. ولكن قل: منتهى رضاه.
4 - وسأله رجل عن الجواد؟ فقال عليه السلام: إن لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوقين، فإن الجواد، الذي يؤدي ما افترض الله عليه، والبخيل من بخل بما افترض الله، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع، لأنه إن أعطاك أعطاك ما ليس لك وإن منعك منعك ما ليس لك.
5 - وقال لبعض شيعته: أي فلان! إتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك
فإن فيه نجاتك، أي فلان! اتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فإن فيه هلاكك.
6 - وقال له وكيله: والله ما خنتك. فقال عليه السلام له: خيانتك وتضييعك علي مالي سواء، والخيانة شرهما عليك.
7 - وقال عليه السلام، إياك أن تمنع في طاعة الله، فتنفق مثليه في معصية الله.
8 - وقال عليه السلام: المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.
9 - وقال عليه السلام: عند قبر حضره إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره.
10 - وقال عليه السلام: من تكلم في الله هلك، ومن طلب الرئاسة هلك، ومن دخله العجب هلك.
11 - وقال عليه السلام: اشتدت مؤونة الدنيا والدين: فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه.
12 - وقال عليه السلام: أربعة من الوسواس: أكل الطين، وفت الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللحية. وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن.
13 - وقال عليه السلام: ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.
14 - وقال عليه السلام: لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك وابق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء.
15 - وقال عليه السلام لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها.
وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجن نفسك
من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح، فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخف مروتك، وإياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والآخرة.
16 - وقال عليه السلام: إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه.
17 - وقال عليه السلام : ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصغير.
18 - وقال عليه السلام: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات. لا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدثها بطول العمر يحرص، اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ومالا يثلم المروة ومالا سرف فيه. واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنه روي " ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه ".
19 - وقال عليه السلام: تفقهوا في دين الله فإن الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب. ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا.
20 - وقال عليه السلام لعلي بن يقطين: كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان.
21 - وقال عليه السلام: كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون.
22 - وقال عليه السلام: إذا كان الامام عادلا كان له الاجر وعليك الشكر. وإذا كان جائرا كان عليه الوزر وعليك الصبر.
23 - وقال أبو حنيفة حججت في أيام أبي عبد الله الصادق عليه السلام فلما
أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه إذ خرج صبي يدرج، فقلت: يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال: على رسلك. ثم جلس مستندا إلى الحائط. ثم قال: توق شطوط الأنهار ومساقط الثمار وأفنية المساجد وقارعة الطريق. وتوار خلف جدار، وشل ثوبك ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وضع حيث شئت، فأعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له، ما اسمك؟
فقال: أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت له: يا غلام ممن المعصية؟ فقال عليه السلام إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث:
إما أن تكون من الله - وليست منه - فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا
يرتكب. وإما أن تكون منه ومن العبد - وليست كذلك - فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف. وإما أن تكون من العبد - وهي منه - فإن عفا فبكرمه وجوده. وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته. قال أبو حنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله عليه السلام واستغنيت بما سمعت.
24 - وقال له أبو أحمد الخراساني: الكفر أقدم أم الشرك (1)؟ فقال عليه السلام له: مالك ولهذا ما عهدي بك تكلم الناس. قلت: أمرني هشام بن الحكم أن أسألك. [ف] - قال: قل له: الكفر أقدم، أول من كفر إبليس " أبى واستكبر وكان من الكافرين " والكفر شئ واحد والشرك يثبت واحدا ويشرك معه غيره.
25 - ورأي رجلان يتسابان فقال عليه السلام: البادي أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتد المظلوم.
26 - وقال عليه السلام: ينادي مناد يوم القيامة: ألا من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا، وأصلح فأجره على الله.
27 - وقال عليه السلام: السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يتخلى الله عنه حتى يدخله الجنة. وما بعث الله نبيا إلا سخيا. وما زال أبي يوصيني بالسخاء وحسن الخلق حتى مضى.
28 - وقال السندي بن شاهك - وكان الذي وكله الرشيد بحبس موسى عليه السلام - لما حضرته الوفاة: دعني أكفنك. فقال عليه السلام: إنا أهل بيت، حج صرورتنا ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا.
29 - وقال عليه السلام لفضل بن يونس: أبلغ خيرا وقل خيرا ولا تن إمعة قلت: وما الإمعة؟ قال: لا تقل: أنا مع الناس، وأنا كواحد من الناس. إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ".
30 - وروي أنه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر، فسلم عليه و نزل عنده وحادثه طويلا. ثم عرض عليه السلام عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له، فقيل له : يا ابن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه، وهو إليك أحوج؟
فقال عليه السلام: عبد من عبيد الله وأخ في كتاب الله وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الاباء آدم عليه السلام وأفضل الأديان الاسلام ولعل الدهر يرد من حاجاتنا إليه،
فيرانا - بعد الزهو عليه - متواضعين بين يديه، ثم قال عليه السلام:
نواصل من لا يستحق وصالنا مخافة أن نبقى بغير صديق 31 - وقال عليه السلام: لا تصلح المسألة إلا في ثلاثة: في دم منقطع أو غرم مثقل أو حاجة مدقعة.
32 - وقال عليه السلام: عونك للضعيف من أفضل الصدقة.
33 - وقال عليه السلام: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل.
34 - وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان.
35 - وقال عليه السلام: يعرف شدة الجور من حكم به عليه.
4 - تحف العقول: روي عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: صلاة النوافل قربان إلى الله لكل مؤمن، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شئ زكاة وزكاة الجسد صيام النوافل، وأفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج، ومن دعا قبل الثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله كان كمن رمى بسهم بلا وتر، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية وإن امرء اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد إلى الناس نصف العقل، وكثرة الهم يورث الهرم، والعجلة هي الخرق، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه، أو ضرب بيده الواحدة على الأخرى عند المصيبة فقد حبط أجره، والمصيبة لا تكون مصيبة يستوجب صاحبها أجرها إلا بالصبر والاسترجاع عند الصدمة، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي دين أو حسب،
والله ينزل المعونة على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بذر وأسرف زالت عنه النعمة، وأداء الأمانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق، وإذا أراد الله بالذرة شرا أنبت لها جناحين فطارت فأكلها الطير، والصنيعة لا تتم صنيعة عند المؤمن لصاحبها إلا بثلاثة أشياء: تصغيرها وسترها وتعجيلها، فمن صغر الصنيعة عند المؤمن فقد عظم أخاه، ومن عظم الصنيعة عنده فقد صغر أخاه ومن كتم ما أولاه من صنيعة فقد كرم فعاله، ومن عجل ما وعد فقد هنئ العطية.
5 - كشف الغمة: قال الابي في كتاب نثر الدرر: سمع موسى عليه السلام رجلا يتمنى الموت فقال له: هل بينك وبين الله قرابة يحاميك لها؟ قال: لا، قال: فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيئاتك؟ قال: لا، قال: فأنت إذا تتمنى هلاك الأبد.
وقال عليه السلام: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في نقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة.
وروي عنه عليه السلام: أنه قال: اتخذوا القيان فإنه لهن فطنا وعقولا، ليست لكثير من النساء. كأنه أراد النجابة في أولادهن.
قلت: القيان جمع قينة وهي الأمة مغنية كانت أو غير مغنية. قال أبو عمر:
وكل عبد هو عند العرب قين والأمة قينة، وبعض الناس يظن القينة، المغنية خاصة وليس كذلك.
وقال: ابن حمدون في تذكرته قال موسى بن جعفر عليه السلام: وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك.
معنى هذه الأربع: الأولى وجوب معرفة الله تعالى الذي هي اللطف، الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعين عليك لأجلها الشكر والعبادة، الثالثة أن تعرف ما أراده منك فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب، والرابعة أن تعرف الشئ الذي يخرجك عن طاعة الله فتجتنبه.
6 - رجال الكشي، عن حمدويه، عن الحسن بن موسى، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد السائي قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس أسأله فيه عن حاله وعن جواب مسائل كتبت بها إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد الله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ابتغى إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والأديان الشتى، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتدي، وسميع وأصم، وأعمى وبصير، وحيران، فالحمد لله الذي عرف وصف دينه بمحمد صلى الله عليه وآله.
أما بعد فإنك امرء أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة مودة بما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك بفضلهم، ورد الأمور إليهم والرضا بما قالوا - في كلام طويل - وقال: ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ولا تحصر حصرنا
ووال آل محمد صلى الله عليه وآله، ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا: " هذا باطل " وإن كنت تعرف خلافه فإنك لا تدري لما قلناه وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك، ولا تفش ما استكتمتك، أخبرك أن من أوجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا ينفعه لأمر دنياه ولامر آخرته.
7 - الكافي: عن العدة، عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد. ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور، عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة، فاحتبس الجواب علي أشهر ثم أجابني بجواب هذه نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة، والأديان المتضادة، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتد، وسميع وأصم، وبصير وأعمى وحيران، فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد صلى الله عليه وآله.
أما بعد فإنك امرء أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما
استرعاك من دينه وما ألهمك من رشدك ، وبصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم وبردك الأمور إليهم كتبت تسألني عن أمور كنت منها في تقية، ومن كتمانها في سعة، فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على خالقهم رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم، فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الامر أهله، واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشا عليهم بإفشاء ما استودعتك، وإظهار ما استكتمتك، ولن تفعل إن شاء الله، إن أول ما أنهى إليك أني أنعى إليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عز وجل وحتم، فاستمسك بعروة الدين - آل محمد - والعروة الوثقى، الوصي بعد الوصي، والمسالمة لهم، والرضا بما قالوا، ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبن دينهم، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وتدري ما خانوا أماناتهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه ودلوا على ولاة الامر منهم فانصرفوا عنهم، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفى سبيل الله فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أيبلغان بذلك كفرا ولعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عز وجل كلامه، وهزئا برسوله صلى الله عليه وآله وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، والله ما دخل قلب أحد منهما شئ من الايمان منذ خروجهما من حالتيهما، وما ازداد إلا شكا كانا خداعين، مرتابين، منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام.
وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته منهم عارف ومنكر فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، أما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الاسماع، وهو أفضل علمنا، ولا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله.
وسألت عن أمهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم، فأما أمهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة نكاح بغير ولي وطلاق بغير عدة وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكه.
وسألت عن الزكاة فيهم، فما كان من الزكاة فأنتم أحق به لأنا قد أحللنا
ذلك لكم من كان منكم، وأين كان.
وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم ترفع إليه حجة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف.
وسألت عن الشهادات لهم، فأقم الشهادة لله عز وجل ولو على نفسك [أ] و الوالدين والأقربين فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيما فلا، وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته، ولا تحصن بحصن رياء، ووال آل محمد عليهم السلام ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا: " هذا باطل " وإن كنت تعرف منا خلافه فإنك لا تدري لما قلناه، وعلى إي وجه وصفناه، آمن بما أخبرك، ولا تفش ما استكتمناك من خبرك، إن من واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه وآخرته، ولا تحقد عليه وإن أساء، وأجب دعوته إذا دعاك، ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس وإن كان أقرب إليه منك، وعده في مرضه، ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الأذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الامر به، فإذا رأيت المشوه الاعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين فإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين، فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الأخيار.
8 - الدرة الباهرة: قال الكاظم عليه السلام: المعروف غل لا يفكه إلا مكافأة أو شكر، لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال، من ولده الفقر أبطره الغنى، من لم يجد للإساءة مضضا لم يكن للإحسان عنده موقع، ما تساب اثنان إلا انحط الاعلى إلى مرتبة الأسفل.
9 - اعلام الدين: قال موسى بن جعفر عليهما السلام، أولى العلم بك مالا يصلح لك العمل إلا به، وأوجب العمل عليك ما أنت مسؤول عن العمل به، وألزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك، وأظهر لك فساده، وأحمد العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل، فلا تشتغلن بعلم مالا يضرك جهله، ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه.
وقال عليه السلام: لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال.
وقال عليه السلام: من أتى إلى أخيه مكروها فبنفسه بدأ.
وقال عليه السلام: من لم يجد للإساءة مضضا لم يكن عنده للإحسان موقعا.
وقال عبد المؤمن الأنصاري: دخلت على الامام أبي الحسن موسى بن - جعفر عليهما السلام وعنده محمد بن عبد الله الجعفري، فتبسمت إليه فقال: أتحبه؟ فقلت:
نعم وما أحببته إلا لكم، فقال عليه السلام: هو أخوك والمؤمن أخو المؤمن لامه وأبيه وإن لم يلده أبوه، ملعون من اتهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه.
وقال عليه السلام: ما تساب اثنان إلا انحط الاعلى إلى مرتبة الأسفل.
وقدم على الرشيد رجل من الأنصار يقال له: نفيع، وكان عارفا فحضر يوما باب الرشيد وتبعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن -
جعفر عليهما السلام على حمار له فتلقاه الحاجب بالاكرام والاجلال وأعظمه من كان هناك وعجل له الاذن فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ فقال له: أو ما تعرفه هذا شيخ آل أبي طالب هذا موسى بن جعفر عليه السلام فقال نفيع: ما رأيت أعجب من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل لو يقدر على زوالهم عن السرير لفعل أما إن خرج لأسوءنه فقال له عبد العزيز: لا تفعل فإن هؤلاء أهل بيت قلما تعرض لهم أحد بخطاب إلا وسموه في الجواب وسمة يبقى عارها عليه أبد الدهر، وخرج موسى عليه السلام فقام إليه نفيع فأخذ بلجام حماره ثم قال له : من أنت قال: يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض عز وجل عليك وعلى المسلمين إن كنت منهم الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركي قومي مسلمي قومك أكفاء لهم حتى قالوا: يا محمد اخرج لنا أكفاءنا من قريش، خل عن الحمار فخلى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك.
وقيل حج الرشيد فلقي موسى عليه السلام على بغلة له فقال للرشيد: من مثلك في حسبك ونسبك وتقدمك يلقاني على بغلة؟ فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة الحمير.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.