بحارالانوار · المجلد السادس عشر
باب 15 مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه أيضا وحكمه 1
ج ۷۵، ص ۶–۳۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۳
60 - وقال عليه السلام: لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج الرأي فان أفضل العقل معرفة الحق بنفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، و أفضل المروة استبقاء الرجل ماء وجهه، وأفضل المال ما وقي به العرض، وقضيت به الحقوق.
61 - وعن عبد الله بن عباس قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كانتفاعي
بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه كتب إلي:
أما بعد فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منه فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك فيما بعد الموت. والسلام.
62 - وقال عليه السلام لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطي حتى تنضوها ما صبتم مثلها: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه.
63 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان شئ قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت عليه بقوة أهل السماوات والأرض، فما أعجب أمر هذا الانسان يسره درك ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر، واقتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما تعسر، واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين أفنى عمري، فكونوا أقل ما يكونون في الباطن أموالا، أحسن ما يكونون في الظاهر أحوالا، فان الله تعالى أدب عباده المؤمنين العارفين أدبا حسنا فقال: جل من قائل: " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا ".
64 - وقال عليه السلام: لا يكون غنيا حتى يكون عفيفا، ولا يكون زاهدا حتى يكون متواضعا، ولا يكون حليما حتى يكون وقورا، ولا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه، وكفى به عقلا
أن يسلم عن شره، فأعرض عن الجهل وأهله، واكفف عن الناس ما تحب أن يكف عنك، وأكرم من صافاك وأحسن مجاورة من جاورك، وألن جانبك واكفف عن الأذى، واصفح عن سواء الأخلاق، ولتكن يدك العليا إن استطعت، ووطن نفسك على الصبر على ما أصابك، وألهم نفسك القنوع، واتهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان ولا تنافس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، وتوسط في الهمة تسلم ممن يتبع عثراتك، ولا تك صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم، احلم عن السفيه يكثر أنصارك عليه، عليك بالشيم العالية تقهر من يعاديك، قل الحق، وقرب المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين.
65 - وقال عليه السلام: قل عند كل شدة " لا حول ولا قوة إلا بالله " تكف بها وقل عند كل نعمة " الحمد لله " تزدد منها، وقل إذا أبطأت عليك الأرزاق " أستغفر الله " يوسع عليك. عليك بالمحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج، و لا تردك عن منهج. الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع. مفتاح. الجنة الصبر، مفتاح الشرف التواضع، مفتاح الغنى اليقين، مفتاح الكرم التقوى. من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع، عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله، الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم، المغتبط من حسن يقينه.
66 - وقال عليه السلام: اللهو يسخط الرحمن ويرضي الشيطان وينسى القرآن، عليكم بالصدق فان الله مع الصادقين، المغبون من غبن دينه. جانبوا الكذب فإنه مجانب الايمان، والصادق على سبيل نجاة وكرامة، والكاذب على شفا هلك وهون.
قولوا الحق تعرفوا به، واعملوا الحق تكونوا من أهله، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، ولا تخونوا من خانكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، أوفوا إذا عاهدتم، واعدلوا إذا حكمتم ، لا تفاخروا بالاباء، و لا تنابزوا بالألقاب، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وأفشوا السلام، و ردوا التحية بأحسن منها، وارحموا الأرملة واليتيم، وأعينوا الضعيف والمظلوم وأطيبوا المكسب، وأجملوا في الطلب.
67 - وقال عليه السلام: لا راحة لحسود، ولا مودة لملول، ولا مروة لكذوب، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، الوحدة راحة والعزلة عبادة، والقناعة غنية، والاقتصاد بلغة وعدل السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير لا يعرف الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك لتعلم بذلك منزلتك عندهم، واحذر ممن إذا حدثته ملك، وإذا حدثك غمك، وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك، وإن فارقك ساءك مغيبه بذكر سوأتك، وإن مانعته بهتك وافترى، وإن وافقته حسدك واعتدى، وإن خالفته مقتك ومارى يعجز عن مكافأة من أحسن إليه، ويفرط على من بغى عليه، يصبح صاحبه في أجر، ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لاله، ولا يضبط قلبه قوله، يتعلم للمراء، ويتفقه للرياء، يبادر الدنيا، ويواكل التقوى، فهو بعيد من الايمان، قريب من النفاق، مجانب للرشد، موافق للغي فهو باغ غاو، لا يذكر المهتدين.
68 - وقال عليه السلام: لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، ولا تصاحب همازا فتعد مرتابا، ولا تخالط ذا فجور فترى متهما، ولا تجادل عن الخائنين فتصبح ملوما وقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرتبن عنهم، واعلم أن من الحزم العزم واحذر اللجاج تنج من كبوته ولا تخن من ائتمنك وإن خانك في أمانته، ولا
تذع سر من أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء ما هو أكثر منه، وخذ الفضل، و أحسن البذل، وقل للناس حسنا، ولا تتخذ عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، وساعد أخاك وإن جفاك، وإن قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا تضيعن حق أخيك فتعدم إخوته، ولا يكن أشقى الناس بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة.
69 - ونقل عنه عليه السلام: أنه رأى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وقد تنفس الصعداء فقال عليه السلام: يا جبار على م تنفسك أعلى الدنيا؟ فقال جابر: نعم فقال له: يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح و المركوب والمشموم والمسموع، فألذ المأكولات العسل وهو بصق من ذبابة، وأحلى المشروبات الماء، وكفى بإباحته وسباحته على وجه الأرض، وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلى المنكوحات النساء وهو مبال في مبال، ومثال لمثال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة لأقبح ما فيها، وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من سرة دابة، وأجل المسموعات الغناء والترنم وهو إثم، فما هذه صفته لم يتنفس عليه عاقل.
قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي.
70 - وقال عليه السلام: في الأمثال: بالصبر يناضل الحدثان، الجزع من أنواع الحرمان، العدل مألوف والهوى عسوف والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب المسكنة، لا تأمنن ملولا، إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، من اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر ساعة، خير الأمور أوسطها، القلب بالتعلل رهين، من ومقك
أعتبك القلة ذلة، المجاعة مسكنة، خير أهلك من كفاك، ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة، من ولع بالحسد ولم به الشؤم، كم تلف من صلف، كم قرف من سرف عدو عاقل خير من صديق أحمق، التوفيق من السعادة، والخذلان من الشقاوة، من بحث عن عيوب الناس فبنفسه بدأ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا، من صحب الملوك تشاغل بالدنيا، الفقر طرف من الكفر، من وقع في ألسنة الناس هلك، من تحفظ من سقط الكلام أفلح، كل معروف صدقة، كم من غريب خير من قريب، لو ألقيت الحكمة على الجبال لقلقلتها، كم من غريق هلك في بحر الجهالة، وكم عالم قد أهلكته الدنيا، خير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك، خير مالك ما أعانك على حاجتك، خير من صبرت عليه من لابد لك منه، أحق من أطعت مرشد لا يعصيك، من أحب الدنيا جمع لغيره، المعروف فرض، والأيام دول، عند تناهي البلاء يكون الفرج، من كان في النعمة جهل قدر البلية، من قل سروره كان في الموت راحته، قد ينمي القليل فيكثر، ويضمحل الكثير فيذهب. رب أكلة يمنع الأكلات، أفلج الناس حجة من شهد له خصمه بالفلج السؤال مذلة، والعطاء محبة، من حفر لأخيه بئرا كان، بترديه فيها جديرا.
أملك عليك لسانك، حسن التدبير مع الكفاف أكفى من الكثير مع الاسراف.
الفاحشة كاسمها، مع كل جرعة شرقة، مع كل أكلة غصة، بحسب السرور يكون التنغيص، الهوى يهوي بصاحب الهوى، عدو العقل الهوى، الليل أخفى للويل صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، من أكثر من شئ عرف به، رب كثير هاجه صغير، رب ملوم لا ذنب له، الحر حر ولو مسه الضر، ما ضل من
استرشد، ولا حار من استشار، الحازم لا يستبد برأيه، آمن من نفسك عندك من وثقت به على سرك، المودة بين الاباء قرابة بين الأبناء.
71 - وقال عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، ومن بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها، الولايات مضامير الرجال، ليس بلد أحق منك من بلد، وخير البلاد من حملك، إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد العاجز، رب مفتون بحسن القول فيه، ما لابن آدم والفخر أوله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، و لا يمنع حتفه، الدنيا تغر وتضر وتمر إن الله تعالى لم يرضها ثوابا بأوليائه ولا عقابا لأعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح سائقهم فارتحلوا، من صارع الحق صرعه، القلب مصحف البصر التقى رئيس الأخلاق، ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله. وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله.
كل مقتصر عليه كاف الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا تضجر، من طلب شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا مع ما يعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز، والبخل جامع لمساوي الأخلاق، نعم الله على العبد مجلبة لحوائج الناس إليه، فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء، الرغبة مفتاح النصب، والحسد مطية التعب. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم حببها لنفسه فذلك الأحمق بعينه، العفاف
زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، رسولك ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك. الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه، الطمع ضامن غير وفي، و الأماني تعمى أعين البصائر، لا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كالثواب، ولا قائد كالتوفيق، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة، ولا قرين كحسن الخلق، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا عقل كالتدبير، ولا وحدة أوحش من العجب، ومن أطال الامل أساء العمل.
72 - وسمع عليه السلام رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك، إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل قدر همته قيمة كل امرء ما يحسنه، المال مادة الشهوات، الناس أعداء ما جهلوه، أنفاس المرء خطاه إلى أجله.
73 - وقال عليه السلام: أحذركم الدنيا فإنها خضرة حلوة، حفت بالشهوات، و تحببت بالعاجلة وعمرت بالآمال، وتزينت بالغرور، ولا يؤمن فجعتها، ولا يدوم حبرتها ضرارة غدارة غرارة زائلة بائدة أكالة عوالة، لا تعد و إذا تناهت إلى أمنية أهل الرضا بها والرغبة فيها أن يكون كما قال الله عز وجل " " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح على أن امرءا لم يكن فيها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ولم يلق
من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء وحري إذا أصبحت له متنصرة أن تمسى له متنكرة، فإن جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى أمر عليه جانب فأوبي، وإن لقى امرء من غضارتها رغبا زودته من نوائبها تعبا، ولا يمسي امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في خوافي خوف غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي خدع قد خدعته، وذي أبهة قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد صيرته خائفا فقيرا، وذي تاج قد أكبته لليدين و الفم. سلطانها دول، وعيشها رنق وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذائها سمام وأسبابها رمام حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام عزيزها مغلوب، وملكها مسلوب، وضيفها مثلوب، وجارها محروب ثم من وراء
ذلك هول المطلع، وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ".
ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا، وأعد منكم عديدا، و أكثف جنودا وأشد منكم عتودا، تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا عنها بالصغار.
فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، و أعانت عليهم ريب المنون فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق أمد إلى آخر المستند، هل أحلتهم إلا الضنك؟ أو زودتهم إلا التعب؟ أو نورت لهم إلا الظلم، أو أعقبتهم إلا النار، فهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون؟ إلى هذه تطمئنون؟ يقول الله جل من قائل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ".
فبئست الدار لمن لا يتهمها وإن لم يكن فيها على وجل منها، إعلموا وأنتم لا تعلمون أنكم تاركوها لابد فإنما هي كما نعتها الله تعالى " لهو ولعب " واتعظوا
بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية تعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون و اتعظوا بالذين قالوا: " من أشد منا قوة " واتعظوا باخوانكم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن وكما قال الله عز وجل " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، جاؤوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عز من قائل " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ".
74 - وقال أيها الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك فقال قائل من الحاضرين بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين فقال له: فلم ذممتها؟
أليست دار صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها؟
مسجد أحبائه، ومصلى أنبيائه، ومهبط الملائكة، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الطاعة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت بانتهائها، ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها، فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى، وإن أعصرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى ذمها رجال يوم الندامة، ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا، وذكرتهم فتذكروا.
فيا أيها الذام لها، المغتر بغرورها متى غرتك؟ أم متى استذمت إليك أبمصارع
آبائك من البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بيديك ومرضت؟
وأذاقتك شهدا وصبرا؟ فان ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلا فاطرحها لا مدح ولا ذم، فقد مثلت لك نفسك حين ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أحباؤك.
75 - وقال عليه السلام: إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا ، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل، من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضره أمله، ومن لم يعمل أيام مهله قبل حضور أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه، ونحبه لاحقه فلا تغرنكم الأماني. ولا يغرنكم بالله الغرور، وقد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان، شيدوا فيها البنيان، ووطنوا الأوطان، أضحت أبدانهم في قبورهم هامدة، وأنفسهم خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول: يا ليتني نظرت لنفسي، يا ليتني كنت أطعت ربي.
76 - وقال عليه السلام: إن الدنيا ليست بدار قرار، ولا محل إقامة، إنما أنتم فيها كركب عرسوا وارتاحوا ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوها خفافا، و ارتحلوا عنها ثقالا، فلم يجدوا عنها نزوعا، ولا إلى ما تركوا بها رجوعا، جد بهم فجدوا، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا، حتى اخذ بكظمهم، ورحلوا إلى دار
قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم، وأعجل بهم إلى الآخرة بعثهم، وأصبحتم حلولا في ديارهم، وظاعنين على آثارهم، والمنايا بكم تسير سيرا ما فيه أين ولا بطوء، نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب، وأنتم تقتفون من أحوالهم حالا، وتحتذون من أفعالهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنما أنتم فيها سفر حلول، والموت بكم نزول، فتلتضل فيكم مناياه، وتمضي بكم مطاياه، إلى دار الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، فرحم الله من راقب ربه، و خاف ذنبه، وجانب هواه، وعمل لاخرته، وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا.
77 - وقال عليه السلام: كأن قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم فأكثروا عباد الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل.
فإنها دار العمل، والدار الآخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها، لن تعد الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها، المطمئنين إليها المغترين بها أن تكون كما قال الله تعالى: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام " ألا إنه لم يصب امرء منكم من هذه الدنيا حبرة إلا أعقبتها عبرة، ولا يصبح امرء في حياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمه أو زوال عافيته، والموت من وراء ذلكم، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل لتجزى كل نفس بما كسبت ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
78 - وقال عليه السلام: مالكم والدنيا فمتاعها إلى انقطاع، وفخرها إلى وبال، وزينتها إلى زوال، ونعيمها إلى بؤس، وصحتها إلى سقم أو هرم، ومآل ما فيها إلى نفاد وشيك وفناء قريب، كل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى مقارنة البلى، أليس لكم في آثار الأولين وآبائكم الماضين عبرة وتبصرة إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقين، منكم
لا يبقون، أو لستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى ميت يبكى وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعايد يعود، ودنف بنفسه يجود وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، على أثر الماضي يمضى الباقي وإلى الله عاقبة الأمور.
79 - وقال عليه السلام: انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها عن قليل تزيل الساكن وتفجع المترف فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر، وأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما قد حضر فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل وكل ما هو آت قريب، فكم من مؤمل مالا يدركه، وجامع مالا يأكله، ومانع مالا يتركه، ولعله من باطل جمعه، أو حق منعه، أصابه حراما، وورثه عدوانا، فاحتمل ما ضره، وباء بوزره وقدم على ربه آسفا لا لاهفا خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
80 - وقال عليه السلام: الدنيا مثل الحية لين مسها، قاتل سمها فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن آنس ما يكون إليها أوحش ما تكون منها فإن صاحبها كلما اطمئن منها ، إلى سرور أشخصته إلى مكروه، فقد يسر المرء بما لم يكن ليفوته وليحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل أو قول، ولتكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك، ولا تكن
على ما فاتك من الدنيا حزينا، وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا، واجعل همك لما بعد الموت فإن ما توعدون لات.
81 - وقال عليه السلام: انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تشقي المترف، وتحرك الساكن، وتزيل الثاوي صفوها مشوب بالكدر، وسرورها منسوج بالحزن، وآخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنكم ما يغركم منها، فعن كثب تنقلون عنها وكلما هو آت قريب، و " هناك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ".
82 - وقال عليه السلام: أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت بغرورها، وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها، فاعرفوها كنه معرفتها فإنها دار هانت على ربها، قد اختلط حلالها بحرامها، وحلوها بمرها، وخيرها بشرها، ولم يذكر الله شيئا اختصه منها لاحد من أوليائه ولا أنبيائه، ولم يصرفها من أعدائه، فخيرها زهيد، وشرها عتيد وجمعها ينفد، وملكها يسلب، وعزها يبيد.
فالمتمتعون من الدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا، ويشتد مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما رزقوا، الدنيا فانية لا بقاء لها، والآخرة باقية لا فناء لها، الدنيا مقبلة، والآخرة ملجأ الدنيا، وليس للآخرة منتقل ولا منتهى، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه، ومن آثر الدنيا على الآخرة حلت به الفاقرة.
83 - وقال عليه السلام: إنما الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر، فمن فنائها أنك ترى الدهر موتر قوسه، مفوق نبله، يرمي الصحيح بالسقيم، والحي بالميت و البرئ بالمتهم، ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع مالا يأكل، ويبني مالا يسكن ويأمل مالا يدرك، ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما، ليس بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله .
84 - وقال عليه السلام: اجعل الدنيا شوكا وانظر أين تضع قدمك منها فإن من ركن إليها خذلته، ومن أنس فيها أوحشته، ومن يرغب فيها أوهنته، ومن انقطع إليها قتلته، ومن طلبها أرهقته، ومن فرح بها أترحته ومن طمع فيها صرعته، ومن قدمها أخرته، ومن ألزمها هانته، ومن آثرها باعدته من الآخرة ومن بعد من الآخرة قرب إلي النار، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء، نورها ظلمة وعيشها كدر، وغنيها فقير، وصحيحها سقيم، وعزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقي، وكل مغرور بزينتها مفتون، وعند كشف الغطاء يعظم الندم، ويحمد الصدر أو يذم.
85 - وقال عليه السلام يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر ولا يؤتمن فيه إلا الخائن، ولا يخون إلا المؤتمن، يتخذون الفئ مغنما، والصدقة مغرما، وصلة الرحم منا، والعبادة استطالة على الناس وتعديا وذلك يكون عند سلطان النساء، ومشاورة الإماء، وإمارة الصبيان.
86 - وقال عليه السلام: احذروا الدنيا إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الأمانات، واتبعوا الشهوات، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشى وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء وركنوا إلى الرياء، وتقاطعت الأرحام، وكان الحلم ضعفا، والظلم فخرا
والامراء فجرة، والوزراء كذبة، والامناء خونة، والأعوان ظلمة، و القراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، ونقضت العهود، وخربت القلوب، و استحلوا المعازف، وشربت الخمور، وركبت الذكور، واشتغل النساء وشاركن أزواجهن في التجارة حرصا على الدنيا، وعلت الفروج السروج، ويشبهن بالرجال، فحينئذ عدوا أنفسكم في الموتى، ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإن الناس اثنان بر تقي وآخر شقي، والدار داران لا ثالث لهما، والكتاب واحد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ألا وإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وباب كل بلية ومجمع كل فتنة، وداعية كل ريبة، الويل لمن جمع الدنيا وأورثها من لا يحمده، وقدم على من لا يعذره، الدنيا دار المنافقين، وليست بدار المتقين، فلتكن حظك من الدنيا قوام صلبك، وإمساك نفسك، وتزود لمعادك.
87 - وقال عليه السلام: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري قد بتتك ثلاثة، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، ووحشة الطريق.
88 - وقال عليه السلام: احذروا الدنيا فإن في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وأولها عناء وآخرها فناء، من صح فيها هرم، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن أتاها فاتته، ومن بعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن بصر بها بصرته، إن أقبلت غرت، وإن أدبرت ضرت.
89 - في وصفه المؤمنين قال عليه السلام، المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت، وهيئتهم الخشوع، وسمتهم التواضع خاشعين، غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، رافعين أسماعهم إلى العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء، لولا الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة
عين، شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها والنار وعذابها، فقلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم ضعيفة، ومعونتهم لإخوانهم عظيمة اتخذوا الأرض بساطا، وماءها طيبا، ورفضوا الدنيا رفضا، وصبروا أياما قليلة فصارت عاقبتهم راحة طويلة، تجارتهم مربحة، يبشرهم بها رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فهربوا منها.
أما الليل فأقدامهم مصطفة يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت أنفسهم تشوقا فيصيرونها نصيب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بقلوبهم وأبصارهم، فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا نحلت لها أبدانهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها وصلصلة حديدها في آذانهم، مكبين على وجوههم وأكفهم، تجري دموعهم على خدودهم. يجأرون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم.
وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح إذا نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض، وما بهم مرض، ويقول قد خولطوا وما خولطوا إذا ذكروا عظمة الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم
وطاشت حلومهم وذهلت عقولهم فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية، لا يرضون بالقليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف الله وغايلة التزكية قال: وأنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني كما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون.
ومن علامات أحدهم أن يكون له حزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في تقوى، وفهم في فقه، وحلم في علم، وكيس في رفق، وقصد في غنى، وخشوع في عبادة وتحمل في فاقة، وصبر في شدة وإعطاء في حق، وطلب لحلال، ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع، وتنزه عن طبع، وبر في استقامة، واعتصام بالله من متابعة الشهوات، واستعاذة به من الشيطان الرجيم، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله الفكر أولئك الآمنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم 90 - وقال عليه السلام: المؤمنون هم الذين عرفوا أمامهم، فذبلت شفاههم وغشيت عيونهم، وشحبت ألوانهم حتى عرفت في وجوههم غبرة الخاشعين. فهم عباد الله الذين مشوا على الأرض هونا، واتخذوها بساطا، وترابها فراشا، فرفضوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة على منهاج المسيح بن مريم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، صوام الهواجر، قوام الدياجر
يضمحل عندهم كل فتنة، وينجلي عنهم كل شبهة، أولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف الأرضين، فإن لقيتم منهم أحدا فاسألوه أن يستغفر لكم.
- 91 وقال عليه السلام: شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا المتوازرون في أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروه، سلم لمن خالطوه، أولئك هم السائحون الناحلون، الزابلون، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم كثير بكاؤهم جارية دموعهم. يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، إذا شهدوا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا خطبوا الابكار لم يزوجوا، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، ذبل الشفاه من العطش خمص البطون من الجوع، عمش العيون من السهر ، الرهبانية عليهم لايحة، والخشية لهم لازمة، كلما ذهب منهم سلف خلف في موضعه خلف، أولئك الذين يردون القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر. تغبطهم الأولون والآخرون، ولا خوف عليهم ولا يحزنون.
92 - وقال عليه السلام: المؤمن يرغب فيما يبقى ويزهد فيما يفنى، يمزج الحلم بالعلم، والعلم بالعمل، بعيد كسله، دائم نشاطه، قريب أمله، حي قلبه، ذاكر لسانه، لا يحدث بما لا يؤتمن عليه الأصدقاء، ولا يكتم شهادة الأعداء، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الذاكرين لم يكتب في الغافلين، وإن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه، لا يعزب حلمه، ولا يعجل فيما يريبه، بعيد جهله، لين قوله، قريب معروفه، غائب منكره صادق كلامه، حسن فعله مقبل خيره، مدبر شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره
صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، ولا يضيع ما استحفظ، ولا يرغب فيما لا تدعوه الضرورة إليه، لا يتنابز بالألقاب، ولا يبغي على أحد، ولا يهزء بمخلوق، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، مؤدب بأداء الأمانات، مسارع إلى الطاعات، محافظ على الصلوات، بطئ في المنكرات.
لا يدخل على الأمور بجهل، ولا يخرج، عن الحق بعجز، إن صمت فلا يغمه الصمت، وإن نطق لا يقول الخطأ، وإن ضحك فلا تعلو صوته سمعه، ولا يجمح به الغضب ولا تغلبه الهوى، ولا يقهره الشح، ولا تملكه الشهوة، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم، ينصت إلى الخير ليعمل به، ولا يتكلم به ليفخر على ما سواه، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، يتعب نفسه لاخرته ويعصي هواه لطاعة ربه، بعده عمن تباعد منه نزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس بعده بكبر، ولا قربه خديعة، مقتد بمن كان قبله من أهل الايمان، إمام لمن بعده من البررة المتقين.
93 - وقال عليه السلام: طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا أرض الله مهادا، وترابها وسادا، وماءها طيبا، وجعلوا الكتاب شعارا والدعاء دثارا، وإن الله أوحى إلى عبده المسيح عليه السلام أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا أجيب لاحد منهم دعوة، ولاحد من خلقي قبله مظلمة.
94 - وقال عليه السلام: المؤمن وقور عند الهزاهز، ثبوت عند المكاره، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، الناس منه راحة ونفسه منه في تعب، العلم خليله، والعقل قرينه
والحلم وزيره، والصبر أميره، والرفق أخوه، واللين والده.
95 - وقوله عليه السلام لنوف البكالي: أتدري يا نوف من شيعتي؟ قال: لا والله، قال:
شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية في وجوههم، رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل ائتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم وصفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك أعناقهم وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء، يا نوف شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس ولو مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله شيعتي.
96 - قال نوف: عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخيه همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس المتعبدين فأقبلنا إليه فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر متدينين قد أفاضوا في الأحدوثات تفكها وهم يلهى بعضهم بعضا، فأسرعوا إليه قياما وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم: خيرا، ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟! فأمسك القوم حياء، فأقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ما سمة شيعتك يا أمير المؤمنين؟ فسكت فقال همام - كان عابدا مجتهدا - أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتك؟ فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا ووضع يده على منكب همام وقال:
شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون.
وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، صبروا أياما قليلة، فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها، أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم، هذا ليلهم، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم، وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون.
يرى لأحدهم قوة في دين، وحزما في لين وإيمانا في يقين، وحرصا على
علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في قصد، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة في مجهود، وإعطاء في حق ورفقا في كسب، وطلبا من حلال وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع، ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة.
وإن استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يطعها سؤلها مما إليه تسره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل والعمل بالحلم، ويظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره.
لا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه حياء. أولئك شيعتنا وأحبتنا ومنا ومعنا، آها وشوقا إليهم.
فصاح همام صيحة ووقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا - رحمه الله تعالى - فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ونحن معه. فشيعته عليه السلام هذه صفتهم وهي صفة المؤمنين. وتقدم بعضها.
97 - وقال عليه السلام: الجنة التي أعدها الله تعالى للمؤمنين خطافة لابصار الناظرين فيها درجات متفاضلات، ومنازل متعاليات، لا يبيد نعيمها ولا يضمحل حبورها ولا ينقطع سرورها ولا يظعن مقيمها ولا يهرم خالدها ولا يبؤس ساكنها، آمن سكانها من الموت فلا يخافون، صفا لهم العيش، ودامت لهم النعمة في أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. على فرش موزونة وأزواج مطهرة وحور عين كأنهن اللؤلؤ المكنون، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة
" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ".
أقول: قد مضى في كتاب الايمان والكفر في باب المؤمن وصفاته خبر همام وطلبه عنه عليه السلام ذكر صفات المؤمن وأنه عليه السلام قال الخطبة بمسجد الكوفة بعدة طرق من كتب عديدة ولكن بينها أنواع من الاختلافات، وكذلك بينها وبين هذا الخبر فلا تغفل ، ثم قد سبق في ذلك الباب كلام ابن أبي الحديد من كون همام هذا هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة، والمذكور هنا ينافيه كما لا يخفى.
98 - جامع الأخبار، جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: جئتك لأسأل عن أربعة مسائل، فقال عليه السلام: سل وإن كان أربعين. فقال: أخبرني ما الصعب وما الأصعب؟ وما القريب وما الأقرب؟ وما العجب وما الأعجب؟ وما الواجب وما الأوجب؟.
فقال عليه السلام: الصعب المعصية، والأصعب فوت ثوابها، والقريب كل ما هو آت والأقرب هو الموت، والعجب هو الدنيا وغفلتنا فيها أعجب، والواجب هو التوبة، وترك الذنوب هو الأوجب.
99 - قيل: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: جئتك من سبعمائة فرسخ لأسألك عن سبع كلمات فقال عليه السلام: سل ما شئت، فقال الرجل: أي شئ أعظم من السماء؟ وأي شئ أوسع من الأرض؟ وأي شئ أضعف من اليتيم؟ وأي شئ أحر من النار؟ وأي شئ أبرد من الزمهرير؟ وأي شئ أغنى من البحر؟ وأي شئ أقسى من الحجر؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: البهتان على البرئ أعظم من السماء والحق أوسع من الأرض، ونمائم الوشاة أضعف من اليتيم والحرص أحر من النار، وحاجتك إلى البخيل أبرد من الزمهرير، والبدن القانع أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر.
100 - الاختصاص روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: المفتخر بنفسه أشرف
من المفتخر بأبيه لأني أشرف من أبي والنبي صلى الله عليه وآله أشرف من أبيه وإبراهيم أشرف من تارخ.
101 - قيل: وبم الافتخار؟ قال: بإحدى ثلاث: مال ظاهر، أو أدب بارع أو صناعة لا يستحي المرء منها.
102 - قيل: لأمير المؤمنين عليه السلام: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال:
أصبحت آكل وأنتظر أجلي.
103 - قيل له عليه السلام: فما تقول في الدنيا؟ قال: فما أقول في دار أولها غم، وآخرها الموت، من استغنى فيها افتقر، ومن افتقر فيها حزن، في حلالها حساب وفي حرامها النار.
104 - قيل: فمن أغبط الناس؟ قال: جسد تحت التراب قد أمن من العقاب ويرجو الثواب.
105 - وقال عليه السلام: من زار أخاه المسلم في الله ناداه الله أيها الزائر طبت وطابت لك الجنة.
106 - وقال عليه السلام: ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله علي ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة.
107 - وقال عليه السلام: ثلاثة يضحك الله إليهم يوم القيامة: رجل يكون على فراشه مع زوجته وهو يحبها فيتوضأ ويدخل المسجد فيصلي ويناجي ربه، ورجل أصابته جنابة ولم يصب ماء فقام إلى الثلج فكسره ثم دخل فيه واغتسل، ورجل لقى عدوا وهو مع أصحابه وجاءهم مقاتل فقاتل حتى قتل.
108 - وقال عليه السلام: التعزية تورث الجنة.
109 - وقال عليه السلام: إذا حملت بجوانب سرير الميت خرجت من الذنوب كما ولدتك أمك.
110 - وقال عليه السلام: من اشترى لعياله لحما بدرهم كان كمن أعتق نسمة من ولد إسماعيل.
111 - وقال عليه السلام: من شرب من سؤر أخيه تبركا به خلق الله بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة.
112 - وقال عليه السلام: في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء.
113 - الاختصاص: محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن بعض رجاله عن أبي الجارود يرفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أوقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وكل حديث جاوز اثنين فشى، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا، وعليك بإخوان الصدق فكثر في اكتسابهم عدة عند الرخاء، وجندا عند البلاء، وشاور حديثك الذين يخافون الله، وأحبب الاخوان على قدر التقوى، واتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، إن أمرنكم بالمعروف فخالفوهن حتى لا يطمعن في المنكر.
114 - أمالي الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن أيوب بن نوح، عن الشارب بن ذراع عن أخيه يسار، عن حمران، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم إذ ذكروا الدنيا وتصرفها بأهلها فذمها رجل فذهب في ذمها كل مذهب فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الذام للدنيا، أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟ فقال: بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين، قال: فبم تذمها؟ أليست منزل صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومساجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، ورجوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاءها، ونعت نفسها وأهلها
فمثلت ببلائها البلى، وشوقت بسرورها إلى السرور، تخويفا وترغيبا فابتكرت بعافية، وراحت بفجيعة، فذمها رجال فرطوا غداة الندامة، وحمدها آخرون اكتسبوا فيه الخير، فيا أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها! متى استذمت إليك أو متى غرتك؟ أم بمضاجع آبائك من البلى، أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى، كم مرضت بيديك، وعالجت بكفيك، تلتمس لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم تنفعهم بشفاعتك، ولم تسعفهم في طلبتك، مثلت لك - ويحك - الدنيا بمصرعهم مصرعك، و بمضجعهم مضجعك، حين لا يغني بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك.
ثم التفت إلى أهل المقابر فقال: يا أهل التربة، ويا أهل القربة أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: والله لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى.
115 - أمالي الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين العلوي، عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الهيبة خيبة والفرصة خلسته، والحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها.
116 - أمالي الطوسي عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد، عن أبيه علي ابن الحسين عليهما السلام قال: خطب علي بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد لله المتوحد بالقدم والأزلية الذي ليس له غاية في دوامه، ولا له أولية، أنشأ صنوف البرية لا عن أصول كانت بدية وارتفع من مشاركة الأنداد
وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد، هو الباقي بغير مدة، والمنشئ لا بأعوان، لا بآلة فطر، ولا بجوارح صرف ما خلق، لا يحتاج إلى محاولة التفكير، ولا مزاولة مثال ولا تقدير، أحدثهم على صنوف من التخطيط والتصوير، لا بروية ولا ضمير، سبق علمه في كل الأمور، ونفذت مشيته في كل ما يريد في الأزمنة والدهور، وانفرد بصنعة الأشياء فأتقنها بلطائف التدبير، سبحانه من لطيف خبير، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
117 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، عن عبد الرحمن بن نعيم عن أشياخ من قومه إن عليا عليه السلام كان كثيرا ما يقول في خطبته: أيها الناس إن الدنيا قد أدبرت وآذنت أهلها بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبق الجنة، والغاية النار، ألا وإنكم في إيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيام مهله قبل حضور أجله نفعه عمله، ولم يضره أمله، ألا وإن الامل يسهي القلب ويكذب الوعد ويكثر الغفلة ويورث الحسرة، فاعزبوا عن الدنيا كأشد ما أنتم عن شئ تعزبون، فإنها من ورود صاحبها منها في غطاء معنى، وافزعوا إلى قوام دينكم بإقامة الصلاة لوقتها و أداء الزكاة لأهلها والتضرع إلى الله والخشوع له، وصلة الرحم، وخوف المعاد وإعطاء السائل، وإكرام الضيف، وتعلموا القرآن واعملوا به، واصدقوا الحديث وآثروه، وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدوا الأمانة إذا ائتمنتم، وارغبوا في ثواب الله وخافوا عقابه فاني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، فتزودوا من الدنيا ما تحوزوا به أنفسكم غدا من النار، واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز أهل الخير بالخير.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.