پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس عشر

باب 14 خطبه صلوات الله عليه المعروفة

ج ۷۴، ص ۲۸۰–۳۲۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۴

لا على الممازجة. وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها. وليس بينه وبين معلومه علم غيره كان عالما لمعلومه. إن قيل كان فعلي تأويل أزلية الوجود. وإن قيل: لم يزل فعلى تأويل نفي العدم فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه، فاتخد إلها غيره علوا كبيرا، نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

شهادتان ترفعان القول وتضعان العمل خف ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ".

أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام، ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع. ولا شفيع أنجح من التوبة. ولا لباس أجل من العافية. ولا وقاية أمنع من السلامة. ولا مال أذهب بالفاقة من الرضي والقنوع. ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة. والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطية النصب.

والحسد آفة الدين. والحرص داع إلى التقحم في الذنوب، وهو داع إلى الحرمان والبغي سائق إلى الحين. والشرة جامع لمساوئ العيوب. رب طمع خائب. و

أمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وتجارة تؤول إلى الخسران. ألا ومن تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب. وبئست القلادة الدين للمؤمن.

أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم. ولا عز أنفع من الحلم. ولا حسب أبلغ من الأدب. ولا نصب أوجع من الغضب. ولا جمال أحسن من العقل. ولا قرين شر من الجهل. ولا سوأة أسوء من الكذب ولا حافظ أحفظ من الصمت.

ولا غائب أقرب من الموت.

أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب غيره. ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره. ومن سل سيف البغي قتل به. ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها. ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته. ومن نسي زلته استعظم زلل غيره. ومن أعجب برأيه ضل. ومن استغنى بعقله زل. ومن تكبر على الناس ذل. ومن سفه على الناس شتم. ومن خالط العلماء وقر. ومن خالط الأنذال حقر.

ومن حمل ما لا يطيق عجز.

أيها الناس إنه لا مال [هو] أعود من العقل. ولا فقر هو أشد من الجهل ولا واعظ هو أبلغ من النصح ولا عقل كالتدبير. وعبادة كالتفكر. ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. ولا وحدة أوحش من العجب. ولا ورع كالكف ولا حلم

كالصبر والصمت.

أيها الناس إن في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب. وشافع تدرك به الحاجة وواصف تعرف به الأشياء وأمير يأمر بالحسن وواعظ ينهى عن القبيح ومعز تسكن به الأحزان وحامد تجلى به الضغائن، ومؤنق يلهى الاسماع.

أيها الناس [إنه] لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل.

اعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم. ومن لا يتعلم يجهل. ومن لا يتحلم لا يحلم. ومن لا يرتدع لا يعقل. ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر و من يتق ينج. ومن يكسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره.

ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم. ومن لم يعط قاعدا منع قائما.

ومن يطلب العز بغير حق يذل. ومن عاند الحق لزمه الوهن. ومن تفقه وقر.

وتكبر حقر. ومن لا يحسن لا يحمد.

أيها الناس إن المنية قبل الدنية. والتجلد قبل التبلد والحساب قبل العقاب. والقبر خير من الفقر. وعمي البصر خير من كثير من النظر. والدهر يوم لك ويوم عليك فاصبر فبكليهما تمتحن.

أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه. وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها. فإن سنح له الرجاء أذله الطمع. وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه اليأس قتله الأسف. وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ. وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ. وإن ناله الخوف شغله الحزن. وإن اتسع بالأمن استلبته الغرة وإن جددت له نعمة أخذته العزة. وإن أفاد مالا أطغاه الغنى وإن عضته فاقة شغله البلاء. وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع. وإن أجهده الجوع قعد به الضعف. وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به

مضر وكل أفراط له مفسد.

أيها الناس من قل ذل. ومن جاد ساد. ومن كثر ماله رأس. ومن كثر حلمه نبل. ومن فكر في ذات الله تزندق. ومن أكثر من شئ عرف به.

ومن كثر مزاحه استخف به. ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته. فسد حسب [من] ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. ليس من جالس الجاهل بذي معقول. من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال. لن ينجو من الموت غني بماله. ولا فقير لاقلاله.

أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط.

فطنة الفهم للمواعظ مما يدعو النفس إلى الحذر من الخطأ. وللنفوس خواطر للهوى والعقول تزجر وتنهى. وفي التجارب علم مستأنف. والاعتبار يقود إلى الرشاد. وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك. عليك لأخيك المؤمن مثل

الذي لك عليه. لقد خاطر من استغنى برأيه.

[و] التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم. ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقف الخطاء. ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول. ومن حصر شهوته فقد صان قدره. ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته. وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال. والأيام توضح لك السرائر الكامنة. وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة. ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة. وأشرف الغنى ترك المنى. والصبر جنة من الفاقة. والحرص علامة الفقر. والبخل جلباب المسكنة. والمودة قرابة مستفادة. ووصول معدم خير من جاف مكثر.

والموعظة كهف لمن وعاها. ومن أطلق طرفه كثر أسفه. ومن ضاق خلقه

مله أهله. ومن نال استطال. قل ما تصدقك الأمنية. التواضع يكسوك المهابة. وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. من كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه. تحرى القصد من القول فإنه من تحرى القصد خفت عليه المؤن في خلاف النفس رشدها. من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد. ألا وإن مع كل جرعة شرقا وفي كل اكلة غصصا. لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى. لكل ذي رمق قوت. ولكل حبة آكل. وأنت قوت الموت.

اعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها.

والليل والنهار يتسارعان في هدم الاعمار.

أيها الناس كفر النعمة لؤم. وصحبته الجاهل شؤم. من الكرم لين الكلام. إياك والخديعة فإنها من خلق اللئام. ليس كل طالب يصيب. ولا كل غائب يؤوب. لا ترغب فيمن زهد فيك. رب بعيد هو أقرب من قريب. سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار. استر عورة أخيك لما تعلمه فيك. اغتفر زلة

صديقك ليوم يركبك عدوك. من غضب على من لا يقدر أن يضره طال حزنه وعذب نفسه. من خاف ربه كف ظلمه. ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة. إن من الفساد إضاعة الزاد. ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا. وما مناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب. ما أقرب الراحة من التعب. والبؤس من التغيير.

ما شر بشر بعده الجنة. وما خير بخير بعده النار. وكل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية. عند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر. تصفية العمل أشد من العمل. وتخليص النية عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد. هيهات لولا التقى كنت أدهى العرب. عليكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، و كلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على العدو و الصديق، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. ومن كثر كلامه كثر خطأوه، ومن كثر خطأوه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه.

ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار. من تفكر اعتبر. ومن اعتبر

اعتزل. ومن اعتزل سلم. ومن ترك الشهوات كان حرا. ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس. عز المؤمن غناه عن الناس. القناعة مال لا ينفد. ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه. العجب ممن يخاف العقاب فلا يكف، ويرجو الثواب ولا يتوب ويعمل.

الفكر تورث نورا. والغفلة ظلمة. والجهالة ضلالة. [و] السعيد من وعظ بغيره.

والأدب خير ميراث. حسن الخلق خير قرين. ليس مع قطيعة الرحم نماء. ولا مع الفجور غنى. العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله [وحده] وواحد في ترك مجالسة السفهاء. رأس العلم الرفق وآفته الخرق. ومن كنوز الايمان الصبر على المصائب. والعفاف زينة الفقر. والشكر زينة الغنى. كثرة الزيارة تورث الملالة: والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. إعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله. لا تؤيس مذنبا، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير. وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره، صائر إلى النار. بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.

طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله. لا يكون المسلم مسلما حتى يكون ورعا، ولن يكون ورعا حتى يكون زاهدا ولن يكون زاهدا حتى يكون حازما، ولن يكون حازما حتى يكون عاقلا، وما العاقل إلا من عقل عن الله وعمل للدار الآخرة. وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين.

2 - تحف العقول: خطبته عليه السلام المعروفة بالديباج:

الحمد لله فاطر الخلق وخالق الاصباح ومنشر الموتى وباعث من في القبور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله.

عباد الله! إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله جل ذكره الايمان بالله

وبرسله وما جاءت به من عند الله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الاسلام وكلمة الاخلاص، فإنها الفطرة. وإقامة الصلاة فإنها الملة. وإيتاء الزكاة فإنها فريضة. وصوم شهر رمضان، فإنه جنة حصينة. وحج البيت والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر ويكفران الذنب ويوجبان الجنة. وصلة الرحم، فإنها ثروة في المال و منسأة في الأجل وتكثير للعدد. والصدقة في السر فإنها تكفر الخطأ وتطفئ غضب الرب تبارك وتعالى. والصدقة في العلانية، فإنها تدفع ميتة السوء. وصنايع المعروف فإنها تقي مصارع السوء.

وأفيضوا في ذكر الله جل ذكره فإنه أحسن الذكر وهو أمان من النفاق وبراءة من النار وتذكير لصاحبه عند كل خير يقسمه الله جل وعز وله دوي تحت العرش. وارغبوا فيما وعد المتقون، فإن وعد الله أصدق الوعد وكل ما وعد فهو آت كما وعد ، واقتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه أفضل الهدى. واستنوا بسنته، فإنها أشرف السنن. وتعلموا كتاب الله تبارك وتعالى، فإنه أحسن الحديث وأبلغ الموعظة، وتفقهوا فيه، فإنه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور. وأحسنوا تلاوته، فإنه أحسن القصص، " وإذا قرئ (عليكم) القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم منه لعلكم تفلحون، فاعلموا عباد الله أن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله بل الحجة عليه أعظم وهو عند الله ألوم، والحسرة

أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه مثل ما على هذا الجاهل المتحير في جهله و كلاهما حائر بائر مضل مفتون، مبتور ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون.

عباد الله! لا ترتابوا فتشكوا. ولا تشكوا فتكفروا. ولا تكفروا فتندموا ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا وتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة فتهلكوا. ولا تداهنوا في الحق إذا ورد عليكم وعرفتموه فتخسروا خسرانا مبينا.

عباد الله! إن من الحزم أن تتقوا الله. وإن من العصمة ألا تغتروا بالله.

عباد الله! إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه وأغشهم لنفسه أعصاهم له.

عباد الله! إنه من يطع الله يأمن ويستبشر ومن يعصه يخب ويندم ولا يسلم.

عباد الله! سلوا الله اليقين، فان اليقين رأس الدين وارغبوا إليه في العافية، فان أعظم النعمة العافية، فاغتنموها للدنيا والآخرة وارغبوا إليه في التوفيق، فإنه أس وثيق واعلموا أن خير ما لزم القلب اليقين، وأحسن اليقين التقى، وأفضل أمور الحق عزائمها، وشرها محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وبالبدع هدم السنن. المغبون من غبن دينه. والمغبوط من سلم له دينه وحسن يقينه. والسعيد من وعظ بغيره. والشقي من انخدع لهواه.

عباد الله! اعلموا أن يسير الرياء شرك. وأن إخلاص العمل اليقين. والهوى يقود إلى النار. ومجالسة أهل اللهو ينسي القرآن ويحضر الشيطان. والنسئ زيادة في الكفر وأعمال العصاة تدعوا إلى سخط الرحمن. وسخط الرحمن يدعو إلى النار. ومحادثة النساء تدعو إلى البلاء ويزيغ القلوب. والرمق لهن يخطف

نور أبصار القلوب ولمح العيون. مصائد الشيطان ومجالسة السلطان يهيج النيران.

عباد الله! اصدقوا، فإن الله مع الصادقين. وجانبوا الكذب، فإنه مجانب للايمان وإن الصادق على شرف منجاة وكرامة والكاذب على شفا مهواة وهلكة وقولوا الحق تعرفوا به. واعلموا به تكونوا من أهله. وأدوا الأمانة إلى من أئتمنكم عليها. وصلوا أرحام من قطعكم. وعودوا بالفضل على من حرمكم. وإذا عاقدتم فأوفوا. وإذا حكمتم فاعدلوا. وإذا ظلمتم فاصبروا. وإذا اسئ إليكم فاعفوا واصفحوا كما تحبون أن يعفى عنكم. ولا تفاخروا بالاباء " ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " ولا تمازحوا ولا تغاضبوا ولا تباذخوا " ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " ولا تحاسدوا فان الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب ولا تباغضوا فإنها الحالقة وأفشوا السلام في العالم وردوا التحية على أهلها بأحسن منها. وارحموا الأرملة واليتيم وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين في سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب والمكاتب والمساكين، وانصروا المظلوم وأعطوا الفروض وجاهدوا أنفسكم

في الله حق جهاده. فإنه شديد العقاب وجاهدوا في سبيل الله. وأقروا الضيف.

وأحسنوا الوضوء. وحافظوا على الصلوات الخمس في أوقاتها فإنها من الله جل وعز بمكان " ومن تطوع خيرا (فهو خير له) فإن الله شاكر عليم " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ". و " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ".

واعلموا عباد الله! أن الامل يذهب العقل ويكذب الوعد ويحث على الغفلة ويورث الحسرة فاكذبوا الامل فإنه غرور وإن صاحبه مأزور فاعملوا في الرغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا وأجمعوا معها رغبة فإن الله قد تأذن للمسلمين بالحسنى ولمن شكر بالزيادة فإني لم أر مثل الجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها، ولا أكثر مكتسبا ممن كسبه ليوم تذخر فيه الذخائر وتبلى فيه السرائر.

وإن من لا ينفعه الحق يضره الباطل ومن لا يستقيم به الهدى تضره الضلالة ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك. وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، ألا إن أخوف ما أتخوف عليكم اثنان طول الامل واتباع الهوى. ألا وإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بانقلاع ألا وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع.

ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار.

ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه [ال‍] - عجل. فمن أخلص لله عمله في أيامه قبل حضور أجله نفعه عمله، ولم يضره أجله. ومن لم يعمل في أيام مهله ضره أمله، ولم ينفعه عمله.

عباد الله! افزعوا إلى قوام دينكم بإقام الصلاة لوقتها. وإيتاء الزكاة في حينها والتضرع والخشوع. وصلة الرحم، وخوف المعاد. وإعطاء السائل، وإكرام الضعفة [والضعيف] وتعلم القرآن والعمل به، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة إذا ائتمنتم، وارغبوا في ثواب الله وارهبوا عذابه، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. وتزودوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم. واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدم الخير. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.

3 - من مناقب ابن الجوزي الخطبة المنبرية:

روى مجاهد، عن ابن عباس قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوما على منبر الكوفة فقال: الحمد لله وأحمده وأومن به وأستعينه وأستهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم قال: أيتها النفوس المختلفة، والقلوب المتشتة، الشاهدة أبدانهم، الغائبة عقولهم، كم أدلكم على الحق وأنتم تنفرون نفور المعزى من وعوعة الأسد، هيهات أن أطلع بكم ذروة العدل أو أقيم اعوجاج الحق اللهم إنك تعلم أنه لم يكن مني منافسة في سلطان، ولا التماس فضول الحطام، ولكن لأرد المعالم من دينك، وأظهر الصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إنك تعلم أني أول من أناب، وسمع فأجاب لم يسبقني إلا رسولك.

اللهم لا ينبغي أن يكون الوالي على الدماء والفروج والمغانم والاحكام ومعالم الحلال والحرام، وإمامة المسلمين [وأمور المؤمنين] البخيل لان تهمته في جميع الأموال، ولا الجاهل فيدلهم بجهله على الضلال، ولا الجافي فينفرهم بجفائه، ولا الخائف فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ولا المعطل للسنن فيؤدي ذلك إلى الفجور، ولا الباغي فيدحض الحق، ولا الفاسق فيشين الشرع.

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما تقول في رجل مات وترك امرأة وابنتين وأبوين فقال: لكل واحد من الأبوين السدس وللابنتين الثلثان، قال:

فالمرأة قال: صار ثمنها تسعا وهذا من أبلغ الأجوبة.

4 - خطبة: ويعرف بالبالغة:

روى ابن أبي ذئب عن أبي صالح العجلي قال: شهدت أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو يخطب فقال: بعد أن حمد الله تعالى وصلى على محمد رسوله صلى الله عليه وآله: أيها -

الناس إن الله أرسل إليكم رسولا ليزيح به علتكم، ويوقظ به غفلتكم، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل، أما اتباع الهوى فيصدكم عن الحق، وأما طول الامل فينسيكم الآخرة. ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد أقبلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، و اعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت، ومحاسبون على أعمالكم ومجازون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، فإنها دار بالبلاء محفوفة وبالعناء والغدر موصوفة وكل ما فيها إلى زوال وهي بين أهلها دول وسجال لا تدوم أحوالها، ولا يسلم من شرها نزالها، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم في بلاء وغرور، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، أهلها فيها أهداف وأغراض مستهدفة وكل فيها حتفه مقدور وحظه من نوائبها موفور، وأنتم عباد الله على محجة من قد مضى، وسبيل من كان ثم انقضى ممن كان أطول منكم أعمارا، و أشد بطشا وأعمر ديارا، أصبحت أجسادهم بالية، وديارهم خالية وآثارهم عافية فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والنمارق الموسدة بطون اللحود ومجاورة اللدود في دار ساكنها مغترب، ومحلها مقترب. بين قوم مستوحشين متجاورين غير متزاورين لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران. على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار، وكيف يكون بينهم تواصل، وقد طحنتهم البلى، وأظلتهم الجنادل و

الثرى. فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رفاتا. قد فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب، وتمنوا الرجوع فحيل بينهم وبين ما يشتهون " كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ".

وقد أخرج أبو نعيم طرفا من هذه الخطبة في كتابه المعروف بالحلية.

5 - خطبة: في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله:

ذكرها الحسن بن عرفة، عن سعيد بن عمير قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: الحمد لله داحي المدحوات وداعم المسموكات، وجابل القلوب على فطرتها شقيها، وسعيدها وغويها ورشيدها، اللهم واجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على سيدنا محمد عبدك ورسولك وحبيبك الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، المعلن بالحق، الناطق بالصدق، الدافع جيشات الأباطيل والدامغ هيشات الأضاليل

فاضطلع قائما بأمرك مستوفزا في مرضاتك، غير نأكل عن قدم ولاواه في عزم مراعيا لعهدك. محافظا لودك، حتى أوري قبس القابس وأضاء الطريق للخابط وهدى به الناس بعد خوض الفتن والآثام، والخبط في عشو الظلام، فأنارت نيرات الاحكام بارتفاع الاعلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيد يوم الدين وحجتك على العالمين، وبعيثك بالحق ورسولك الصدق إلى الخلق اللهم فافسح له مفسحا في ظلك. واجزه بمضاعفات الخير من فضلك، اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش، وقرار النعمة، ومنتهى الرغبة، ومستقر اللذة، ومنتهى الطمأنينة، وأرجاء الدعة وأفناء الكرامة.

القدم بتسكين الدال التقدم، والجيشات من جاشت القدر تجيش إذا غلت.

والهيشات الجماعات وهاشوا إذا تحركوا.

6 - خطبة: أخرى في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام.

رواها أحمد بن عبد الله الهاشمي، عن الحسن بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام قال الحسين عليه السلام خطب أمير المؤمنين خطبة بليغة في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه:

لما أراد الله أن ينشئ المخلوقات [ويبدع الموجودات] أقام الخلائق في صورة

واحدة قبل دحو الأرض ورفع السماوات، ثم أفاض نورا من نور عزه فلمع قبسا من ضيائه وسطع، ثم اجتمع في تلك الصورة، وفيها صورة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له تعالى: أنت المرتضى المختار، وفيك مستودع الأنوار، من أجلك أضع البطحاء وأرفع السماء، وأجرى الماء، واجعل الثواب والعقاب والجنة والنار وأنصب أهل بيتك علما للهداية، وأودع فيهم أسراري بحيث لا يغيب عنهم دقيق ولا جليل، ولا يخفى عنهم خفي، اجعلهم حجتي على خليقتي، وأسكن قلوبهم أنوار عزتي، و أطلعهم على معادن جواهر خزائني.

ثم أخذ الله تعالى عليهم الشهادة بالربوبية والاقرار بالوحدانية، وأن الإمامة فيهم، والنور معهم، ثم إن الله سبحانه أخفى الخليقة في غيبه؟، وغيبها في مكنون علمه، ونصب العوالم، وموج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان فطفا عرشه على الماء، ثم أنشأ الملائكة من أنوار أبدعها وأنواع اخترعها، ثم خلق المخلوقات فأكملها، ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه، فشهدت له السماوات و الأرض والملائكة والعرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم [وما في الأرض] بالنبوة والفضيلة، ثم خلق آدم وأبان للملائكة فضله وأراهم ما خصه به من سابق العلم فجعله محرابا وقبلة لهم فسجدوا له وعرفوا حقه.

ثم إن الله تعالى بين لآدم عليه السلام حقيقة ذلك النور ومكنون ذلك السر فأودعه شيئا وأوصاه وأعلمه أنه السر في المخلوقات، ثم لم يزل ينتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية إلى أن وصل إلى عبد المطلب فألقاه إلى عبد الله ثم صانه الله عن الخثعمية حتى وصل إلى آمنة، فلما أظهره الله بواسطة نبينا صلى الله عليه وآله استدعى الفهوم إلى القيام بحقوق ذلك السر اللطيف، وندب العقول إلى الإجابة لذلك المعنى المودع في الذر قبل النسل، فمن واقفه قبس من لمحات ذلك النور اهتدى إلى السر وانتهى إلى العهد المودع في باطن الامر وغامض العلم، ومن غمرته الغفلة وشغلته المحنة عشى بصر قلبه عن إدراكه فلا يزال ذلك النور ينتقل فينا أهل

البيت ويتشعشع في غرايزنا إلى أن يبلغ الكتاب أجله فنحن أنوار الأرض والسماوات ومحض خالص الموجودات، وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، فهو خاتم الأئمة، ومنقذ الأمة، ومنتهى النور وغامض السر، فليهنأ من استمسك بعروتنا، وحشر على محبتنا.

7 - نهج البلاغة، ومن كتاب عيون الحكمة والمواعظ لعلي بن محمد الواسطي من خطبه صلوات الله عليه. الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصى نعماءه العادون ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص [له] نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله [ومن جهله فقد أشار إليه (3)].

ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال فيم فقد ضمنه، و من قال علام فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمقارنة، وغير كل شئ لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده.

أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها

ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، و لائم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، وألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتداءها محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها.

ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الارجاء، وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة، و الزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده: وقرنها إلى حده، الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق.

ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها، وأدام مربها وأعصف مجراها، و أبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وأثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله إلى آخره، وساجيه إلى مائره حتى عب عبابه ورمى بالزبد ركامه. فرفعه في هواء منفتق، وجو منفهق

فسوى منه سبع سماوات، جعل سفلاهن موجا مكفوفا، وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينتظمها ثم زينها بزينة الكواكب و ضياء الثواقب وأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر.

ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملأهن أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان، ومنهم امناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، و المارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة، وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.

ومنها في صفة خلق آدم عليه السلام:

ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء

حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت لوقت معدود، وأجل معلوم، ثم نفخ فيها من روحه، فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق والمشام والألوان والأجناس معجونا بطينة الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والاخلاط المتباينة، من الحر والبرد والبلة والجمود [والمساءة والسرور] واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم، وعهد وصيته إليهم في الاذعان بالسجود له، والخشوع لتكرمته، فقال سبحانه: " اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس " [وقبيله] اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة، وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال. فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة، واستتماما للبلية، وإنجازا للعدة، فقال: إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ".

8 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور ودلت عليه أعلام الظهور، وامتنع على عين البصير فلا قلب من لم يره ينكره، ولا عين من أثبته تبصره، سبق في العلو فلا شئ أعلا منه، وقرب في الدنو فلا شئ أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شئ من خلقه، ولا قربه ساواهم في المكان به، لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود تعالى الله عما يقول المشبهون به والجاحدون له علوا كبيرا.

9 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي لم تسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا وكل مسمى بالوحدة غيره قليل وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجزه، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها، ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره غير باطن، وكل باطن غيره غير ظاهر، لم يخلق

ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوف من عواقب زمان، ولا استعانة على ند مثاور ولا شريك مكاثر، ولا ضد منافر، ولكن خلايق مربوبون، وعباد داخرون، لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن، لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر، بل قضاء متقن وعلم محكم وأمر مبرم المأمول مع النقم، المرهوب مع النعم.

10 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير روية الذي لم يزل قائما دائما إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات أرتاج، ولا ليل داج، ولا بحرساج ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج، ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق ورازقه، والشمس والقمر دائبان في مرضاته، يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، قسم أرزاقهم، و أحصى آثارهم وأعمالهم، وعدد أنفاسهم، وخائنة أعينهم، وما تخفي صدورهم من

الضمير، ومستقرهم ومستودعهم من الأرحام والظهور، إلى أن تتناهى بهم الغايات هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته، قاهر من عازه، ومدمر من شاقه، ومذل من ناواه، وغالب من عاداه ومن توكل عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن أقرضه قضاه، ومن شكره جزاه.

11 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد ومخصب النجاد ليس لأوليته ابتداء، ولا لأزليته انقضاء، وهو الأول لم يزل، والباقي بلا أجل خرت له الجباه، ووحدته الشفاه، حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقال له " متى " ولا يضرب له أمد ب‍ " حتى " الظاهر لا يقال له " مما " والباطن لا يقال " فيما " لا شبح فيتقضى ولا محجوب فيحوى، لم يقرب من الأشياء بالتصاق، ولم يبعد عنها بافتراق لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ولا كرور لفظة، ولا ازدلاف ربوة ولا

انبساط خطوة، في ليل داج، ولا غسق ساج، يتفيؤ عليه القمر المنير وتعقبه الشمس ذات النور في الأفول والكرور وتقلب الأزمنة والدهور، من إقبال ليل مقبل وإدبار نهار مدبر قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات الاقدار، ونهايات الأقطار، وتأثل المساكن وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولامن أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته، ليس لشئ منه امتناع، ولا له بطاعة شئ انتفاع، علمه بالأموات الماضين كعلمه بالاحياء الباقين، وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الأرضين السفلى.

12 - ومن خطبة له عليه السلام لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان، ولا يصفه لسان، ولا يعزب عنه عدد قطر الماء ولا نجوم السماء، ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل

على الصفا ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، وخفي طرف الأحداق، وأشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به ولا مشكوك فيه، ولا مكفور دينه ولا مجحود تكوينه، شهادة من صدقت نيته، وصفت دخلته وخلص يقينه وثقلت موازينه.

13 - ومن خطبة له عليه السلام فمنها لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يتقدمه وقت ولا زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن، والقضاء المبرم فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات ولولا إقرارهن له بالربوبية وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن

موضعا لعرشه، ولا مسكنا لملائكته، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه جعل نجومها أعلاما يستدل به الحيران في مختلف فجاج الأقطار، لم يمنع ضوء نورها ادلهمام، سجف الليل المظلم ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر.

فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج، في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء، وانهطال السماء ويعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب

الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها.

والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض، أو جان أو إنس لا يدرك بوهم، ولا يقدر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين ولا يحد بأين، ولا يوصف بالأزواج، ولا يخلق بعلاج، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك، فصف جبرئيل أو ميكائيل وجنود الملائكة المقربين، في حجرات القدس مرجحنين، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين، وإنما يدرك بالصفات ذووا الهيئات والأدوات ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء، فلا إله إلا هو، أضاء بنوره كل ظلام، وأظلم بظلمته كل نور.

14 - ومن خطبة له عليه السلام: في التوحيد وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة. فمنها:

ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول فاعل بلا اضطراب آلة، مقدر لا بجول فكرة، غني لا باستفادة، لا

تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، و الابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها، لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها، منعتها " منذ " القدمة وحمتها " قد " الأزلية وجنبتها " لولا " التكملة بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذاته و لتجزأ كنهه، ولا امتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولا التمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره.

الذي لا يحول ولا يزول ولا يجوز عليه الأفول، لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا، جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه ولا يتغير بحال، ولا يتبدل في الأحوال، ولا تبليه الليالي و

الأيام ولا يغيره الضياء والظلام ولا يوصف بشئ من الاجزاء ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الاعراض، ولا بالغيرية والابعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه فتقله أو تهويه أو أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله، وليس في الأشياء بوالج ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، يقول لما أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا.

لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولاله عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع.

خلق الخلايق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج ومنعها من التهافت و الانفراج، أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها وخد أوديتها

فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شئ منها بجلاله وعزته، لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له، وذلت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفء له فيكافيه ، ولا نظير له فيساويه وهو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك، وتاهت وعجزت قواها و تناهت، ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة، مقرة بالعجز عن إنشائها مذعنة بالضعف عن إفنائها.

وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا [الله] الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكأده صنع شئ منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال

ولا نقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفتيها بعد تكوينها، لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة.

15 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي أظهر من آثار سلطانه وجلال كبريائه ما حير مقل العيون من عجائب قدرته، وردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إيمان وإيقان وإخلاص وإذعان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة فصدع بالحق، و نصح للخلق، وهدى إلى الرشد، وأمر بالقصد صلى الله عليه وآله.

واعلموا عباد الله أنه لم يخلقكم عبثا، ولم يرسلكم هملا، علم مبلغ نعمه عليكم، وأحصى إحسانه إليكم، فاستفتحوه واستنجحوه واطلبوا إليه واستميحوه

فما قطعكم عنه حجاب، ولا أغلق عنكم دونه باب، فإنه لبكل مكان، وفي كل حين وأوان، ومع كل إنس وجان، لا يثلمه العطاء، ولا ينقصه الحباء ولا يستنفده سائل، ولا يستقصيه نائل، ولا يلويه شخص عن شخص ولا يلهيه صوت عن صوت ولا تحجزه هبة عن سلب، ولا يشغله غضب عن رحمة، ولا تولهه رحمة عن عقاب ولا تجنه البطون عن الظهور، ولا تقطعه الظهور عن البطون، قرب فنأى وعلا فدنا، وظهر فبطن وبطن فعلن، ودان ولم يدن، لم يذرء الخلق باحتيال، ولا استعان بهم لكلال.

16 - وله عليه السلام من خطبة يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات، واختلاف النينان في البحار الغامرات، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات.

17 - وله عليه السلام من خطبة تعرف بخطبة الأشباح، هي من جلائل خطبه.

روى مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أن رجلا أتى أمير المؤمنين عليا عليه السلام فقال يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا لنزداد له حبا وبه معرفة فغضب عليه السلام

وصعد المنبر وهو مغضب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي.

وقال: الحمد لله الذي لا يفره المنع والجمود ولا يكديه الاعطاء والجود إذ كل معط مستقص سواه، وكل مانع مذموم ما خلاه وهو المنان بفوائد النعم وعوائد المزيد والقسم عياله الخلائق ضمن أرزاقهم، وقدر أقواتهم، ونهج سبيل الراغبين إليه والطالبين ما لديه، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل، الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شئ بعده والرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو تدركه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال، ولو وهب تنفست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان، ونثارة الدر وحصيد المرجان ما أثره ذلك في وجوده ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر

الانعام ما لا تنفده مطالب الأنام، لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين ولا يبخل إلحاح الملحين.

ومنها:

لا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين، هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرء من خطر الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفيات صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب، متخلصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ولا يخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته، الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار

احتذى عليه من خالق معبود كان قبله، وأرانا من ملكوت قدرته، وعجايب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته، وظهرت في البدايع التي أحدثها آثار صنعته، وأعلام حكمته، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة.

وأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك، وكأنه لم يسمع تبرء التابعين من المتبوعين إذ يقولون " تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين " كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم.

وأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك، وإنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفا، ولا في رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا.

ومنها:

قدر ما خلق فأحكم تقديره، ودبره فألطفت تدبيره، ووجهه لوجهته، فلم يتعدد حدود منزلته، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعب إذا مر بالمضي على إرادته، وكيف صدرت الأمور عن مشيته، المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، فتم خلقه، وأذعن لطاعته، وأجاب إلى دعوته ولم يعترض دونه ريث المبطئ، ولا أناة المتلكئ فأقام من الأشياء أودها، و نهج حدودها، ولاءم بقدرته بين متضادها، ووصل أسباب قرائنها وفرقها أجناسا مختلفات في الحدود والاقدار، والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها.

ومنها في صفة السماء:

ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولاحم صدوع انفراجها، ووشج بينها وبين أزواجها، وذلل للهابطين بأمره والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها و ناداها بعد إذ هي دخان، فالتحمت عرى أشراجها وفتق بعد الارتتاق صوامت

أبوابها، وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده وأمرها أن تقف مستسلمة لامره، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها، وقمرها آية ممحوة من ليلها، فأجراهما في مناقل مجراهما، وقدر سيرهما في مدارج درجهما، لتميز بين الليل والنهار بهما، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما، ثم علق في جوها فلكها، وناط بها زينتها من خفيات دراريها و مصابيح كواكبها، ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها، وأجراها على أذلال تسخيرها، من ثبات ثابتها، ومسير سائرها، وهبوطها وصعودها ونحوسها وسعودها.

ومنها في صفة الملائكة عليهم السلام:

ثم خلق سبحانه لاسكان سماواته، وعمارة الصفيح الاعلى من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته، ملا بهم فروج فجاجها، وحشى بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب، و سرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع سبحات نور تردع الابصار عن بلوغها فتقف خاسئة على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، و أقدار متفاوتات، اولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من

صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين " ودايع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ من سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده لم تثقلهم موصرات الآثام ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم وما سكن من

عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم منهم من هو في خلق الغمام الدلح وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأيهم ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، ووصلت حقائق الايمان بينهم وبين معرفته، وقطعهم الايقان به إلى الوله إليه. ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره، قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية من محبته، و تمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، و لم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم

ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، ولا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم، ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم، ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم، ولا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا

وشيك السعي على اجتهادهم ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد، ولا شعبتهم مصارف الريب ولا اقتسمتهم أخياف الهمم فهم اسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول ولا ونى ولا فتور، وليس في أطباق السماوات موضع إهاب إلا و عليه ملك ساجد أو ساع حافد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما.

منها في صفة الأرض ودحوها على الماء:

كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ولجج بحار زاخرة، تلتطم أواذي أمواجها وتصطفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها

فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها وزل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها، فأصبح، بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا، و في حكمة الذل منقادا أسيرا وسكنت الأرض مدحوة في لجة تياره وردت من نخوة بأوه واعتلائه، وشموخ أنفه وسمو غلوائه، وكعمته على كظة جريته فهمد بعد نزقاته، ولبد زيفان وثباته فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها وحمل شواهق الجبال الشمخ البذخ على أكتافها فجر ينابيع العيون من عرانين انوفها، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.