پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس عشر

باب 14 خطبه صلوات الله عليه المعروفة

ج ۷۴، ص ۳۲۵–۳۶۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۴

وذوات الشناخيب الشم من صياخيدها، فسكنت من الميدان لرسوب الجبال في قطع أديمها وتغلغلها، متسربة في جوبات خياشيمها وركوبها أعناق سهول الأرضين و جراثيمها، وفسح بين الجو وبينها، وأعد الهواء متنسما لساكنها، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها ، ثم لم يدع جرز الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها، ولا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها وتستخرج نباتها، ألف غمامها بعد افتراق لمعه، وتباين قزعه حتى

إذا تمخضت لجة المزن فيه والتمع برقه في كففه، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه ومتراكم سحابه، أرسله سحا متداركا قد أسف هيد به تمريه الجنوب درر أهاضيبه، ودفع شآبيبه، فلما ألقت السحاب برك بوانيها وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها أخرج به من هوامد الأرض النبات، ومن زعر الجبال الأعشاب، فهي تبهج بزينة رياضها، وتزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها وحلية ما سمطت به من ناضر أنوارها وجعل ذلك بلاغا للأنام، ورزقا للانعام وخرق الفجاج في آفاقها، وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها.

فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيرة من خلقه، وجعله أول جبلته، وأسكنه جنته، وأرغد فيها اكله، وأوعز إليه فيما نهاه عنه، وأعلمه أن في الاقدام عليه التعرض لمعصيته، والمخاطرة بمنزلته، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه، فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله، وليقيم الحجة به على عباده، ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بينهم وبين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه، ومتحملي ودائع رسالاته قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وآله حجته، وبلغ المقطع عذره ونذره، وقدر الأرزاق فكثرها وقللها وقسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها، ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها وبسلامتها طوارق آفاتها، وبفرج أفراحها غصص أتراحها وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها ووصل بالموت أسبابها وجعله خالجا لاشطانها وقاطعا لمرائر أقرانها. عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، و خواطر رجم الظنون وعقد عزيمات اليقين، ومسارق إيماض الجفون، وما ضمنته

أكنان القلوب، وغيابات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصائخ الاسماع، ومصائف الذر، ومشاتي الهوام ورجع الحنين من المولهات وهمس الاقدام، ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها، و مختبئ البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب في متراكمها، وما تسفي الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها،، وعوم نبات الأرض في كثبان الرمال، ومستقر ذوات الأجنحة بذرى شناخيب الجبال، وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار، وما أو عبته الأصداف، وحضنت عليه أمواج البحار وما غشيته سدفة ليل، أو ذر عليه شارق نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير، و سبحات النور، وأثر كل خطوة، وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، و

تحريك كل شفة ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس هامة، وما عليها من ثمر شجرة، أو ساقط ورقة، أو قرارة نطفة، أو نقاعة دم ومضغة أو ناشئة خلق وسلالة، لم يلحقه في ذلك كلفة، ولا اعترضته في حفظ ما ابتدع من خلقه عارضة، ولا اعتورته في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة، بل نفذ [في‍] - هم علمه، وأحصاهم عدة، ووسعهم عدله، وغمرهم فضله مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله.

اللهم أنت أهل الوصف الجميل، والتعداد الكثير إن تؤمل فخير مأمول، وإن ترج فأكرم مرجو، اللهم وقد بسطت لي [لسانا] فيما لا أمدح به غيرك، ولا اثني به على أحد سواك، ولا أوجهه إلى معادن الخيبة ومواضع الريبة، وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين، والثناء على المربوبين المخلوقين، اللهم ولكل مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء أو عارفة من عطاء، وقد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة وكنوز المغفرة، اللهم وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك، و

لم ير مستحقا لهذه المحامد والممادح غيرك، وبي فاقة إليك لا يجبر مسكنتها إلا فضلك، ولا ينعش من خلتها إلا منك وجودك فهب لنا في هذا المقام رضاك، وأغننا عن مد الأيدي إلى سواك، إنك على كل شئ قدير.

18 - جوابه عليه السلام لليهودي:

جاء رجل من اليهود إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين متى كان ربنا عز وجل؟ فقال له عليه السلام: يا يهودي [ما كان] لم يكن ربنا فكان و إنما يقال متى كان لشئ لم يكن فكان هو كائن بلا كينونة كائن لم يزل ليس له قبل، هو قبل القبل، وقبل الغاية، انقطعت عنه الغايات، فهو غاية كل غاية.

19 - من كتاب مطالب السؤول لمحمد بن طلحة: من خطب أمير المؤمنين عليه السلام ما ذكر بعد انصرافه من صفين:

أحمده استتماما لنعمته، واستسلاما لعزته، واستعصاما من معصيته، وأستعينه فاقة إلى كفايته إنه لا يضل من هداه، ولا يئل من عاداه، ولا يفتقر من كفاه، فإنه أرجح ما وزن وأفضل ما خزن، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة ممتحنا إخلاصها معتقدا مصاصها، نتمسك بها أبدا ما أبقانا، وندخرها لأهوال ما يلقانا، فإنه عزيمة الايمان، وفاتحة الاحسان، ومرضاة الرحمن، ومدحرة الشيطان.

وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، و الكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والامر الصادع، إزاحة للشبهات واحتجاجا بالبينات، وتحذيرا بالآيات، وتخويفا بالمثلات، والناس في فتن انجذم

فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين، فاختلف النجر وتشتت الامر، وضاق المخرج، وعمى الصدر، فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي الرحمن ونصر الشيطان، وخذل الايمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست سبله وعفت شركه أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه، في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها فهم فيها تائهون، حائرون جاهلون مفتونون، في خير دار وشر جيران، نومهم سهود وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم.

20 - ومنها أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه.

فان أن أقل يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتيا والتي والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه بل

اندمجب على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة.

21 - ومن خطبه عليه السلام:

أما بعد فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار أفلا تائب من خطيئته قبل منيته ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ولم يضرره أجله ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أجله، ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضرره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف به عليكم اتباع الهوى وطول الامل، تزودوا في الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا.

22 - ومن خطبه عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام وقد تثاقلوا:

أف لكم قد سئمت عتابكم، أرضيتم من الآخرة بالحياة الدنيا عوضا، وبالذل من العز خلقا، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارات أعينكم كأنكم؟؟ من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة ترتج عليكم حواري فتعمهون فكأن قلوبكم

مألوسة فأنتم لا تعقلون، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم لي بركن يمال بكم، ولا زوافر عز يفتقر إليكم ما أنتم إلا كابل ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب انتشرت من جانب، لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم، تكادون ولا تقتدون وتنتقص أطرافكم ولا تمتعضون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون، وأيم الله إني لأظل بكم أن لو حمس الوغى واستحر الموت فقد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس والله إن امرءا يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه، ويفري جلده لعظيم عجزه، ضعيف قلبه، حرج صدره، أنت فكن ذاك إن شئت فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام، وتطيح السواعد والاقدام ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء.

23 - ومن خطبة عليه السلام:

الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل فإنه لا ينجو من الموت من خافه، ولا يعطي البقاء من أحبه، ألا وإن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهل الغدر كيسا ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله؟

قد يرى الحول القلب بوجه الحيلة، ودونها مانع من أمر الله تعالى ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.

24 - ومن كلامه في بعض مواقف صفين:

معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأكملوا اللامة، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل

سلها والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطا، و اعلموا أنكم يعين الله تعالى ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله فعاودوا الكر واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفسا، و امشوا إلى الموت مشيا سجحا، وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فان الشيطان كامن في كسره، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم.

25 - ومن كلامه في خطبة رحم الله امرءا تبع حكما فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة

هاد فنجا، وراقب ربه، وخاف ذنبه، وقدم خالصا، واكتسب مذخورا واجتنب محذورا، ورمى غرضا وأحرز عوضا، وكابر هواه، وكذب مناه وجعل الصبر عطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، وركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء، واغتنم المهل وبادر الأجل، وتزود من العمل قبل انقطاع الامل.

26 - ومن خطبه عليه السلام: يوبخ أهل الكوفة وقد تثاقلوا في الخروج إلى الخوارج معه: أيتها الفئة المجتمعة أبدانهم المتفرقة أديانهم إنه والله ما غرت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم كلامكم يوهن الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب، إذا دعوتكم إلى أمر فيه صلاحكم والذب عن حريمكم اعتراكم الفشل وجئتم بالعلل، ثم قلتم: كيت وكيت وذيت وذيت أعاليل بأضاليل وأقوال الأباطيل ثم سألتموني التأخير، دفاع ذي الدين المطول هيهات هيهات إنه لا يدفع الضيم -

الذل ولا يدرك الحق إلا بالجد، فخبروني يا أهل العراق مع أي إمام بعدي تقاتلون أم أية دار تمنعون، الذليل والله من نصرتموه، والمغرور من غررتموه وأصبحت ولا أطمع في نصركم، ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم وأبدلكم بي غيري وأبدلني بكم من هو خير لي منكم، أما إنه ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيوفا قاطعة، وأثرة قبيحة، يتخذها الظالمون عليكم سنة. فتبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم وقلوبكم، وتتمنون في بعض حالاتكم إنكم رأيتموني فنصرتموني، و أرقتم دماءكم دوني فلا يبعد الله إلا من ظلم.

يا أهل الكوفة أعظكم فلا تتعظون، وأوقظكم فلا تستيقظون إن من فاز بكم فقد فاز بالخيبة، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل، أف لكم لقد لقيت منكم ترحا يوما أناديكم ويوما اداجيكم فلا أحرار عند النداء ولا ثبتة عند المصائب فيالله ماذا منيت به منكم لقد منيت بصم لا يسمعون وكمه لا يبصرون، وبهم لا يعقلون، أما والله لو أني حين أمرتكم بأمري حملتكم على المكروه مني فإذا استقمتم هديتم وإن أبيتم بدأت بكم لكانت الزلفى ولكني تواخيت لكم وتوانيت عنكم وتماديت في غفلتكم فكنت أنا وأنتم كما قال الأول:

أمرتهم بأمري بمنعرج اللوى * فلم تستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

اللهم إن دجلة والفرات نهران أصمان أبكمان فأرسل عليهم ماء بحرك، و انزع عنهم ماء نصرك، حبذا إخواني الصالحين، إن دعوا إلى الاسلام قبلوه، وقرؤا القرآن فأحكموه، وندبوا إلى الجهاد فطلبوه، فحقيق لهم الثناء الحسن، وا شوقاه إلى تلك الوجوه، ثم ذرفت عيناه ونزل عن المنبر، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إلى ما صرت إليه، صرت إلى قوم إن أمرتهم خالفوني وإن اتبعتهم تفرقوا عني جعل الله لي منهم فرجا عاجلا.

ثم دخل منزله فجاءه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد ندموا على تثبطهم وقعودهم وعلموا أن الحظ في إجابتك لهم، فعاودهم في الخطبة فلما أصبح من الغد دخل المسجد الأعظم ونودي في الناس فاجتمعوا فلما غص المسجد بالناس صعد المنبر وخطب هذه الخطبة.

27 - فقال بعد أن حمد الله تعالى: أيها الناس ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت وإلى بلادكم تغرى، وأنتم ذو عدد جم وشوكة شديدة، فما بالكم اليوم لله أبوكم من أين تؤتون ومن أين تسخرون، وأنى تؤفكون، انتبهوا رحكم الله وتحركوا لحرب عدوكم فقد أبدت الرغوة عن الصريخ لذي عينين وقد أضاء الصبح لذي عشاء فاسمعوا قولي هداكم الله إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت فوالله لئن أطعتموني لن تغووا، وإن عصيتموني لن ترشدوا، خذوا للحرب اهبتها وأعدوا لها عدتها، وأخرجوا لها فقد شبت وأوقدت نارها، وتحرك لكم الفاسقون لكي يطفئوا نور الله ويغزوا عباد الله، فوالله أن لو لقيتم وحدي وهم أضعاف ما هم عليه لما كنت بالذي أهابهم، ولا أستوحش [منهم و] من قتالهم، فإني من ضلالتهم التي هم عليها والحق الذي [أنا عليه لعلى بصيرة ويقين، وإني إلى لقاء ربي لمشتاق، وبحسن ثوابه لمنتظر، وهذا القلب الذي ألقاهم به هو القلب الذي] لقيت به الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو القلب الذي لقيت به أهل الجمل وأهل صفين ليلة الهرير فإذا أنا نفرتكم فانفروا خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله

ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، اللهم اجعلنا وإياهم على الهدى وجنبا وإياهم البلوى، واجعل الآخرة لنا ولهم خيرا من الأولى، فلما فرغ من كلامه أجابه الناس سراعا، فخرج بهم إلى الخوارج.

28 - ونقل: أن جماعة حضروا لديه وتذاكروا فضل الخط وما فيه فقالوا:

ليس في الكلام أكثر من الألف ويتعذر النطق بدونها فقال لهم في الحال هذه الخطبة من غير سابق فكرة ولا تقدم روية، وسردها وليس فيها ألف.

حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وتمت كلمته، ونفذت مشيته، و بلغت حجته، وعدلت قضيته، وسبقت غضبه رحمته، حمدته حمد مقر بربوبيته متخضع لعبوديته، متنصل من خطيئته، معترف بتوحيده، مستعيذ من وعيده مؤمل من ربه مغفرة تنجيه، يوم يشغل كل عن فصيلته وبنيه، ونستعينه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له شهود عبد مخلص موقن، وفردته تفريد مؤمن متيقن، ووحدته توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه، جل عن مشير ووزير وعون ومعين ونظير، علم فستر، وبطن فخبر، وملك فقهر، وعصي فغفر، وعبد فشكر، وحكم فعدل، وتكرم وتفضل، لن يزول، ولم يزل، ليس كمثله شئ، وهو قبل كل شئ، وبعد كل شئ، رب متفرد بعزته متمكن بقوته، متقدس بعلوه، متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، ولم يحط به نظر، قوي منيع بصير سميع رؤوف رحيم، عجز عن وصفه من وصفه، وضل عن نعته من عرفه، قرب فبعد، وبعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه ويرزقه و يحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي، ورحمة موسعة، وعقوبة موجعه، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة، وشهدت ببعث محمد عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وخليله، بعثه في خير عصر وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده ومنة لمزيده، ختم به نبوته، ووضحت به حجته، فوعظ ونصح وبلغ وكدح، رؤوف

بكل مؤمن، رحيم سخي رضي ولي زكي، عليه رحمة وتسليم، وبركة وتعظيم وتكريم، من رب غفور رحيم، قريب مجيب حليم.

وصيتكم معشر من حضر بوصية ربكم وذكرتكم سنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، وخشية تدري دموعكم، وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم و يبتليكم.

يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته، وعليكم بمسألة ذل وخضوع، وتملق وخشوع، وتوبة ونزوع وليغنم كل منكم صحته قبل سقمه وشيبته قبل هرمه، وسعته قبل فقره وفرغته قبل شغله، وحضره قبل سفره، و حياته قبل [موته، قبل] يهن ويهرم، ويمرض ويسقم، ويمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، وينقطع عمره، ويتغير عقله.

ثم قيل: هو موعوك وجسمه منهوك، ثم جد في نزع شديد، وحضره كل قريب وبعيد، فشخص ببصره، وطمح بنظره، ورشح جبينه وخطفت عرينه، وجدبت نفسه وبكت عرسه، وحضر رمسه، ويتم منه ولده، وتفرق عنه عدده، وفصم جمعه، و ذهب بصره وسمعه، وجرد وغسل، وعري ونشف وسجى، وبسط له وهيئ، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه، وحمل فوق سرير، وصلى عليه بتكبير بغير سجود وتعفير ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وفرش منجدة فجعل في ضريح ملحود ضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه عفره، وحشى مدره، وتحقق حذره، ونسي خبره، ورجع عنه وليه ونديمه ونسيبه وحميمه، وتبدل به قرينه وحبيبه، فهو حشو قبر، ورهين حشر، يدب في جسمه دود قبره، ويسيل صديده من

منخره، وتسحق تربته لحمه، وينشف دمه، ويرم عظمه، حتى يوم حشره فينشره من قبره، وينفخ في صور، ويدعى لحشر ونشور، فثم بعثرت قبور، وحصلت سريرة [في] صدور.

وجئ بكل نبي وصديق وشهيد ومنطيق، وقعد لفصل حكمه قدير، بعبده خبير بصير، فكم حسرة تضنيه في موقف مهيل، ومشهد جليل، بين يدي ملك عظيم بكل صغيرة وكبيرة عليم، فحينئذ يلجمه عرقه، ويخفره قلقه، فعبرته غير مرحومة وصرخته غير مسموعة وبرزت صحيفته، وتبينت جريرته، فنظر في سوء عمله وشهدت عينه بنظره، ويده ببطشه، ورجله بخطوه، وجلده بلمسه، وفرجه بمسه، و يهدده منكر ونكير، وكشف له حيث يصير، فسلسل جيده، وغلت يده، فسيق يسحب وحده.

فورد جهنم بكره شديد، وظل يعذب في جحيم، ويسقى شربة من حميم، تشوي وجهه وتسلخ جلده يستغيث فيعرض عنه خزنة جهنم، ويستصرخ فيلبث حقبه بندم، نعوذ برب قدير من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه، ومغفرة من قبل منه وهو ولي مسألتي، ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه وخلد في قصور ونعمه، وملك بحور عين وحفدة، وتقلب في نعيم وسقى من تسنيم مختوم بمسك وعنبر يشرب من خمر معذوب شربه، ليس ينزف لبه.

هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه، وتلك عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصية مبدئه، لهو ذلك قول فصل، وحكم عدل، خير قصص قص، ووعظ به و نص، تنزيل من حكيم حميد.

أقول: وهذه الخطبة قد نقلها الكفعمي في كتاب المصباح ولكن مع اختلاف شديد ولذلك قد تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش.

29 - الكافي: من الروضة عن أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر بن عبد الله المحمدي عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبد الله، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله. ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء، ولم يجبر كسر عظم من الأمم إلا بعد أزل وبلاء أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع، ولا كل ذي ناظر عين ببصير، عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه كانوا على سنة من

آل فرعون، أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والأمر والنهي، ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الأمور.

فيا عجبا ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتفون أثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، وكل امرء منهم إمام نفسه أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات، فلا يزالون بجور ولم يزدادوا إلا خطأ، لا ينالون تقربا، ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عز وجل، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض، كل ذلك وحشة مما ورث النبي الأمي، ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والأرض، أهل حسرات وكهوف شبهات، وأهل عشوات وضلالة وريبة، من وكله الله إلى نفسه ورأيه فهو مأمون عند من يجهله غير المتهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها، ووا أسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا، وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتت غدا عن الأصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته كل حزب منهم آخذ [منه] بغصن أينما مال الغصن مال معه، مع أن الله وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني أمية كما يجمع قزع الخريف يؤلف الله بينهم، ثم

يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم تثبت عليه أكمة، ولم يرد سننه رض طود، يذعذعهم الله في بطون أودية، ثم يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، ويمكن بهم قوما في ديار قوم تشريدا لبني أمية ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع الله بهم ركنا، وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة ليكونن ذلك وكأني

أسمع صهيل خيلهم، وطمطمة رجالهم وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار.

من مات منهم مات ضالا، وإلى الله عز وجل يفضي منهم من درج و يتوب الله عز وجل على من تاب. ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا.

أيها الناس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم، ولم يقومن قوي عليكم على هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [بن عمران] ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تأهت بنو إسرائيل.

ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم، و قطعتم الأدنى من أهل بدر، ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله صلى الله عليه وآله، و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء، وقرب الوعد، وانقضت المدة، وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق، ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة.

واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول صلى الله عليه وآله فتداويتم من العمى والصمم والبكم، وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف، وأخذ ما ليس له وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

30 - الكافي: من الروضة، عن علي بن الحسين المؤدب وغيره، عن أحمد ابن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن عبد الله بن أبي الحارث الهمداني، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال:

الحمد لله الخافض الرافع، الضار النافع، الجواد الواسع، الجليل ثناؤه الصادقة أسماؤه، المحيط بالغيوب وما يخطر على القلوب، الذي جعل الموت بين خلقه عدلا وأنعم بالحياة عليهم فضلا فأحيا وأمات وقدر الأقوات، أحكمها بعلمه تقديرا، وأتقنها بحكمته تدبيرا، إنه كان خبيرا بصيرا، هو الدائم بلا فناء، والباقي إلى غير منتهى، يعلم ما في الأرض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى.

أحمده بخالص حمده، المخزون بما حمده به الملائكة والنبيون، حمدا لا يحصى له عدد، ولا يتقدمه أمد ولا يأتي بمثله أحد أو من به، وأتوكل عليه وأستهديه وأستكفيه وأستقصيه بخير وأسترضيه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وآله.

أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولا قرار، إنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوا خفافا وراحوا خفافا لم يجدوا عن مضي نزوعا ولا إلى ما تركوا رجوعا، جد بهم فجدوا، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى إذا اخذ بكظمهم وخلصوا إلي دار قوم جفت أقلامهم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم، وعجل إلى الآخرة بعثهم فأصبحتم حلولا في ديارهم، ظاعنين على آثارهم، والمطايا بكم تسير سيرا، ما فيه أين ولا تفتير، نهاركم بأنفسكم دؤوب، وليلكم بأرواحكم ذهوب فأصبحتم تحكون من حالهم حالا، وتحتذون من مسلكهم مثالا فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنما أنتم فيها سفر حلول الموت بكم نزول، تنتضل فيكم مناياه وتمضي بأخباركم

مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب.

فرحم الله امرءا راقب ربه، وتنكب ذنبه وكابر هواه، وكذب مناه، امرء أزم نفسه من التقوى بزمام، وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها، وقدعها عن المعصية بلجامها رافعا إلى المعاد طرفه متوقعا في كل أوان حتفه دايم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا، سأما كدوحا لاخرته متحافظا امرءا جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ودواء أجوائه فاعتبر وقاس، وترك الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد، وقد وقر قلبه ذكر المعاد وطوى مهاده وهجر وساده، منتصبا على أطرافه، داخلا في أعطافه، خاشعا لله عز وجل، يراوح بين الوجه والكفين خشوع في السر لربه، لدمعه صبيب ولقلبه وجيب شديدة أسباله، ترتعد من خوف الله جل ذكره أوصاله قد عظمت

فيما عند الله رغبته، واشتدت منه رهبته، راضيا بالكفاف من أمره يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقل مما يعلم.

أولئك ودايع الله في بلاده، المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله جل ذكره وتعالى لأبره، أو دعا على أحد نصره الله، يسمع إذا ناجاه، ويستجيب له إذا دعاه، جعل الله العاقبة للتقوى، والجنة لأهلها مأوى، دعاؤهم فيها أحسن الدعاء " سبحانك اللهم " دعاهم المولى على ما آتاهم، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

31 - الكافي: من الروضة عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب عن محمد بن النعمان أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة:

الحمد لله أهل الحمد ووليه، ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع الأجل الأعظم، الأعز الأكرم، المتوحد بالكبرياء، والمتفرد بالآلاء، القاهر بعزه، والمسلط بقهره، الممتنع بقوته، المهيمن بقدرته، والمتعالي فوق كل شئ بجبروته، المحمود بامتنانه وباحسانه، المتفضل بعطائه وجزيل فوائده، المتوسع برزقه، المسبغ بنعمه، نحمده على آلائه، وتظاهر نعمائه، حمدا يزن عظمة جلاله ويملأ قدر آلائه وكبريائه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي كان في أوليته متقادما، وفي ديموميته متسيطرا خضع الخلايق لوحدانيته وربوبيته، وقديم أزليته، ودانوا لدوام أبديته.

وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اختاره بعلمه، و

اصطفاه لوحيه، وائتمنه على سره، وارتضاه لخلقه، وانتدبه لعظيم أمره، ولضياء معالم دينه، ومناهج سبيله، ومفتاح وحيه، وسببا لباب رحمته، ابتعثه على حين فترة من الرسل، وهدأة من العلم واختلاف من الملل، وضلال عن الحق، وجهالة بالرب، وكفر بالبعث والوعد، أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين بكتاب كريم قد فصله وفضله وبينه وأوضحه وأعزه، وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ضرب للناس فيه الأمثال وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذرا ونذرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ويكون بلاغا لقوم عابدين، فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.

أوصيكم عباد الله وأوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدأ الأمور بعلمه، وإليه يصير غدا ميعادها، وبيده فناؤها وفناؤكم، وتصرم أيامكم، وفناء آجالكم، وانقطاع مدتكم، فكان قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم، فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير، ليوم الآخرة الطويل فإنها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء فتجافوا عنها، فان المغتر من اغتر بها لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها، المحبين لها، المطمئنين إليها، المفتونين بها أن تكون كما قال الله عز وجل " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام الآية " مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة إلا أورثته عبرة ولا يصبح فيها في جناح أمن إلا وهو يخاف فيها نزول جائحة أو تغير نعمة أو زوال عافية ما فيه، مع أن الموت من وراء

ذلك وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل تجزى كل نفس بما عملت، " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ".

" فاتقوا الله عز ذكره وسارعوا إلى رضوان الله والعمل بطاعته والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا فإنه قريب مجيب، جعلنا الله وإياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه، ثم إن أحسن القصص وأبلغ الموعظة، وأنفع التذكر كتاب الله جل وعز: " وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ".

" أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " بسم الله الرحمن الرحيم: والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما ".

اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وتحنن على محمد وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم أعط محمدا الوسيلة و الشرف والفضيلة والمنزلة الكريمة، اللهم اجعل محمدا وآل محمد أعظم الخلائق كلهم شرفا يوم القيامة، وأقربهم منك مقعدا، وأوجههم عندك يوم القيامة جاها، وأفضلهم عندك منزلة ونصيبا، اللهم أعط محمدا أشرف المقام وحباء السلام وشفاعة الاسلام اللهم وألحقنا به غير خزايا ولا ناكبين ولا نادمين ولا مبدلين إله الحق آمين.

ثم جلس قليلا ثم قام فقال:

الحمد لله أحق من خشي وحمد، وأفضل من اتقي وعبد، وأولى من عظم و مجد، نحمده لعظيم غنائه، وجزيل عطائه، وتظاهر نعمائه. وحسن بلائه. ونؤمن بهداه الذي لا يخبو ضياؤه. ولا يتمهد سناؤه ولا يوهن عراه، ونعوذ بالله من سوء كل الريب. وظلم الفتن، ونستغفره من مكاسب الذنوب ونستعصمه من مساوي الأعمال ومكاره الآمال والهجوم في الأهوال ومشاركة أهل الريب والرضا بما بعمل الفجار في الأرض بغير الحق، اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، الاحياء منهم والأموات، الذين توفيتهم على دينك وملة نبيك صلى الله عليه وآله، اللهم تقبل حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم، وأدخل عليهم المغفرة والرحمة والرضوان، واغفر للاحياء من المؤمنين والمؤمنات، الذين وحدوك، وصدقوا رسولك، وتمسكوا بدينك وعملوا بفرائضك، واقتدوا بنبيك، وسنوا سنتك، وأحلوا حلالك، وحرموا حرامك، وخافوا عقابك، ورجوا ثوابك، ووالوا أولياءك، وعادوا أعداءك، اللهم اقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم، وأدخلهم برحمتك في عبادك الصالحين، إله الحق آمين.

32 - الكافي: من الروضة خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام علي بن الحسن المؤدب عن أحمد بن محمد بن خالد، وأحمد بن محمد، عن علي بن الحسن التيمي جميعا عن إسماعيل بن مهران قال: حدثني عبد الله بن الحارث، عن جابر، عن أبي جعفر

عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:

أما بعد فقد جعل الله تعالى عليكم حقا بولاية أمركم ومنزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم، ولكم من الحق مثل الذي لي عليكم والحق أجمل الأشياء في التواصف وأوسعها في التناصف لا يجري لاحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لاحد أن يجري ذلك له، ولا يجري عليه لكان ذلك الله عز وجل خالصا دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه ولكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل كفارتهم عليه بحسن الثواب تفضلا منه وتطولا بكرمه، وتوسعا بما هو من المزيد له أهلا ثم جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافى في وجوهها

ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض فأعظم مما افترض الله تبارك وتعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله عز وجل لكل على كل، فجعلها نظام ألفتهم، وعزا لدينهم وقواما لسنن الحق فيهم.

فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية من الوالي حقه وأدى إليها الوالي كذلك عز الحق بينهم، فقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السنن وصلح بذلك الزمان، وطاب بها العيش، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء وإذا غلبت الرعية على واليهم وعلا الوالي الرعية، اختلف هنالك الكلمة وظهرت مطامع الجور، وكثر الأدغال في الدين، وتركت معالم السنن فعمل بالهوى، وعطلت الآثار، وكثر علل النفوس ولا يستوحش لجسيم حق عطل ولا لعظيم باطل اثل، فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار، وتخرب البلاد

وتعظم تبعات الله عز وجل عند العباد.

فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله عز وجل، والقيام بعدله، و الوفاء بعهده، والانصاف له في جميع حقه، فإنه ليس العباد إلى شئ أحوج منهم إلى التناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه، وليس أحد وإن اشتد على رضى الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله، ولكن من واجب حقوق الله عز وجل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم. والتعاون على إقامة الحق فيهم، ثم ليس امرء وإن عظمت في الحق منزلته وجسمت في الحق فضيلته، بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عز وجل من حقه، ولا لامرء مع ذلك خسئت به الأمور، واقتحمته العيون بدون ما أن يعين على ذلك ويعان عليه وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة وكل في الحاجة إلى الله عز وجل شرع سواء.

فأجابه رجل من عسكره لا يدرى من هو، ويقال: إنه لم ير في عسكره قبل

ذلك اليوم ولا بعده.

فقام وأحسن الثناء على الله عز وجل بما أبلاهم وأعطاهم من واجب حقه عليهم والاقرار بكل ما ذكر من تصرف الحالات به وبهم، ثم قال: أنت أميرنا، ونحن رعيتك بك أخرجنا الله عز وجل من الذل، وبإعزازك أطلق عباده من الغل، فاختر علينا فأمض اختيارك، وائتمر فأمض ائتمارك فإنك القائل المصدق، والحاكم الموفق، والملك المخول، لا نستحل في شئ من معصيتك، ولا نقيس علما بعلمك، يعظم عندنا في ذلك خطرك، ويجل عنه في أنفسنا فضلك.

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إن من حق من عظم جلال الله في نفسه و جل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعم الله عليه، ولطف إحسانه إليه، فإنه لم تعظم نعم الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظما، وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الاطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو

كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لابد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة. ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا لي استثقالا

في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.

فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل فقال: أنت أهل ما قلت، والله [والله] فوق ما قلته، فبلاؤه عندنا ما لا يكفر وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا، وولاك سياسة أمورنا، فأصبحت علمنا الذي نهتدي به، وإمامنا الذي نقتدي به، وأمرك كله رشد، وقولك كله أدب، قد قرت بك في الحياة أعيننا، وامتلأت من سرور بك قلوبنا. وتحيرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا. ولسنا نقول لك

أيها الامام الصالح تزكية لك. ولا نجاوز القصد في الثناء عليك. ولم يكن في أنفسنا طعن على يقينك، أو غش في دينك فنتخوف أن يكون أحدثت بنعمة الله تبارك وتعالى تجبرا، أو دخلك كبر، ولكنا نقول لك ما قلنا تقربا إلى الله عزو جل بتوقيرك، وتوسعا بتفضيلك، وشكرا بإعظام أمرك، فانظر لنفسك ولنا، و آثر أمر الله على نفسك وعلينا، فنحن طوع فيما أمرتنا، ننقاد من الأمور مع ذلك فيما ينفعنا.

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: وأنا أستشهدكم عند الله على نفسي لعلمكم فيما وليت به من أموركم وعما قليل يجمعني وإياكم الموقف بين يديه، والسؤال عما كنا فيه، ثم يشهد بعضنا على بعض، فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا، فان الله عز وجل لا يخفى عليه خافية، ولا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الأمور.

فأجابه الرجل - ويقال لم ير الرجل بعد كلامه هذا لأمير المؤمنين عليه السلام فأجابه - وقد عال الذي في صدره فقال والبكاء تقطع منطقه، وغصض الشجى تكسر صوته إعظاما لخطر مرزئته، ووحشة من كون فجيعته.

فحمد الله وأثنى عليه ثم شكى إليه هول ما أشفى عليه من الخطر العظيم والذل الطويل في فساد زمانه، وانقلاب جده وانقطاع ما كان من دولته، ثم

نصب المسألة إلى الله عز وجل بالامتنان عليه، والمدافعة عنه بالتفجع وحسن الثناء.

فقال: يا رباني العباد، ويا سكن البلاد أين يقع قولنا من فضلك، وأين يبلغ وصفنا من فعلك، وأنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك؟ و كيف وبك جرت نعم الله علينا، وعلى يدك اتصلت أسباب الخير إلينا، ألم تكن لذل الذليل ملاذا وللعصاة الكفار إخوانا فبمن إلا بأهل بيتك وبك أخرجنا الله عز وجل من فظاعة تلك الخطرات، أو بمن فرج عنا غمرات الكربات وبمن إلا بكم أظهر الله معالم ديننا، واستصلح ما كان فسد من دنيانا، حتى استبان بعد الحور ذكرنا، وقرت من رخاء العيش أعيننا، لما وليتنا بالاحسان جهدك ووفيت لنا بجميع وعدك، وقمت لنا على جميع عهدك، فكنت شاهد من غاب منا وخلف أهل البيت لنا، وكنت عز ضعفائنا، وثمال فقرائنا، وعماد عظمائنا يجمعنا في الأمور عدلك، ويتسع لنا في الحق تأنيك، فكنت لنا انسا إذا

رأيناك، وسكنا إذا ذكرناك، فأي الخيرات لم تفعل، وأي الصالحات لم تعمل ولو أن الامر الذي نخاف عليك منه يبلغ تحويله جهدنا وتقوى لمدافعته طاقتنا، أو يجوز الفداء عنك منه بأنفسنا، وبمن نفديه بالنفوس من أبنائنا، لقدمنا أنفسنا وأبناءنا قبلك، ولاخطرناها وقل خطرها دونك، ولقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك، وفي مدافعة من ناواك ولكنه سلطان لا يحاول، وعز لا يزاول ورب لا يغالب، فإن يمنن علينا بعافيتك، ويترحم علينا ببقائك، و يتحنن علينا بتفريج هذا من حالك إلى سلامة منك لنا، وبقاء منك بين أظهرنا نحدث لله عز وجل بذلك شكرا نعظمه، وذكرا نديمه ونقسم أنصاف أموالنا صدقات، وأنصاف رقيقنا عتقاء ونحدث له تواضعا في أنفسنا، ونخشع في جميع أمورنا، وأن يمض بك إلى الجنان، ويجري عليك حتم سبيله، فغير متهم فيك قضاؤه، ولا مدفوع عنك بلاؤه، ولا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأن اختياره لك ما عنده على ما كنت فيه، ولكنا نبكي من غير إثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلا

وللدين والدنيا أكيلا فلا نرى لك خلفا نشكو إليه ولا نظيرا نأمله ولا نقيمه.

33 - الكافي: من الروضة خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام:

عن علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن علي جميعا عن إسماعيل بن مهران، و أحمد بن محمد بن أحمد، عن علي بن الحسن التيمي، وعلي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا عن إسماعيل بن مهران، عن المنذر بن جيفر، عن الحكم بن ظهير، عن عبد الله بن جرير العبدي، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عمرو ولد أبي بكر وسعد بن أبي وقاص يطلبون منه التفضيل لهم فصعد المنبر ومال الناس إليه فقال: الحمد لله ولي الحمد ومنتهى الكرم لا تدركه الصفات، ولا يحد باللغات، ولا يعرف بالغايات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله نبي الهدى، وموضع التقوى، ورسول الرب الاعلى، جاء بالحق من عند الحق لينذر بالقرآن المبين، والبرهان المستنير فصدع بالكتاب المبين ومضى على ما مضت عليه الرسل الأولون.

أما بعد أيها الناس فلا تقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار، وركبوا أفره الدواب ولبسوا ألين الثياب، فصار ذلك عليهم

عارا وشنارا إن لم يغفر لهم الغفار إذا منعتهم ما كانوا فيه يخوضون، وصيرتهم إلى ما يستوجبون، فيفقدون ذلك فيسألون ويقولون ظلمنا ابن أبي طالب وحرمنا ومنعنا حقوقنا، فالله عليهم المستعان، من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وآمن بنبينا [صلى الله عليه وآله] وشهد شهادتنا، ودخل في ديننا أجرينا عليه حكم القرآن وحدود الاسلام.

ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى، ألا وإن للمتقين عند الله تعالى أفضل الثواب وأحسن الجزاء والمآب، لم يجعل الله تبارك وتعالى الدنيا للمتقين ثوابا وما عند الله خير للأبرار. انظروا أهل دين الله فيما أصبتم في كتاب الله وتركتم عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاهدتم به في ذات الله أبحسب أم بنسب أم بعمل أم بطاعة أم زهادة وفيما أصبحتم فيه راغبين فسارعوا إلى منازلكم - رحمكم الله - التي أمرتم بعمارتها، العامرة التي لا تخرب، الباقية التي لا تنفد، التي دعاكم إليها و حضكم عليها ورغبكم فيها، وجعل الثواب عنده عنها فاستتموا نعم الله عز ذكره بالتسليم لقضائه، والشكر على نعمائه فمن لم يرض بهذا فليس منا ولا إلينا وإن الحاكم يحكم بحكم الله، ولا خشية عليه من ذلك، أولئك هم المفلحون - وفي نسخة ولا وحشة وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون -.

وقال: وقد عاتبتكم بدرتي التي أعاتب بها أهلي فلم تبالوا، وضربتكم بسوطي الذي أقيم به حدود ربي فلم ترعووا أتريدون أن أضربكم بسيفي، أما إني أعلم الذي

تريدون، ويقيم أودكم ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي بل يسلط الله عليكم قوما فينتقم لي منكم، فلا دنيا استمتعتم بها، ولا آخرة صرتم إليها، فبعدا و سحقا لأصحاب السعير.

34 - الكافي: من الروضة خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام عن أحمد بن محمد، عن سعيد بن المنذر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن أبيه قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام ورواها غيره بغير هذا الاسناد وذكر أنه خطب بذي قار فحمد الله وأثنى عليه:

ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته، ومن عهود عباده إلى عهوده، ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، عودا وبدءا وعذرا ونذرا، بحكم قد فصله وتفصيل قد أحكمه، وفرقان قد فرقه وقرآن قد بينه ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه، وليقروا به إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه، فتجلى

لهم سبحانه في كتابه من غير أن كونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم وأراهم عفوه كيف عفا، وأراهم قدرته كيف قدر، وخوفهم من سطوته، وكيف خلق ما خلق من الآيات، وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات، واحتصد من احتصد بالنقمات وكيف رزق وهدى أعطى، وأراهم حكمه كيف حكم وصبر حتى يسمع ما يسمع ويرى. فبعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وآله بذلك.

ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شئ أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وآله صلى الله عليه وآله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلا حق تلاوته، ولا سلعة أنفق بيعا 6) ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه، وليس في العباد ولا في البلاد شئ، هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر، وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان، فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته حتى تمالت بهم الأهواء، وتوارثوا ذلك من الآباء وعملوا بتحريف الكتاب كذبا وتكذيبا فباعوه بالبخس وكانوا فيه من الزاهدين.

فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد، لا يؤويهما مؤو، فحبذا ذانك الصاحبان، واها لهما ولما يعملان

له فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم، ومعهم و ليسوا معهم، وذلك لان الضلالة لا توافق الهدى، إن اجتمعا وقد اجتمع القوم على الفرقة، وافترقوا على الجماعة، وقد ولو أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر. والرشاء والقتل، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه، ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون وإن كيده متين بالأمل والرجاء حتى توالدوا في المعصية، ودانوا بالجور.

والكتاب لم يضرب عن شئ منه صفحا، ضلالا تائهين، قد دانوا بغير دين الله عز ذكره وأدانوا لغير الله.

مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى وفقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته، من عندهم جرت الضلالة وإليهم تعود، وحضور مساجدهم المشي إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالتهم، فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربه من الهدى، عامرة من الضلالة، قد بدلت

سنة الله وتعديت حدوده ولا يدعون إلى الهدى، ولا يقسمون الفئ، ولا يوفون بذمة. يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا، قد أتوا الله بالافتراء والجحود، و استغنوا بالجهل عن العلم ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فرية، جعلوا في الحسنة العقوبة السيئة، وقد بعث الله عز وجل إليكم رسولا من أنفسكم عزيزا عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " وأنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآنا عربيا غير ذي عوج لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الامل، ولا يطولن عليكم الأجل، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم، وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة، و ترفع عنه التوبة، وتحل معه القارعة والنقمة.

وقد أبلغ الله عز وجل إليكم بالوعد، وفصل لكم القول، وعلمكم السنة وشرع لكم المناهج ليزيح العلة وحث على الذكر، ودل على النجاة وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم ووفقه للرشاد، وسدده

ويسره للحسنى، فان جار الله آمن محفوظ، وعدوه خائف مغرور، فاحترسوا من الله عز ذكره بكثرة الذكر، واخشوا منه بالتقى، وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب.

قال الله عز وجل: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " فاستجيبوا لله وآمنوا به وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم فان رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له، وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة، ولا يضلون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب والباري من ذي السقم.

واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع، والتكلف، ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ورأيتم كيف هدى الله من هدى، فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون علم القرآن إن علم القرآن ليس بعلم، ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله، وبصر به عماه، وسمع به صممه، وأدرك به علم ما فات، وحيى به بعد إذ مات، وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات، ومحابه السيئات، وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى.

فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة فإنهم خاصة نور يستضاء به، وأئمة يقتدى بهم. وهم عيش العلم وموت الجهل. هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، و صمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق فهم من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله سابقة، ومضى فيهم من الله عز وجل حكم صادق، وفي ذلك ذكرى للذاكرين.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.