پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس عشر

باب 15 مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه أيضا وحكمه 1

ج ۷۴، ص ۴۰۵–۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۴

37 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن اليقطيني، عن يونس، عن أبي أيوب عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر والسكوت والكلام، وكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو.

فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكلامه ذكرا، وبكى على خطيئته وآمن الناس شره.

38 - تحف العقول: ومن حكمه صلوات الله عليه وترغيبه وترهيبه ووعظه:

أما بعد فان المكر والخديعة في النار فكونوا من الله على وجل، ومن صولته على حذر إن الله لا يرضى لعباده بعد إعذاره وإنذاره استطرادا واستدراجا من حيث لا يعلمون، ولهذا يضل سعي العبد حتى ينسى الوفاء بالعهد، ويظن أنه قد أحسن صنعا ولا يزال كذلك في ظن ورجاء وغفلة عما جاءه من النبأ، يعقد على نفسه العقد ويهلكها بكل الجهد وهو في مهلة من الله على عهد، يهوي مع الغافلين، ويغدو مع المذنبين، ويجادل في طاعة الله المؤمنين، ويستحسن تمويه المترفين فهؤلاء

قوم شرحت قلوبهم بالشبهة، وتطاولوا على غيرهم بالفرية وحسبوا أنها لله قربة وذلك لأنهم عملوا بالهوى، وغيروا كلام الحكماء، وحرفوه بجهل وعمى، و طلبوا به السمعة والرياء بلا سبيل قاصدة، ولا أعلام جارية، ولا منار معلوم إلى أمدهم، وإلى منهلهم واردوه وحتى إذا كشف الله لهم عن ثواب سياستهم و استخرجهم من جلابيب غفلتهم، استقبلوا مدبرا واستدبروا مقبلا، فلم ينتفعوا بما أدركوا من أمنيتهم ولا بما نالوا من طلبتهم ولا ما قضوا من وطرهم وصار ذلك عليهم وبالا فصاروا يهربون مما كانوا يطلبون.

وإني أحذركم هذه المزلة وآمركم بتقوى الله الذي لا ينفع غيره، فلينتفع بنفسه إن كان صادقا على ما يجن ضميره فإنما البصير من سمع وتفكر ونظر وأبصر وانتفع بالعبر وسلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة في الهوى، ويتنكب طريق العمى، ولا يعين على فساد نفسه الغواة بتعسف في حق أو تحريف في نطق أو تغيير

في صدق. ولا قوة إلا بالله.

قولوا ما قيل لكم وسلموا لما روي لكم ولا تكلفوا ما لم تكلفوا فإنما تبعته عليكم فيما كسبت أيديكم ولفظت ألسنتكم أو سبقت إليه غايتكم، واحذروا الشبهة فإنها وضعت للفتنة واقصدوا السهولة واعلموا فيما بينكم بالمعروف من القول والفعل واستعملوا الخضوع واستشعروا الخوف والاستكانة لله. واعملوا فيما بينكم بالتواضع والتناصف والتباذل وكظم الغيظ، فإنها وصية الله.

وإياكم والتحاسد والأحقاد، فإنهما من فعل الجاهلية " ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ".

أيها الناس اعلموا علما يقينا أن الله لم يجعل للعبد وإن اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت نكايته أكثر مما قدر له في الذكر الحكيم، ولم يحل بين المرء على ضعفه وقلة حيلته وبين ما كتب له في الذكر الحكيم. أيها الناس إنه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه ولن ينتقص نقيرا لحمقه، فالعالم بهذا، العامل به أعظم الناس راحة في منفعة. والتارك له أكثر الناس شغلا في مضرة. رب منعم عليه في نفسه مستدرج بالاحسان إليه. ورب مبتلى عند الناس مصنوع له.

فأفق أيها المستمتع من سكرك وانتبه من غفلتك وقصر من عجلتك

وتفكر فيما جاء عن الله تبارك وتعالى فيما لا خلف فيه ولا محيص عنه ولابد منه، ثم ضع فخرك، ودع كبرك، واحضر ذهنك، واذكر قبرك ومنزلك، فان عليه ممرك وإليه مصيرك. وكما تدين تدان. وكما تزرع تحصد. وكما تصنع يصنع بك.

وما قدمت إليه تقدم عليه غدا لا محالة.

فلينفعك النظر فيما وعظت به. وع ما سمعت ووعدت، فقد اكتنفك بذلك خصلتان، ولا بد أن تقوم بأحدهما: إما طاعة الله تقوم لها بما سمعت، وإما حجة الله تقوم لها بما علمت.

فالحذر الحذر والجد الجد، فإنه لا ينبئك مثل خبير إن من عزائم الله في الذكر الحكيم التي لها يرضى ولها يسخط ولها يثيب وعليها يعاقب أنه ليس بمؤمن وإن حسن قوله وزين وصفه وفضله غيره إذا خرج من الدنيا فلقي الله بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: الشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته، أو شفاء غيظ بهلاك نفسه، أو يقر بعمل فعمل بغيره، أو يستنجح حاجة إلى الناس باظهار بدعة في دينه، أو سره أن يحمده الناس بما لم يفعل من خير، أو مشى في الناس بوجهين و لسانين والتجبر والأبهة.

واعلم [وأعقل ذلك ف‍] - ان المثل دليل على شبهه أن البهائم همها بطونها وأن السباع همها التعدي والظلم، وإن النساء همهن زينة الدنيا والفساد فيها و إن المؤمنين مشفقون مستكينون خائفون.

37 - موعظته عليه السلام ووصفه المقصرين:

لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويرجو التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا قول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع وإن منع لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى الناس ولا ينتهي و يأمر الناس ما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم ويكره الموت لكثرة سيئاته ولا يدعها في حياته، يقول: كم أعمل فأتعني ألا أجلس فأتمنى، فهو يتمنى المغفرة ويدأب في المعصية.

وقد عمر ما يتذكر فيه من تذكر، يقول فيما ذهب: لو كنت عملت ونصبت لكان خيرا لي ويضيعه غير مكترث لاهيا إن سقم ندم على التفريط في العمل. وإن صح أمن مغترا. يؤخر العمل، تعجبه نفسه ما عوفي ويقنط إذا ابتلي، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن لا يقنع من الرزق بما قسم له ولا يثق منه بما قد ضمن له، ولا يعمل بما فرض عليه.

فهو من نفسه في شك، إن استغنى بطر وفتن وإن افتقر قنط ووهن، فهو

من الذنب والنعمة موفر ويبتغي الزيادة ولا يشكر، ويتكلف من الناس ما لا يعنيه ويصنع من نفسه ما هو أكثر. إن عرضت له شهوة واقعها باتكال على التوبة، وهو لا يدري كيف يكون ذلك. لا تغنيه رغبته ولا تمنعه رهبته. ثم يبالغ في المسألة حين يسأل، ويقصر في العمل، فهو بالقول مدل ومن العمل مقل، يرجو نفع عمل ما لم يعمله. ويأمن عقاب جرم قد عمله. يبادر من الدنيا إلى ما يفنى، ويدع جاهدا ما يبقى وهو يخشى الموت ولا يخاف الفوت. يستكثر من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه. ويستكثر من طاعته ما يحتقر من غيره. يخاف على غيره بأدنى من ذنبه. ويرجو لنفسه بأدنى من عمله.

فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن. يؤدي الأمانة ما عوفي وأرضي، و الخيانة إذا سخط وابتلي. إذا عوفي ظن أنه قد تاب. وإن ابتلي ظن أنه قد عوقب يؤخر الصوم ويعجل النوم، لا يبيت قائما، ولا يصبح صائما. يصبح وهمته الصبح ولم يسهر. ويمسي وهمته العشاء وهو مفطر. يتعوذ بالله ممن هو دونه ولا يتعوذ ممن هو هو فوقه. ينصب الناس لنفسه ولا ينصب نفسه لربه. النوم مع الأغنياء أحب إليه من الركوع مع الضعفاء، يغضب من اليسير ويعصي في الكثير، يعزف لنفسه على غيره ولا يعزف عليها لغيره. فهو يحب أن يطاع ولا يعصى ويستوفى ولا يوفي.

يرشد غيره ويغوي نفسه. ويخشى الخلق في غير ربه ولا يخشى ربه في خلقه. يعرف ما أنكر وينكر ما عرف. ولا يحمد ربه على نعمه. ولا يشكره على مزيد، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، فهو دهره في لبس إن مرض أخلص وتاب وإن عوفي

قسا وعاد، فهو أبدا عليه ولا له، لا يدري عمله إلى ما يؤديه إليه، حتى متى وإلى متى. اللهم اجعلنا منك على حذر. احفظ وع انصرف إذا شئت.

38 - وصيته عليه السلام لكميل بن زياد يا كميل سم كل يوم باسم الله وقل لا حول ولا قوة إلا بالله. وتوكل على الله واذكرنا وسم بأسمائنا وصل علينا. وأدر بذلك على نفسك وما تحوطه عنايتك، وتكف شر ذلك اليوم إن شاء الله.

يا كميل إن رسول الله صلى الله عليه وآله أدبه الله وهو عليه السلام أدبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الآداب المكرمين.

يا كميل ما من علم إلا وأنا أفتحه وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه.

يا كميل ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.

يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا.

يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة.

يا كميل إذا أكلت الطعام فسم باسم الذي لا يضر مع اسمه داء وفيه شفاء من كل الاسواء.

يا كميل وآكل الطعام ولا تبخل عليه، فإنك لن ترزق الناس شيئا، والله يجزل لك الثواب بذلك. أحسن عليه خلقك . وابسط جليسك ولا تتهم خادمك. يا كميل إذا أكلت فطول أكلك ليستوفى من معك ويرزق منه غيرك.

يا كميل إذا استوفيت طعامك فأحمد الله على ما رزقك وارفع بذلك صوتك

يحمده سواك فيعظم بذلك أجرك.

يا كميل لا توقرن معدتك طعاما ودع فيها للماء موضعا وللريح مجالا ولا ترفع يدك من الطعام إلا وأنت تشتهيه، فان فعلت ذلك فأنت تستمرئه، فان صحة الجسم من قلة الطعام وقلة الماء.

يا كميل البركة في مال من آتي الزكاة وواسى المؤمنين ووصل الأقربين.

يا كميل زد قرابتك المؤمن على ما تعطي سواه من المؤمنين وكن بهم أرأف وعليهم أعطف. وتصدق على المساكين.

يا كميل لا ترد سائلا ولو من شطر حبة عنب أو شق تمرة، فان الصدقة تنمو عند الله.

يا كميل أحسن حلية المؤمن التواضع، وجماله التعفف، وشرفه التفقه، وعزه ترك القال والقيل.

يا كميل في كل صنف قوم أرفع من قوم، فإياك ومناظرة الخسيس منهم وإن أسمعوك واحتمل وكن من الذين وصفهم الله " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ".

يا كميل قل الحق على كل حال، وواد المتقين واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين.

يا كميل لا تطرق أبواب الظالمين للاختلاط بهم والاكتساب معهم، وإياك

أن تعظمهم وأن تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك وإن اضطررت إلى حضورهم فداوم ذكر الله والتوكل عليه واستعذ بالله من شرورهم وأطرق عنهم وأنكر بقلبك فعلهم واجهر بتعظيم الله [ل‍] - تسمعهم فإنك بها تؤيد وتكفى شرهم.

يا كميل إن أحب ما امتثله العباد إلى الله بعد الاقرار به وبأوليائه التعفف والتحمل والاصطبار.

يا كميل لا ترى الناس إقتارك، واصبر عليه احتسابا بعز وتستر.

يا كميل لا بأس أن تعلم أخاك سرك. ومن أخوك؟ أخوك، الذي لا يخذلك عند الشديدة، ولا يقعد عنك عند الجريرة ولا يدعك حتى تسأله، ولا يذرك وأمرك حتى تعلمه، فإن كان مميلا أصلحه.

يا كميل المؤمن مرآة المؤمن، لأنه يتأمله فيسد فاقته ويجمل حالته.

يا كميل المؤمنون إخوة ولا شئ آثر عند كل أخ من أخيه.

يا كميل إن لم تحب أخاك فلست أخاه، إن المؤمن من قال بقولنا، فمن تخلف عنه قصر عنا، ومن قصر عنا لم يلحق بنا، ومن لم يكن معنا ففي الدرك الأسفل من النار.

يا كميل كل مصدور ينفث فمن نفث إليك منا بأمر أمرك بستره، فإياك أن تبديه وليس لك من إبدائه توبة وإذا لم تكن توبة فالمصير إلى لظى.

يا كميل إذاعة سر آل محمد صلوات الله عليهم لا يقبل منها ولا يحتمل أحد عليها وما قالوه فلا تعلم إلا مؤمنا موفقا.

يا كميل قل عند كل شدة: " لا حول ولا قوة إلا بالله " تكفها، وقل عند كل نعمة: " الحمد لله " تزدد منها. وإذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر الله يوسع عليك فيها.

يا كميل انج بولايتنا من أن يشركك الشيطان في مالك وولدك.

يا كميل إنه مستقر ومستودع فاحذر أن تكون من المستودعين وإنما يستحق أن يكون مستقرا إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج ولا تزيلك عن منهج.

يا كميل لا رخصة في فرض ولا شدة في نافلة.

يا كميل إن ذنوبك أكثر من حسناتك، وغفلتك أكثر من ذكرك، ونعم الله عليك أكثر من عملك.

يا كميل إنك لا تخلو من نعم الله عندك وعافيته إياك، فلا تخل من تحميده وتمجيده وتسبيحه وتقديسه وشكره وذكره على كل حال.

يا كميل لا تكونن من الذين قال الله " نسوا الله فأنسيهم أنفسهم " ونسبهم إلى الفسق فهم فاسقون.

يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق، الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي وعمل عند الله مرضي، وخشوع سوي، وانظر فيما تصلي، وعلى ما تصلي، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول.

يا كميل اللسان ينزح القلب والقلب يقوم بالغذاء، فانظر فيما تغذي قلبك وجسمك فإن لم يكن حلالا لم يقبل الله تسبيحك ولا شكرك.

يا كميل إفهم واعلم أنا لا نرخص في ترك أداء الأمانة لاحد من الخلق، فمن روى عني في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النار بما كذب، أقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لي قبل وفاته بساعة مرارا ثلاثا: يا أبا الحسن أد [اء] الأمانة إلى البر والفاجر فيما جل وقل حتى الخيط والمخيط.

يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل ولا نفل إلا من إمام فاضل.

يا كميل لو لم يظهر نبي وكان في الأرض مؤمن تقي لكان في دعائه إلى الله مخطئا أو مصيبا، بل والله مخطئا حتى ينصبه الله لذلك ويؤهله له.

يا كميل الدين لله فلا يقبل الله من أحد القيام به إلا رسولا أو نبيا أو وصيا.

يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة وليس بعد ذلك إلا موالين متبعين أو عامهين مبتدعين، إنما يتقبل الله من المتقين.

يا كميل إن الله كريم حليم عظيم رحيم دلنا على أخلاقه وأمرنا بالأخذ بها وحمل الناس عليها، فقد أديناها غير متخلفين وأرسلناها غير منافقين وصدقناها غير مكذبين وقبلناها غير مرتابين.

يا كميل لست والله متملقا حتى أطاع ولا ممنيا حتى لا اعصى، ولا مائرا لطعام الاعراب حتى أنحل إمرة المؤمنين وادعى بها.

يا كميل إنما حظي من حظى بدنيا زائلة مدبرة ونحظى بآخرة باقية ثابتة.

يا كميل إن كلا يصير إلى الآخرة والذي نرغب فيه منها رضى الله والدرجات العلى من الجنة التي يورثها من كان تقيا.

يا كميل من لا يسكن الجنة فبشره بعذاب أليم وخزي مقيم.

يا كميل أنا أحمد الله على توفيقه وعلى كل حال، إذا شئت فقم.

39 - الإرشاد: من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما اشتهر بين العلماء وحفظه ذووا الفهم والحكماء.

أما بعد أيها الناس فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع. ألا وإن المضمار اليوم وغدا السباق، والسبقة الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن أخلص الله عمله لم يضره أمله، ومن بطأ به عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله. ألا فاعملوا في الرغبة والرهبة، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله، واجمعوا معها رهبة، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله، واجمعوا معها رغبة، فإن الله قد تأذن للمحسنين بالحسنى، ولمن شكره بالزيادة، ولا كسب خير من كسب ليوم تدخر فيه الذخائر، وتجمع فيه الكبائر، وتبلى فيه السرائر، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا مثل النار نام هاربها. ألا وإنه من لا ينفعه اليقين يضره الشك ومن لا ينفعه حاضر لبه ورأيه فغائبه عنه أعجز. ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى وطول الامل، لان اتباع الهوى يصد عن الحق وطول الامل ينسي الآخرة. ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة وأن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فكونوا إن استطعتم من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء، الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل.

40 - الإرشاد: ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام في الحكمة والموعظة:

قوله: خذوا رحمكم الله من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن يخرج منها أبدانكم فللآخرة خلقتم، وفي الدنيا حبستم. أن المرء إذا هلك قالت الملائكة: ما قدم، وقال الناس ما خلف. فلله آباؤكم قدموا بعضا يكن لكم، ولا تخلفوا كلا فيكن عليكم فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا يعرفه.

ومن ذلك قوله عليه السلام لا حياة إلا بالدين، ولا موت إلا بجحود اليقين، فاشربوا من العذب الفرات ينبهكم من نومة السبات، وإياكم والسمائم المهلكات.

ومن ذلك قوله عليه السلام الدنيا دار صدق لمن عرفها، ومضمار الخلاص لمن تزود منها، في مهبط وحي الله تعالى، ومتجر أوليائه. اتجروا تربحوا الجنة.

ومن ذلك قوله عليه السلام لرجل سمعه يذم الدنيا من غير معرفة لما يجب أن يقول في معناها: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، دار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة. فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها فشوقت بسرورها إلى السرور، وحذرت ببلائها إلى البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا. فيا أيها الذام للدنيا! والمغتر بتغريرها متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، ومرضت بيديك؟ تبتغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، وتلتمس لهم الدواء، لم تنفعهم بطلبتك، ولم تشفعهم بشفاعتك، قد مثلت لك الدنيا بهم مصرعك ومضجعك، حيث لا ينفعك بكاؤك، ولا تغني عنك أحباؤك.

ومن ذلك قوله عليه السلام: أيها الناس خذوا عني خمسا فوالله لو رحلتم المطي فيها لانضيتموها قبل أن تجدوا مثلها لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه

ولا يستحيين العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله يعلم، الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.

ومن ذلك قوله عليه السلام: كل قول ليس لله فيه ذكر فلغو، وكل صمت ليس فيه فكر فسهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فلهو.

وقوله عليه السلام: ليس من ابتاع نفسه فأعتقها كمن باع نفسه فأوبقها.

وقوله عليه السلام: من سبق إلى الظل ضحى، ومن سبق إلى الماء ظمى.

وقوله عليه السلام: حسن الأدب ينوب عن الحسب.

وقوله عليه السلام: الزاهد في الدنيا كلما ازدادت له تجليا ازداد عنه توليا.

وقوله عليه السلام: المودة أشبك الأنساب، والعلم أشرف الأحساب.

وقوله عليه السلام: إن يكن الشغل مجهدة، فاتصال الفراغ مفسدة.

وقوله عليه السلام: من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها خصم.

وقوله عليه السلام: العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم.

وقوله عليه السلام: من أحب المكارم اجتنب المحارم.

وقوله عليه السلام: من حسنت به الظنون رمقته الرجال بالعيون.

وقوله عليه السلام: غاية الجود أن تعطي من نفسك المجهود.

وقوله عليه السلام: ما بعد كائن، ولا قرب بائن.

وقوله عليه السلام: جهل المرء بعيوبه من أكبر ذنوبه.

وقوله عليه السلام : تمام العفاف الرضا بالكفاف.

وقوله عليه السلام: أتموا الجود ابتناء المكارم واحتمال المغارم.

وقوله عليه السلام: أظهر الكرم صدق الإخاء في الشدة والرخاء.

وقوله عليه السلام: الفاجر إن سخط ثلب، وإن رضي كذب، وأن طمع خلب.

وقوله عليه السلام: من لم يكن أكثر ما فيه عقله كان بأكثر ما فيه قتله.

وقوله عليه السلام: احتمل زلة وليك لوقت وثبة عدوك.

وقوله عليه السلام: حسن الاعتراف يهدم الاقتراف.

وقوله عليه السلام: لم يضع من مالك ما بصرك صلاح حالك.

وقوله عليه السلام. القصد أسهل من التعسف، والكف أدرع من التكلف.

وقوله عليه السلام: شر الزاد إلى المعاد احتقاب ظلم العباد.

وقوله عليه السلام: لا نفاد لفائدة إذا شكرت، ولا بقاء لنعمة إذا كفرت.

وقوله عليه السلام: الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. فإن كان لك فلا تبطر، و إن كان عليك فاصبر.

وقوله عليه السلام: رب عزيز أذله خلقه، وذليل أعزه خلقه.

وقوله عليه السلام: من لم يجرب الأمور خدع، ومن صارع الحق صرع.

وقوله عليه السلام: لو عرف الأجل قصر الامل.

وقوله عليه السلام: الشكر زينة الغنى، والصبر زينة البلوى.

وقوله عليه السلام: قيمه كل امرئ ما يحسنه.

وقوله عليه السلام: الناس أبناء ما يحسنون.

وقوله عليه السلام: المرء مخبو تحت لسانه.

وقوله عليه السلام: من شاور ذوي الألباب دل على الصواب.

وقوله عليه السلام: من قنع باليسير استغنى عن الكثير، ومن لم يستغن بالكثير افتقر إلى الحقير.

وقوله عليه السلام: من صحت عروقه أثمرت فروعه.

وقوله عليه السلام: من أمل إنسانا هابه، ومن قصر عن معرفة شئ عابه.

ومن كلامه عليه السلام: المؤمن من نفسه في تعب، والناس منه في راحة.

وقال عليه السلام: من كسل لم يؤد حق الله عليه.

وقال عليه السلام: أفضل العبادة الصبر، والصمت، وانتظار الفرج.

وقال عليه السلام: الصبر على ثلاثة أوجه: فصبر على المصيبة، وصبر عن المعصية

وصبر على الطاعة.

وقال عليه السلام: الحلم وزير المؤمن، والعلم خليله، والرفق أخوه، والبر والده والصبر أمير جنوده.

وقال عليه السلام: ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان الصدقة، وكتمان المصيبة وكتمان المرض.

وقال عليه السلام: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره وأفضل على من شئت تكن أميره.

وكان يقول عليه السلام: لا غنى مع فجور، ولا راحة لحسود، ولا مودة لملول.

وقال عليه السلام لأحنف بن قيس: الساكت أخو الراضي، ومن لم يكن معنا كان علينا.

وقال عليه السلام: الجود من كرم الطبيعة، والمن مفسدة للصنيعة.

وقال عليه السلام: ترك التعاهد للصديق داعية القطيعة.

وكان يقول عليه السلام: إرجاف العامة بالشئ دليل على مقدمات كونه.

وقال عليه السلام: اطلبوا الرزق فإنه مضمون لطالبه.

وقال عليه السلام: أربعة لا ترد لهم دعوة: الإمام العادل لرعيته، والولد البار لوالده والوالد البار لولده، والمظلوم. يقول الله وعزتي وجلالي لأتنصرن لك ولو بعد حين.

وقال عليه السلام: خير الغنى ترك السؤال، وشر الفقر لزوم الخضوع.

وقال عليه السلام: المعروف عصمة البوار، والرفق نعشة من العثار.

وقال عليه السلام: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه.

وقال عليه السلام: لولا التجارب عميت المذاهب.

وقال عليه السلام: لا عدة أنفع من العقل، ولا عدو أضر من الجهل.

وقال عليه السلام: من اتسع أمله قصر عمله.

وقال عليه السلام: أشكر الناس أقنعهم، وأكفر هم للنعم أجشعهم.

في أمثال هذا الكلام المفيد للحكمة، وفصل الخطاب لم نستوف ما جاء في معناه عنه لئلا ينتشر به الخطاب ويطول الكتاب، وفيما أثبتناه منه مقنع لذوي الألباب.

41 - مجالس المفيد: عن محمد بن الحسين المقري، عن علي بن الحسين الصيدلاني، عن أحمد بن محمد مولى بني هاشم، عن أبي نصر المخزومي، عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال:

لما قدم علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام البصرة مر بي وأنا أتوضأ فقال:

يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك. ثم جازني فأقبلت أقفوا أثره فحانت منه التفاتة فنظر إلي فقال: يا غلام ألك إلي حاجة؟ قلت: نعم علمني كلاما ينفعني الله به فقال يا غلام من صدق الله نجى، ومن أشفق على دينه سلم من الردى. ومن زهد في الدنيا قرت عينه بما يرى من ثواب الله عز وجل. ألا أزيدك يا غلام؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين قال: من كن فيه ثلاث خصال سلمت له الدنيا والآخرة: من أمر بالمعروف وائتمر به، ونهى عن المنكر وانتهى عنه، وحافظ على حدود الله، يا غلام أيسرك أن تلقى الله يوم القيامة وهو عنك راض؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين: قال كن في الدنيا زاهدا وفي الآخرة راغبا، وعليك بالصدق في جميع أمورك فان الله تعبدك وجميع خلقه بالصدق ثم مشى حتى دخل سوق البصرة فنظر إلى الناس يبيعون ويشترون فبكى بكاء شديدا ثم قال: يا عبيد الدنيا وعمال أهلها إذا كنتم بالنهار تحلفون، وبالليل في فراشكم تنامون، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتى تجهزون الزاد وتفكرون في المعاد؟! فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنه لابد لنا من المعاش فكيف نصنع؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن طلب المعاش من حله لا يشغل عن عمل الآخرة فان قلت لابد

لنا من الاحتكار لم تكن معذورا. فولى الرجل باكيا فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:

أقبل علي أزدك بيانا، فعاد الرجل إليه فقال له: اعلم يا عبد الله إن كل عامل في الدنيا للآخرة لابد أن يوفى أجر عمله في الآخرة، وكل عامل دينا للدنيا عمالته في الآخرة نار جهنم، ثم تلا أمير المؤمنين عليه السلام قوله تعالى " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى ".

42 - مجالس المفيد: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف عن ابن مهزيار، عن عاصم، عن فضيل الرسان، عن يحيى بن عقيل قال: قال علي عليه السلام: إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى، وطول الامل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الامل فينسي الآخرة، ارتحلت الآخرة مقبلة، وارتحلت الدنيا مدبرة ولكل بنون فكونوا من بني الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل.

43 - من كتاب عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الواسطي استنسخناه من أصل قديم في المواعظ وذكر الموت وهو خمسمائة وثمانية وثمانون حكمة.

قوله عليه السلام: رحم الله عبدا سمع حكما فوعى، ودعي إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجى، وراغب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا، وعمل صالحا، اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأحرز عوضا، كابد هواه، وكذب مناه جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود من العمل.

44 - ومن خطبة له عليه السلام تعرف بالغراء:

منها: جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها، وأبصارا لتجلو عن عشاها، وأشلاء جامعة

لأعضائها ملائمة لأحنائها، في تركيب صورها ومدد عمرها، بأبدان قائمة بأرفاقها وقلوب رائدة لارزاقها في مجللات نعمه، وموجبات سننه، وحواجز عافيته.

وقدر لكم أعمارا سترها عنكم، وخلف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم، من مستمتع خلاقهم، ومستفسح خناقهم أرهقهم المنايا دون الآمال، لم يمهدوا في سلامة الأبدان ولم يعتبروا في انف الأوان، فهل ينتظر أهل بضاضة الشاب إلا حواني الهرم وأهل غضارة الصحة إلا نوازل السقم؟ وأهل مدة البقاء إلا آونة الفناء، مع قرب الزيال، وازوف الانتقال، وعلز القلق، وألم المضض، وغصص الجرض وتلفت

الاستعانة بنصرة الحفظة والأقرباء والأعزة والقرناء، فهل دفعت الأقارب أو نفعت النواحب، وقد غودر في محلة الأموات رهينا، وفي ضيق المضجع وحيدا، قد هتكت الهوام جلدته، وأبلت النواهك جدته، وعفت العواصف آثاره، ومحا الحدثان معالمه وصارت الأجساد شحبة بعد بضتها، والعظام نخرة بعد قوتها، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها موقنة بغيب أنبائها، لا تستزاد من صالح عملها، ولا تستعتب من سيئ زللها أو لستم ترون أبناء القوم والآباء وإخوانهم والأقرباء؟ تحتذون

أمثلتهم، وتركبون قدتهم، وتطأون جادتهم، فالقلوب قاسية عن حظها لاهية عن رشدها، سالكة في غير مضمارها، كأن المعني سواها وكأن الرشد في إحراز دنياها.

فاعلموا أن مجازكم على الصراط ومزالق دحضه، وأهاويل زلله، وتارات أهواله فاتقوا الله تقية ذي لب شغل التفكر قلبه وأنصب الخوف بدنه وأسهر التهجد غرار نومه، وأظمأ الرجاء هواجر يومه فظلف الرهب شهواته، وأوجف الذكر بلسانه، وقدم الخوف لا بأنه، وتنكب المخالج عن وضح السبيل وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب، ولم تفتله فاتلات الغرور، ولم تعم عليه مشتبهات الأمور

ظافرا بفرحة البشرى، وراحة النعمى في أنعم نومه وآمن يومه، قد عبر معبر العاجلة حميدا، وقدم زاد الأجلة سعيدا، وبادر من وجل، وأكمش في مهل، ورغب في طلب، وذهب عن هرب وراغب في يومه غده، ونظر قدما أمامه، فكفى بالجنة ثوابا، ونوالا وكفى بالنار عقابا ووبالا، وكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما.

ومنها: أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام [وشغف الأستار نطفة دهاقا وعلقة محاقا، وجنينا وراضعا] ووليدا ويافعا ثم منحه قلبا حافظا، ولسانا لافظا، وبصرا لاحظا، ليفهم معتبرا، ويقصر مزدجزا، حتى إذا قام اعتداله، واستوى مثاله نفر مستكبرا، وخبط سادرا ماتحا في غرب هواه، كادحا سعيا لدنياه في لذات طربه، وبدوات أربه، ثم لا يحتسب رزية ولا يخشع نعيه، فمات في قبيلته

عزيزا وعاش في هفوته يسيرا، لم يفد عوضا، ولم يقض مفترضا، دهمته فجعات المنية في غبر جماحه وسنن مراحه فظل سادرا، وبات ساهرا، في غمرات الآلام، وطوارق الأوجاع [والأسقام] بين أخ شقيق، ووالد شفيق، وداعية بالويل جزعا، ولادمة للصدر قلقا، والمرء في سكرة ملهية، وغمرة كارثة، وأنة موجعة وجذبة مكربة، وسوقة متعبة، قد أدرج في أكفانه مبلسا، وجذب منقادا

سلسا، ثم القي على الأعواد رجيع وصب، ونضو سقم، تحمله حفدة الولدان وحشدة الاخوان، إلى دار غربته، ومنقطع زورته حتى إذا انصرف المشيع ورجع المتفجع أقعد في حفرته نجيا لبهتة السؤال، وعثرة الامتحان.

وأعظم ما هنالك بلية نزل الحميم، وتصلية الجحيم، وفورات السعير، و سورات الزفير لا فترة مريحة، ولا دعة مزيحة، ولا قوة حاجزة، ولا موتة ناجزة ولا سنة مسلية، بين أطوار الموتات وعذاب الساعات. إنا بالله عائذون.

عباد الله أين الذين عمروا فنعموا، وعلموا ففهموا، ونظروا فلهوا، وسلموا فنسوا، أمهلوا طويلا، ومنحوا جميلا، وحذروا أليما، ووعدوا جسيما، احذروا الذنوب المورطة، والعيوب المسخطة.

أولى الاسماع والابصار، والعافية والمتاع! هل من مناص، أو خلاص، أو معاذ أو ملاذ، أو قرار، أو مجاز أم لا؟ فأنى تؤفكون؟ أم أين تصرفون؟ أم بماذا

تغترون؟ وإنما حظ أحدكم من الأرض، ذات الطول والعرض، قيد قده متعفرا على خده.

الان عباد الله والخناق مهمل والروح مرسل في فينة الارشاد وراحة الأجساد، ومهل البقية، وانف المشية، وإنظار التوبة، وانفساح الحوبة قبل الضنك والمضيق، والروع والزهوق، وقبل قدوم الغائب المنتظر وأخذ العزيز المقتدر.

44 - ومن خطبة له عليه السلام: فاتعظوا عباد الله بالعبر النوافع، واعتبروا بالاي السواطع، وازدجروا بالنذر البوالغ وانتفعوا بالذكر والمواعظ، فكأن قد علقتكم مخالب المنية وانقطعت عنكم علائق الأمنية، ودهمتكم مفظعات الأمور والسياقة إلى الورد المورود وكل نفس معها سائق وشهيد، وسائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها.

45 - ومن خطبة له عليه السلام: هل يحس به أحد إذا دخل منزلا؟ أم هل يراه

إذا توفى أحدا، بل كيف يتوفى الجنين في بطن أمه، أيلج عليه من بعض جوارحها أم الروح أجابته باذن ربها، أم هو ساكن معها في أحشائها، كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله.

46 - ومن خطبة له عليه السلام: عباد الله، الله الله في أعز الأنفس عليكم، وأحبها إليكم، فان الله قد أفصح سبيل الحق، وأنار طرقه، بشقوة لازمة، أو سعادة دائمة فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء، فقد دللتم على الزاد، وأمرتم بالظعن وحثثتم على السير، فإنما أنتم كركب وقوف لا يدرون متى يؤمرون بالمسير.

ألا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة؟ وما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه ويبقى عليه تبعته وحسابه؟

عباد الله إنه ليس لما وعد الله من الخير مترك، ولا فيما نهى عنه من الشر مرغب.

عباد الله احذروا يوما تفحص فيه الأعمال، ويكثر فيه الزلزال وتشيب فيه الأطفال، اعلموا عباد الله أن عليكم رصدا من أنفسكم، وعيونا من جوارحكم وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم وعدد أنفاسكم، لا تستركم منه ظلمة ليل داج، ولا يكنكم منه باب ذو رتاج وإن غدا من اليوم قريب، يذهب اليوم بما فيه ويجئ الغد بما لا خفاء به، فكان كل امرء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته ومحط حفرته، فياله من بيت وحدة، ومنزل وحشة، ومفرد غربة، وكأن الصيحة قد أتتكم، والساعة قد غشيتكم، وبررتم لفصل القضاء، قد زاحت عنكم الأباطيل واضمحلت عنكم العلل واستحقت بكم الحقايق، وصدرتكم الأمور مصادرها

فاتعظوا بالغير، واعتبروا بالعبر، وانتفعوا بالنذر.

47 - ومن كلامه عليه السلام: قاله بعد تلاوته " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " ياله مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله وحطاما ما أفرغه وخطرا ما أفظعه، أفبمصارع آبائهم يفتخرون؟ أم بعديد الهلكى يتكاثرون، يرتجعون منهم أجسادا خوت وحركات سكنت ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكون مفتخرا، ولان يهبطوا منهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة وضربوا منهم في غمرة جهالة ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية لقالت: ذهبوا في الأرض ضلالا، وذهبتهم في أعقابهم جهالا، تطأون في هامهم وتستثبتون في أجسادهم، وترتعون فيما لفظوا، وتسكنون فيما خربوا وإنما الأيام بينهم وبينكم بواك ونوائح عليكم.

أولئكم سلف غايتكم، وفراط مناهلكم الذين كانت لهم مقاوم العز، وحلبات الفخر ملوكا وسوقا وسلكوا في بطون البرزخ سبيلا، سلطت الأرض عليهم فيه فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون وضمارا لا يوجدون لا يفزعهم ورود الأهوال، ولا يحزنهم تنكر الأحوال، ولا يحفلون بالرواجف، ولا يأذنون للقواصف غيبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون وإنما كانوا جميعا فتشتتوا، والافا فافترقوا وما عن طول عهدهم، ولا بعد محلهم عميت أخبارهم، وصمت ديارهم ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما، وبالحركات سكونا، فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات جيران لا يتأنسون، وأحباء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، وانقطعت منهم أسباب

الإخاء، فكلهم وحيد وهم جميع، وبجانب الهجر وهم أخلاء، لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء.

أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا.

ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق فقالوا: كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجسام النواعم ولبسنا أهدام البلى، وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة، وتهكمت علينا الربوع الصموت فانمحت محاسن أجسادنا،

وتنكرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا، ولم نجد من كرب فرجا، ولا من ضيق متسعا.

فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت، واختلجت أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد دلاقتها وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات، فلا أيد تدفع ولا قلوب تجزع لرأيت أشجان قلوب وأقذاء عيون، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل، وغمرة لا تنجلي فكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف وربيب شرف، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به، ضنا بغضارة عيشه، وشحاحة بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك

الدنيا إليه، في ظل عيش غفول إذ وطئ الدهر به حسكه، ونقضت الأيام قواه، ونظرت إليه الحتوف من كثب، فخالطه بث لا يعرفه، ونجي هم ما كان يجده وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته، ففزع إلى ما كان عوده الأطباء من تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة، ولا حرك بحار إلا هيج برودة، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبايع إلا أمد منها كل ذات داء حتى فتر معللة، وذهل ممرضه، وتعايا أهله بصفة دائه، وخرسوا عن جواب السائلين عنه، وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه

فقائل يقول: هو لما به، وممن لهم إياب عافيته، ومصبر لهم على فقده، يذكرهم أسى الماضين من قبله.

فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الأحبة إذ عرض له عارض من غصصه، فتحيرت نوافذ فطنته ويبست رطوبة لسانه، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده، ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا.

48 - ومن كلامه عليه السلام إنكم مخلوقون اقتدارا، ومربوبون اقتسارا

[ومقبوضون احتضارا] ومضمنون أجداثا، وكاينون رفاتا، ومبعوثون أفرادا ومدينون، [جزاء ومميزون] حسابا فرحم الله عبدا اقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعبر فاعتبر، وحذر فازدجر، فأجاب فأناب وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى، فباحث طلبا، ونجا هربا، فأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد واستظهر بالزاد ليوم رحيله ووجه مسيله وحال حاجته، وموطن فاقته، تقدم أمامه لدار مقامه. فمهدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان، فهل ينتظر أهل غضارة الشاب إلا جواني الهرم؟ و أهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء؟

واقتراب الفوت، ودنو الموت، وازوف الانتقال، وإشفاء الزوال، وحفي الأنين ورشح الجبين، وامتداد العرنين، وعلز القلق، وفيض الرمق، وألم المضض وغصص الجرض.

واعلموا عباد الله إنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا، وأشد بطشا، وأعمر ديارا، وأبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم هامدة جامدة من بعد طول تقلبها، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية وآثارهم عافية واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطية الملحدة التي قد بين الخراب فناؤها وشيد التراب بناؤها، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون الجيران والاخوان، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار، وكيف يكون بينهم تواصل، وقد طحنهم بكلكلة البلى، فأكلهم الجنادل والثرى فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب.

هيهات هيهات كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون، وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى، والوحدة في دار الموت، وارتهنتم في ذلك

المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبعثرت القبور وحصل ما في الصدور، ووقعتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت منكم الحجب والأستار، و ظهرت منكم الغيوب والاسرار، هنالك تجزى كل نفس بما كسبت إن الله يقول:

" ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ".

اغتنموا أيام الصحة قبل السقم، والشيبة قبل الهرم، وبادروا التوبة قبل الندم، ولا يحملنكم المهلة على طول الغفلة، فان الأجل يهدم الامل، والأيام موكلة بنقص المدة، وتفريق الأحبة، فبادروا رحمكم الله بالتوبة قبل حضور النوبة، وبرزوا للغيبة التي لا ينتظر معها الاوبة واستعينوا على بعد المسافة بطول المخافة، فكم من غافل وثق لغفلته، وتعلل بمهلته، فأمل بعيدا وبنى مشيدا، فنقص بقرب أجله بعد أمله، فاجأته منيته بانقطاع أمنيته، فصار بعد العز والمنعة والشرف والرفعة مرتهنا بموبقات عمله قد غاب فما يرجع، وندم فما انتفع، وشقي بما جمع في يومه وسعد به غيره في غده، وبقي مرتهنا بكسب يده ذاهلا عن أهله وولده، لا يغني عنه ما ترك فتيلا ولا يجد إلى مناص سبيلا.

فعلى م عباد الله التعرج والدلج وإلى أين المفر والمهرب؟ وهذا الموت

في الطلب، يخترم الأول فالأول لا يتحنن على ضعيف، ولا يعرج على شريف والجديدان يحثان الأجل تحثيثا، ويسوقانه سوقا حثيثا وكل ما هو آت فقريب، ومن وراء ذلك العجب العجب، فأعدوا الجواب ليوم الحساب، وأكثروا الزاد ليوم المعاد.

عصمنا الله وإياكم بطاعته، وأعاننا وإياكم على ما يقرب إليه ويزلف لديه فإنما نحن به وله. إن الله وقت لكم الأجل، وضرب لكم الأمثال، وألبسكم الرياش، وأرفع لكم المعاش، وآثركم بالنعم السوابغ، وتقدم إليكم بالحجج البوالغ، وأوسع لكم في الرفد الروافغ فتشمروا فقد أحاط بكم الاحصاء، و ارتهن لكم الجزاء القلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، اتقوا الله تقية من شمر تجريدا، وجد تشميرا، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل، ونظر في كرة الموئل، وعاقبة المصدر، ومغبة المرجع، وكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما.

رحم الله عبدا استشعر الحزن، وتجلبب الخوف، وأضمر اليقين، وعري عن الشك

في توهم الزوال، فهو منه على وبال، فزهر مصباح الهدى في قلبه وقرب على نفسه البعيد، وهون الشديد، فخرج من صفه العمى، ومشاركة الموتى، وخيار من مفاتيح الهدى، ومغاليق أبواب الردى، واستفتح بما فتح به العالم أبوابه، وخاض بحاره، وقطع غماره، ووضحت له سبيله ومناره، واستمسك من العرى بأوثقها، واستعصم من الجبال بأمتنها، خواض غمرات، فتاح مبهمات، [دفاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص لله، فاستخلصه، فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به لا يدع للخير غاية إلا أمها] ولا مطية إلا قصدها.

[تم القسم الأول من كتاب الروضة ويليه القسم الثاني أوله كتاب الغارات]

بسم الله الرحمن الرحيم 49 - كتاب الغارات: لإبراهيم بن محمد الثقفي، عن أبي زكريا الجريري عن بعض أصحابه قال: خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده و رسوله انتجبه بالولاية، واختصه بالاكرام، وبعثه بالرسالة، أحب خلقه إليه.

وأكرمهم عليه، فبلغ رسالات ربه، ونصح لامته، وقضى الذي عليه.

أوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خير ما تواصت به العباد، وأقربه من رضوان الله، وخيره في عواقب الأمور. فبتقوى الله أمرتم، ولها خلقتم، فاخشوا الله خشية ليست بسمعة ولا تعذير فإنه لم يخلقكم عبثا، وليس بتارككم سدى قد أحصى أعمالكم، وسمى آجالكم، وكتب آثاركم، فلا تغرنكم الدنيا فإنها غرارة،. مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي.

نسأل الله ربنا وربكم أن يرزقنا وإياكم خشية السعداء، ومنازل الشهداء ومرافقة الأنبياء، فإنما نحن به وله.

50 - وبهذا الاسناد خطبة له عليه السلام: الحمد لله نحمده تسبيحا، ونمجده تمجيدا نكبر عظمته لعز جلاله، ونهلله تهليلا، موحدا مخلصا، ونشكره في مصانعة الحسنى، أهل الحمد والثناء الاعلى، ونستغفره للحت من الخطايا، ونستعفيه من متح ذنوب البلايا ونؤمن بالله يقينا في أمره، ونستهدي بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خير قدر (؟) موجب فضل عدل قضاء نافذ بفوز سابق بسعادة في كتاب كريم مكنون، ونعوذ بالله من مضيق مضائق السبل على أهلها بعد اتساع مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى بلبس ثياب مضلات الفتن، ونشهد غير ارتياب، حال دون يقين مخلص بأن الله واحد موحد، وفي وعده، وثيق عقده، صادق قوله، لا شريك له في الامر، ولا ولي له من الذل، نكبره تكبيرا، لا إله إلا الله هو العزيز الحكيم.

ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده بعيث الله لوحيه، ونبيه بعينه، ورسوله بنوره، مجيبا مذكرا مؤديا، مبقيا مصابيح شهب ضياء مبصر. وماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل خوض الخائضين، بدار اشتباك ظلمة كفر دامس، فجلا غواشي أظلام لجي راكد بتفصيل آياته من بعد توصيل قوله وفصل فيه القول للذاكرين بمحكمات منه بينات، ومشتبهات يتبعها الزايغ قلبه ابتغاء التأويل تعرضا للفتن. والفتن محيطة بأهلها. والحق نهج مستنير، من يطع الرسول يطع الله ومن يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء، ومن يعص الله ورسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء، قضاء بالعدل عند القصاص بالحق يوم إفضاء الخلق إلى الخالق.

أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه إنصاته وصامت ذو لب شغل قلبه بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته، وشرف نهج ثوابه على احتلال من عقابه، ومخبر النائل رضاه عند المستوجبين غضبه عند تزايل الحساب. وشتى بين الخصلتين وبعيد تقارب ما بينهما، أوصيكم بتقوى الله بارئ الأرواح وفالق الاصباح.

51 - من كتاب مطالب السؤول لمحمد بن طلحة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل.

لقد شغل من الجنة والنار أمامه. ساع سريع نجا، وطالب بطئ رجا، ومقصر في النار هوى، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، وخاب من افترى، وخسر من باع الآخرة بالأولى، ولكل نبأ مستقر وكل ما هو آت قريب.

52 - ومنه: لقد جاهرتكم العبر، وزجرتم بما فيه مزدجر، وما يبلغ عن الله بعد رسل الله إلا البشر، ألا وإن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة، تحدوكم تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم.

53 - وقال عليه السلام يوما وقد أحدق الناس به: أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة وليست بدار نجعة هانت على ربها فخلط خيرها بشرها، وحلوها بمرها، لم يضعها لأوليائه، ولا يضنن بها علي أعدائه، وهي دار ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن اعذوذب منها جانب فحلا، أمر منها جانب فأوبى أولها عناء، وآخرها فناء، من استغنى فيها فتن ومن اقتفر فيها حزن، من ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر فيها بصرته ومن أبصر إليها أعمته، فالانسان فيها غرض المنايا، مع كل جرعة شرق، ومع كل اكلة غصص، لا تنال منها نعمة إلا بفراق أخرى.

54 - وقال يوما في مسجد الكوفة وعنده وجوه الناس: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره.

ومنهم المصلت بسيفه، المعلن بشره والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك نفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه ولبئس المتجر أن ترى -

الدنيا لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا.

ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طأمن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه وزخرف من نفسه الأمانة واتخذ سر الله تعالى ذريعة إلى المعصية.

ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك في مراح، ولا مغدى وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناء، وخائف مقموع، وساكت مكعوم وداع مخلص، وثكلان موجع قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة فهم في بحر أجاج، أفواههم خامرة وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا عندكم أصغر من حثالة القرظ، وقراضة الجلم.

واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم، فيا ما أغر خداعها مرضعة، ويا ما أضر نكالها فاطمة.

55 - وقد نقل عنه عليه السلام أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير: اتقوا الله فما

خلق امرء عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء ظنه عنده، وما المغرور بزخرفها الذي بناج من عذاب ربه عند مرده إليه.

56 - وقال عليه السلام: عليكم بالعلم فإنه صلة بين الاخوان، ودال على المروة وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، ومؤنس في الغربة، وإن الله تعالى يحب المؤمن العالم الفقيه، الزاهد الخاشع، الحيي العليم، الحسن الخلق، المقتصد المنصف.

57 - وقال عليه السلام: من تواضع للمتعلمين وذل للعلماء ساد بعلمه، فالعلم يرفع الوضيع، وتركه يضع الرفيع، ورأس العلم التواضع، وبصره البراءة من الحسد وسمعه الفهم، ولسانه الصدق، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة أسباب الأمور، و من ثمراته التقوى، واجتناب الهوى، واتباع الهدى، ومجانبة الذنوب، ومودة الاخوان والاستماع من العلماء، والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الانتقام عند القدرة واستقباح مقارفة الباطل، واستحسان متابعة الحق. وقول الصدق، والتجافي عن سرور في غفلة، وعن فعل ما يعقب ندامة، والعلم يزيد العاقل عقلا، ويورث متعلمه صفات حمد، فيجعل الحليم أميرا، وذا المشورة وزيرا، ويقمع الحرص، ويخلع المكر، ويميت البخل، ويجعل مطلق الوحش مأسورا وبعيد السداد قريبا.

58 - وقال عليه السلام العقل عقلان عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدي إلى المنفعة، والموثوق به صاحب العقل والدين، ومن فاته العقل والمروة فرأس ماله المعصية، وصديق كل امرء عقله، وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين، ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف، والعقل الكامل قاهر الطبع السوء، وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والأخلاق والأدب فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب

ويعمل في إزالتها.

59 - وقال عليه السلام: الانسان عقل وصورة فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة لم يكن كاملا، وكان بمنزلة من لا روح فيه، ومن طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الأصول والفضول، فإن كثيرا من الناس يطلبون الفضول ويضعون الأصول، فمن أحرز الأصل اكتفى به عن الفضل، وأصل الأمور في الانفاق طلب الحلال لما ينفق والرفق في الطلب، وأصل الأمور في الدين أن يعتمد على الصلوات ويجتنب الكبائر وألزم ذلك لزوم ما لا غنى عنه طرفة عين، وإن حرمته هلك، فان جاوزته إلى الفقه والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة من الآثام، وأصل العفاف القناعة وثمرتها قلة الأحزان. وأصل النجدة القوة وثمرتها الظفر، وأصل العقل القدرة وثمرتها السرور، ولا يستعان على الدهر إلا بالعقل، ولا على الأدب إلا بالبحث، ولا على الحسب إلا بالوفاء، ولا على الوقار إلا بالمهابة، ولا على السرور إلا باللين، ولا على اللب إلا بالسخاء، ولا على البذل إلا بالتماس المكافأة، ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر، وكل نجدة يحتاج إلى العقل، وكل معونة تحتاج إلى التجارب، وكل رفعة يحتاج إلى حسن أحدوثة، وكل سرور يحتاج إلى أمن، وكل قرابة يحتاج إلى مودة، وكل علم يحتاج إلى قدرة، وكل مقدرة تحتاج إلى بذل ، ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك. فرب متكلم في غير موضعه قد أعطبه ذلك.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.