بحارالانوار · المجلد السادس عشر
16 - باب ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين صلى الله
ج ۷۵، ص ۳۵–۷۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
ثم قد أوردها مع كلمات النبي وسائر الأئمة عليهم السلام جماعة أخرى من العامة والخاصة أيضا في مؤلفاتهم ومنهم الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول، والحسين بن محمد بن الحسن في كتاب النزهة الناظر، والشهيد في كتاب الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة، وكذا الشيخ علي بن محمد الليثي الواسطي في كتاب عيون الحكم والمواعظ وخيرة المتعظ والواعظ، الذي قد سمينا بكتاب العيون والمحاسن، وهو يشتمل على كثير من كلماته، وكلمات باقي الأئمة عليهم السلام.
وقد جمع الشيخ سعد بن عبد القاهر أيضا من علمائنا بين كلمات النبي صلى الله عليه وآله المذكور في كتاب الشهاب للقاضي القضاعي من العامة وبين كلماته عليه السلام المذكورة في النهج في كتاب مجمع البحرين ونحن قد أوردنا كل كلام له عليه السلام وله خبر في باب يناسبه في مطاوي هذا الكتاب أعني كتابنا بحار الأنوار بقدر الامكان والآن لنذكر شطرا صالحا من ذلك إن شاء الله تعالى.
1 - تحف العقول: قال عليه السلام: من كنوز الجنة البر وإخفاء العمل والصبر على
الرزايا وكتمان المصائب.
2 - وقال عليه السلام: حسن الخلق خير قرين، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه.
3 - وقال عليه السلام: الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره.
4 - وكتب عليه السلام: إلى عبد الله بن عباس: أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلته من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها. وما نلته من الدنيا فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منها فلا تأسفن عليه حزنا، وليكن همك فيما بعد الموت.
5 - وقال عليه السلام: في ذم الدنيا: أولها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب. من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، من ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصرته.
6 - وقال عليه السلام: احبب حبيبك هونا ما عسى أن يعصيك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
7 - وقال عليه السلام: لاغنى مثل العقل، ولا فقر أشد من الجهل.
8 - وقال عليه السلام: قيمة كل امرء ما يحسن.
9 - وقال عليه السلام: قرنت الهيبة بالخيبة. والحياء بالحرمان. والحكمة ضالة المؤمن فليطلبها ولو في أيدي أهل الشر.
10 - وقال عليه السلام: لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا، فمقتهم الله وهانوا على الناس.
11 - وقال عليه السلام: أفضل العبادة الصبر، والصمت، وانتظار الفرج.
12 - وقال عليه السلام: إن للنكبات غايات لابد أن تنتهي إليها، فإذا حكم على أحدكم بها فليطأ طألها ويصبر حتى تجوز فإن إعمال الحيلة فيها عند إقبالها زائد في مكروهها.
13 - وقال عليه السلام للأشتر: يا مالك احفظ عني هذا الكلام وعه. يا مالك بخس مروته من ضعف يقينه. وأزرى بنفسه من استشعر الطمع ورضي [ب] الذل من كشف [عن] ضره. وهانت عليه نفسه من اطلع على سره. وأهلكها من أمر عليه لسانه. الشره جزار الخطر، من أهوى إلى متفاوت خذلته الرغبة البخل عار، والجبن منقصة، والورع جنة، والشكر ثروة، والصبر شجاعة والمقل غريب في بلده، والفقر يخرس الفطن عن حجته، ونعم القرين
الرضى، الأدب حلل جدد، ومرتبة الرجل عقله، وصدره خزانة سره والتثبت حزم، والفكر مرآة صافية، والحلم سجية فاضلة، والصدقة دواء منجح، وأعمال القوم في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم، والاعتبار تدبر صلح، والبشاشة فخ المودة.
14 - وقال عليه السلام: الصبر من الايمان كمنزلة الرأس من الجسد، فمن لا صبر له لا إيمان له.
15 - وقال عليه السلام: أنتم في مهل، من ورائه أجل، ومعكم أمل يعترض دون العمل، فاغتنموا المهل، وبادروا الأجل، وكذبوا الامل، وتزودوا من العمل، هل من خلاص؟ أو مناص؟ أو فرار؟ أو مجاز؟ أو معاذ؟ أو ملاذ؟ أولا؟ فأنى تؤفكون.
16 - وقال عليه السلام: أوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة للطالب الراجي، وثقة للهارب اللاجي، استشعروا التقوى شعارا باطنا، واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طرق النجاة، وانظروا إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق، فإنها تزيل الثاوي الساكن. وتفجع المترف الامن، لا يرجى منها ما ولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فيستنظر وصل الرخاء منها بالبلاء، والبقاء منها إلى الفناء، سرورها مشوب بالحزن، والبقاء منها إلى الضعف والوهن.
17 - وقال عليه السلام: إن الخيلاء من التجبر، والتجبر من النخوة، والنخوة من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل، إن المسلم أخ المسلم
فلا تخاذلوا ولا تنابزوا فإن شرايع الدين واحدة، وسبله قاصدة، فمن أخذ بها لحق، ومن فارقها محق، ومن تركها مرق. ليس المسلم بالكذوب إذا نطق ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالخائن إذا ائتمن.
18 - وقال عليه السلام: العقل خليل المؤمن، والحلم وزيره، والرفق والده، واللين أخوه. ولا بد للعاقل من ثلاث: أن ينظر في شأنه، ويحفظ لسانه، ويعرف زمانه، ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفافة مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب.
19 - وقال عليه السلام: إن للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل. و ليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاشه وخطوة لمعاده أو لذة في غير محرم.
20 - وقال عليه السلام: كم مستدرج بالاحسان إليه وكم من مغرور بالستر عليه، وكم من مفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله عبدا بمثل الاملاء له.
قال الله عز وجل: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ".
21 - وقال عليه السلام: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم يكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك ويكون استغناؤك عنهم في
نزاهة عرضك وبقاء عزك.
22 - وقال عليه السلام: لا تغضبوا، ولا تعضبوا افشوا السلام، وأطيبوا الكلام.
23 - وقال عليه السلام: الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسوا إذا ألطف.
24 - وقال عليه السلام ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يرخص الناس في معاصي الله، ولم يقنطهم من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ولا خير في عبادة ليس فيها نفقه، ولا خير في علم ليس فيه تفكر ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر.
25 - وقال عليه السلام: إن الله إذا جمع الناس نادى فيهم مناد أيها الناس إن أقربكم اليوم من الله أشدكم منه خوفا، وإن أحبكم إلى الله أحسنكم له عملا وإن أفضلكم عنده منصبا أعملكم فيما عنده رغبة، وإن أكرمكم عليه أتقاكم.
26 - وقال عليه السلام: عجبت لأقوام يحتمون الطعام مخافة الأذى كيف لا يحتمون الذنوب مخافة النار؟ وعجبت ممن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه فيملكهم؟ ثم قال: إن الخير والشر لا يعرفان إلا بالناس، فإذا أردت أن تعرف الخير فاعمل الخير تعرف أهله، وإذا أردت أن تعرف الشر فاعمل الشر تعرف أهله.
27 - وقال عليه السلام: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الامل، واتباع الهوى أما طول الامل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى، فإنه يصد عن الحق.
28 - وسأله رجل بالبصرة عن الاخوان فقال: الاخوان صنفان: إخوان الثقة وإخوان المكاشرة، فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح والأهل و
المال، فإن كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك ويدك وصاف من صافاه وعاد من عاداه، واكتم سره وعيبه، وأظهر منه الحسن إعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر، وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن منهم لذتك، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان.
29 - وقال عليه السلام: لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعدي صديقك.
30 - وقال عليه السلام: لا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب.
31 - وقال عليه السلام: ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة: الفاجر والأحمق، والكذاب. فأما الفاجر فيزين لك فعله، ويحب أنك مثله، ولا يعينك على أمر دينك ومعادك، فمقارنته جفاء وقسوة، ومدخله عار عليك. وأما الأحمق فإنه لا يشير عليك بخير، ولا يرجه لصرف السوء عنك ولو جهد نفسه وربما أراد نفعك فضرك، فموته خير من حياته، وسكوته خير من نطقه، و بعده خير من قربه. وأما الكذاب فإنه لا يهنئك معه عيش، ينقل حديثك و ينقل إليك الحديث، كلما أقنى أحدوثة مطاها بأخرى مثلها حتى أنه
يحدث بالصدق فلا يصدق، يغري بين الناس بالعداوة فيثبت الشحناء في الصدور. فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم.
32 - وقال عليه السلام: لا عليك أن تصحب ذا العقل وإن لم تجمد كرمه ولكن انتفع بعقله واحترس من سيئ أخلاقه، ولا تدعن صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله، ولكن انتفع بكرمه بعقلك، وافرر الفرار كله من اللئيم الأحمق.
33 - وقال عليه السلام: الصبر ثلاثة: الصبر على المصيبة، والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية.
34 - وقال عليه السلام: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا، قيل: وما هن؟ قال: العجلة، واللجاجة، والعجب والتواني.
35 - وقال عليه السلام: الأعمال ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله ومشيئته وبرضاه وبعلمه وقدره، يعملها العبد فينجو من الله بها. وأما الفضائل فليس بأمر الله لكن بمشيئته وبرضاه وبعلمه وبقدره، يعملها العبد فيثاب عليها. وأما المعاصي فليس بأمر الله ولا بمشيئته ولا برضاه، لكن بعلمه وبقدره يقدرها لوقتها فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه الله عليها، لأنه قد نهاه عنها فلم ينته.
36 - وقال عليه السلام: يا أيها الناس إن لله في كل نعمة حقا، فمن أداه زاده ومن قصر عنه خاطر بزوال النعمة وتعجل العقوبة، فليراكم الله من النعمة وجلين كما يراكم من الذنوب فرقين.
37 - وقال عليه السلام: من ضيق عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك حسن نظر
من الله [له] فقد ضيع مأمولا. ومن وسع عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك استدراج من الله فقد أمن مخوفا.
38 - وقال عليه السلام يا أيها الناس سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية فإن أجل النعم العافية، وخير ما دام في القلب اليقين، والمغبون من غبن دينة والمغبوط من حسن يقينه.
39 - وقال عليه السلام: لا يجد رجل طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
40 - وقال عليه السلام: ما ابتلي المؤمن بشئ هو أشد عليه من خصال ثلاث يحرمها، قيل: وما هن؟ قال: المواساة في ذات يده، والانصاف من نفسه، وذكر الله كثيرا، أما إني لا أقول لكم: سبحان الله والحمد لله، ولكن ذكر الله عندما أحل له، وذكر الله عندما حرم عليه.
41 - وقال عليه السلام: من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيه يكفيه، و من لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شئ يكفيه.
42 - وقال عليه السلام: المنية لا الدنية، والتجلد لا التبلد والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فلا تحزن، فبكليهما ستختبر.
43 - وقال عليه السلام: أفضل على من شئت يكن أسيرك.
44 - وقال عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق ولا الحسد إلا في طلب -
العلم. 45 - وقال عليه السلام: أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب.
46 - وقال عليه السلام: الصبر مفتاح الدرك. والنجح عقبى من صبر ولكل طالب حاجة وقت يحركه القدر.
47 - وقال عليه السلام: اللسان معيار، أطاشة الجهل وأرجحه العقل.
48 - وقال عليه السلام: من طلب شفا غيظ بغير حق أذاقه الله هوانا بحق. إن الله عدوا ماكره.
49 - من قال عليه السلام: ما حار من استخار، ولا ندم من استشار.
50 - وقال عليه السلام: عمرت البلدان بحب الأوطان.
51 - وقال عليه السلام: ثلاث من حافظ عليها سعد: إذا ظهرت عليك نعمة فأحمد الله، وإذا أبطأ عنك الرزق فاستغفر الله، وإذا أصابتك شدة فأكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".
52 - وقال عليه السلام: العلم ثلاثة: الفقه للأديان، والطب لأبدان، والنحو للسان.
53 - وقال عليه السلام: حق الله في العسر الرضى والصبر، وحقه في اليسر الحمد والشكر.
54 وقال عليه السلام: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وكم من شهوة ساعة قد أورثت حزنا طويلا. والموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحا، ولا لعاقل لذة.
55 - وقال عليه السلام: العلم قائد، والعمل سائق، والنفس حرون.
56 - وقال عليه السلام: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجوا، فإن موسى عليه السلام
خرج يقتبس لأهله نارا فكلمه الله ورجع نبيا. وخرت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان عليه السلام. وخرجت سحرة فرعون يطلبون العز لفرعون فرجعوا مؤمنين.
57 - وقال عليه السلام: الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم.
58 - وقال عليه السلام: أيها الناس اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه. الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرء ما يحسن، فتكلموا في العلم تبين أقداركم.
59 - وقال عليه السلام: رحم الله امرء راغب ربه وتوكف ذنبه، وكابر هواه، وكذب مناه، زم نفسه من التقوى بزمام، وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها، وقدعها عن المعصية بلجامها رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا، كدوحا لاخرته، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ودواء [داء] جواه، فاعتبر وقاس، فوتر الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد، قد وقر قلبه ذكر المعاد، فطوى مهاده وهجر وساده، قد عظمت فيما عند الله رغبته، واشتدت منه رهبته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقل مما يعلم، أولئك ودائع الله في بلاده المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله لأبره، آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
60 - وقال عليه السلام: وكل الرزق بالحمق، ووكل الحرمان بالعقل، ووكل البلاء بالصبر.
61 - وقال عليه السلام: للأشعث يعزيه بأخيه عبد الرحمن: إن جزعت فحق عبد الرحمن وفيت، وإن صبرت فحق الله أديت، على أنك إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت محمود، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم فقال الأشعث: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أتدري ما تأويلها؟
فقال الأشعث: لانت غاية العلم ومنتهاه فقال عليه السلام: أما قولك: " إنا لله " فإقرار منك بالملك. وأما قولك " وإنا إليه راجعون " فإقرار منك بالهلك.
62 - وركب عليه السلام يوما فمشى معه قوم فقال عليه السلام لهم: أما علمتم أن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي، انصرفوا.
63 - وقال عليه السلام: الأمور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه وأمر بان
لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فرددته إلى عالمه.
64 - وقال له عليه السلام: جابر يوما: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام:
وبنا من نعم الله ربنا مالا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري ما نشكر، أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر.
65 - وعزى عبد الله بن عباس، عن مولود صغير مات له، فقال عليه السلام: لمصيبة في غيرك لك أجرها أحب إلي من مصيبة فيك لغيرك ثوابها، فكان لك الاجر لا بك، وحسن لك العزاء لا عنك، وعوضك الله عنه مثل الذي عوضه منك.
66 - وقيل له: ما التوبة النصوح؟ فقال عليه السلام: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، والقصد على أن لا يعود.
67 - وقال عليه السلام: إنكم مخلوقون اقتدارا، ومربوبون اقتسارا ومضمنون أجداثا، وكائنون رفاتا، ومبعوثون أفرادا ومدينون حسابا، فرحم الله عبدا اقترب فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعمر فاعتبر، وحذر فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى، فباحث طلبا، ونجا هربا، وأفاد ذخيرة وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحيله ووجه سبيله، و حال حاجته، وموطن فاقته، فقدم أمامه لدار مقامه، فمهدوا لأنفسكم، فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلا حواني الهرم؟ وأهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم، وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء، واقتراف الفوت، ودنو الموت؟!.
68 - وقال عليه السلام: اتقوا الله تقية من شمر تجريدا وجد تشميرا، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل ونظر في كثرة المال، وعاقبة الصبر، ومغبة المرجع فكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالجنة ثوابا ونوالا وكفى بالنار عقابا و نكالا، وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما.
69 - وسأله رجل عن السنة والبدعة والفرقة والجماعة. فقال عليه السلام: أما السنة فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما البدعة فما خالفها وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا. وقال صلى الله وعليه وآله: " لا يرجو العبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد.
70 - وقال له رجل: أوصني. فقال عليه السلام: أوصيك أن لا يكونن لعمل الخير عندك غاية في الكثرة، ولا لعمل الاثم عندك غاية في القلة.
71 - وقال له آخر: أوصني، فقال عليه السلام: لا تحدث نفسك بفقر ولا طول عمر.
72 - وقال عليه السلام: إن لأهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث وأداء الأمانة، ووفاء بالعهد، وصلة للأرحام، ورحمة للضعفاء، وقلة مؤاتاة
للنساء وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتباع العلم، وما يقرب من الله زلفى، وطوبى لهم وحسن مآب.
73 - وقال عليه السلام: ما أطال [ال] عبد الامل إلا أنسا [ه] العمل.
74 - وقال عليه السلام: ابن آدم أشبه شئ بالمعيار: إما ناقص بجهل، أو راجح بعلم.
75 - وقال عليه السلام: سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه.
76 - وقال عليه السلام: ابذل لأخيك دمك ومالك، ولعدوك عدلك، وإنصافك وللعامة بشرك وإحسانك، تسلم على الناس يسلموا عليك.
77 - وقال عليه السلام: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء.
78 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان: فشئ غيري لم أرزقه فيما مضى، ولا آمله فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته، ولو أجلبت عليه بقوة السماوات والأرض فبأي هذين أفنى عمري.
79 - وقال عليه السلام: إن المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تفكر، وإذا تكلم ذكر، وإذا استغنى شكر، وإذا أصابته شدة صبر ، فهو قريب الرضى، بعيد السخط يرضيه عن الله اليسير، ولا يسخطه الكثير، ولا يبلغ بنيته إرادته في الخير، ينوي كثيرا من الخير ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به. والمنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلم لغا وإذا استغنى طغا، وإذا أصابته شدة ضغا فهو قريب السخط بعيد الرضي، يسخط على الله اليسير، ولا
يرضيه الكثير، ينوي كثيرا من الشر ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الشر كيف لم يعمل به.
80 - وقال عليه السلام: الدنيا والآخرة عدوان متعاديان، وسبيلان مختلفان، من أحب الدنيا ووالاها أبغض الآخرة وعاداها، مثلهما مثل المشرق والمغرب، والماشي بينهما لا يزداد من أحدهما قربا إلا ازداد من الاخر بعدا.
81 - وقال عليه السلام: من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن كان من قوت الدنيا لا يشبع لم يكفه منها ما يجمع. ومن سعى للدنيا فاتته، ومن قعد عنها أتته إنما الدنيا ظل ممدود إلى أجل معدود، رحم الله عبدا سمع حكما فوعى، ودعي إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة ناج هاد فنجا قدم صالحا، وعمل صالحا، [قدم] مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا [وقدم عوضا]، كابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عذة وفاته لزم الطريقة الغراء والمحجة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود من العمل.
82 - وقال عليه السلام لرجل: كيف أنتم؟ فقال: نرجو ونخاف، فقال عليه السلام:
من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه، وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو.
83 - وقال عليه السلام لعباية بن ربعي: وقد سأله عن الاستطاعة التي تقوم
ونقعد ونفعل: إنك سألت عن الاستطاعة فهل تملكها من دون الله أو مع الله، فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن قلت: تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت:
تملكها دون الله قتلتك، [ف] قال عباية: فما أقول؟ قال عليه السلام : تقول: إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكك إياها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، فهو المالك لما ملكك، والقادر على ما عليه أقدرك.
84 - قال الأصبغ بن نباتة: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام: يقول: أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه، ثم أقبل علينا، فقال عليه السلام: ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا إلا كان أجود وأمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة، ولا ستر الله على عبد مؤمن في هذه الدنيا وعفا عنه إلا كان أمجد وأجود وأكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة، ثم قال عليه السلام: وقد يبتلي الله المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله وتلا هذه الآية: " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " وضم يده ثلاث مرات ويقول: " ويعفو عن كثير ".
85 - وقال عليه السلام: أول القطيعة السجا، ولا تأس أحدا إذا كان ملولا
أقبح المكافات المجازاة بالإساءة.
86 - وقال عليه السلام: أول إعجاب المرء بنفسه فساد عقله. من غلب لسانه أمنه من لم يصلح خلائقه كثرت بوائقه من ساء خلقه مله أهله، رب كلمة سلبت نعمة، الشكر عصمة من الفتنة، الصيانة رأس المروة، شفيع المذنب خضوعه، أصل الحزم الوقوف عند الشبهة، في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
87 - وقال عليه السلام: المصائب بالسوية مقسومة بين البرية، لا ييأس لذنبك وباب التوبة مفتوح، الرشد في خلاف الشهوة، تأريخ المنى الموت، النظر إلى البخيل يقسي القلب، النظر إلى الأحمق يسخن العين، السخاء فطنة، واللوم تغافل.
88 - وقال عليه السلام: الفقر الموت الأكبر، وقلة العيال أحد اليسارين وهو نصف العيش، والهم نصف الهرم، وما عال امر اقتصد، وما عطب امرء استشار والصنيعة لا تصلح إلا عند ذي حسب أو دين، والسعيد من وعظ بغيره، والمغبون لا محمود ولا مأجور، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى.
89 - وقال عليه السلام: اصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد. واستشعروا الحمد يؤنس بكم [العقلاء]. ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس تعمر ناديكم، وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا الناس من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشريف وتهدم المجد.
90 - وقال عليه السلام: اقنع تعز.
91 - وقال عليه السلام: الصبر جنة من الفاقة. والحرص علامة الفقر. والتجمل اجتناب المسكنة. والموعظة كهف لمن لجأ إليها.
92 - وقال عليه السلام: من كساه العلم ثوبه اختفى عن الناس عيبه.
93 - وقال عليه السلام: لا عيش لحسود. ولا مودة لملوك. ولا مروة لكذوب.
94 - وقال عليه السلام: تروح إلى بقاء عزك بالوحدة.
95 - وقال عليه السلام: كل عزيز داخل تحت القدرة فذليل.
96 - وقال عليه السلام: أهلك الناس اثنان: خوف الفقر وطلب الفخر.
97 - وقال عليه السلام: أيها الناس إياكم وحب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة، وباب كل بلية، وقران كل فتنة، وداعي كل رزية.
98 - وقال عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر والسكوت والكلام فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرة، و كلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس من شره.
99 - وقال عليه السلام: ما أعجب هذا الانسان مسرور بدرك ما لم يكن ليفوته محزون على فوت ما لم يكن ليدركه ولو أنه فكر لأبصر، وعلم أنه مدبر، وأن الرزق عليه مقدر، ولاقتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما تعسر.
100 - وقال عليه السلام إذا طاف في الأسواق ووعظهم قال: يا معشر التجار قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتخافوا عن الظلم وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا " وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم
ولا تعثوا في الأرض مفسدين ".
101 - وسئل أي شئ مما خلق الله أحسن؟ فقال عليه السلام: الكلام. فقيل:
أي شئ مما خلق الله أقبح؟ قال: الكلام، ثم قال: بالكلام ابيضت الوجوه، وبالكلام اسودت الوجوه.
102 - وقال عليه السلام: قولوا الخير تعرفوا [به] واعملوا به تكونوا من أهله.
103 - وقال عليه السلام: إذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا أن الهالك من هلك دينه، و الحرب من سلب دينه، ألا وإنه لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار.
104 - وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده.
105 - وقال عليه السلام: ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مؤاخاة الكذاب، إنه يكذب حتى يجيئ بالصدق فما يصدق.
106 - وقال عليه السلام: أعظم الخطايا اقتطاع مال امرء مسلم بغير حق.
107 - وقال عليه السلام: من خاف القصاص كف عن ظلم الناس.
108 - وقال عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد.
109 - وقال عليه السلام: العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به شركاء ثلاثة.
110 - وقال عليه السلام: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن [جميل] و أحسن من ذلك الصبر عندما حرم الله عليك. والذكر ذكران: ذكر عند المصيبة حسن جميل وأفضل من ذلك ذكر الله عندما حرم [الله] عليك فيكون ذلك حاجزا.
111 - وقال عليه السلام: اللهم لا تجعل بي حاجة إلى أحد من شرار خلقك، وما جعلت بي من حاجة فاجعلها إلى أحسنهم وجها، وأسخاهم بها نفسا، وأطلقهم بها لسانا وأقلهم علي بها منا.
112 - وقال عليه السلام: طوبى لمن يألف الناس ويألفونه على طاعة الله.
113 - وقال عليه السلام: إن من حقيقة الايمان أن يؤثر العبد الصدق حتى نفر عن الكذب حيث ينفع. ولا يعد المرء بمقالته علمه.
114 - وقال عليه السلام: أدوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء.
115 - وقال عليه السلام: التقوى سنخ الايمان.
116 - وقال عليه السلام: ألا إن الذل في طاعة الله أقرب إلى العز من التعاون بمعصية الله.
117 - وقال عليه السلام: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة وقد جمعها الله لأقوام.
118 - وقال عليه السلام: مكتوب في التوراة في صحيفتين، إحديهما: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح من المؤمنين يشكو مصيبة نزلت به إلى من يخالفه على دينه فإنما يشكو ربه إلى عدوه. ومن تواضع لغني طلبا لما عنده ذهب ثلثا دينه ومن قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا. وقال: في الصحيفة الأخرى: من لم يستشر يندم، ومن يستأثر من الأموال يهلك والفقر الموت الأكبر.
119 - وقال عليه السلام: الانسان لبه لسانه، وعقله دينه، ومروته حيث يجعل
نفسه، والرزق مقسوم، والأيام دول، والناس إلى آدم شرع سواء.
120 - وقال عليه السلام لكميل بن زياد: رويدك لا تشهر واخف شخصك لا تذكر، تعلم تعلم. واصمت تسلم، لا عليك إذا عرفك دينه لا تعرف الناس ولا يعرفونك.
121 - وقال عليه السلام: ليس الحكيم من لم يدار من لا يجد بدا من مداراته.
122 - وقال عليه السلام: أربع لو ضربتم فيهن أكباد الإبل لكان ذلك يسيرا:
لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي أن يقول: لا أعلم إذا هو لم يعلم، ولا يستكبر أن يتعلم إذا لم يعلم.
123 - وكتب إلى عبد الله بن العباس أما بعد فاطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك، فإن في ترك مالا يعنيك درك ما يعنيك، وإنما تقدم على ما أسلفت لا على ما خلفت. وابن ما تلقاه غدا على ما تلقاه. السلام.
124 - وقال عليه السلام: إن أحسن ما يألف به الناس قلوب أودائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم: حسن البشر عند لقائهم، والتفقد في غيبتهم، والبشاشة بهم عند حضورهم.
125 - وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
126 - وقال عليه السلام: يا رب ما أشقى جد من لم يعظم في عينه وقلبه ما رأى من ملكك وسلطانك في جنب ما لم تر عينه وقلبه من ملكك وسلطانك. وأشقى منه من لم يصغر في عينه وقلبه ما رأى وما لم ير من ملكك وسلطانك في جنب عظمتك وجلالك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
127 - وقال عليه السلام: إنما الدنيا فناء وعناء وغير وعبر فمن فنائها أنك
ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله لا تخطئ سهامه، ولا تشفي جراحه ، يرمي الصحيح بالسقم، والحي بالموت، ومن عنائها أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله لا ما لا حمل ولا بناء نقل، ومن غيرها أنك ترى المغبوط مرحوما، والمرحوم مغبوطا، ليس بينهم إلا نعيم زال وبؤس نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيتخطفه أجله، فلا أمل مدروك، ولا مؤمل متروك فسبحان [الله] ما أعز سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها، فكأن ما كان من الدنيا لم يكن وكأن ما هو كائن قد كان. [و] أن الدار الآخرة هي دار المقام ودار القرار وجنة ونار. صار أولياء الله إلى الاجر بالصبر وإلى الامل بالعمل.
128 - وقال عليه السلام: من أحب السبل إلى الله جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم وجرعة حزن تردها بصبر. ومن أحب السبل إلى الله قطرتان: قطرة دموع في جوف الليل، وقطرة دم في سبيل الله، ومن أحب السبل إلى الله خطوتان:
خطوة امرء مسلم يشد بها صفا في سبيل الله، وخطوة في صلة الرحم [وهي] أفضل من خطوة يشد بها صفا في سبيل الله.
129 - وقال عليه السلام: لا يكون الصديق لأخيه صديقا حتى يحفظه في نكبته وغيبته وبعد وفاته.
130 - وقال عليه السلام: إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع، وترهنها المنى وتستعلقها الخدائع.
131 - وقال عليه السلام: من استحكمت [لي] فيه خصلة من خصال الخير اغتفرت ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين، مفارقة الدين مفارقة الامن، ولا حياة مع مخافة وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس [إلا] بالأموات.
132 - وقال عليه السلام: من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن كتم سره كانت الخيرة في يده.
133 - قال عليه السلام: إن الله يعذب ستة بستة: العرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل.
134 - وقال عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله، فإن الصبر على التقوى أهون من الصبر على عذاب الله.
135 - وقال عليه السلام: الزهد في الدنيا قصر الامل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم الله .
136 - وقال عليه السلام: إن الأشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتج منهما الفقر.
137 - وقال عليه السلام: ألا إن الأيام ثلاثة: يوم مضى لا ترجوه، ويوم بقي لا بد منه ويوم يأتي لا تأمنه، فالأمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدا لا تدري من أهله، أمس شاهد مقبول، واليوم أمين مؤد، وغد يجعل بنفسك سريع الظعن طويل الغيبة، أتاك ولم تأته. أيها الناس إن البقاء بعد الفناء، ولم تكن إلا وقد ورثنا من كان قبلنا، ولنا وارثون بعدنا، فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه واسلكوا سبل الخير، ولا تستوحشوا فيها لقلة أهلها، واذكروا حسن صحبة الله لكم فيها، ألا وإن العواري اليوم، والهبات غدا، وإنما نحن فروع لأصول قد مضت فما بقاء الفروع بعد أصولها، أيها الناس إنكم إن آثرتم الدنيا على الآخرة أسرعتم إجابتها إلى العرض الأدنى، ورحلت مطايا آمالكم إلى الغاية القصوى، يورد مناهل عاقبتها الندم، وتذيقكم ما فعلت بالأمم الخالية، والقرون الماضية، من تغير الحالات، وتكون المثلات.
138 - وقال عليه السلام: الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف ولكل شئ زكاة وزكاة البدن الصيام، وأفضل عمل المرء انتظاره فرج الله، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، استنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة، ما عال امرء اقتصد، والتقدير نصف العيش، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن حزن والديه عقهما ومن ضرب بيده على فخذه عند المصيبة حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الرزق على قدر المصيبة، فمن قدر رزقه الله، ومن بذر حرمه الله، والأمانة تجر الرزق، والخيانة تجر الفقر، ولو أراد الله بالنملة صلاحا ما أنبت [لها] جناحا.
139 - وقال عليه السلام: متاع الدنيا حطام وتراثها كباب، بلغتها أفضل من
أثرتها، وقلعتها أركن من طمأنينتها حكم بالفاقة على مكثرها، واعين بالراحة من رغب عنها، من راقه رواؤها أعقبت ناظريه كمها ومن استشعر شعفها ملأت قلبه أشجانا، لهن رقص على سويداء قلبه كرقيص الزبدة على أعراض المدرجة هم يحزنه، وهم يشغله كذلك حتى يؤخذ بكظمه، ويقطع أبهراه، ويلقى هاما للقضاء، طريحا هينا على الله مداه وعلى الأبرار ملقاه وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار ويقتات منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها باذن النفث.
140 - وقال عليه السلام: تعلموا الحلم فإن الحلم خليل المؤمن ووزيره، والعلم دليله، والرفق أخوه، والعقل رفيقه، والصبر أمير جنوده.
141 - وقال عليه السلام لرجل تجاوز الحد في التقشف: يا هذا أما سمعت قول الله: " وأما بنعمة ربك فحدث " فوالله لابتذالك نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال.
142 - وقال لابنه الحسن عليهما السلام: أوصيك بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها، وأوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم والحلم عند الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الامر، والتعهد للقرآن، وحسن الجوار، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش كلها في كل ما عصى الله فيه.
143 - وقال عليه السلام: قوام الدنيا بأربعة: بعالم مستعمل لعلمه، وبغني باذل لمعروفه، وبجاهل لا يتكبر أن يتعلم، وبفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره، وإذا عطل العالم علمه، وأمسك الغني معروفه، وتكبر الجاهل أن يتعلم، وباع الفقير آخرته بدنيا غيره فعليهم الثبور.
144 - وقال عليه السلام: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا، قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: العجلة، واللجاجة والعجب، والتواني.
145 - وقال عليه السلام: اعلموا عباد الله أن التقوى حصن حصين، والفجور حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا وبالصبر على طاعة الله ينال ثواب الله، وباليقين تدرك الغاية القصوى، عباد الله إن الله لم يحظر على أوليائه ما فيه نجاتهم إذ دلهم عليه، ولم يقنطهم من رحمته
لعصيانهم إياه إن تابوا إليه.
146 - وقال: الصمت حكم، والسكوت سلامة، والكتمان طرف من السعادة.
147 - وقال عليه السلام: تذل الأمور للمقدور حتى تصير الآفة في التدبير.
148 - وقال عليه السلام: لا يتم مروة الرجل حتى يتفقه [في دينه] ويقتصد في معيشته، ويصبر على النائبة إذا نزلت به، ويستعذب مرارة إخوانه.
149 - وسئل عليه السلام ما المروة؟ فقال: لا تفعل شيئا في السر تستحيي منه في العلانية.
150 - وقال عليه السلام: الاستغفار مع الاصرار ذنوب مجددة.
151 - وقال عليه السلام: سكنوا في أنفسكم معرفة ما تعبدون حتى ينفعكم ما تحركون من الجوارح بعبادة من تعرفون.
152 - وقال عليه السلام: المستأكل بدينه حظه من دينه ما يأكله.
153 - وقال عليه السلام: الايمان قول مقبول وعمل معمول وعرفان بالعقول.
154 - وقال عليه السلام: الايمان على أربعة أركان التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضى بقضاء الله، وأركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والغضب والشهوة.
155 - وقال عليه السلام: من زهد في الدنيا، ولم يجزع من ذلها، ولم ينافس في عزها هداه الله بغير هداية من مخلوق، وعلمه بغير تعليم، وأثبت الحكمة في
صدره، وأجراها على لسانه.
156 - وقال عليه السلام: إن لله عبادا عاملوه بخالص من سره، فشكر لهم بخالص من شكره، فأولئك تمر صحفهم يوم القيامة فرغا فإذا وقفوا بين يديه ملا هالهم من سر ما أسروا إليه.
157 - وقال عليه السلام: ذللوا أخلاقكم بالمحاسن وقودوها إلى المكارم، وعودوا أنفسكم الحلم، واصبروا على الايثار على أنفسكم فيما تحمدون عنه، ولا تداقوا الناس وزنا بوزن وعظموا أقداركم بالتغافل عن الدني من الأمور، وأمسكوا رمق الضعيف بجاهكم وبالمعونة له إن عجزتم عما رجاه عندكم، ولا تكونوا بحاثين عما غاب عنكم فيكثر عائبكم، وتحفظوا من الكذب، فإنه من أدنى الأخلاق قدرا وهو نوع من الفحش، وضرب من الدناءة، وتكرموا بالتعامي عن الاستقصاء - وروي بالتعامس من الاستقصاء -.
158 - وقال عليه السلام: كفى بالأجل حرزا إنه ليس أحد من الناس إلا ومعه حفظة من الله يحفظونه أن لا يتردى في بئر، ولا يقع عليه حائط، ولا يصيبه سبع، فإذا جاء أجله خلوا بينه وبين أجله.
أقول: وجدت في مناقب ابن الجوزي فصلا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام فأحببت إيراده قال: قال أبو نعيم في الحلية:
1 - حدثنا عمر بن محمد، حدثنا الحسين بن محمد بن عفير، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا خلف بن تميم حدثنا عمر بن الرحال، عن العلاء بن المسيب، عن
عبد خير قال: قال لي أمير المؤمنين عليه السلام: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك [وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله]. ولا خير في الدنيا إلا لاحد رجلين: رجل أذنب ذنبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات. ولا يقل عمل في تقوى، وكيف يقل ما يتقبل.
2 - وقال أبو نعيم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: كتب إلي أحمد بن إبراهيم بن هشام الدمشقي حدثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد بن عوانة، عن ابن حرث، عن ابن عجلان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: شيع أمير المؤمنين عليه السلام جنازة فلما وضعت في لحدها عج أهلها وبكوا فقال: ما تبكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلهم ذلك عن البكاء عليه أما والله إن له إليهم لعودة، ثم عودة، حتى لا يبقي منهم أحدا، ثم قام فيهم فقال:
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعا تعي ما عناها [وأبصارا لتجلوا عن غشاها] وأفئدة تفهم ما دهاها [في تركيب صورها وما أعمرها] فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا، بل أكرمكم بالنعم السوابغ [وأرفدكم بأوفر الروافغ، وأحاط بكم الاحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء].
فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل قبل [مقطع النهمات و] هاذم اللذات ومفرق الجماعات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل [وشبح فائل (4)]، وسناد مائل، ونعيم زائل.
وجيد عاطل.
فاتعظوا عباد الله بالعبر [واعتبروا بالآيات والأثر] وازدجروا بالنذر [وانتفعوا بالمواعظ] فكأن قد علقتكم مخالب المنية [وأحاطت بكم البلية وضمكم بيت التراب] ودهمتكم مفظعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور وسياقة المحشر، وموقف الحساب في المنشر، وبرز الخلائق حفاة عراة، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، ونوقش الناس على القليل والكثير، والفتيل والنقير وأشرقت الأرض بنور ربها، ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون " فارتجت لذلك اليوم البلاد، وخشع العباد وناد المناد من مكان قريب، وحشرت الوحوش، وزوجت النفوس [مكان مواطن الحشر، وبدت الاسرار، وهلكت الأشرار، وارتجت الأفئدة، فنزلت بأهل النار من الله سطوة مجيحة، وعقوبة منيحة (3)] وبرزت الجحيم، لها كلب ولجب، وقصيف رعد وتغيظ ووعيد، قد تأجج جحيمها وغلا حميمها.
فاتقوا الله عباد الله تقية [من كنع فخنع] وجل و [رحل] وحذر فأبصر وازدجر، فاحتث طلبا ونجا هربا، وقدم للمعاد، واستظهر من الزاد وكفى بالله منتقما، وبالكتاب خصيما [وحجيجا]، وبالجنة ثوابا [ونعيما] وبالنار وبالا وعقابا، وأستغفر الله لي ولكم.
قلت: قد رفعت إلينا ألفاظا من هذا الكتاب يشتمل على فصل الخطاب حذفنا إسنادها طلبا للاختصار وخوفا للاكثار.
3 - قوله عليه السلام: الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم، إن الجنازة إذا حملت قال الناس: ماذا ترك؟ وقالت الملائكة ماذا قدم؟ فقدموا بعضا يكن لكم ولا تؤخروا كلا يكن عليكم.
4 - وقال عليه السلام: إذا رأيتم الله تتابع نعمه عليكم وأنتم تعصونه فاحذروه.
5 - وقال عليه السلام: من كفارة الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفس عن المكروب.
6 - وقال عليه السلام: إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى.
7 - وقال عليه السلام: من أطال الامل أساء العمل، وسيئة تسوؤك خير من حسنة تسرك.
8 - وقال عليه السلام: الدهر يخلق الأبدان ويجدد الآمال، ويقرب المنية ويباعد الأمنية، من ظفر به تعب، ومن فاته نصب.
9 - وقال عليه السلام: عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار.
10 - وقال عليه السلام: لكان في الأرض أمانان فرفع أحدهما وهو رسول الله صلى الله عليه وآله فتمسكوا بالآخر وهو الاستغفار قال تعالى " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم - الآية ".
11 - وقال عليه السلام: من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لاخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن كان له في نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.
12 - وقال عليه السلام: كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه ومفتون بحسن القول فيه، وشتان بين عملين عمل تذهب لذته ويبقى تبعته، وعمل
تذهب مؤونته وتبقى أجره.
13 - وقال عليه السلام: استنزلوا الرزق بالصدقة، فمن أيقن بالخلف جاد بالعطاء.
14 - وقال عليه السلام: من أعطى أربعا لم يحرم أربعا: من أعطى الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن أعطى التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطى الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة، وقال: مصداق ذلك في كتاب الله قال الله تعالى في الدعاء " ادعوني أستجب لكم " وقال في التوبة " إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة - الآية " وقال في الاستغفار " ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله - الآية " وقال في الشكر " لئن شكرتم لأزيدنكم ".
15 - وقال عليه السلام: الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان:
أولها الندم على الفعل، والثاني العزم على الترك وأن لا يعود، والثالث تأدية الحقوق ليلقى الله تعالى وليس عليه تبعة، والرابع أن يعمد إلى كل فريضة فيؤدي حقها والخامس أن يذيب اللحم الذي نبت منه السحت بالهموم والأحزان حتى يكتسي لحما آخر من الحلال، والسادس أن يذيق جسمه ألم الطاعة كما أذاقه لذة المعصية.
16 - وقال صلوات الله عليه: لا تكن ممن يريد الآخرة بعمل الدنيا أو بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، إن أعطى منها لم يشبع، وإن ملك الكثير لم يقنع، يأمر بالمعروف ولا يأتمر، وينهى ولا ينتهي، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض العاصين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه ويقيم على ما يكره الله منه، تعجبه نفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، يقدم المعصية ويسوف التوبة، يصف العبر ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو من القول مكثر، ومن العمل مقل، يناقش فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى
المغنم مغرما، والمغرم مغنما، يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معاصي غيره ما يستقله من معاصي نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحتقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللغو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء يرشد غيره ويغوي نفسه " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ".
17 - وقال عليه السلام: من أصبح على الدنيا حزينا أصبح لقضاء الله ساخطا ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به إلى مخلوق مثله فإنما يشكو ربه، ومن أتى غنيا يتواضع له لأجل دنياه ذهب ثلثا دينه. قالوا: ومعنى هذا أن المرء إنسان بجسده وقلبه ولسانه والتواضع يحتاج فيه إلى استعمال الجسد واللسان فإن أضاف إلى ذلك القلب ذهب جميع دينه.
18 - وقال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوه شكرا فتلك عبادة الأحرار.
19 - وقال عليه السلام: احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود.
20 - وقال عليه السلام: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه نفسك.
21 - وقال عليه السلام: لو لم يتواعد الله عباده على معصيته لكان الواجب ألا يعصى شكرا لنعمه، ومن ههنا أخذ القائل - وقيل إنها لأمير المؤمنين عليه السلام:
هب البعث لم تأتنا رسله * وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحق * حياء العباد من المنعم 22 - وقال عليه السلام: ما أكثر العبر: وما أقل المعتبرين.
23 - وقال عليه السلام: أقل ما يلزمك لله تعالى ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه.
24 - وقال عليه السلام: المدة وإن طالت قصيرة، والماضي للمقيم عبرة، والميت للحي عظة، وليس الأمس عودة، ولا أنت من غد على ثقة، وكل لكل مفارق
وبه لا حق، فاستعدوا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
واصبروا على عمل لا غنى لكم عن ثوابه، وارجعوا عن عمل لا صبر لكم على عقابه فإن الصبر على الطاعة أهون من الصبر على العذاب، وإنما أنتم نفس معدود، وأمل ممدود، وأجل محدود، ولابد للأجل أن يتناهى، وللنفس أن يحصى، وللعمل أن يطوى " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ".
25 - وقال عليه السلام: اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم.
26 - وقال عليه السلام: كم من مؤمل مالا يبلغه، وبان مالا يسكنه مما سوف يتركه ولعله من باطل جمعة، أصابه حراما، واحتمل منه آثاما، وربما استقبل الانسان يوما ولم يستدبره، ورب مغبوط في أول يومه قامت بواكيه في آخره، ومن ههنا أخذ القائل:
يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت مسلطة * من الحوادث إقبالا وإدبارا يا من يكابد دنيا لا بقاء لها * يمسي ويصبح تحت الأرض سيارا كم قد أبادت صروف الدهر من ملك * قد كان في الأرض نفاعا وضرارا 27 - وقال عليه السلام: الزهد كله في كلمتين من القرآن قال الله تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد.
28 - وقال عليه السلام: أفضل الزهد إخفاؤه.
29 - وقال عليه السلام: أخذوا من الله ما حذركم من نفسه، واخشوه خشية يظهر أثرها عليكم، واعملوا بغير رياء ولا سمعة فان من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له.
30 - وقال عليه السلام: يوشك أن يفقد الناس ثلاثا: درهما حلالا، ولسانا صادقا، وأخا يستراح إليه.
31 - وقال عليه السلام: استعدوا للموت فقد أظلكم غمامه، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا وانتهوا فما بينكم وبين الجنة والنار سوى الموت، وإن غاية تنقصها اللحظة
وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإن غائبا يحدوه الجديدان لحري بسرعة الاوبة.
فرحم الله عبدا سمع حكمة فوعى، ودعي إلى خلاص نفسه فدنا، واستقام على الطريقة فنجا، وأحب ربه، وخاف ذنبه، وقدم صالحا، وعمل خالصا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وأحرز عوضا، وكابد هواه، وكذب مناه، وجعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة عند وفاته، ركب الطريق الغراء، ولزم المحجة البيضاء واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود من العمل.
32 - وقال عليه السلام في صفة الدنيا: دار أولها عناء، وآخرها فناء، وحلالها فيه حساب، وحرامها فيه عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن سعى إليها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.
33 - وقال عليه السلام: من لم يقنعه اليسير لم ينفعه الكثير.
34 - وقال عليه السلام: عليك بمداراة الناس، وإكرام العلماء، والصفح عن زلات الاخوان فقد أدبك سيد الأولين والآخرين بقوله صلى الله عليه وآله " اعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأعط من حرمك ".
35 - وقال عليه السلام: وقد مر على المقابر قال: السلام عليكم يا أهل القبور أنتم لنا سلف، ونحن لكم خلف، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أما المساكن فسكنت وأما الأزواج فنكحت، وأما الأموال فقسمت، هذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما خبر ما عندكم، ثم قال: أما إنهم إن نطقوا لقالوا: وجدنا التقوى خير زاد.
36 - وقال كميل بن زياد: سمع أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - قائلا ينشد أبيات الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرق * تركوا منازلهم وبعد إباد فقال: هلا قرأتم " كم تركوا من جنات وعيون - الآية ".
[37 - وقال عليه السلام: العجب ممن يدعو ويستبطئ الإجابة وقد سد طريقها بالمعاصي].
38 - وقال عليه السلام في وصف التائبين: غرسوا أشجار ذنوبهم نصب عيونهم وقلوبهم وسقوها بمياه الندم، فأثمرت لهم السلامة، وأعقبتهم الرضا والكرامة.
39 - وقال عليه السلام في صفة الأولياء: قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله محمد، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا هناد، عن ابن الفضيل، عن الحسن البصري قال: قال أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - طوبى لمن عرف الناس ولم يعرفه الناس أولئك مصابيح الهدى، بهم يكشف الله عن هذه الأمة كل فتنة مظلمة، أولئك سيدخلهم الله في رحمة منه وفضل. ليسوا بالمذاييع البذر ولا الجفاة المرائين.
المذياع الذي لا يكتم السر.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.