بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 5 صفة المحشر الآيات، البقرة 2 هل ينظرون إلا أن
ج ۷، ص ۶۱–۸۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
آل عمران " 3 " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد 30 " وقال ": ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون 161.
الانعام " 6 " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون 94.
إبراهيم " 14 " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار * مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء * وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال * وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال * وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال * فلا تحسبن الله الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام * يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار * وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد * سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار * ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب
42 - 51.
النحل " 16 " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون 111.
الكهف " 18 " وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا 8.
طه " 20 " ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا * يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما * وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما * ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما
105 - 112.
الأنبياء " 21 " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين 104.
الحج " 22 " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم * يوم
ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد
2 - 3.
النور " 24 " يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار 37.
الروم " 30 " ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون * فيؤمئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون
55 - 57.
المؤمن " 40 " لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب * وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور * والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير
16 - 20.
القمر " 54 " يوم يدع الداع إلى شئ نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر * مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر
6 - 8.
الرحمن " 55 " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام * فبأي آلاء ربكما تكذبان
33 - 42.
الواقعة " 56 " إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة * إذا رجت الأرض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا * وكنتم أزواجا ثلثة * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة * والسابقون السابقون * أولئك المقربون
2 - 12.
القلم " 68 " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون
42 - 43.
الحاقة " 69 " فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية * فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * فهو في عيشة راضية * في جنة عاليه * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية * وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه * خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين * فليس له اليوم هيهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون
13 - 37.
المعارج " 70 " يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسئل حميم حميما * يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه * كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى
8 - 18. " وقال تعالى ": فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون * يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون
42 - 44.
المزمل " 73 " يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا 14 " وقال تعالى ": فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا * السماء منفطر به كان وعده مفعولا
17 - 18.
القيامة " 75 " يسئل أيان يوم القيمة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الانسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ
المستقر ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الانسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره
6 - 15.
الدهر " 76 " إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوما ثقيلا 27.
المرسلات " 77 " فإذا النجوم طمست * وإذا السماء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا الرسل اقتت * لأي يوم أجلت * ليوم الفصل * وما أدريك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين
8 - 15 " وقال تعالى ": هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون * ويل يومئذ للمكذبين
35 - 37.
النبأ " 78 " إن يوم الفصل كان ميقاتا * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا * وفتحت السماء فكانت أبوابا * وسيرت الجبال فكانت سرابا
17 - 20 " وقال تعالى ":
رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا * يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا * ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا * إنا أنذرناكم عذابا قريبا * يوم ينظر المرء ما قدمت يداه و يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا
32 - 40.
النازعات " 79 " فإذا جاءت الطامة الكبرى * يوم يتذكر الانسان ما سعى * و برزت الجحيم لمن يرى
34 - 36.
عبس " 80 " فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة
33 - 42.
كورت " 81 " إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * وإذا الموؤودة سئلت * بأي ذنب قتلت * وإذا الصحف نشرت * وإذا السماء كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس ما أحضرت
2 - 15.
الانفطار " 82 " إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار
فجرت * وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت * يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك * كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون * إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين * وما أدريك ما يوم الدين * ثم ما أدريك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله
2 - 20.
الانشقاق " 84 " إذا السماء انشقت * وأذنب لربها وحقت * وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت * يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبورا * ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور * بلى إن ربه كان به بصيرا
2 - 16.
الزلزال " 99 " إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الانسان مالها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
2 - 8.
القارعة " 101 " القارعة * ما القارعة * وما أدريك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش
1 - 5.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ": أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون بآيات الله إلا أن يأتيهم أمر الله وما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب؟ وقيل: قطع من السحاب، وهذا كما يقال: قتل الأمير فلانا وضربه وأعطاه، وإن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه بل فعل بأمره، وقيل: معناه: ما ينظرون إلا أن يأتيهم جلائل آيات الله غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات، كما يقال: دخل الأمير البلد ويراد بذلك جنده، وإنما ذكر الغمام
ليكون أهول، فإن الأهوال تشبه بظلل الغمام، وقال الزجاج: معناه: يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب كما قال: " وآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " " والملائكة " أي يأتيهم الملائكة " وقضي الامر " أي فرغ من الامر وهو المحاسبة وإنزال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار " وإلى الله ترجع الأمور " أي إليه ترد الأمور في سؤاله عنها ومجازاته عليها.
وفي قوله تعالى: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ": اختلف في كيفية وجود العمل محضرا فقيل: تجد صحائف الحسنات والسيئات، وقيل: ترى جزاء عملها من الثواب والعقاب، فأما أعمالهم فهي أعراض قد بطلت لا يجوز عليها الإعادة فتستحيل أن ترى محضرة.
وفي قوله: " أمدا بعيدا ": أي غاية بعيدة أي تود أنها لم تكن فعلتها.
وفي قوله تعالى: " يأت بما غل يوم القيمة ": معناه أنه يأتي به حاملا على ظهره، كما روي في حديث طويل: ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي يوم القيامة به على ظهره له حمحمة فيقول: يا محمد يا محمد، فأقول: قد بلغت قد بلغت قد بلغت، فلا أملك لك من الله شيئا. وقال البلخي: يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كأن الله إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له وله صوت، والأولى أن يكون معناه: ومن يغلل يوافي بما غل يوم القيامة، فيكون حمل غلوله على عنقه أمارة يعرف بها وذلك حكم الله في كل من وافى يوم القيامة بمعصية لم يتب منها وأراد الله سبحانه أن يعامله بالعدل أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته ليعلمه أهل القيامة بها، ويعلموا سبب استحقاقه العقوبة، وكذا كل من وافى القيامة بطاعة فإنه سبحانه يظهر من طاعته علامة يعرف بها.
وفي قوله تعالى: " ولقد جئتمونا ": قيل: هذا من كلام الله تعالى إما عند الموت أو البعث، وقيل: من كلام الملائكة يؤدونه عن الله تعالى إلى الذين يقبضون أرواحهم
" فرادى " أي وحدانا لا مال لهم ولا خول ولا ولد ولا حشم، وقيل: واحدا واحدا على حدة، وقيل: كل واحد منهم منفرد من شريكه في الغي " كما خلقناكم أول مرة " أي في بطون أمهاتكم فلا ناصر لكم ولا معين، وقيل: معناه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يحشرون حفاة عراتا غرلا والغرل: هم الغلف. وروي أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله حين سمعت ذلك: وا سوأتاه! أينظر بعضهم إلى سوأة بعض من الرجال والنساء؟ فقال عليه السلام: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ويشغل بعضهم عن بعض. و قال الزجاج: معناه: كما بدأناكم أول مرة أي يكون بعثكم كخلقكم " وتركتم ما خولناكم " أي ملكناكم في الدنيا " وراء ظهوركم " أي خلف ظهوركم في الدنيا " وما نرى معكم شفعائكم " أي ليس معكم من كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم عند الله يوم القيامة وهي الأصنام " الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء " معناه: زعمتهم أنهم شركاؤنا فيكم وشفعاؤكم، وهذا عام في كل من عبد غير الله تعالى أو اعتمد غيره يرجو خيره و يخاف ضيره في مخالفة الله تعالى " لقد تقطع بينكم " أي وصلكم وجمعكم، ومن قرأ بالنصب فمعناه: لقد تقطع الامر بينكم أو تقطع وصلكم بينكم " وضل عنكم ما كنتم تزعمون " أي ضاع وتلاشى، ولا تدرون أين ذهب من جعلتم شفعاءكم من آلهتكم ولم تنفعكم عبادتها، وقيل: ما تزعمون من عدم البعث والجزاء.
وفي قوله تعالى: " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار ": أي إنما يؤخر مجازاتهم إلى يوم القيامة وهو اليوم الذي يكون فيه الابصار شاخصة عن مواضعها، لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم ولا تطرف، وقيل تشخص أبصارهم إلى إجابة الداعي حين يدعوهم " مهطعين " أي مسرعين، وقيل: يريد دائمي النظر إلى ما يرون لا يطرفون " مقنعي رؤسهم " أي رافعي رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه
من شدة رفع الرأس، وذلك من هول يوم القيامة. وقال مؤرخ: معناه: ناكسي رؤوسهم بلغة قريش، " لا يرتد إليهم طرفهم " أي لا ترجع إليهم أعينهم ولا يطبقونها ولا يغمضونها، وإنما هو نظر دائم " وأفئدتهم هواء " أي قلوبهم خالية من كل شئ فزعا وخوفا، وقيل: خالية من كل سرور وطمع في الخير لشدة ما يرون من الأهوال كالهواء الذي بين السماء والأرض، وقيل: زائلة عن مواضعها، قد ارتفعت إلى حلوقهم لا تخرج ولا تعود إلى أماكنها، بمنزلة الشئ الذاهب في جهات مختلفة، المتردد في الهواء، وقيل: خالية عن عقولهم " وأنذر الناس " أي دم على إنذارك " يوم يأتيهم العذاب " وهو يوم القيامة أو عذاب الاستيصال في الدنيا، وقيل: هو يوم المعاينة عند الموت، و الأول أظهر. " فيقول الذين ظلموا أنفسهم " بارتكاب المعاصي " ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك " أي ردنا إلى الدنيا واجعل ذلك مدة قريبة نجب دعوتك فيها " ونتبع الرسل " أي نتبع رسلك فيما يدعوننا إليه فيقول الله مخاطبا لهم: أو تقول الملائكة بأمره: " أو لم تكونوا أقسمتم " أي حلفتم من قبل في الدنيا؟ " مالكم من زوال " أي ليس لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، أو من الراحة إلى العذاب، وفي
هذا دلالة على أن أهل الآخرة غير مكلفين، خلافا لما يقوله النجار وجماعة لأنهم لو كانوا مكلفين لما كان لقولهم: أخرنا إلى أجل قريب وجه، ولكان ينبغي لهم أن يؤمنوا فيتخلصوا من العقاب إذا كانوا مكلفين " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم و تبين لكم كيف فعلنا بهم " هذا توبيخ لهم وتعنيف أي وسكنتم ديار من كذب الرسل قبلكم فأهلكهم الله فعرفتم ما نزل بهم من البلاء والهلاك والعذاب " وضربنا لكم الأمثال " وبينا لكم الأشباه وأخبرنا كم بأحوال الماضين قبلكم لتعتبروا بها فلم تعتبروا، وقيل:
الأمثال ما ذكر في القران مما يدل على أنه تعالى قادر على الإعادة كما أنه قادر على الانشاء، وقيل: هي الأمثال المنبهة على الطاعة، الزاجرة عن المعصية " وقد مكروا مكرهم " أي بالأنبياء قبلك، وقيل: عني بهم كفار قريش الذين دبروا في أمر النبي صلى الله عليه وآله، ومكروا بالمؤمنين " وعند الله مكرهم " أي جزاء مكرهم " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " أي أن مكرهم وإن بلغ كل مبلغ فلا يزيل دين الله " فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله " أي ما وعدهم به من النصر والظفر " إن الله عزيز " أي ممتنع بقدرته من أن ينال باهتضام " ذو انتقام " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " قيل: فيه قولان: أحدهما أن المعنى: تبدل صورة الأرض وهيئتها عن ابن عباس، فقد روي عنه أنه قال: تبدل آكامها وآجامها وجبالها وأشجارها والأرض على حالتها وتبقى أرضا بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة، وتبدل السماوات فيذهب بشمسها وقمرها ونجومها، وكان ينشد:
فما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت أعرف ويعضده ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى: ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها على ظهرها.
والآخر أن المعنى: تبدل الأرض وتنشأ أرض غيرها والسماوات كذلك تبدل بغيرها وتفنى هذه، عن الجبائي وجماعة من المفسرين، وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام
بالاسناد عن زرارة ومحمد بن مسلم وحمران بن أعين، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: تبدل الأرض خبزة نقية يأكل الناس منها. حتى يفرغ من الحساب قال الله تعالى " وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام " وهو قول سعيد بن جبير ومحمد بن كعب.
وروى سهل بن سعيد الساعدي، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: تحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لاحد. وروي عن ابن مسعود أنه قال: تبدل الأرض بنار فتصير الأرض كلها نارا يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها ويلجم الناس العرق ولم يبلغوا الحساب بعد. وقال كعب: تصير السماوات جنانا وتصير مكان البحر النار وتبدل الأرض غيرها.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله حبر من اليهود فقال:
أرأيت إذ يقول الله في كتابه: " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه. وقيل: تبدل الأرض لقوم بأرض
الجنة، ولقوم بأرض النار. وقال الحسن: يحشرون على الأرض الساهرة وهي أرض غير هذه وهي أرض الآخرة، وفيها تكون جهنم، وتقدير الكلام: وتبدل السماوات غير السماوات، إلا أنه حذف لدلالة الظاهر عليه.
" وبرزوا لله " أي يظهرون من قبورهم للمحاسبة لا يسترهم شئ، وجعل ذلك بروزا لله تعالى لان حسابهم معه وإن كانت الأشياء كلها بارزة له " الواحد " الذي لا شبيه له ولا نظير " القهار " المالك الذي لا يضام يقهر عباده بالموت الزوام " وترى المجرمين " يعني الكفار " يومئذ " أي يوم القيامة " مقرنين في الأصفاد " أي مجموعين في الأغلال، قربت أيديهم بها إلى أعناقهم، وقيل: يقرن بعضهم إلى بعض، وقيل: مشدودين في قرن أي حبل من الأصفاد والقيود، وقيل: يقرن كل كافر مع شيطان كان يضله في غل من حديد " سرابيلهم " أي قميصهم " من قطران " وهو ما يطلى به الإبل شئ أسود لزج منتن يطلون به فيصير كالقميص عليهم، ثم يرسل النار فيهم ليكون أسرع إليهم وأبلغ في الاشتعال وأشد في العذاب، وقرأ زيد عن يعقوب " من قطر آن " على كلمتين منونتين، وهو قراءة أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير والكلبي وقتادة و عيسى الهمداني والربيع، قال ابن جني: القطر: الصفر والنحاس، والآن: الذي بلغ غاية الحر، وجوز الجبائي على القراءتين أن يسربلوا بسربالين: أحدهما من القطران، والآخر من القطر الآني " وتغشى وجوههم النار " أي تصيب وجوههم النار لا قطران عليها.
وفي قوله عز وجل: " تجادل عن نفسها ": أي تخاصمه الملائكة عن نفسها و تحتج بما ليس فيه حجة، فيقول: " والله ربنا ما كنا مشركين " ويقول أتباعهم: " ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " ويحتمل أن يكون المراد أنها تحتج عن نفسها بما تقدر به إزالة العقاب عنها.
وفي قوله تعالى: " وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ": معناه: وإنا مخربون
الأرض بعد عمارتها، وجاعلون ما عليها مستويا من الأرض يابسا لا نبات عليه، وقيل: بلاقع.
وفي قوله تعالى: " ويسئلونك ": أي ويسألك منكروا البعث عند ذكر القيامة عن الجبال ما حالها؟ فقل: يا محمد: " ينسفها ربي نسفا " أي يجعلها ربي بمنزلة الرمل يرسل عليها الرياح فتذريها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شئ، وقيل: يصيرها كالهباء، وقيل: إن رجلا من ثقيف سأل النبي صلى الله عليه وآله: كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها؟ فقال: إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال " ثم يرسل عليها الرياح " فتفرقها " فيذرها " أي فيدع أماكنها من الأرض إذا نسفتها " قاعا " أي أرضا ملسا، وقيل: منكشفة " صفصفا " أي أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر، وقيل: القاع والصفصف بمعنى واحد وهو المستوي من الأرض الذي لا نبات فيه، عن ابن عباس ومجاهد " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " أي ليس فيها مرتفع ولا منخفض قال الحسن: العوج: ما انخفض من الأرض، والامت ما ارتفع من الروابي " يومئذ يتبعون الداعي " أي يوم القيامة يتبعون صوت داعي الله الذي ينفخ في الصور " لا عوج له " أي لدعاء الداعي، ولا يعدل عن أحد، بل يحشرهم جميعا، وقيل: معناه لا عوج لهم عن دعائه ولا يعدلون عن ندائه، بل يتبعونه " سراعا وخشعت الأصوات للرحمن " أي خضعت الأصوات بالسكوت لعظمة الرحمن " فلا تسمع إلا همسا " وهو صوت الاقدام أي لا تسمع من صوت أقدامهم إلا صوتا خفيا كما يسمع من وطء الإبل، وقيل:
الهمس: إخفاء الكلام، وقيل: معناه أن الأصوات العالية بالامر والنهي في الدنيا تنخفض وتذل أصحابها فلا تسمع منهم إلا الهمس.
" يومئذ لا تنفع الشفاعة " أي لا تنفع ذلك اليوم شفاعة أحد في غيره إلا شفاعة من أذن الله له في أن يشفع ورضي قوله فيها: من الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين والشهداء " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " والضمير راجع إلى الذين يتبعون الداعي أي يعلم سبحانه منهم جميع أقوالهم وأفعالهم قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وما كان في حياتهم وبعد مماتهم، لا يخفى عليه شئ من أمورهم تقدم أو تأخر، وقيل: يعلم
ما بين أيديهم من أحوال الآخرة وما خلفهم من أحوال الدنيا " ولا يحيطون به علما " أي لا يحيطون هم بالله علما، أي بمقدوراته ومعلوماته، أو بكنه عظمته في ذاته وأفعاله " وعنت الوجوه للحي القيوم " أي خضعت وذلت خضوع الأسير في يد من قهره، والمراد أرباب الوجوه، وقيل: المراد بالوجوه الرؤساء والقادة والملوك " وقد خاب " عن ثواب الله " من حمل ظلما " أي شركا " ومن يعمل من الصالحات " أي شيئا من الطاعات وهو مؤمن مصدق بما يجب التصديق به " فلا يخاف ظلما " بأن يزاد في سيئاته " ولا هضما " بأن ينقص من حسناته، والهضم: النقص.
وفي قوله: عز وجل: " يوم نطوي السماء ": المراد بالطي ههنا هو الطي المعروف فإن الله سبحانه يطوي السماء بقدرته، وقيل: إن طي السماء ذهابها " كطي السجل للكتب " السجل: صحيفة فيها الكتب، عن ابن عباس وغيره، وقيل: إن السجل ملك يكتب أعمال العباد، عن أبي عمرو والسدي، وقيل هو ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه، عن عطاء، وقيل: هو اسم كاتب كان للنبي صلى الله عليه وآله " كما بدأنا أول خلق نعيده " أي حفاة عراتا غرلا، وقيل: معناه: نهلك كل شئ كما كان أول مرة.
وفي قوله تعالى سبحانه: " يا أيها الناس اتقوا ربكم ": أي عذابه " إن زلزلة الساعة " أي زلزلة الأرض يوم القيامة، والمعنى أنها تقارن قيام الساعة وتكون معها،
وقيل: إن هذه الزلزلة قبل قيام الساعة وإنما أضافها إليها لأنها من أشراطها " شئ عظيم " أي أمر هائل لا يطاق، وقيل: إن معناه أن شدة يوم القيامة أمر صعب " يوم ترونها " أي الزلزلة أو الساعة " تذهل كل مرضعة عما أرضعت " أي تشغل عن ولدها وتنساه.
وقيل: تسلوعن ولدها " وتضع كل ذات حمل حملها " أي تضع الحبالى ما في بطونهن وفي هذا دلالة على أن الزلزلة في الدنيا، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام، ومن قال: المراد به القيامة قال: إنه تهويل لأمر القيامة وشدائدها، أي لو كان ثم مرضعة لذهلت، أو حامل لوضعت " وترى الناس سكارى " من شدة الفزع " وما هم بسكارى " من الشراب " ولكن عذاب الله شديد " فمن شدته يصيبهم ما يصيبهم.
وفي قوله تعالى: " يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار ": أراد يوم القيامة تتقلب فيه أحوال القلوب والابصار وتنتقل من حال إلى حال، فتلفحها النار، ثم تنضجها ثم تحرقها، وقيل: تتقلب فيه القلوب والابصار بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، وتتقلب الابصار يمنة ويسرة من أين تؤتى كتبهم، ومن أين يؤخذ بهم، أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ وقيل: تتقلب القلوب ببلوغها الحناجر، والابصار بالعمى بعد البصر، وقيل: معناه: تنتقل القلوب من الشك إلى اليقين والايمان، والابصار عما كانت تراه غيا فتراه رشدا، فمن كان شاكا في دنياه أبصر في آخرته، ومن كان عالما ازداد بصيرة وعلما.
وفي قوله تعالى: " يقسم المجرمون ": أي يحلف المشركون " ما لبثوا في القبور غير ساعة " واحدة، عن الكلبي ومقاتل، وقيل: يحلفون ما مكثوا في الدنيا غير ساعة لاستقلالهم مدة الدنيا، وقيل: يحلفون ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر غير ساعة، عن الجبائي، ومتى قيل: كيف يحلفون كاذبين مع أن معارفهم في الآخرة ضرورية؟ قيل:
فيه أقوال: أحدها: أنهم حلفوا على الظن ولم يعلموا لبثهم في القبور فكأنهم قالوا:
ما لبثنا غير ساعة في ظنوننا، وثانيها: أنهم استقلوا الدنيا لما عاينوا من أمر الآخرة فكأنهم قالوا: ما الدنيا في الآخرة إلا ساعة، وثالثها، أن ذلك يجوز أن يقع منهم قبل إكمال عقولهم " كذلك كانوا يؤفكون " في دار الدنيا أي يكذبون، وقيل: يصرفون صرفهم جهلهم عن الحق في الدارين، ومن استدل بهذه الآية على نفي عذاب القبر فقد أبعد لما بينا أنه يجوز أن يريدوا أنهم لم يلبثوا بعد عذاب الله إلا ساعة " وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم " أي مكثتم " في كتاب الله " معناه أن لبثكم ثابت في كتاب الله أثبته الله فيه وهو قوله:
" ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " وهذا كما يقال: إن كل ما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي هو مثبت فيه، والمراد: لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث، وقيل: إن الذين أوتوا العلم والايمان هم الملائكة، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: المؤمنون، وقيل:
إن هذا على التقديم وتقديره: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله وهم الذين يعلمون كتاب الله والايمان لقد لبثتم إلى يوم البعث فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، ولكنكم كنتم لا تعلمون وقوعه في الدنيا، فلا ينفعكم العلم به الآن، ويدل على هذا المعنى قوله: " فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا أنفسهم بالكفر معذرتهم " فلا يمكنون من الاعتذار، ولو اعتذروا لم يقبل عذرهم " ولا هم يستعتبون " أي لا يطلب منهم الأعتاب والرجوع إلى الحق.
وفي قوله: سبحانه " لينذر ": أي النبي بما أوحي إليه " يوم التلاق " يلتقي في ذلك اليوم أهل السماء وأهل الأرض، وقيل: يلتقي فيه الأولون والآخرون والخصم والمخصوم والظالم والمظلوم، وقيل: يلتقي الخلق والخالق يعني أنه يحكم بينهم، وقيل:
يلتقي المرء وعمله، والكل مراد " يوم هم بارزون " من قبورهم، وقيل: يبرز بعضهم لبعض فلا يخفى على أحد حال غيره لأنه ينكشف له ما يكون مستورا " لا يخفى على الله منهم شئ " أي من أعمالهم وأحوالهم " ويقول " الله في ذلك اليوم: " لمن الملك اليوم " فيقر المؤمنون والكافرون بأنه " لله الواحد القهار " وقيل: إنه سبحانه هو القائل لذلك وهو المجيب لنفسه، ويكون في الاخبار بذلك مصلحة للمكلفين، قال محمد بن كعب
القرطي: يقول الله تعالى ذلك بين النفختين حين يفني الخلائق كلها ثم يجيب نفسه لأنه بقي وحده، والأول أصح لأنه بين أنه يقول ذلك يوم التلاق يوم يبرز العباد من قبورهم، وإنما خص ذلك اليوم بأن له الملك فيه لأنه قد ملك العباد بعض الأمور في الدنيا، ولا يملك أحد شيئا ذلك اليوم.
فإن قيل: أليس يملك الأنبياء والمؤمنون في الآخرة الملك العظيم؟ فالجواب أن أحدا لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله تعالى، لأنه يملك جميع الأمور من غير تمليك مملك، وقيل: إن المراد به يوم القيامة قبل تمليك أهل الجنة ما يملكهم " اليوم تجزى كل نفس ما كسبت " يجزى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته، وفي الحديث: إن الله تعالى يقول: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لاحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا لاحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منه، ثم تلا هذه الآية: " لا ظلم اليوم " أي لا ظلم لاحد على أحد، ولا ينقص من ثواب أحد، ولا يزاد في عقاب أحد " إن الله سريع الحساب " لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره " وأنذرهم يوم الآزفة " أي الدانية، وهو يوم القيامة لان كل ما هو آت دان قريب، وقيل: يوم دنو المجازاة " إذ القلوب لدى الحناجر " وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة " كاظمين " أي مغمومين مكروبين ممتلين غما، قد أطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم من شدة الخوف " ما للظالمين من حميم " يريد: ما للمشركين والمنافقين من قريب ينفعهم " ولا شفيع يطاع " فيهم فتقبل شفاعته " يعلم خائنة الأعين " أي خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه " وما تخفي الصدور " ويعلم
ما تضمره الصدور " والله يقضي بالحق " أي يفصل بين الخلائق بالحق " والذين يدعون من دونه " من الأصنام " لا يقضون بشئ " لأنها جماد.
وفي قوله تعالى: " يوم يدع الداع إلى شئ نكر " أي منكر غير معتاد ولا معروف بل أمر فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما، واختلف في الداعي فقيل: هو إسرافيل يدعو الناس إلى الحشر قائما على صخرة بيت المقدس، وقيل: بل الداعي يدعوهم إلى النار، و " يوم " ظرف ليخرجون، ويجوز أن يكون التقدير: في هذا اليوم يقول الكافرون " خشعا أبصارهم " أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب، وإنما وصف الابصار بالخشوع لان ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين في نظره وتظهر في عينه " يخرجون من الأجداث " أي من القبور " كأنهم جراد منتشر " والمعنى: أنهم يخرجون فزعين يدخل بعضهم في بعض ويختلط بعضهم ببعض، لا جهة لاحد منهم فيقصدها، كما أن الجراد لا جهة لها فتكون أبدا متفرقة في كل جهة، وقيل: إنما شبههم بالجراد في كثرتهم، وفي هذه الآية دلالة على أن البعث إنما يكون لهذه البنية لأنها الكائنة في الأجداث، خلافا لمن زعم أن البعث يكون للأرواح " مهطعين إلى الداع " أي مقبلين إلى صوت الداعي، وقيل: مسرعين إلى إجابة الداعي، وقيل: ناظرين قبل الداعي، قائلين: " هذا يوم عسر " أي صعب شديد.
وفي قوله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ": أي تخرجوا هاربين من الموت، يقال نفذ الشئ من الشئ: إذا خلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية " من أقطار السماوات والأرض " أي جوانبهما ونواحيهما " فانفذوا " أي فاخرجوا " لا تنفذون إلا بسلطان " أي حيث توجهتم فثم ملكي ولا تخرجون من سلطاني فأنا آخذكم بالموت، وقيل: لا تنفذون إلا بقدرة من الله وقوة يعطيكموها بأن يخلق لكم مكانا آخر سوى السماوات والأرض ويجعل لكم قوة تخرجون بها إليه، وقيل: المعنى:
إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا أنه لا يمكنكم ذلك " لا تنفذون إلا بسلطان " أي لا تعلمون إلا بحجة وبيان، وقيل: " لا تنفذون إلا بسلطان " معناه: حيث ما نظرتم شاهدتم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده " يرسل
عليكما شواظ من نار " هو اللهب الأخضر المنقطع من النار " ونحاس " هو الصفر المذاب للعذاب، وقيل: النحاس: الدخان، وقيل: المهل، والمعنى: لا تنفذون ولو جاز أن تنفذوا وقدرتم عليه لأرسل عليكم العذاب من النار المحرقة، وقيل: معناه: إنه يقال لهم ذلك يوم القيامة " يرسل عليكما " أي على من أشرك منكما، وقد جاء في الخبر:
يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار، ثم ينادون: " يا معشر الجن والإنس " إلى قوله: " شواظ من نار " وروى مسعدة بن صدقة، عن كليب قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فأنشأ يحدثنا فقال: إذا كان يوم القيامة جمع الله العباد في صعيد واحد وذلك إنه يوحي إلى السماء الدنيا: أن اهبطي بمن فيك، فيهبط أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس والملائكة، ثم يهبط أهل السماء الثانية بمثل الجميع مرتين، فلا يزالون كذلك حتى يهبط أهل سبع سماوات فيصير الجن والإنس في سبع سرادقات من الملائكة، ثم ينادي مناد: يا معشر الجن والإنس " إن استطعتم " الآية فينظرون فإذا قد أحاط بهم سبع أطواق من الملائكة، وقوله: " فلا تنتصران " أي فلا تقدران على دفع ذلك عنكما وعن غيركما " فإذا انشقت السماء " يعني يوم القيامة إذا انصدعت السماء وانفك بعضها من بعض " فكانت وردة " أي فصارت حمراء كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة، فيكون في الشتاء أحمر وفي الربيع أصفر وفي اشتداد البرد أغبر، سبحانه خالقها والمصرف لها كيف يشاء، والوردة واحدة الورد فشبه السماء يوم القيامة في اختلاف ألوانها بذلك، وقيل: أراد به وردة النبات وهي حمراء وقد تختلف ألوانها ولكن الأغلب في ألوانها الحمرة لتصير السماء كالوردة في الاحمرار، ثم تجري كالدهان، وهو جمع الدهن عند انقضاء الامر وتناهي المدة، قال الحسن: هي كالدهان التي تصب بعضها بألوان مختلفة، قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلافه بالدهن واختلاف ألوانه، وقيل:
الدهان: الأديم الأحمر، وقيل: هو عكر الزيت يتلون ألوانا " فيومئذ " يعني
يوم القيامة " لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان " أي لا يسأل المجرم عن جرمه في ذلك الموطن لما يلحقه من الذهول الذي تحار له العقول، وإن وقعت المسألة في غير ذلك الوقت بدلالة قوله: " وقفوهم إنهم مسؤولون " وقيل: المعنى: لا يسألان سؤال الاستفهام ليعرف ذلك بالمسألة من جهته لان الله تعالى قد أحصى الاعمال وحفظها على العباد، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ للمحاسبة، وقيل: إن أهل الجنة حسان الوجوه وأهل النار سود الوجوه فلا يسألون من أي الحزبين هم ولكن يسألون سؤال تقريع.
وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال. فيومئذ لا يسئل منكم عن ذنبه إنس ولا جان والمعنى أن من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب في الدنيا عذب عليه في البرزخ، ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه " يعرف المجرمون بسيماهم " أي بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون، وقيل: بأمارات الخزي، " فيؤخذ بالنواصي والاقدام " فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغل، ثم يسحبون إلى النار ويقذفون فيها.
وفي قوله تعالى: " إذا وقعت الواقعة ": أي إذا قامت القيامة، سميت بها لكثرة ما يقع فيها من الشدة، أو لشدة وقعتها " ليس لوقعتها كاذبة " أي ليس لمجيئها و ظهورها كذب، وقيل: أي ليس لوقعتها قضية كاذبة أي ثبت وقوعها بالسمع والعقل:
" خافضة رافعة " أي تخفض ناسا وترفع آخرين، وقيل: تخفض أقواما إلى النار وترفع أقواما إلى الجنة " إذا رجت الأرض رجا " أي حركت حركة شديدة، وزلزلت زلزالا شديدا، وقيل: معناه: رجت بما فيها كما يرج الغربال بما فيه، فتخرج من في بطنها من الموتى " وبست الجبال بسا " أي فتت فتا، وقيل: أي كسرت كسرا، وقيل:
قلعت من أصلها، وقيل: سيرت من وجه الأرض تسييرا، وقيل: بسطت بسطا كالرمل والتراب، وقيل: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة " فكانت هباء منبثا "
أي غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة " وكنتم أزواجا " أي أصنافا " ثلثة فأصحاب الميمنة " يعني اليمين وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وقيل: الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل: هم أصحاب اليمن والبركة " ما أصحاب الميمنة " أي أي شئ هم؟ كما يقال: هم ما هم! " وأصحاب المشئمة " هم الذين يعطون كتبهم بشمالهم، أو يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وقيل: هم المشائم على أنفسهم " والسابقون السابقون " أي والسابقون إلى اتباع الأنبياء الذين صاروا أئمة الهدى هم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله، وقيل: السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمته، فالسابقون الثاني خبر الأول، ويحتمل أن يكون تأكيدا للأول، والخبر: " أولئك المقربون ".
وفي قوله تعالى: " فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ": وهي النفخة الأولى وقيل: الثانية " وحملت الأرض والجبال " أي رفعت من أماكنها " فد كتا دكة واحدة " أي كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوي ما عليها من شئ مثل الأديم الممدود، وقيل: ضرب بعضها ببعض حتى تفتتت الجبال، ونسفتها الرياح، وبقيت الأرض شيئا واحدا لا جبل فيها ولا رابية بل تكون قطعة مستوية، وإنما قال: " دكتا " لأنه جعل الأرض جملة واحدة، والجبال جملة واحدة " فيومئذ وقعت الواقعة " أي قامت القيامة " وانشقت السماء " أي انفرج بعضها من بعض " فهي يومئذ واهية " أي شديدة الضعف بانتقاض أبنيتها، وقيل: هو أن السماء تنشق بعد صلابتها فتصير بمنزلة الصوف في الوهن والضعف " والملك على أرجائها " أي على أطرافها ونواحيها، والملك اسم يقع على الواحد والجمع، والسماء مكان الملائكة فإذا وهت صارت في نواحيها، وقيل: إن الملائكة يومئذ على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار وأهل الجنة " ويحمل عرش ربك فوقهم " يعني فوق الخلائق، يومئذ ثمانية من الملائكة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة
أخرى فيكونون ثمانية، وقيل: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس " يومئذ تعرضون " يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين " لا تخفى منكم خافية " أي نفس خافية أو فعلة خافية، وقيل: الخافية مصدر أي خافية أحد، وروي في الخبر عن ابن مسعود وقتادة أن الخلق يعرضون ثلاث عرضات: ثنتان فيهما معاذير وجدال، والثالثة تطير الصحف من الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه، ولكن ليظهر ذلك لخلقه " فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول " لأهل القيامة: " هاؤم " أي تعالوا " اقرؤا كتابيه " إنما يقوله سرورا بهم لعلمه بأنه ليس فيه إلا الطاعات فلا يستحيي أن ينظر فيه غيره " إني ظننت " أي علمت وأيقنت في الدنيا " أني ملاق حسابيه " والهاء لنظم رؤوس الآي وهي هاء الاستراحة، والمعنى:
أني كنت مستيقنا في دار الدنيا بأني القي حسابي يوم القيامة " فهو في عيشة راضية " أي حالة من العيش ذات رضى بمعنى مرضية " في جنة عالية " أي رفيعة القدر والمكان، " قطوفها دانية " أي ثمارها قريبة ممن يتناولها، قال البراء بن عازب: يتناول الرجل من الثمرة وهو نائم.
وروي عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية. وقيل: معناه: لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد ولا شوك، يقال لهم: كلوا واشربوا في الجنة هنيئا بما أسلفتم " أي قدمتم من أعمالكم الصالحة " في الأيام الخالية " أي الماضية في الدنيا، ويعني بقوله: " هنيئا " أنه ليس فيه ما يؤذي فلا يحتاج فيه إلى إخراج فضل بغايط أو بول " وأما من أوتي كتابه " أي صحيفة أعماله " بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه " لما يرى فيه من قبائح أعماله " ولم أدر ما حسابيه " أي ولم أدر أي شئ حسابي " يا ليتها كانت القاضية " الهاء في ليتها كناية عن الحال التي هم فيها، وقيل: كناية عن الموتة الأولى، والقاضية: القاطعة للحياة أي ليت الموتة الأولى لم نحي بعدها، أو تمنى يومئذ الموت ولم يكن في الدنيا شئ أكره عنده من الموت " ما أغنى عني ماليه " أي ما دفع عني مالي من عذاب الله شيئا " هلك عني سلطانيه " أي ضل عني ما كنت أعتقده
حجة، أو هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا عليه.
ثم أخبر سبحانه أنه يقول للملائكة: " خذوه فغلوه " أي أوثقوه بالغل، وهو أن تشد إحدى يديه أو رجليه إلى عنقه بجامعة " ثم الجحيم صلوه " أي ثم أدخلوه النار العظيمة وألزموه إياها " ثم في سلسلة ذرعها " أي طولها " سبعون ذراعا فاسلكوه " أي اجعلوه فيها لأنه يؤخذ عنقه فيها ثم يجر بها، قال الضحاك: إنما تدخل في فيه وتخرج من دبره، فعلى هذا يكون المعنى: ثم اسلكوا السلسلة فيه فقلب، وقال نوف البكالي: كل ذراع سبعون باعا، الباع: أبعد مما بينك وبين مكة - وكان في رحبة الكوفة - وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو، وقال سويد بن نجيح: إن جميع أهل النار كانوا في تلك السلسلة ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب من حرها " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " أي لم يكن يوحد الله ولا يصدق به " ولا يحض على طعام المسكين " أي كان يمنع الزكاة والحقوق الواجبة " فليس له اليوم هيهنا حميم " أي صديق ينفعه " ولا طعام إلا من غسلين " وهو صديد أهل النار وما يجري منهم: وقيل:
إن أهل النار طبقات فمنهم: من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الضريع لأنه قال في موضع آخر: " ليس لهم طعام إلا من ضريع " وقيل:
يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين " لا يأكله " أي هذا الغسلين " إلا الخاطئون " وهم
الجائزون عن طريق الحق عامدين، والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد، والخاطئ: المذنب المتعمد الجائز عن الصراط المستقيم.
وفي قوله سبحانه: " يوم تكون السماء كالمهل ": أي كدردي الزيت، وقيل:
كعكر القطران، وقيل: مثل الفضة إذا أذيبت، وقيل: مثل الصفر المذاب " وتكون الجبال كالعهن " أي كالصوف المصبوغ، وقيل: كالصوف المنفوش، وقيل: كالصوف الأحمر، بمعنى أنها تلين بعد الشدة وتتفرق بعد الاجتماع، وقال الحسن: إنها أولا تصير كثيبا مهيلا، ثم تصير عهنا منفوشا، ثم هباءا منثورا " ولا يسئل حميم حميما " لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره وقيل: لا يسأله أن يتحمل من أوزاره ليأسه من ذلك في الآخرة، وقيل: معناه أنه لا يحتاج إلى سؤاله لأنه يكون لكل علامة يعرف بها، فعلامة الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون، وعلامة المؤمنين نضارة اللون وبياض الوجوه " يبصرونهم " أي تعرف الكفار بعضهم بعضا ساعة، ثم لا يتعارفون ويفر بعضهم من بعض، وقيل : يعرفهم المؤمنون فيشمتون بهم ويسرون بعذابهم، وقيل: يعرف أتباع الضلالة رؤساءهم، وقيل: إن الضمير يعود إلى الملائكة أي يعرفهم الملائكة، ويجعلون بصراء بهم فيسوقون فريقا إلى الجنة وفريقا إلى النار " يود المجرم " أي يتمنى العاصي " لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه " أي يتمنى سلامته من العذاب النازل به بإسلام كل كريم عليه من أولاده الذين هم أعز الناس عليه " وصاحبته " أي زوجته التي كانت سكنا له، وربما آثرها على أبويه " وأخيه " الذي كان ناصرا له ومعينا " وفصيلته " أي وعشيرته " التي تؤويه " في الشدائد وتضمه، ويأوي إليها في النسب " ومن في الأرض جميعا " أي بجميع الخلائق " ثم ينجيه " ذلك الفداء " كلا " لا ينجيه ذلك " إنها لظى " يعني أن نار جهنم لظى أو القصة لظى " نزاعة للشوى " وسميت لظى لأنها تتلظى أي تشتعل وتتلهب على أهلها، وقيل: لظى اسم من أسماء جهنم، وقيل: هي الدركة الثانية منها، وهي " نزاعة للشوى " تنزع الأطراف فلا تترك لحما ولا جلدا إلا أحرقته وقيل: تنزع الجلد وأم الرأس، وقيل: تنزع الجلد واللحم عن العظم، وقال الكلبي:
يعني تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان، وقال أبو صالح: الشوى: لحم الساق، وقال
سعيد بن جبير: العصب والعقب، وقال أبو العالية: محاسن الوجه " تدعو من أدبر وتولى " يعني النار تدعو إلى نفسها من أدبر عن الايمان وتولى عن طاعة الله وطاعة رسوله أي لا يفوتها كافر، فكأنها تدعوه فيجيئها كرها، وقيل: إن الله تعالى ينطق النار حتى تدعوهم إليها، وقيل: معناه: تدعو زبانية النار، وقيل: تدعو أي تعذب، رواه المبرد عن الخليل قال: يقال: دعاك الله أي عذبك.
وفي قوله: " كأنهم إلى نصب يوفضون ": أي كأنهم يسعون فيسرعون إلى علم نصب لهم، وقيل: كأنهم إلى أوثانهم يسعون للتقرب إليها " ترهقهم ذلة " أي تغشاهم.
وفي قوله سبحانه: " يوم ترجف الأرض والجبال ": أي تتحرك باضطراب شديد " وكانت الجبال كثيبا مهيلا " أي رملا سائلا متناثرا عن ابن عباس، وقيل: المهيل:
الذي إذا وطأته القدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهار أعلاه، والمعنى أن الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل.
وفي قوله: " يجعل الولدان شيبا ": هو جمع أشيب، وهذا وصف لذلك اليوم و شدته، كما يقال: هذا أمر يشيب منه الوليد وتشيب منه النواصي: إذا كان عظيما شديدا، والمعنى: بأي شئ تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم؟ وكيف تدفعون عنكم ذلك؟ " السماء منفطر به " الهاء يعود إلى اليوم، والمعنى: أن السماء تنفطر وتنشق في ذلك اليوم من هوله، وقيل: بسبب ذلك اليوم وهوله وشدته " كان وعده مفعولا " أي كائنا لا خلف فيه ولا تبديل.
وفي قوله تعالى: " فإذا برق البصر " أي شخص البصر عند معاينة ملك الموت فلا يطرف من شدة الفزع، وقيل: إذا فرع وتحير لما يرى من أهوال القيامة وأحوالها " وخسف القمر " أي ذهب نوره وضوؤه " وجمع الشمس والقمر " أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الأرض على أهلها حتى يراهما كل أحد بغير نور وضياء، وقيل في طلوعهما من المغرب كالبعيرين القرينين " يقول الانسان " المكذب بالقيامة " يومئذ أين المفر " أين الفرار، ويجوز أن يكون معناه: أين موضع الفرار " كلا لا وزر " أي لا مهرب ولا ملجأ لهم يلجؤون إليه، والوزر: ما يتحصن به من جبل أو
غيره " إلى ربك يومئذ المستقر " أي المنتهى أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه و أمره، فلا حكم ولا أمر لاحد غيره وقيل: المستقر: المكان الذي يستقر فيه المؤمن والكافر، وذلك إلى الله لا إلى العباد، وقيل المستقر: المصير والمرجع " ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم وأخر " أي يخبر الانسان يوم القيامة بأول عمله وآخره فيجازى به، وقيل: معناه: بما قدم من العمل في حياته، وما سنه فعمل به بعد موته من خير أو شر، وقيل: بما قدم من المعاصي وأخر من الطاعات، وقيل: بما أخذ و ترك، وقيل: بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله وضيعه، وقيل: بما قدم من ماله لنفسه، وما خلفه لورثته بعده " بل الانسان على نفسه بصيرة " أي أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، قال القتيبي: أقام جوارحه مقام نفسه ولذلك أنث، وقيل: معناه أن الانسان بصير بنفسه وعمله، وروى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول: " بل الانسان على نفسه بصيرة " إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية.
" ولو ألقى معاذيره " أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك، وقيل:
معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب، قال الزجاج: معناه: ولو أدلى بكل حجة عنده، وجاء في التفسير: المعاذير: الستور، واحدها معذار، وقال المبرد: هي لغة طائية، والمعنى على هذا القول: وإن أسبل الستور ليخفى ما يعمل، فإن نفسه شاهد عليه.
وفي قوله سبحانه: " إن هؤلاء يحبون العاجلة ": أي يؤثرون اللذات والمنافع العاجلة في دار الدنيا " ويذرون وراءهم " أي ويتركون أمامهم " يوما ثقيلا " أي عسيرا شديدا، والمعنى: أنهم لا يؤمنون به ولا يعملون له، وقيل: معنى " ورائهم ": خلف ظهورهم.
وفي قوله تعالى: " فإذا النجوم طمست ": أي محيت آثارها واذهب نورها " وإذا السماء فرجت " أي شقت وصدعت فصار فيها فروج " وإذا الجبال نسفت " أي قلعت من مكانها، وقيل: أي أذهبت بسرعة حتى لا يبقى لها أثر في الأرض " وإذا الرسل اقتت " أي جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة لتشهد على الأمم، وهو قوله:
" لأي يوم أجلت " أي أخرت وضرب لهم الأجل لجمعهم تعجب العباد من ذلك اليوم، وقيل: " اقتت " معناه: عرفت وقت الحساب والجزاء لأنهم في الدنيا لا يعرفون متى تكون الساعة؟ وقيل: عرفت ثوابها في ذلك اليوم، وقال الصادق عليه السلام: " اقتت " أي بعثت في أوقات مختلفة، ثم بين سبحانه ذلك اليوم فقال: " ليوم الفصل " أي يوم يفصل الرحمن بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم فقال: " وما أدريك ما يوم الفصل " ثم أخبر سبحانه عن حال من كذب به، فقال: " ويل يومئذ للمكذبين ".
وفي قوله تعالى: " هذا يوم لا ينطقون ": فيه قولان: أحدهما أنهم لا ينطقون بنطق ينتفعون به فكأنهم لم ينطقوا، والثاني أن في القيامة مواقف ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون. وعن قتادة قال: جاء رجل إلى عكرمة فقال: أرأيت قول الله تعالى: " هذا يوم لا ينطقون " وقوله: " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون "؟ قال: إنها مواقف، فأما موقف منها فتكلموا و اختصموا، ثم ختم على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم فحينئذ لا ينطقون.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.