بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 3 اثبات الحشر وكيفيته وكفر من أنكره
ج ۷، ص ۲۴–۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
الفصل " بين الخلائق، والحكم وتمييز الحق من الباطل، وهذا كلام بعضهم لبعض، و قيل: بل هو كلام الملائكة، وفي قوله تعالى: " خاشعة " أي غبراء دارسة متهشمة أي كان حالها حال الخاضع المتواضع، وقيل: ميتة يابسة لا نبات فيها. وفي قوله: " ولئن رجعت إلى ربي ": أي لست على يقين من البعث فإن كان الامر على ذلك ورددت إلى ربي " إن لي عنده " الحالة " الحسنى " أو المنزلة الحسنى وهي الجنة سيعطيني في الآخرة مثل ما أعطاني في الدنيا. وفي قوله تعالى: " إن الذين يمارون ": أي يدخلهم المرية والشك " في الساعة " فيخاصمون في مجيئها على وجه الانكار لها.
وفي قوله: " نموت ونحيا ": قال فيه أقوال: أحدها أن تقديره: نحيا ونموت فقدم وأخر. والثاني: أن معناه نموت وتحيا أولادنا. والثالث: يموت بعضنا ويحيا بعضنا.
أقول: وقال البيضاوي: أي نكون أمواتا نطفا وما قبلها ونحيا بعد ذلك، ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان " وما يهلكنا إلا الدهر " أي مرور الزمان.
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إ أن قالوا ائتوا بآبائنا ": وإنما لم يجبهم الله تعالى إلى ذلك لأنهم قالوا ذلك متعنتين مقترحين لا طالبين الرشد. وفي قوله:
" وإذا حشر الناس ": أي إذا قامت القيامة صارت آلهتهم التي عبدوها أعداءا لهم " وكانوا بعبادتهم كافرين " يعني أن الأوثان ينطقهم الله حتى يجحدوا أن يكونوا دعوا إلى عبادتها و يكفروا بعبادة الكفار لهم. وفي قوله: " وقد خلت القرون من قبلي ": أي مضت الأمم وماتوا قبلي فما أخرجوا ولا أعيدوا، وقيل: معناه: خلت القرون على هذا المذهب ينكرون البعث " وهما يستغيثان الله " أي يستصرخان الله ويطلبان منه الغوث ليلطف له بما يؤمن عنده، ويقولان له: ويلك آمن بالقيامة وبما يقوله محمد صلى الله عليه وآله، " إن وعد الله " بالبعث والنشور والثواب والعقاب " حق فيقول " في جوابهما " ما هذا " القرآن وما تدعونني إليه " إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول " أي كلمة العذاب " في أمم " أي مع أمم مضوا على مثل حالهم واعتقادهم " ولكل " من المؤمنين والكافرين
" درجات مما عملوا " أي على مراتبهم ومقادير أعمالهم، فدرجات الأبرار في عليين، ودرجات الفجار دركات في سجين، وقيل: معناه: لكل مطيع درجات ثواب وإن تفاضلوا في مقاديرها.
وفي قوله: " ولا تستعجل لهم ": أي العذاب لأنه كائن واقع بهم عن قريب " كأنهم يوم يرون ما يوعدون " أي من العذاب في الآخرة " لم يلبثوا " في الدنيا " إلا ساعة من نهار " أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من النهار، لان ما مضى كأن لم يكن وإن كان طويلا.
وفي قوله: " ذلك " أي ذلك الرد الذي يقولون " رجع بعيد " أي رد بعيد عن الأوهام، وإعادة بعيدة عن الكون، والمعنى: أنه لا يكون ذلك لأنه غير ممكن. ثم قال سبحانه: " قد علمنا ما تنقص الأرض منهم " أي ما تأكل الأرض من لحومهم ودمائهم، وتبليه من عظامهم فلا يتعذر علينا ردهم " وعندنا كتاب حفيظ " أي حافظ لعدتهم وأسمائهم وهو اللوح المحفوظ لا يشذ عنه شئ، وقيل: " حفيظ " أي محفوظ عن البلى والدروس وهو كتاب الحفظة الذين يكتبون أعمالهم: " بل كذبوا بالحق لما جائهم " والحق هو القرآن، وقيل: هو الرسول " فهم في أمر مريج " أي مختلط، فمرة قالوا:
مجنون وتارة قالوا: ساحر، وتارة قالوا: شاعر، فتحيروا في أمره لجهلهم بحاله.
قوله: " من فروج " أي شقوق وفتوق: وقيل: معناه: ليس فيها تفاوت واختلاف. قوله تعالى: " من كل زوج بهيج " أي من كل صنف حسن المنظر. وقوله: " وحب الحصيد " أي حب البر والشعير وكل ما يحصد " والنخل باسقات " أي طويلات عاليات " لها طلع نضيد " أي نضد بعضه على بعض. وفي قوله: " أفعيينا بالخلق الأول " أي أفعجزنا حين خلقناهم أولا ولم يكونوا شيئا، فكيف نعجز عن بعثهم وإعادتهم؟ " بل هم في لبس من خلق جديد " أي بل هم في ضلال وشك من إعادة الخلق جديدا.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: " والذاريات ذروا ": يعني الرياح تذر والتراب أو غيره، أو النساء الولودات فإنهن يذرين الأولاد، أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم " فالحاملات وقرا " فالسحب الحاملة للأمطار، أو الرياح الحاملة
للسحاب، أو النساء الحوامل وأسباب ذلك " فالجاريات يسرا " فالسفن الجارية في البحر سهلا، أو الرياح الجارية في مهابها، أو الكواكب التي تجري في منازلها، ويسرا صفة مصدر محذوف أي جريا ذا يسر " فالمقسمات أمرا " فالملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أوما يعمهم وغيرها من أسباب القسمة، أو الرياح تقسم الأمطار بتصريف السحاب " إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع " جواب للقسم كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث الموعود، و " ما " موصولة أو مصدرية، والدين: الجزاء، والواقع، الحاصل " والسماء ذات الحبك " ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب، أو المعقولة التي يسلكها النظار ويتوصل بها إلى المعارف أو النجوم، فإن لها طرائق، أو أنها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي، " إنكم لفي قول مختلف " في الرسول وهو قولهم تارة: إنه شاعر، وتارة إنه ساحر، وتارة إنه مجنون، أو في القران، أو القيامة أو أمر الديانة " يؤفك عنه من افك " يصرف عن الرسول أو الايمان أو القرآن من صرف إذ لا صرف أشد منه، فكأنه لا صرف بالنسبة إليه، أو يصرف من صرف في علم الله وقضائه، ويجوز أن يكون الضمير للقول على معنى يصدر إفك من افك عن القول المختلف وبسببه " قتل الخراصون " الكذابون من أصحاب القول المختلف وأصله الدعاء بالقتل أجري مجري اللعن " الذين هم في غمرة " في جهل يغمرهم " ساهون " غافلون عما أمروا به " يسئلون أيان يوم الدين " أي فيقولون: متى يوم الجزاء؟ أي وقوعه " يوم هم على النار يفتنون " يحرقون " فإن للذين ظلموا ذنوبا " أي للذين ظلموا رسول الله صلى الله عليه وآله بالتكذيب نصيبا من العذاب " مثل ذنوب أصحابهم " مثل نصيب نظرائهم من الأمم السابقة، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء، فإن الذنوب هو الدلو العظيم المملوء " فلا يستعجلون " جواب لقولهم: " متى هذا الوعد إن كنتم صادقين " " فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون " أي من القيامة أو يوم بدر.
وقال في قوله تعالى: " والطور ": يريد طور سينين، أو ما طار من أوج الايجاد إلى حضيض المواد، أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة " وكتاب مسطور " مكتوب
والمراد به القرآن، أو ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ، أو ألواح موسى عليه السلام، أو في قلوب أوليائه من المعارف والحكم، أو ما تكتبه الحفظة " في رق منشور " الرق: الجلد الذي يكتب فيه، استعير لما كتب فيه الكتاب " والبيت المعمور " يعني الكعبة، وعمارتها بالحجاج والمجاورين، أو الضراح وهو في السماء الرابعة، وعمرانه بكثرة غاشيته من الملائكة، أو قلب المؤمن، وعمارته بالمعرفة والاخلاص " والسقف المرفوع " يعني السماء " والبحر المسجور " أي المملوء وهو المحيط أو الموقد، روي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار نارا يسجر بها جهنم، أو المختلط " إن عذاب ربك لواقع " لنازل " ماله من دافع " يدفعه، ووجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك أنها أمور تدل على كمال قدرة الله وحكمته وصدق اختياره وضبط أعمال العباد للمجازاة " يوم تمور السماء مورا " أي تضطرب، والمور تردد في المجئ والذهاب، وقيل: تحرك في تموج " تسير الجبال سيرا " أي تسير عن وجه الأرض فتصير هباءا " فويل يومئذ للمكذبين " أي إذا وقع ذلك فويل لهم " الذين هم في خوض يلعبون " أي في الخوض في الباطل، وفي قوله ": ثم يجزاه الجزاء الأوفى ": أي يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر ، فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون مصدرا وأن يكون الهاء للجزاء المدلول عليه بيجزى والجزاء بدله.
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وما أمرنا إلا واحدة ": أي وما أمرنا بمجئ الساعة في السرعة إلا كطرف البصر، والمعنى: إذا أردنا قيام الساعة أعدنا الخلق وجميع الحيوانات في قدر لمح البصر في السرعة، وقيل: معناه: وما أمرنا إذا أردنا أن نكون شيئا إلا مرة واحدة لم نحتج فيه إلى ثانية، إنما نقول له: كن فيكون " كلمح البصر " في سرعته من غير إبطاء ولا تأخير.
وفي قوله تعالى: " سنفرغ لكم إيها الثقلان ": أي سنقصد لحسابكم أيها الجن والإنس عن الزجاج، قال: والفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما القصد للشئ، والآخر الفراغ من شغل، والله لا يشغله شأن عن شأن، وقيل: معناه: سنعمل عمل من
يفرغ للعمل فيجوده من غير تضجيع فيه، وقيل: سنفرغ لكم من الوعيد بتقضي أيامكم المتوعد فيها " فشبه ذلك بمن فرغ من شئ وأخذ في آخر.
وقال البيضاوي: " إلى ميقات يوم معلوم " أي إلى ما وقت به الدنيا وحد من يوم معين عند الله معلوم له، وفي قوله: " قوما غضب الله عليهم ": يعني عامة الكفار أو اليهود " قد يئسوا من الآخرة " لكفرهم بها أو لعلمهم بأنه لاحظ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات " كما يئس الكفار من أصحاب القبور " أن يبعثوا، أو يثابوا، أو ينالهم خير منهم، وعلى الأول وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن الكفر آيسهم.
وقال الطبرسي رحمه الله: أي كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم في الآخرة حظ، وقيل: يريد بالكفار ههنا الذين يدفنون الموتى أي كما يئس الذين دفنوا الموتى منهم.
وقال في قوله: " لا اقسم بيوم القيمة ": قيل: إن " لا " زائدة ومعناه اقسم، وقيل:
إن " لا " رد على الذين أنكروا البعث والنشور فكأنه قال: لا كما تظنون، ثم ابتدأ القسم، وقيل: أي لا اقسم بيوم القيامة لظهورها بالدلائل العقلية والسمعية، أو لا اقسم بها فإنكم لا تقرون بها.
وقال البيضاوي: إدخال لاء النافية على فعل القسم للتأكيد شائع في كلامهم، " ولا اقسم بالنفس اللوامة " أي بالنفس المتقية التي تلوم النفوس المقصرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرهن، أو التي تلوم نفسها أبدا وإن اجتهدت في الطاعة، أو النفس المطمئنة اللائمة للنفس الامارة، أو بالجنس، لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة إن عملت خيرا كيف لم أزد، وإن عملت شرا قالت: ليتني كنت قصرت، أو نفس آدم فإنها لم تزل تتلوم على ما خرجت به من الجنة " أيحسب الانسان " يعني الجنس، وإسناد الفعل إليه لان فيهم من يحسب، أو الذي نزل فيه وهو عدي بن ربيعة، سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أمر القيامة فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك أو يجمع الله هذه العظام! " أن لن نجمع عظامه "
بعد تفرقها " بلى " نجمعها " قادرين على أن نسوي بنانه " نجمع سلامياته ونضم بعضها إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام، أو على أن نسوي بنانه الذي هو أطرافه فكيف بغيرها " بل يريد الانسان ليفجر أمامه " ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان " يسأل أيان يوم القيمة " متى يكون؟ استبعادا واستهزاءا.
وفي قوله تعالى: " أن يترك سدى ": أي مهملا لا يكلف ولا يجازى، وفي قوله:
" كان شره ": أي شدائده " مستطيرا " فاشيا منتشرا غاية الانتشار، من استطار الحريق والفجر وفي قوله تعالى: " والمرسلات عرفا " قال: أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن الله بأوامره متتابعة، فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكرا عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد صلى الله عليه وآله، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين، أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن أثر ذلك في جميع الأجزاء ففرقن بين الحق بذاته والباطل بنفسه، فيرون كل شئ هالكا إلا وجهه فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله، أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن، فألقين ذكرا أي تسببن له فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى ويذكر كمال قدرته، وعرفا إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للاحسان والمعروف، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال، " عذرا أو نذرا " مصدران لعذر إذا محا الإساءة، وأنذر: إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الانذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأولين بالعلية أي عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين، أو البدلية من ذكرا على أن المراد به الوحي، أو ما يعم التوحيد والشرك والايمان والكفر، وعلى الثالث بالحالية " إنما توعدون لواقع " جواب القسم، ومعناه: إن الذي توعدونه من مجئ القيامة كائن لا محالة.
وفي قوله تعالى: " عم يتسائلون: " أصله عما فحذف الألف، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه، كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه، و الضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين عنه استهزاءا " عن النبأ العظيم " بيان للشأن المفخم أو صلة يتساءلون، و عم متعلق بمضمر مفسر به " الذي هم فيه مختلفون " بجزم النفي والشك فيه، أو بالاقرار والانكار " كلا سيعلمون " ردع عن التساؤل ووعيد عليه " ثم كلا سيعلمون " تكرير للمبالغة، و " ثم " للاشعار بأن الوعيد الثاني أشد، وقيل: الأول عند النزع والثاني في القيامة، أو الأول للبعث والثاني للجزاء.
وفي قوله تعالى: " والنازعات غرقا ": هذه صفات ملائكة الموت فإنهم ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم غرقا أي إغراقا في النزع، فإنهم ينزعونها من أقاصي الأبدان أو نفوسا غرقة في الأجساد، وينشطون أي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو من البئر: إذا أخرجها، ويسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشئ من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيؤوها لادراك ما أعد لها من الآلام واللذات، أو الأوليان لهم والباقيات لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقا في النزاع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى المغرب، وتنشط من برج إلى برج أي تخرج، من نشط الثور: إذا خرج من بلد إلى بلد، ويسبحون في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فتدبر أمرا نيط بها كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات، ولما كانت حركتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمي الأولى نزعا والثانية نشطا، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقا أي نزعا شديدا من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت. وتسبح فيها فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات وتنشط إلى عالم القدس فتسبح
في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات، أو صفات أنفس الغزاة أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام، وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الاسلام إلى دار الكفر، وتسبح في جريها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر، أقسم الله بها على قيام الساعة، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه " يوم ترجف الراجفة " وهو منصوب به، والمراد بالراجفة الاجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال، لقوله:
" يوم ترجف الأرض والجبال " أو الواقعة التي ترجف الاجرام عندها وهي النفخة الأولى " تتبعها الرادفة " التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتثر، أو النفخة الثانية، والجملة في موقع الحال " قلوب يومئذ واجفة " شديدة الاضطراب من الوجيف وهي صفة لقلوب، والخبر: " أبصارها خاشعة " أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف، ولذلك أضافها إلى القلوب " يقولون أئنا لمردودون في الحافرة " في الحالة الأولى يعنون الحياة بعد الموت، من قولهم: رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه على النسبة كقوله: عيشة راضية " أئذا كنا عظاما ناخرة " أي بالية أو نخرة وهي أبلغ " قالوا تلك إذا كرة خاسرة " ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها وهو استهزاء منهم " فإنما هي زجرة واحدة " متعلق بمحذوف أي لا يستصعبوها فما هي إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية " فإذا هم بالساهرة " فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في بطنها، والساهرة الأرض البيضاء المستوية، وقيل: اسم جهنم.
وفي قوله تعالى: " يوم تبلى السرائر ": أي تتعرف وتميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الاعمال وما خبث منها " فما له " للانسان " من قوة " من منعة في نفسه يمتنع بها " ولا ناصر " يمنعه.
وفي قوله تعالى: " فما يكذبك " أي فأي شئ يكذبك يا محمد؟ دلالة أو نطقا " بعد بالدين " بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل، وقيل: " ما " بمعنى " من " وقيل: الخطاب للانسان على الالتفات، والمعنى: فما الذي يحملك على هذا التكذيب؟ " أليس الله
بأحكم الحاكين " تحقيق لما سبق، والمعنى: أليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا؟ ومن كان كذلك كان قادرا على الإعادة والجزاء، وقال:
الرجعى مصدر كالبشرى.
وفي قوله تعالى: " أفلا يعلم إذا بعثر " أي بعث " ما في القبور " من الموتى " وحصل " جمع محصلا في الصحف، أو ميز " ما في الصدور " من خير أو شر، وتخصيصه لأنه الأصل " إن ربهم بهم يومئذ " يوم القيامة " لخبير " عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم.
وفي قوله تعالى: " أرأيت ": استفهام معناه التعجب " الذي يكذب بالدين " بالجزاء أو الاسلام.
1 - أمالي الصدوق: الهمداني، عن علي: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا أراد الله عز وجل أن يبعث الخلق أمطر السماء أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم. " ص 107 " الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن أبي عمير مثله.
2 - أمالي الطوسي: المفيد، عن عبد الله بن أبي شيخ إجازة عن محمد بن أحمد الحكمي، عن عبد الرحمن بن عبد الله البصري، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق بن بشار، عن سعيد بن مينا، عن غير واحد من أصحابه أن نفرا من قريش اعترضوا الرسول صلى الله عليه وآله منهم: عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن سعيد فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الامر فإن يكن الذي نحن عليه الحق فقد أخذت بحظك منه، وإن يكن الذي أنت عليه الحق فقد أخذنا بحظنا منه، فأنزل الله تبارك وتعالى: " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما
تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد " إلى آخر السورة، ثم مشى أبي بن خلف بعظم رميم ففته في يده ثم نفخه وقال: أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد ما ترى؟! فأنزل الله تعالى " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " إلى آخر السورة.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر طويل يذكر فيه قصة بخت نصر أنه لما قتل ما قتل من بني إسرائيل خرج إرميا على حمار ومعه تين قد تزوده وشئ من عصير، فنظر إلى سباع البر وسباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال:
أنى يحيي الله هؤلاء وقد أكلتهم السباع؟ فأماته الله مكانه وهو قول الله تبارك وتعالى:
" أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أي أحياه، فلما رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت نصر رد بني إسرائيل إلى الدنيا، وكان عزير لما سلط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي إرميا ميتا مائة سنة ثم أحياه الله، فأول ما أحيا منه عينيه في مثل غرقئ البيض فنظر، فأوحى الله تعالى إليه: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما، ثم نظر إلى الشمس قد ارتفعت فقال: أو بعض يوم، فقال الله تبارك وتعالى: " بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " أي لم يتغير " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما " فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألف إلى العظام من ههنا و ههنا ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال: " أعلم أن الله على كل شئ قدير ". " ص 80 " بيان: الغرقئ كزبرج: القشرة الملتزقة ببياض البيض، أو البياض الذي يؤكل.
وقال الطبرسي رحمه الله: " أو كالذي مر " أي أو هل رأيت كالذي مر على قرية؟ وهو عزير، عن قتادة وعكرمة والسدي وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل: هو إرميا عن وهب وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: هو الخضر عن ابن إسحاق، والقرية التي مر عليها هي بيت المقدس لما خربه بخت نصر، وقيل: هي الأرض المقدسة،
وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت " وهي خاوية على عروشها " أي خالية " وقيل: خراب، وقيل: ساقطة على أبنيتها وسقوفها كأن السقوف سقطت ووقع البنيان عليها " قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها " أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها؟
وقيل: كيف يحيي الله أهلها بعد ما ماتوا؟ ولم يقل ذلك إنكارا ولا تعجبا ولا ارتيابا ولكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة " فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أي أحياه " قال كم لبثت " في التفسير أنه سمع نداءا من السماء: كم لبثت؟ يعني في مبيتك ومنامك، وقيل:
إن القائل نبي، وقيل: ملك، وقيل: بعض المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه، " قال لبثت يوما أو بعض يوم " لان الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار، فقال: يوما، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم، ثم قال: " بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " أي لم تغيره السنون، وإنما قال: لم يتسنه على الواحد لأنه أراد جنس الطعام والشراب، وقيل: أراد به الشراب لأنه أقرب، وقيل: أراد عصيرا وتينا وعنبا وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيرا وفسادا فوجد العصير حلوا والتين والعنب كما جنيا لم يتغير، " وانظر إلى حمارك " كيف تفرقت أجزاؤه وتبددت عظامه، ثم انظر كيف يحييه الله، وإنما قال ذلك له ليستدل بذلك على طول مماته " ولنجعلك آية للناس " فعلنا ذلك، وقيل: معناه:
فعلنا ذلك إجابة لك إلى ما أردت " ولنجعلك آية " أي حجة للناس في البعث " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " كيف نحييها، وبالزاي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها إلى بعض " ثم نكسوها " أي نلبسها " لحما " واختلف فيه فقيل: أراد عظام حماره، وقيل: أراد عظامه، قالوا: أول ما أحيا الله منه عينه، وهو مثل غرقئ البيض فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفرقة تجتمع إليه وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع تأتلف إلى العظام من ههنا ومن ههنا وتلتزم وتلتزق بها حتى قام وقام حماره " فلما تبين له " أي ظهر وعلم " قال أعلم " أي أيقن " أن الله على
كل شئ قدير " أي لم أقل ما قلت عن شك وارتياب، ويحتمل أنه إنما قال ذلك لأنه ازداد لما عاين وشاهد يقينا وعلما، إذ كان قبل ذلك علمه علم استدلال فصار علمه ضرورة ومعاينة انتهى.
أقول: سيأتي تفصيل هذه القصة وما سيأتي من قصة إبراهيم عليه السلام في كتاب النبوة مع سائر ما يتعلق بهما من الاخبار.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ " الآية حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أن إبراهيم عليه السلام نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكلها سباع البر وسباع البحر ثم يثب السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا، فتعجب إبراهيم فقال: " رب أرني كيف تحيي الموتى " فقال الله له: " أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم " فأخذ إبراهيم صلوات الله عليه الطاووس والديك والحمام والغراب قال الله عز وجل: " فصرهن إليك " أي قطعهن ثم اخلط لحماتهن وفرقها على كل عشرة جبال ثم خذ مناقيرهن وادعهن يأتينك سعيا، ففعل إبراهيم ذلك وفرقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال: أجيبيني بإذن الله تعالى فكانت يجتمع ويتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه وطارت إلى إبراهيم، فعند ذلك قال إبراهيم: " إن الله عزيز حكيم ". " ص 81 " بيان: يظهر من هذا الخبر وغيره من الاخبار أن إبراهيم عليه السلام أراد بهذا السؤال أن يظهر للناس جواب شبهة تمسك بها الملاحدة المنكرون للمعاد حيث قالوا:
لو أكل إنسان إنسانا وصار غذاءا له جزءا من بدنه فالاجزاء المأكولة إما أن تعاد في بدن الآكل أو في بدن المأكول، وأياما كان لا يكون أحدهما بعينه معاد بتمامه، على أنه لا أولوية لجعلها جزءا من أحدهما دون الآخر، ولا سبيل إلى جعلها جزءا من كل منهما، وأيضا إذا كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا يلزم تنعيم الاجزاء العاصية، أو تعذيب الاجزاء المطيعة.
وأجيب بأنا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره لا الحاصلة بالتغذية، فالمعاد من كل من الآكل والمأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أول الفطرة من غير لزوم فساد، ثم أوردوا على ذلك بأنه يجوز أن تصير تلك الأجزاء الأصلية في المأكول الفضلية في الآكل نطفة وأجزاءا أصلية لبدن آخر ويعود المحذور.
وأجيب بأنه لعل الله يحفظها من أن تصير جزءا لبدن آخر فضلا عن أن تصير جزءا أصليا، وتلك الأخبار تدل على أن ما في الآية الكريمة إشارة إلى هذا الكلام أي أنه تعالى يحفظ أجزاء المأكول في بدن الآكل، ويعود في الحشر إلى بدن المأكول، كما أخرج تلك الأجزاء المختلطة والأعضاء الممتزجة من تلك الطيور وميز بينها، ثم قوله تعالى: " فصرهن " قيل: هو مأخوذ من صاره يصوره: إذا أماله، ففي الكلام تقدير أي أملهن وضمهن إليك وقطعهن ثم اجعل، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن و مجاهد: صرهن إليك معناه: قطعهن، يقال: صار الشئ يصوره صورا: إذا قطعه، وظاهر قوله عليه السلام: فقطعهن أنه تفسير لقوله تعالى: " فصرهن " ويحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى فلا ينافي الأول، وأما سبب سؤال إبراهيم عليه السلام وسائر ما يتعلق بهذه القصة فسيأتي في كتاب النبوة.
5 - الإحتجاج: عن هشام بن الحكم أنه قال الزنديق للصادق عليه السلام: أنى للروح بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت؟ فعضو في بلدة تأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط! قال: إن الذي أنشأه من غير شئ وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه، قال: أوضح لي ذلك،
قال: إن الروح مقيمة في مكانها: روح المحسنين في ضياء وفسحة، وروح المسئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها فما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض فيجتمع تراب كل قالب فينقل بإذن الله تعالى إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا الخبر. " ص 192 " بيان: فتربو الأرض أي تنمو وتنتفخ يقال: ربي السويق: أي صب عليه الماء فانتفخ.
6 - الإحتجاج: عن حفص بن غياث قال: شهدت المسجد الحرام وابن أبي العوجاء يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " ما ذنب الغير؟ قال: ويحك هي هي وهي غيرها، فقال: فمثل لي ذلك شيئا من أمر الدنيا، قال: نعم، أرأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها ثم ردها في ملبنها فهي هي وهي غيرها. " ص 194 " ايضاح: يحتمل أن يكون المراد أنه يعود شخصه بعينه وإنما الاختلاف في الصفات والعوارض غير المشخصات، أو أن المادة متحدة وإن اختلفت التشخصات والعوارض وسيأتي تحقيقه.
7 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن علي بن عاصم، عن سليمان ابن داود، عن حفص بن غياث قال: كنت عند سيد الجعافرة جعفر بن محمد عليه السلام لما أقدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ملحدا فقال له، ما تقول في هذه الآية:
" كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها " هب هذه الجلود عصت فعذبت فما ذنب الغير؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: ويحك هي هي وهي غيرها، قال: أعقلني هذا القول، فقال له: أرأيت لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها ثم صب عليها الماء وجبلها ثم ردها إلى هيئتها الأولى ألم تكن هي هي وهي غيرها؟ فقال: بلى أمتع الله بك. " ص 20 "
8 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إذا أراد الله أن يبعث أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم، وقال: أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذه فأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوت بصاحبه فقال: قم بإذن الله، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول: الحمد لله والله أكبر، فقال جبرئيل: عد بإذن الله، ثم انتهى به إلى قبر آخر فقال: قم بإذن الله فخرج منه رجل مسود الوجه وهو يقول، يا حسرتاه يا ثبوراه، ثم قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت بإذن الله، فقال: يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، وهؤلاء يقولون ما ترى.
9 - الحسين بن سعيد أو النوادر: إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: أتى جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخذ بيده فأخرجه إلى البقيع فانتهى إلى قبر فصوت بصاحبه فقال: قم بإذن الله، قال: فخرج منه رجل مبيض الوجه يمسح التراب عن وجهه. وساقه مثل ما مر.
10 - قرب الإسناد: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل: يا جبرئيل أرني كيف يبعث الله تبارك وتعالى العباد يوم القيامة؟ قال نعم فخرج إلى مقبرة بني ساعدة فأتى قبرا فقال له: اخرج بإذن الله فخرج رجل ينفض رأسه من التراب وهو يقول: وا لهفاه - واللهف: هو الثبور - ثم قال:
ادخل فدخل، ثم قصد به إلى قبر آخر فقال: اخرج بإذن الله فخرج شاب ينفض رأسه من التراب وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ثم قال هكذا يبعثون يوم القيامة يا محمد. " ص 28 "
11 - الخصال: الخليل بن أحمد، عن محمد بن إسحاق، عن علي بن حجر، عن شريك، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن خراش، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر " ج 1 ص 93 "
12 - علل الشرائع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب قال: حدثني أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثم رأى آخر فدعا عليه فمات، حتى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم دعوتك مجابة فلا تدعو على عبادي فإني لو شئت لم أخلقهم، اني خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: عبدا يعبدني لا يشرك بي شيئا فأثيبه، وعبدا يعبد غيري فلن يفوتني، وعبدا يعبد غيري فاخرج من صلبه من يعبدني، ثم التفت فرأى جيفة على ساحل البحر بعضها في الماء وبعضها في البر تجئ سباع البحر فتأكل ما في الماء ثم ترجع، فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا، وتجئ سباع البر فتأكل منها فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا، فعند ذلك تعجب إبراهيم عليه السلام مما رأى، وقال: يا رب أرني كيف تحيي الموتى؟ هذه أمم يأكل بعضها بعضا، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي - يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها - قال: خذ أربعة من الطير فقطعهن وأخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكل بعضها بعضا فخلط ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، فلما دعاهن أجبنه وكانت الجبال عشرة، قال: وكانت الطيور: الديك والحمامة والطاووس و الغراب. " ص 195 " الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز مثله إلى قوله: وكانت الجبال عشرة.
بيان: في الكافي: " وقال رب أرني كيف تحيي الموتى " قال: كيف تخرج ما تناسل الذي أكل بعضها بعضا؟ فيكون إشارة إلى انعقاد النطفة من أجزاء بدن آخر وتولد شخص آخر من النطفة كما أشرنا إليه سابقا.
13 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر صلوات الله عليه قال: كان فيما وعظ به لقمان عليه السلام ابنه أن قال: يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك، فإنك إذا فكرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك، وإنما النوم بمنزلة الموت، وإنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت.
14 - المحاسن: علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: عجبت للمتكبر الفخور كان أمس نطفة وهو غدا جيفة! والعجب كل العجب لمن شك في الله وهو يرى الخلق! والعجب كل العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كل يوم وليلة! والعجب كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى الأولى! والعجب كل العجب لعامر دار الفناء ويترك دار البقاء. " ص 242 "
15 - المحاسن: أبان، عن ابن سيابة، عن أبي النعمان، عن أبي جعفر عليه السلام مثله " ص 242 " أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام مثله. " ص 60 "
16 - تفسير العياشي: عن ابن معمر، عن علي عليه السلام في قوله: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ": يقول: يوقنون أنهم مبعوثون، والظن منهم يقين.
17 - تفسير العياشي: عن ابن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض " يعني يوم القيامة.
18 - تفسير العياشي: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء أبي بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففته، ثم قال: يا محمد إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون؟
فأنزل الله: " من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ".
19 - تفسير الإمام العسكري: قال عليه السلام في قصة ذبح البقرة: فأخذوا قطعة وهي عجب الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا أريد خلقا جديد فضربوه بها .
20 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تنوقوا في الأكفان فإنكم تبعثون بها. " ف ج 1 ص 41 ".
21 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها، فإنها لا تبلى، تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة. " ف ج 1 ص 69 " توضيح: مستديرة أي بهيئة الاستدارة، أو متبدلة متغيرة في أحوال مختلفة ككونها رميما وترابا وغير ذلك فهي محفوظة في كل الأحوال، وهذا يؤيد ما ذكره المتكلمون من أن تشخص الانسان إنما هو بالاجزاء الأصلية ولا مدخل لسائر الاجزاء والعوارض فيه.
22 - في تفسير النعماني فيما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: وأما احتجاجه على الملحدين في دينه وكتابه ورسله فإن الملحدين أقروا بالموت ولم يقروا بالخالق، فأقروا بأنهم لم يكونوا ثم كانوا، قال الله تعالى: " ق والقرآن المجيد " إلى قوله:
" بعيد " وكقوله عز وجل: " وضرب لنا مثلا " إلى قوله: " أول مرة " ومثله قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير كتب عليه أنه من توليه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير " فرد الله تعالى عليهم ما يدلهم على صفة
ابتداء خلقهم وأول نشئهم: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث " إلى قوله:
" لكيلا يعلم بعد علم شيئا " فأقام سبحانه على الملحدين الدليل عليهم من أنفسهم، ثم قال مخبرا لهم: " وترى الأرض هامدة " إلى قوله: " وإن الله يبعث من في القبور " وقال سبحانه: " وهو الذي يرسل الرياح " إلى قوله: " وكذلك النشور " فهذا مثال أقام الله عز وجل لهم به الحجة في إثبات البعث والنشور بعد الموت، وأما الرد على الدهرية الذين يزعمون أن الدهر لم يزل أبدا على حال واحدة وأنه ما من خالق ولا مدبر ولا صانع ولا بعث ولا نشور قال تعالى حكاية لقولهم: " وقالوا ما هي إلا حيوتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم وقالوا أئذا كنا عظاما و رفتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا " إلى قوله: " أول مرة " ومثل هذا في القرآن كثير، وذلك على من كان في حياة رسول الله صلى الله إليه وآله يقول هذه المقالة، ومن أظهر له الايمان وأبطن الكفر والشرك وبقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا سبب هلاك الأمة فرد الله تعالى بقوله: " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث " الآية، وقوله:
" وترى الأرض هامدة " الآية، وما جرى مجرى ذلك في القرآن، وقوله سبحانه في سورة " ق " كما مر فهذا كله رد على الدهرية والملاحدة ممن أنكر البعث والنشور.
" ص
40 - 46 " تفسير علي بن إبراهيم: وأما ما هو رد على الدهرية وذكر نحوا مما سبق. " ص 17 "
23 - تفسير علي بن إبراهيم: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون " فإن الظن في كتاب الله على وجهين فمنه ظن يقين، ومنه ظن شك، ففي هذا الموضع الظن يقين " ص 39 "
24 - تفسير علي بن إبراهيم: " إن الذين لا يرجون لقائنا " أي لا يؤمنون به. " ص 284 "
25 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله تعالى: " وهو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " و
هو المرخ والعفار يكون في ناحية بلاد العرب فإذا أرادوا أن يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر، ثم أخذوا عودا فحركوه فيه فاستوقدوا منه النار. قوله: " داخرون " أي مطروحون في النار. قوله: " هذا يوم الدين " يعني يوم الحساب والمجازاة. قوله:
" يمارون في الساعة " يخاصمون. " ص 554، 601 ".
26 - تفسير علي بن إبراهيم: " ق " جبل محيط بالدنيا وراء يأجوج ومأجوج، وهو قسم " بل عجبوا " يعني قريشا " أن جائهم منذر منهم " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " فقال الكافرون هذا شئ عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " قال: نزلت في أبي بن خلف قال لأبي جهل: تعال إلي لأعجبك من محمد، ثم أخذ عظما ففته ثم قال: يزعم محمد أن هذا يحيا فقال الله: " بل كذبوا بالحق لما جائهم فهم في أمر مريج " يعني مختلف، ثم احتج عليهم وضرب للبعث والنشور مثلا فقال: " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم " إلى قوله:
" بهيج " أي حسن: قوله: " وحب الحصيد " قال: كل حب يحصد " والنخل باسقات " أي مرتفعات " لها طلع نضيد " يعني بعضه على بعض " كذلك الخروج " جواب لقولهم:
" أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " فقال الله: كما أن الماء إذا أنزلناه من السماء فيخرج النبات كذلك أنتم تخرجون من الأرض. " ص 643 "
27 - تفسير علي بن إبراهيم: " والمرسلات عرفا " قال: آيات يتبع بعضها بعضا " فالعاصفات عصفا " قال: القبر " والناشرات نشرا " قال: نشر الأموات، " فالفارقات فرقا " قال:
الدابة، " فالملقيات ذكرا " قال: الملائكة " عذرا أو نذرا " أي اعذركم وانذركم بما أقول، وهو قسم وجوابه " إن ما توعدون لواقع " " ص 708 " بيان: قوله: القبر لعل المعنى أن المراد بها آيات القبر وأهوالها والملائكة
السائلون فيها، كما ورد أنهم يأتون كالريح العاصف، كما أن المراد بما بعده أنه لبيان نشر الأموات، فالناشرات: الملائكة الموكلون بالنشر، والدابة المراد بها دابة الأرض يفرق بين المؤمن والكافر، ولعل المعنى أنها من الفارقات.
28 - تفسير علي بن إبراهيم: " والنازعات غرقا " قال: نزع الروح " والناشطات نشطا " قال:
الكفار ينشطون في الدنيا " والسابحات سبحا " قال: المؤمنون الذين يسبحون الله، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " فالسابقات سبقا " يعني أرواح المؤمنين سبق أرواحهم إلى الجنة بمثل الدنيا، وأرواح الكافرين إلى النار بمثل ذلك.
وقال علي بن إبراهيم في قوله: " يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ": قال:
تنشق الأرض بأهلها، والرادفة: الصيحة، " قلوب يومئذ واجفة " أي خائفة، " يقولون أئنا لمردودون في الحافرة " قال: قالت قريش: أنرجع بعد الموت إذا كنا عظاما نخرة؟ أي بالية، " تلك إذا كرة خاسرة " قال: قالوا هذا على حد الاستهزاء فقال الله: " فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة " قال: الزجرة: النفخة الثانية في الصور، والساهرة: موضع بالشام عند بيت المقدس وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " أئنا لمردودون في الحافرة " يقول: أي في خلق جديد، وأما قوله: " فإذا هم بالساهرة " الساهرة: الأرض كانوا في القبور فلما سمعوا الزجرة خرجوا من قبورهم فاستووا على الأرض. " ص 710 " بيان: قال الفيروزآبادي: سبح كمنع سبحانا وسبح تسبيحا قال: سبحان الله.
29 - تفسير علي بن إبراهيم: " إنه على رجعه لقادر " كما خلقه من نطفة يقدر أن يرده إلى الدنيا وإلى القيامة " يوم تبلى السرائر " قال: يكشف عنها، حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن أبي بصير في قوله: " فما له من قوة ولا ناصر " قال: ما له قوة يقوي بها على خالقه، ولا ناصر من الله ينصره إن أراد به سوءا. " ص
720 - 721 "
30 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: بالموت تختم الدنيا، والدنيا تحرز الآخرة، وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين، وتبرز الجحيم للغاوين، وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى - إلى قوله -: قد شخصوا من مستقر الأجداث وصاروا إلى مصائر الغايات، لكل دار أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها.
العقائد: اعتقادنا في البعث بعد الموت أنه حق.
31 - وقال النبي صلى الله عليه وآله: يا بني عبد المطلب أن الرائد لا يكذب أهله، والذي بعثني بالحق لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار، وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عز وجل كخلق نفس واحدة وبعثها، قال الله تعالى: " وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ".
تذنيب: اعلم أن القول بالمعاد الجسماني مما اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج عن عداد المسلمين، والآيات الكريمة في ذلك ناصة لا يعقل تأويلها، والاخبار فيه متواترة لا يمكن ردها ولا الطعن فيها، وقد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسكا بامتناع إعادة المعدوم ولم يقيموا دليلا عليه، بل تمسكوا تارة بادعاء البداهة، وأخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على من نظر فيها بعين البصيرة واليقين وترك تقليد الملحدين من المتفلسفين قال الرازي في كتاب نهاية العقول: قد عرفت أن من الناس من أثبت النفس الناطقة فلا جرم اختلف أقوال أهل العالم في أمر المعاد
على وجوه أربعة: أحدها قول من قال: إن المعاد ليس إلا للنفس، وهذا مذهب الجمهور من الفلاسفة، وثانيها: قول من قال: المعاد ليس إلا لهذا البدن، وهذا قول نفاة النفس الناطقة وهم أكثر أهل الاسلام، وثالثها: قول من أثبت المعاد للامرين وهم طائفة كثيرة من المسلمين مع أكثر النصارى، ورابعها: قول من نفى المعاد عن الامرين، ولا أعرف عاقلا ذهب إليه، بلى كان جالينوس من المتوقفين في أمر المعاد: وغرضنا إثبات المعاد البدني، وللناس فيه قولان: أحدهما أن الله تعالى يعدم أجزاء الخلق ثم يعيدها، وثانيهما أنه تعالى يميتهم ويفرق أجزاءهم، ثم إنه تعالى يجمعها ويرد الحياة إليها، ثم قال:
والدليل على جواز الإعادة في الجملة أنا قد دللنا فيما مضى أن الله تعالى قادر على كل الممكنات، عالم بكل المعلومات من الجزئيات والكليات، والعلم بهذه الأصول لا يتوقف على العلم بصحة المعاد البدني، وإذا كان كذلك أمكن الاستدلال بالسمع على صحة المعاد، لكنا نعلم باضطرار إجماع الأنبياء صلوات الله عليهم من أولهم إلى آخرهم على إثبات المعاد البدني فوجب القطع بوجود هذا المعاد.
وقال العلامة رحمه الله في شرح الياقوت: اتفق المسلمون على إعادة الأجساد خلافا للفلاسفة، واعلم أن الإعادة تقال بمعنيين: أحدهما جمع الاجزاء وتأليفها بعد تفرقها وانفصالها، والثاني إيجادها بعد إعدامها،، وأما الثاني فقد اختلف الناس فيه واختار المصنف جوازه أيضا.
وقال العلامة الدواني في شرحه على العقائد العضدية: والمعاد - أي الجسماني فإنه المتبادر عن إطلاق أهل الشرع، إذ هو الذي يجب الاعتقاد به، ويكفر من أنكره - حق بإجماع أهل الملل الثلاثة، وشهادة نصوص القرآن في المواضع المتعددة، بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى: " أولم ير الانسان: إلى قوله: " بكل خلق عليم " قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بن خلف خاصم رسوله الله صلى الله عليه وآله وأتاه بعظم قد رم وبلي ففته بيده وقال: يا محمد أترى الله يحيي هذه بعد ما رم؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم ويبعثك ويدخلك النار، وهذا مما يقلع عرق التأويل بالكلية، ولذلك قال الامام: الانصاف
أنه لا يمكن الجمع بين الايمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وبين إنكار الحشر الجسماني قلت:
ولا الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقوله الفلاسفة وبين الحشر الجسماني لان النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فيستدعي حشرها جميعا أبدانا غير متناهية، وأمكنة غير متناهية وقد ثبت تناهي الابعاد بالبرهان وباعترافهم، يحشر الأجساد ويعاد فيها الأرواح بإعادة البدن المعدوم بعينه عند المتكلمين بل أكثرهم، وبأن تجمع أجزاؤه المتفرقة كما كانت أولا عند بعضهم، وهم الذين ينكرون جواز إعادة المعدوم موافقة للفلاسفة، وإذا استحال إعادة المعدوم تعين الوجه الثاني وهو أن يكون بجمع الاجزاء المتفرقة وتأليفها كما كانت أولا.
لا يقال: لو ثبت استحالة إعادة المعدوم لزم بطلان الوجه الثاني أيضا لان أجزاء بدن الشخص كبدن زيد مثلا وإن لم يكن له جزء صوري لا يكون بدن زيد إلا بشرط اجتماع خاص وشكل معين، فإذا تفرقت أجزاؤه وانتفى الاجتماع والشكل المعينان لم يبق بدن زيد، ثم إذا أعيد فإما أن يعاد ذلك الاجتماع والشكل بعينهما أولا، وعلى الأول يلزم إعادة المعدوم، وعلى الثاني لا يكون المعاد بعينه هو البدن الأول بل مثله، وحينئذ يكون تناسخا، ومن ثم قيل: ما من مذهب إلا وللتناسخ فيه قدم راسخ.
لأنا نقول: إنما يلزم التناسخ إذا لم يكن البدن المحشور مؤلفا من الأجزاء الأصلية للبدن الأول، أما إذا كان كذلك فلا يستحيل إعادة الروح إليه، وليس ذلك من التناسخ، وإن سمي ذلك تناسخا كان مجرد اصطلاح، فإن الذي دل على استحالته تعلق نفس زيد ببدن آخر لا يكون مخلوقا من أجزاء بدنه، وأما تعلقه بالبدن المؤلف من أجزائه الأصلية بعينها مع تشكلها بشكل مثل الشكل السابق فهو الذي نعنيه بالحشر الجسماني، وكون الشكل والاجتماع غير السابق لا يقدح في المقصود وهو حشر الأشخاص الانسانية بأعيانها، فإن زيدا مثلا شخص واحد محفوظ وحدته الشخصية من أول عمره إلى آخره بحسب العرف والشرع ولذلك يؤاخذ شرعا وعرفا بعد التبدل بما لزمه قبل، وكما لا يتوهم أن في ذلك تناسخا لا ينبغي أن يتوهم في هذه الصورة أيضا، وإن كان الشكل مخالفا للشكل الأول كما ورد في
الحديث أنه قال: يحشر المتكبرون كأمثال الذر، وإن ضرس الكافر مثل أحد، وإن أهل الجنة جرد مرد مكحولون، والحاصل أن المعاد الجسماني عبارة عن عود النفس إلى بدن هو ذلك البدن بحسب الشرع والعرف، ومثل هذه التبدلات والمغايرات التي لا تقدح في الوحدة بحسب الشرع والعرف لا تقدح في كون المحشور هو المبدأ فافهم.
واعلم أن المعاد الجسماني مما يجب الاعتقاد به ويكفر منكره، أما المعاد الروحاني أعني التذاذ النفس بعد المفارقة وتألمها باللذات والآلام العقلية فلا يتعلق التكليف باعتقاده ولا يكفر منكره ولا منع شرعا ولا عقلا من إثباته، قال الامام في بعض تصانيفه:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.