بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 2 نفخ الصور وفناء الدنيا وأن كل نفس تذوق الموت الآيات، آل
ج ۶، ص ۳۱۵–۳۳۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
الكهف " 18 " وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا 99.
طه " 20 " يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا 102.
الأنبياء " 21 " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون 35.
المؤمنون " 23 " ثم إنكم بعد ذلك لميتون 15 " وقال تعالى ": فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسائلون 101.
النمل " 27 " ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين * وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون
87 - 88.
العنكبوت " 29 " كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون 57.
يس " 36 " ويقولون متى هذا لوعد إن كنتم صادقين * ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون * و نفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون * قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون * فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون
48 - 54.
ص " 38 " وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق 15. الزمر: " 39 " إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون
30 - 31 " وقال تعالى ": وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون * ونفخ في الصور
فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيئ بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون
67 - 70.
ق " 50 " ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق و شهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
20 - 22 " وقال ": واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير
41 - 44.
الرحمن " 55 " كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام
26 - 27.
المدثر " 74 " فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير
8 - 10.
تفسير: قال البيضاوي: " إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة " بالموت والاستيصال " أو معذبوها عذابا شديدا " بالقتل وأنواع البلية " كان ذلك في الكتاب " في اللوح المحفوظ " مسطورا " مكتوبا.
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ونفخ في الصور ": اختلف في الصور فقيل:
هو قرن ينفخ فيه، وقيل: هو جمع صورة فإن الله يصور الخلق في القبور كما صورهم في أرحام الأمهات، ثم ينفخ فيهم الأرواح كما نفخ وهم في أرحام أمهاتهم، وقيل:
إنه ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق التي يصعق من في السماوات والأرض بها فيموتون، والثالثة نفخة القيام لرب
العالمين فيحشر الناس بها من قبورهم " فجمعناهم جمعا " أي حشرنا الخلق كلهم يوم القيامة في صعيد واحد.
وفي قوله تعالى: " أفإن مت ": أي على ما يتوقعونه وينتظرونه " فهم الخالدون " أي إنهم يخلدون بعدك يعني مشركي مكة حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون.
وفي قوله تعالى: " فإذا نفخ في الصور ": قيل: إن المراد به نفخة الصعق عن ابن عباس، وقيل: نفخة البعث عن ابن مسعود، والصور جمع صورة عن الحسن، وقيل:
قرن ينفخ فيه إسرافيل بالصوت العظيم الهائل على ما وصفه الله تعالى علامة لوقت إعادة الخلق عن أكثر المفسرين. " فلا أنساب بينهم يومئذ " أي لا يتواصلون بالأنساب ولا يتعاطفون بها مع معرفة بعضهم بعضا، أي لا يرحم قريب قريبه لشغله عنه، وقيل: معناه: لا يتفاخرون بالأنساب، والمعنى: أنه لا يفضل بعضهم بعضا يومئذ بنسب، وإنما يتفاضلون بأعمالهم، وقال النبي صلى الله عليه وآله: كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي " ولا يتسائلون " أي ولا يسأل بعضهم بعضا عن حاله وخبره كما كانوا يسألون في الدنيا لشغل كل واحد بنفسه، وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه ذنبه، ولا تنافي بينها وبين قوله: " فأقبل بعضهم على بعض يتسائلون " لان للقيامة أحوالا ومواطن فمنها: حال يشغلهم عظم الامر فيها عن المسألة، ومنها: حال يلتفتون فيها فيتساءلون، وهذا معنى قول ابن عباس لما سئل عن الآيتين فقال: هذه تارات يوم القيامة. وقيل: إنما يتساءلون بعد دخول الجنة.
وفي قوله تعالى: " ففزع من في السماوات ومن في الأرض " أي ماتوا لشدة الخوف والفزع كما قال: " فصعق من في السماوات " وقيل: هي ثلاث نفخات كما مر " إلا من شاء الله " من الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم وهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل: هم الشهداء فإنهم لا يفزعون في ذلك اليوم، روي ذلك في خبر مرفوع " وكل " من الاحياء الذين ماتوا ثم أحيوا " أتوه " أي يأتونه في المحشر " داخرين " أي أذلاء صاغرين " وترى الجبال تحسبها جامدة " أي واقفة مكانها لا تسير ولا تتحرك في مرأى
العين " وهي تمر مر السحاب " أي تسير سيرا حثيثا سير السحاب، والمعنى: أنك لا ترى سيرها لبعد أطرافها كما لا ترى سير السحاب إذا انبسط لبعد أطرافه، وذلك إذا أزيلت الجبال عن أماكنها للتلاشي " صنع الله " أي صنع الله ذلك صنعا " الذي أتقن كل شئ " أي خلق كل شئ على وجه الاتقان.
وفي قوله: " ما ينظرون " أي ما ينتظرون " إلا صيحة واحدة " يريد النفخة الأولى يعني أن القيامة تأتيهم بغتة " تأخذهم " الصيحة " وهم يخصمون " أي يختصمون في أمورهم، ويتبايعون في الأسواق، وفي الحديث: تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم، والرجل يرفع اكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم، وقيل: وهم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا؟ " فلا يستطيعون توصية " يعني أن الساعة إذا أخذتهم بغتة لم يقدروا على الايصاء بشئ " ولا إلى أهلهم يرجعون " أي ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق، وهذا إخبار عما يلقونه في النفخة الأولى عند قيام الساعة، ثم أخبر سبحانه عن النفخة الثانية فقال: " ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث " وهي القبور " إلى ربهم " أي إلى الموضع الذي يحكم الله فيه لا حكم لغيره هناك " ينسلون " أي يخرجون سراعا فلما رأوا أهوال القيامة " قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا " أي من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياما؟ ثم يقولون: " هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " فيما أخبرونا عن هذا المقام، وهذا البعث. قال قتادة: أول الآية للكافرين وآخرها للمسلمين، قيل: إنهم لما عاينوا أهوال القيامة عدوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة إلى تلك رقادا، قال قتادة: هي النومة بين النفختين لا يفتر عذاب القبر إلا فيما بينهما فيرقدون، ثم أخبر سبحانه عن سرعة بعثهم فقال: " إن كانت إلا صيحة واحدة " أي لم تكن المدة إلا مدة صيحة واحدة " فإذا هم جميع لدينا محضرون " أي فإذا الأولون والآخرون مجموعون في عرصات القيامة " فاليوم لا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص من له حق شيئا من حقه من الثواب أو غير ذلك، ولا يفعل به ما لا يستحقه من العذاب، بل
الأمور جارية على مقتضى العدل وذلك قوله: " ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ".
وفي قوله: " ما لها من فواق " أي لا يكون لتلك الصيحة إفاقة بالرجوع إلى الدنيا، وقيل: معناه: مالها مثنوية أي صرف ورد، وقيل: مالها من فتور كما يفتر المريض.
وفي قوله تعالى: " وما قدروا الله حق قدره " أي ما عظموا الله حق عظمته " والأرض جميعا قبضته يوم القيمة " القبضة في اللغة: ما قبضت عليه بجميع كفك، أخبر الله سبحانه عن كمال قدرته فذكر أن الأرض كلها مع عظمها في مقدوره كالشئ الذي يقبض عليه القابض بكفه فيكون في قبضته، وهذا تفهيم لنا على عادة التخاطب فيما بيننا لأنا نقول: هذا في قبضة فلان وفي يد فلان إذا هان عليه التصرف فيه وإن لم يقبض عليه، وكذا قوله: " والسماوات مطويات بيمينه " أي يطويها بقدرته كما يطوي أحد منا الشئ المقدور له طيه بيمينه، وذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك، كما قال تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم " وقيل: معناه إنها محفوظات مصونات بقوته، واليمين: القوة " سبحانه وتعالى عما يشركون " أي عما يضيفونه إليه من الشبيه والمثل " ونفخ في الصور " وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل، ووجه الحكمة في ذلك أنها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف فشبه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول " فصعق من في السماوات والأرض " أي يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السماوات والأرض، يقال: صعق فلان:
إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة " إلا من شاء الله " قيل: هم جبرئيل و ميكائيل وإسرافيل وملك الموت وهو المروي، وقيل: هم الشهداء " ثم نفخ فيه أخرى " يعني نفخة البعث وهي النفخة الثانية، قال قتادة في حديث رفعه: إن ما بين النفختين أربعين سنة، وقيل: إن الله تعالى يفني الأجسام كلها بعد الصعق وموت الخلق ثم يعيدها " فإذا هم قيام " إخبار عن سرعة إيجادهم لأنه سبحانه إذا نفخ الثانية أعادهم عقيب ذلك، فيقومون من قبورهم أحياءا " ينظرون " أي ينتظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به " وأشرقت الأرض بنور ربها " أي أضاءت الأرض بعدل ربها يوم القيامة لان نور
الأرض بالعدل، وقيل: بنور يخلقه الله عز وجل يضئ به الأرض يوم القيامة من غير شمس ولا قمر " ووضع الكتاب " أي كتب الاعمال التي كتبتها الملائكة على بني آدم توضع في أيديهم ليقرؤوا منها أعمالهم " وجيئ بالنبيين والشهداء " هم الذين يشهدون للأنبياء على الأمم بأنهم قد بلغوا، وأن الا مم قد كذبوا، وقيل: هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وقيل: هم عدول الآخرة يشهدون على الأمم بما شاهدوا، وقيل: هم الحفظة من الملائكة، وقيل: هم جميع الشهداء من الجوارح والمكان والزمان وهي قوله تعالى: " ذلك يوم الوعيد " أي ذلك اليوم يوم وقوع الوعيد الذي خوف الله به عباده.
" وجاءت كل نفس " أي تجئ كل نفس من المكلفين في يوم الوعيد " ومعها سائق " من الملائكة يسوقها أي يحثها على السير إلى الحساب " وشهيد " من الملائكة يشهد عليها بما يعلم من حالها وشاهد بما كتبه لها وعليها، فلا يجدوا إلى الهرب ولا إلى الجحود سبيلا، وقيل: السائق من الملائكة، والشهيد الجوارح تشهد عليه " لقد كنت في غفلة " أي يقال له: لقد كنت في سهو ونسيان من هذا اليوم في الدنيا " فكشفنا عنك غطاءك " الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك حتى ظهر لك الامر " فبصرك اليوم حديد " أي فعينك اليوم حادة النظر لا يدخل عليها شك ولا شبهة، وقيل: معناه:
فعلمك بما كنت فيه من أحوال الدنيا نافذ، ولا يراد به بصر العين كما يقال: فلان بصير بالنجوم والفقه.
وفي قوله تعالى: " واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب " أي اصغ إلى النداء وتوقعه يعني صيحة يوم القيامة والبعث والنشور، ينادي به المنادي وهي النفخة الثانية ويجوز أن يكون المراد: واستمع ذكر حالهم يوم ينادي المنادي، وقيل: إنه ينادي مناد من صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة قومي لفصل القضاء وما أعد الله لك من الجزاء، وقيل: إن المنادي إسرافيل عليه السلام يقول:
يا معشر الخلائق قوموا للحساب عن مقاتل، وإنما قال: " من مكان قريب " لأنه يسمعه الخلائق كلهم على حد واحد فلا يخفى على أحد قريب ولا بعيد فكأنهم نودوا من مكان يقرب منهم " يوم يسمعون الصيحة بالحق " الصيحة المرة الواحدة من الصوت
الشديد، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية، وقوله: " بالحق " أي بالبعث، وقيل: يعني إنها كائنة حقا " ذلك يوم الخروج " من القبور إلى أرض الموقف، وقيل: هو اسم من أسماء القيامة " إنا نحن نحيي ونميت " أخبر سبحانه عن نفسه أنه هو الذي يحيي الخلق بعد أن كانوا جمادا أمواتا، ثم يمتيهم بعد أن كانوا أحياءا، ثم يحييهم يوم القيامة، وهو قوله: " وإلينا المصير " " يوم تشقق " أي تتشقق " الأرض عنهم " وتتصدع فيخرجون منها " سراعا " يسرعون إلى الداعي بلا تأخير " ذلك حشر " الحشر: الجمع بالسوق من كل جهة " علينا يسير " أي سهل علينا غير شاق مع تباعد ديارهم وقبورهم.
وفي قوله تعالى: " كل من عليها فان " أي كل من على الأرض من حيوان فهو هالك يفنون، ويخرجون من الوجود إلى العدم " ويبقى وجه ربك " أي ويبقى ربك الظاهر بالأدلة ظهور الانسان بوجهه " ذو الجلال " أي ذو العظمة والكبرياء واستحقاق الحمد والمدح " والاكرام " يكرم أنبياءه وأولياءه بألطافه.
وفي قوله تعالى: " فإذا نقر في الناقور " معناه: إذا نفخ في الصور هي كهيئة البوق، وقيل: إن ذلك في النفخة الأولى وهو أول الشدة الهائلة العامة، وقيل: النفخة الثانية، وعندها يحيي الله الخلق وتقوم القيامة، وهي صيحة الساعة " فذلك يومئذ يوم عسير " أي شديد على الكافرين لنعم الله، الجاحدين لآياته " غير يسير " غير هين، وهو بمعنى قوله: عسير، إلا أنه أعاده بلفظ آخر للتأكيد، وقيل: معناه: عسير في نفسه غير عسير على المؤمنين لما يرون من حسن العاقبة.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين " إلى قوله:
" يخصمون " قال: ذلك في آخر الزمان يصاح فيهم صيحة وهم في أسواقهم يتخاصمون فيموتون كلهم في مكانهم لا يرجع أحد منهم إلى منزله، ولا يوصي بوصية، وذلك قوله:
" فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ".
قال علي بن إبراهيم: ثم ذكر النفخة الثانية فقال: " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ". " ص
551 - 552 "
2 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " فإنه حدثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن ثوير بن أبي فاختة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: سئل عن النفختين كم بينهما؟ قال: ما شاء الله، فقيل له:
فأخبرني يا بن رسول الله كيف ينفخ فيه؟ فقال: أما النفخة الأولى فإن الله يأمر إسرافيل فيهبط إلى الدنيا ومعه صور، وللصور رأس واحد وطرفان، وبين طرف كل رأس منهما ما بين السماء والأرض، قال: فإذا رأت الملائكة إسرافيل وقد هبط إلى الدنيا ومعه الصور قالوا: قد أذن الله في موت أهل الأرض وفي موت أهل السماء، قال: فيهبط إسرافيل بحظيرة بيت المقدس ويستقبل الكعبة، فإذا رأوا أهل الأرض قالوا:
أذن الله في موت أهل الأرض، قال: فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق ومات، ويخرج الصوت من إسرافيل، قال: فيقول الله لإسرافيل: يا إسرافيل مت، فيموت إسرافيل، فيمكثون في ذلك ما شاء الله، ثم يأمر الله السماوات فتمور، ويأمر الجبال فتسير، وهو قوله: " يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا " يعني تبسط، و " تبدل الأرض غير الأرض " يعني بأرض لم يكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها الجبال ولا نبات، كما دحاها أول مرة، ويعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة مستقلا بعظمته وقدرته، قال: فعند ذلك ينادي الجبار جل جلاله بصوت جهوري يسمع أقطار السماوات والأرضين: " لمن الملك
اليوم "؟ فلا يجيبه مجيب، فعند ذلك ينادي الجبار جل جلاله مجيبا لنفسه: " لله الواحد القهار " وأنا قهرت الخلائق كلهم وأمتهم، إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي ولا وزير، وأنا خلقت خلقي بيدي وأنا أمتهم بمشيتي، وأنا أحييهم بقدرتي، قال: فنفخ الجبار نفخة في الصور يخرج الصوت من أحد الطرفين الذي يلي السماوات فلا يبقى في السماوات أحد إلا حي وقام كما كان، ويعود حملة العرش، ويحضر الجنة والنار، ويحشر الخلائق للحساب، قال: فرأيت علي بن الحسين صلوات الله عليهما يبكي عند ذلك بكاءا شديدا. " ص
580 - 581 " بيان: قوله عليه السلام: مستقلا بعظمته أي بلا حامل. والجهوري: العالي.
أقول: سئل عن المفيد رحمه الله في المسائل السروية عن قوله تعالى: " لمن الملك اليوم " إن هذا خطاب منه لمعدوم لأنه يقوله عند فناء الخلق ثم يجيب نفسه فيقول:
" لله الواحد القهار " وكلام المعدوم سفه لا يقع من حكيم، وجوابه عن سؤاله لمعدوم أو تقريره إياه خلاف الحكمة في المعقول، فأجاب المفيد رحمه الله: بأن الآية غير متضمنة للخبر عن خطاب معدوم، وهو قوله عز وجل: " لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ " ويوم التلاق هو يوم المحشر عند التقاء الأرواح والأجساد، وتلاقي الخلق بالاجتماع في صعيد واحد، وقوله: " يوم هم بارزون " تأكيد لذلك، إذ كان البروز لا يكون إلا لموجود، ثم ليس في الآية أن الله هو القائل لذلك فيحتمل أن يكون القائل ملكا امر بالنداء فأجابه أهل الموقف، ويحتمل أن يكون الله تعالى هو القائل مقررا غير مستخبر والمجيبون هم البشر المبعوثون، أو الملائكة الحاضرون، ووجه آخر وهو أن قوله: " لمن الملك " يفيد وقوعه في حال إنزال الآية دون المستقبل ألا ترى إلى قوله: " لتنذر يوم التلاق " الآية، فكان: قوله: " لمن الملك اليوم " تنبيها على أن الملك لله تعالى وحده يومئذ ، ولم يقصد به إلى تقرير والا استخبار، وقوه تعالى: " لله الواحد القهار " تأكيد للتنبيه والدلالة على تفرده تعالى بالملك دون من سواه انتهى.
أقول: هذه الأخبار دافعة لتلك الاحتمالات، والشبهة مندفعة بأن الخطاب قد يصدر من الحكيم من غير أن يكون الغرض إفهام المخاطب أو استعلام شئ، بل لحكمة أخرى كما هو الشائع بين العرب من خطاب التلال والأماكن والمواضع، لاظهار الشوق أو الحزن، أو غير ذلك، فلعل الحكمة ههنا اللطف للمتكلفين من حيث الاخبار به قبل وقوعه ليكون أدعى لهم إلى ترك الدنيا وعدم الاغترار بملكها ودولاتها، وإلى العلم بتفرد الصانع بالتدبير وغير ذلك من المصالح للمكلفين.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن زيد النرسي، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
إذا أمات الله أهل الأرض لبث كمثل ما خلق الخلق، ومثل ما أماتهم وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الدنيا ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الثانية ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والسماء الثانية وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الثالثة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة وأضعاف ذلك، في كل سماء مثل ذلك وأضعاف ذلك، ثم أمات ميكائيل ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك، ثم أمات جبرئيل ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك وأضعاف ذلك، ثم أمات إسرافيل ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك، ثم أمات ملك الموت ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك، ثم يقول الله عز وجل:
" لمن الملك اليوم " فيرد على نفسه: " لله الواحد القهار " أين الجبارون؟ أين الذين ادعوا
معي إلها؟ أين المتكبرون؟ ونحوهما، ثم يبعث الخلق. قال عبيد بن زرارة: فقلت:
إن هذا الامر كله كائن؟ طولت ذلك! فقال: أرأيت ما كان هل علمت به؟ فقلت: لا، قال: فكذلك هذا. " ص
584 - 585 " الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن أبي عمير مثله.
4 - كتاب زيد النرسي: عنه، عن عبيد بن زرارة، عنه عليه السلام مثله إلى قوله: ومثل ما أمات أهل الأرض والسماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الرابعة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة والسماء الرابعة و أضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الخامسة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء السادسة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة و أضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء السابعة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماوات إلى السماء السابعة وأضعاف ذلك، ثم أمات ميكائيل.
- وساق الحديث إلى قوله: أين المتكبرون؟ ونحو هذا - ثم يلبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك، ثم يبعث الخلق أو ينفخ في الصور. قال عبيد بن زرارة:
قلت: هذا الامر كائن؟ طولت ذلك! فقال: أرأيت ما كان قبل أن يخلق الخلق أطول أو ذا؟ قال: قلت: ذا، قال: فهل علمت به؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك هذا.
بيان: كأن المراد بقول الراوي: " ذا " الإشارة إلى الزمان قبل خلق الخلق لأنه غير متناه، وإن كان مراده هذه الأزمنة لم ينبهه عليه السلام على حطائه وأجاب بوجه آخر رفع استبعاده، وظاهره أنهم لا يحسون بتلك الأزمنة الطويلة إما لانعدامهم بالمرة كما سيأتي أو لكونهم منعمين لا يضرهم طول الأزمنة والأول أظهر، ثم إنه ينافي ظواهر الآيات والأخبار الدالة على أن موت أهل السماوات بالفخة دفعة، ويمكن التوفيق بينهما
بتكلفات بعيدة، لكن هذا الخبر لجهالة النرسي لا يصلح لمعارضة تلك الآيات والاخبار.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم في قوله: " يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ":
قال: تنشق الأرض بأهلها، والرادفة: الصيحة، والزجرة: النفخة الثانية في الصور.
" ص 710 "
6 - تفسير علي بن إبراهيم: كيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا " قال: يشيب الولدان من الفزع حيث يسمعون الصيحة. " ص 2 70 "
7 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل لملك الموت: يا ملك الموت وعزتي وجلالي وارتفاعي وعلوي لأذيقنك طعم الموت كما أذقت عبادي " ص 200 " صحيفة الرضا (ع): عنه، عن آبائه عليهم السلام مثله.
أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد، عن داود، عن الرضا عليه السلام مثله. وفيه: في علو مكاني. " ص 214 "
8 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة عنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية: " إنك ميت وإنهم ميتون " قلت: يا رب أيموت الخلائق ويبقى الأنبياء؟ فنزلت:
" كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ". " ص 200 " صحيفة الرضا (ع): عنه عليه السلام مثله. وفيه: وتبقى الملائكة.
بيان: الصواب ما في صحيفة الرضا عليه السلام، وما في العيون لا يستقيم إلا بتكلفات بعيدة.
9 - التوحيد: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن مهزيار قال: كتب أبو جعفر عليه السلام إلى رجل بخطه وقرأته في دعاء كتب به أن يقول: يا ذا الذي كان قبل كل شئ، ثم خلق كل شئ، ثم يبقى ويفنى كل شئ. الخبر. " ص 35 "
10 - علل الشرائع: علي بن حبشي بن قوني، عن حميد بن زياد، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمد بن سلمة، عن يحيى بن أبي العلاء الرازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية. الخبر.
11 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله تعالى: " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديدا " قال: إنما أمة محمد من الأمم، فمن مات فقد هلك.
12 - تفسير العياشي: عن ابن سنان: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة " قال: هو الفناء بالموت أو غيره. وفي رواية أخرى عنه:
قال: بالقتل والموت وغيره.
13 - تفسير الإمام العسكري: إن الله ينزل بين نفختي الصور بعد ما ينفخ النفخة الأولى من دوين سماء الدنيا من البحر المسجور الذي قال الله: " والبحر المسجور " وهي من مني كمني الرجل، فيمطر ذلك على الأرض فيلقى الماء المني مع الأصوات البالية فينبتون من الأرض ويحيون.
14 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن أبي المغرا قال: حدثني يعقوب الأحمر قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام نعزيه بإسماعيل، فترحم عليه ثم قال: إن الله عز وجل نعى إلى نبيه صلى الله عليه وآله نفسه فقال: " إنك ميت وإنهم ميتون " وقال: " كل نفس ذائقة الموت " ثم أنشأ يحدث فقال: إنه يموت أهل الأرض حتى لا يبقى أحد، ثم يموت أهل السماء حتى لا يبقى أحد إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل، قال: فيجئ ملك الموت حتى يقوم بين يدي الله عز وجل فيقال له: من بقي؟ - وهو أعلم - فيقول: يا رب لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل، فيقال: قل لجبرئيل وميكائيل: فليموتا فيقول الملائكة عند ذلك، يا رب رسولاك وأميناك، فيقول: إني قد قضيت على كل نفس فيها الروح الموت، ثم يجئ ملك الموت حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيقال له: من بقي؟ - وهو أعلم - فيقول: يا رب لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش، فيقول:
قل لحملة العرش: فليموتوا، قال : ثم يجئ كئيبا حزينا لا يرفع طرفه، فيقال له: من بقي؟ فيقول: يا رب لم يبق إلا ملك الموت، فيقال له: مت يا ملك الموت فيموت، ثم يأخذ الأرض بيمينه والسماوات بيمينه، ويقول: أين الذين كانوا يدعون معي شريكا؟
أين الذين كانوا يجعلون معي إلها آخر؟. " ف ج 1 ص 71 "
الحسين بن سعيد أو النوادر: فضالة مثله، وفيه: والسماوات بيمينه فيهزهن هزا مرات، ثم يقول.
15 - الإحتجاج: عن هشام بن الحكم في خبر الزنديق الذي سأل الصادق عليه السلام عن مسائل إلى أن قال: أيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى، فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة تسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين. " 192 " بيان: هذا الخبر يدل على فناء الأشياء وانعدامها بعد نفخ الصور، وعلى أن الزمان أمر مرهوم وإلا فلا يمكن تقديره بأربعمائة سنة بعد فناء الأفلاك ويمكن أن يكون المراد ما سوى الأفلاك، أو ما سوى فلك واحد يتقدر به الأزمان.
16 - نهج البلاغة: هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها؟ ولتحيرت عقولها في علم ذلك، وتاهت وعجزت قواها، وتناهت ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة، مقرة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك
يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها لم يتكأده صنع شئ منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما خلقه وبرأه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها.
أقول: قد مرت الخطبة بتمامها وشرحها في كتاب التوحيد.
تتميم: اعلم أن ظاهر هذا الخبر فناء جميع المخلوقات عند انقضاء العالم كما هو مذهب جماعة من المتكلمين، قال شارح المواقف: قد سبقت في مباحث الجسم إشارة إلى أن الأجسام باقية غير متزايلة على ما يراه النظام، وقابلة للفناء غير دائمة البقاء على ما يراه الفلاسفة قولا بأنها أزلية أبدية، والجاحظ وجمع من الكرامية قولا بأنها أبدية غير أزلية، وتوقف أصحاب أبي الحسين في صحة الفناء، واختلف القائلون بها في أن الفناء بإعدام معدم أو بحدوث ضد أو بانتفاء شرط، أما الأول فذهب القاضي وبعض المعتزلة إلى أن الله تعالى يعدم العالم بلا واسطة فيصير معدوما كما أوجده كذلك فصار موجودا، وذهب أبو الهذيل إلى أنه تعالى يقول له: افن فيفنى، كما قال له: كن فكان، وأما الثاني فذهب جمهور المعتزلة إلى أن فناء الجوهر بحدوث ضد له هو الفناء، فذهب ابن اخشيد إلى أن الفناء وإن لم يكن متحيزا لكنه يكون حاصلا في جهة معينة، فإذا أحدثه الله تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها، وذهب ابن شبيب إلى أن الله تعالى يحدث في كل جوهر فناءا ثم ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني، وذهب أبو علي وأتباعه إلى أنه يخلق بعدد كل جوهر فناءا
لا في محل فتفنى الجواهر، وقال أبو هاشم وأشياعه: يخلق فناءا واحدا لا في محل فينفي به الجواهر بأسرها، وأما الثالث وهو أن فناء الجوهر بانقطاع شرط وجوده فزعم بشر أن ذلك الشرط بقاء يخلقه الله تعالى لا في محل، فإذا لم يخلقه الله تعالى عدم الجوهر، وذهب الأكثرون من أصحابنا والكلبي من المعتزلة إلى أنه بقاء قائم به يخلقه الله حالا فحالا، فإذا لم يخلقه الله تعالى فيه انتفى الجوهر، وقال إمام الحرمين: إنها الاعراض التي يجب اتصاف الجسم بها، فإذا لم يخلقها الله تعالى فيه فنى، وقال القاضي في أحد قوليه: هو الأكوان التي يخلقها الله في الجسم حالا فحالا، فمتى لم يخلقها الله فيه انعدم، وقال النظام: إنه ليس بباق بل يخلق الله حالا فحالا فمتى لم يخلق فنى، وأكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل، سيما القول بكون الفناء أمرا محققا في الخارج ضد اللبقاء قائما بنفسه أو بالجوهر، وكون البقاء موجودا لا في محل، ولعل وجه البطلان غني عن البيان. ثم القائلون بصحة الفناء وبحقية حشر الأجساد اختلفوا في إن ذلك بالايجاد بعد الفناء أو بالجمع بعد تفرق الاجزاء؟ والحق التوقف، وهو اختيار إمام الحرمين حيث قال: يجوز عقلا أن تعدم الجواهر ثم تعاد، وأن تبقى وتزول أعراضها المعهودة ثم تعاد بنيتها ولم يدل قاطع سمعي على تعيين أحدهما، فلا يبعد أن يغير أجساد العباد على صفة أجسام التراب، ثم يعاد تركيبها إلى ما عهد، ولا يحيل أن يعدم منها شئ ثم يعاد، والله أعلم.
احتج الأولون بوجوه: الأول الاجماع على ذلك قبل ظهور الخالفين كبعض المتأخرين من المعتزلة وأهل السنة، ورد بالمنع كيف وقد أطبقت معتزلة بغداد على خلافه؟ نعم كان الصحابة يجمعون على بقاء الحق وفناء الخلق بمعنى هلاك الأشياء وموت الاحياء وتفرق الاجزاء لا بمعنى انعدام الجواهر بالكلية لأن الظاهر أنهم لم يكونوا يخوضون في هذه التدقيقات.
الثاني هو قوله تعالى: " هو الأول والآخر " أي في الوجود، ولا يتصور ذلك إلا بانعدام ما سواه ، وليس بعد القيامة وفاقا فيكون قبلها، وأجيب بأنه يجوز أن
يكون المعنى: هو مبدء كل موجود وغاية كل مقصود، أو هو المتوحد في الألوهية، أو في صفات الكمال، كما إذا قيل لك: هذا أول من زارك أو آخرهم؟ فتقول: هو الأول والآخر، وتريد أنه لا زائر سواه، أو هو الأول والآخر بالنسبة إلى كل حي، بمعنى أنه يبقى بعد موت جميع الاحياء، أو هو الأول خلقا والآخر رزقا، كما قال: " خلقكم ثم رزقكم " وبالجملة فليس المراد أنه آخر كل شئ بحسب الزمان للاتفاق علي أبدية الجنة ومن فيها.
الثالث قوله تعالى: " كل شئ هالك إلا وجهه " فإن المراد به الانعدام، لا الخروج عن كونه منتفعا به لان الشئ بعد التفرق يبقى دليلا على الصانع، وذلك من أعظم المنافع. وأجيب بأن المعنى أنه هالك في حد ذاته لكونه ممكنا لا يستحق الوجود إلا بالنظر إلى العلة، أو المراد بالهلاك الموت، أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللائق بحاله كما يقال: هلك الطعام إذا لم يبق صالحا للاكل وإن صلح لمنفعة أخرى، ومعلوم أن ليس مقصود الباري تعالى من كل جوهر الدلالة عليه وإن صلح لذلك كما أن من كتب كتابا ليس بكل كلمة الدلالة على الكاتب، أو المراد الموت كما في قوله تعالى: " إن امرؤ هلك " وقيل: معناه: كل عمل لم يقصد به وجه الله تعالى فهو هالك أي غير مثاب عليه.
الرابع قوله تعالى: " وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده كما بدأنا أول خلق نعيده " والبدؤ من العدم فكذا العود، وأيضا إعادة الخلق بعد إبدائه لا يتصور بدون تخلل العدم، وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بإبداء الخلق الايجاد والا خراج عن العدم، بل الجمع والتركيب على ما يشعر به قوله تعالى: " وبدأ خلق الانسان من طين " ولهذا يوصف بكونه مرئيا مشاهدا كقوله تعالى: " أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق " " أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف بدء الخلق " وأما القول بأن الخلق حقيقة في التركيب تمسكا بمثل قوله تعالى: " خلقكم من تراب " أي ركبكم " وتخلقون إفكا " أي تركبونه، فلا يكون حقيقة في الايجاد دفعا للاشتراك فضعيف جدا، لاطباق
أهل اللغة على أنه إحداث وإيجاد مع تقدير، سواء كان عن مادة كما في خلقكم من تراب، أو بدونه كما في خلق الله العالم.
الخامس قوله تعالى: " كل من عليها فان " والفناء هو العدم، وأجيب بالمنع بل هو خروج الشئ من الصفة التي ينتفع به عندها كما يقال: فنى زاد القوم وفنى الطعام والشراب، ولذا يستعمل في الموت مثل أفناهم الحرب، وقيل: بمعنى الآية:
كل من على وجه الأرض من الاحياء فهو ميت، قال الامام: ولو سلم كون الفناء والهلاك بمعنى العدم فلابد في الآيتين من تأويل، إذ لو حملتا على ظاهرهما لزم كون الكل هالكا فانيا في الحال وليس كذلك، وليس التأويل بكونه آئلا إلى العدم على ما ذكرتم أولى من التأويل بكونه قابلا له، وهذه منه إشارة إلى ما اتفق عليه أئمة العربية من كون اسم الفاعل ونحوه مجازا في الاستقبال، وأنه لابد من الاتصاف بالمعنى المشتق منه، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط بقاء ذلك المعنى؟ وقد توهم صاحب التلخيص أنه كالمضارع يشترك بين الحال والاستقبال، فاعترض بأن حمله على الاستقبال ليس تأويلا وصرفا عن الظاهر.
واحتج الآخرون بوجوه: الأول: أنه لو كان كذلك لما كان الجزاء واصلا إلى مستحقه، واللازم باطل عندنا سمعا للنصوص الواردة في أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وعقلا عند المعتزلة لما سبق من وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي، و بيان اللزوم أن المنشأ لا يكون هو المبتدأ بل مثله لامتناع إعادة المعدوم بعينه. ورد بالمنع وقد مر بيان ضعف أدلته، ولو سلم فلا يقوم على من يقول ببقاء الروح أو الأجزاء الأصلية وإعدام البواقي ثم إيجادها وإن لم يكن الثاني هو الأول بعينه بل مغايرا له في وصفه الابتداء والإعادة أو باعتبار آخر، ولا شك أن العمدة في الاستحقاق هو الروح على ما مر، وقد يقرر بأنها لو عدمت لما علم إيصال الجزاء إلى مستحقه لأنه لا يعلم أن ذلك المحشور هو الأول أعيد بعينه أم مثل له خلق على صفته، أما على تقدير الفناء بالكلية فظاهر، وأما على تقدير بقاء الروح والاجزاء الأصلية فلانعدام التركيب والهيئات والصفات التي بها يتمايز المسلمون سيما على قول من يجعل
الروح أيضا من قبيل الأجسام، واللازم منتف لان الأدلة قائمة على وصول الجزاء إلى المستحق.
لا يقال: لعل الله يحفظ الروح والاجزاء الأصلية عن التفرق والانحلال، بل الحكمة تقتضي ذلك ليعلم وصول الحق إلى المستحق لأنا نقول: المقصود إبطال رأي من يقول بفناء الأجساد بجميع الاجزاء بل أجسام العالم بأسرها ثم الايجاد وقد حصل ولو سلم فقد علمت أن العمدة في الحشر هو الأجزاء الأصلية لا الفضلية وقد سلمتم أنها لا تتفرق فضلا عن الانعدام بالكلية، بل الجواب أن المعلوم بالأدلة هو أن الله تعالى يوصل الجزاء إلى المستحق ولا دلالة على أنا نعلم ذلك عند الايصال البتة وكفى بالله عليما. ولو سلم فلعل الله تعالى يخلق علما ضروريا أو طريقا جليا جزئيا أو كليا.
الثاني وهو للمعتزلة أن فعل الحكيم لابد أن يكون لغرض لامتناع العبث عليه ولا يتصور له غرض في الاعدام إذ لا منفعة فيه لاحد لأنها إنما تكون مع الوجود بل الحياة، وليس به أيضا جزاء المستحق كالعذاب والسؤال والحساب ونحو ذلك و هذا ظاهر، ورد بمنع انحصار الغرض في المنفعة والجزاء، فلعل لله في ذلك حكما و مصالح لا يعلمها غيره، على أن في الاخبار بالاعدام لطفا للمكلفين وإظهارا لغاية العظمة والاستغناء والتفرد بالدوام والبقاء، ثم الاعدام تحقيق لذلك وتصديق.
الثالث النصوص الدالة على كون النشور بالاحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق كقوله تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى " الآية، وكقوله تعالى: " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها " - إلى قوله -: " وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما " وكقوله تعالى: " و " كذلك النشور " " وكذلك تخرجون " و " كما بدأكم تعودون " بعد ما ذكر بدء الخلق من الطين وعلى وجه نرى ونشاهد مثل " أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق " " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف بدء الخلق " وكقوله تعالى:
" يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش " إلى غير ذلك من الآيات المشعرة بالتفريق دون الاعدام.
والجواب أنها لا تنفي الانعدام وإن لم تدل عليه، وإنما سيقت لكيفية الاحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق لان السؤال وقع عن ذلك، ولأنه أظهر في بادئ النظر والشواهد عليه أكثر، ثم هي معارضة بالآيات المشعرة بالاعدام والفناء انتهى كلامه.
والحق أنه لا يمكن الجزم في تلك المسألة بأحد الجانبين لتعارض الظواهر فيها، وعلى تقدير ثبوته لا يتوقف انعدامها على شئ سوى تعلق إرادة الرب تعالى بإعدامها، وأكثر متكلمي الإمامية على عدم الانعدام بالكلية لا سيما في الأجساد قال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: والسمع دل عليه ويتأول في المكلف بالتفريق كما في قصة إبراهيم عليه السلام انتهى.
وأما الصور فيجب الايمان به على ما ورد في النصوص الصريحة، وتأويله بأنه جمع للصورة كما مر من الطبرسي وقد سبقه الشيخ المفيد رحمه الله فهو خروج عن ظواهر الآيات بل صريحها، إذ لا يتأنى ذلك في النفخة الأولى، ويأبى عنه أيضا توحيد الضمير في قوله تعالى: " ونفخ فيه أخرى " وإطراح للنصوص الصحيحة الصريحة من غير حاجة، وقد قال سيد الساجدين صلوات الله عليه في الدعاء الثالث من الصحيفة الكاملة: وإسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الاذن وحلول الامر فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور.
بسم الله الرحمن الرحيم
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.