بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
12 - باب شدة ابتلاء المؤمن وعلته وفضل البلاء
ج ۶۴، ص ۲۲۶–۲۵۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
بيان: " أما إنه " كأنه سقط هنا شئ وفيه تقدير أي أما إنه إن كان كذلك فاتخذ، وفي البصاير: أما فاتخذ، وفي النهاية: في حديث علي: من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا أي ليزهد في الدنيا، وليصبر على الفقر والقلة، والجلباب: الإزار والرداء وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها وجمعه جلابيب كني به عن الصبر، لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن وقيل: إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر، أي فليلبس الفقر، ويكون منه
على حالة تعمه وتشتمله، لان الغنى من أحوال أهل الدنيا، ولا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا، وحب أهل البيت.
37 - علل الشرائع: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن البرقي، عن الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن مؤمنا كان في قلة جبل، لبعث الله عز وجل إليه من يؤذيه ليأجره على ذلك.
بيان: قلة الجبل بالضم: أعلاه، والمراد بالبعث: التخلية وعدم الصرف.
38 - علل الشرائع: عن حمزة بن محمد العلوي، عن أحمد بن محمد الكوفي، عن عبيد الله بن حمدون، عن الحسين بن نصير، عن خالد بن حصين، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما زلت أنا ومن كان قبلي من النبيين والمؤمنين، مبتلين بمن يؤذينا، ولو كان المؤمن على رأس جبل لقيض الله عز وجل له من يؤذيه، ليأجره على ذلك.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما زلت مظلوما منذ ولدتني أمي، حتى أن كان عقيل ليصيبه رمد فيقول لا تذروني حتى تذروا عليا فيذروني وما بي من رمد.
39 - علل الشرائع: عن أبيه، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الصاعقة لا تصيب المؤمن، فقال له رجل: فإنا قد رأينا فلانا يصلي في المسجد الحرام فأصابته، فقال أبو عبد الله عليه السلام:
إنه كان يرمي حمام الحرم.
وبهذا الاسناد قال: الصاعقة تصيب المؤمن والكافر، ولا تصيب ذاكرا.
بيان: " إنه كان يرمي " يدل على أن المراد بالمؤمن في أول الخبر:
المؤمن الكامل، كما يدل عليه الرواية الآتية، ويحتمل أن لا يكون من أصابته مؤمنا، ولم ير عليه السلام المصلحة في إظهار ذلك، فأسنده إلى بعض أعماله والأول أظهر.
40 - علل الشرائع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن ملكين هبطا من السماء فالتقيا في الهواء، فقال أحدهما لصاحبه: فيما هبطت؟ قال: بعثني الله عز وجل إلى بحر إيل، أحشر سمكة إلى جبار من الجبابرة اشتهى عليه سمكة في ذلك البحر، فأمرني أن أحشر إلى الصياد سمك البحر، حتى يأخذها له، ليبلغ الله عز وجل غاية مناه في كفره، ففيما بعثت أنت؟ قال: بعثني الله عز وجل في أعجب من الذي بعثك فيه: بعثني إلى عبده المؤمن الصائم القائم، المعروف دعاؤه وصوته في السماء، لأكفئ قدره التي طبخها لافطاره، ليبلغ الله في المؤمن الغاية في اختبار إيمانه.
توضيح: كأن " إيل " اسم بحر، وهو غير معروف في اللغة " اشتهى عليه " كذا في النسخ، ويمكن إرجاع الضمير إلى الله أي سأل الله في ذلك واعتمد عليه، وهو لا ينافي كفره كدعاء فرعون، أو إلى نفسه أي لنفسه، أو ملزما على نفسه، كناية عن الاهتمام بها، وكأنه كان في علته كما سيأتي نقلا من تفسير الامام، وفي القاموس كفأه كمنعه: كبه وقلبه، كأكفأه، وقال: القدر بالكسر معروف أنثى، أو يؤنث.
41 - علل الشرائع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن علي بن الحكم عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السمط، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا فأذنب ذنبا تبعه بنقمة، ويذكره الاستغفار، وإذا أراد الله عز وجل بعبد شرا فأذنب ذنبا، تبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى به، وهو
قول الله عز وجل: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " بالنعم عند المعاصي.
بيان: في القاموس: استدرجه: خدعه، وأدناه، واستدراج الله تعالى العبد أنه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة وأنساه الاستغفار وأن يأخذه قليلا قليلا ولا يباغته.
42 - علل الشرائع: عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب الأسدي عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين عليه السلام عن قول الله عز وجل " لولا أن يكون الناس أمه واحدة " قال: عنى بذلك أمة محمد أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم، " لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون " ولو فعل ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وآله لحزن المؤمنون وغمهم ذلك، ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم.
بيان: " لولا أن يكون الناس أمة واحدة " قال البيضاوي: لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم، لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه " ومعارج " أي مصاعد، جمع معرج " عليها يظهرون " أي يعلون لحقارة الدنيا " ولبيوتهم " بدل من " لمن " بدل الاشتمال، أو علة، كقولك هيأت له ثوبا لقميصه.
43 - الخصال : الأربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما من الشيعة عبد يقارف أمرا نهيناه عنه فيموت، حتى يبتلي ببلية تمحص بها ذنوبه، إما في مال، وإما في ولد، وإما في نفسه، حتى يلقى الله عز وجل وماله ذنب، وإنه ليبقى عليه الشئ من ذنوبه، فيشدد به عليه عند موته.
44 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير يرفعه فقال: التقى ملكان فقال أحدهما لصاحبه: أين تريد؟ قال: بعثني ربي أحبس السمك، فان فلان الملك اشتهى سمكة، فأمر بي أن أحبسه له ليؤخذ له الذي يشتهي منه، فأنت أين تريد؟ قال: بعثني ربي إلى فلان العابد فإنه قد طبخ قدرا وهو صائم، فأرسلني ربي أكفاؤها.
45 - قصص الأنبياء: بالاسناد، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل.
46 - أمالي الطوسي: عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أحمد البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام مثله.
47 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: البلاء زين المؤمن، وكرامة لمن عقل لان في مباشرته، والصبر عليه، والثبات عنده، تصحيح نسبة الايمان. قال النبي صلى الله عليه وآله: نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء، فالمؤمن من الأمثل فالأمثل، ومن ذاق طعم البلاء تحت ستر، حفظ الله له تلذذه أكثر من تلذذه بالنعمة، ويشتاق إليه إذا فقده، لان تحت يد البلاء والمحنة أنوار النعمة، وتحت أنوار النعمة نيران البلاء والمحنة، وقد ينجو من البلاء كثير، ويهلك في النعمة كثير.
وما أثنى الله تعالى على عبد من عباده من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد ابتلائه، ووفاء حق العبودية فيه، فكرامات الله في الحقيقة نهايات بداياتها البلاء ومن خرج من سبيكة البلوى، جعل سراج المؤمنين، ومؤنس المقربين، ودليل القاصدين، ولا خير في عبد شكى من محنة تقدمها آلاف نعمة، وأتبعها آلاف راحة، ومن لا يقضي حق الصبر على البلاء، حرم قضاء الشكر في النعماء، كذلك
من لا يؤدي حق الشكر في النعماء، يحرم عن قضاء الصبر في البلاء ومن حرمهما فهو من المطرودين.
وقال أيوب عليه السلام في دعائه: اللهم قد أتى علي سبعون في الرخاء، حتى أتى علي سبعون في البلاء.
وقال وهب: البلاء للمؤمن كالشكاك للدابة، والعقال للإبل.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الصبر من الايمان كالرأس من الجسد، ورأس الصبر البلاء، وما يعقلها إلا العالمون.
بيان: " ووفاء حق العبودية " أي وفائه بما هو حق العبودية " فيه " أي في البلاء من الصبر والشكر والرضا بالقضاء، " الشكاك " ككتاب: اسم للحبل الذي يشد به قوائم الدابة، و " العقال " ككتاب أيضا ما يعقل به رجل البعير، والمعنى أن البلايا تمنع المؤمن من ارتكاب الخطايا.
48 - تفسير الإمام العسكري: قال الصادق عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لعبد الله بن يحيى الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم، لتسلم بها طاعاتهم ويستحقوا عليها ثوابها.
فقال عبد الله بن يحيى: يا أمير المؤمنين وإنا لا نجازي بذنوبنا إلا في الدنيا؟
قال: نعم أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟
إن الله تعالى يطهر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا، بما يبتليهم به من المحن، وبما يغفره لهم، فان الله يقول: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " حتى إذا وردوا القيامة توفرت عليهم طاعاتهم وعباداتهم.
وإن أعداء آل محمد يجازيهم عن طاعة تكون منهم في الدنيا، وإن كان لا وزن لها، لأنه لا إخلاص معها، إذا وافوا القيامة حملت عليهم ذنوبهم، وبغضهم لمحمد وآله وخيار أصحابه، فقذفوا في النار.
ولقد سمعت محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنه كان فيما مضى قبلكم رجلان:
أحدهما مطيع لله مؤمن، والاخر كافر به، مجاهر بعداوة أوليائه وموالاة أعدائه وكل واحد منهما ملك عظيم في قطر من الأرض.
فمرض الكافر فاشتهى سمكة في غير أوانها، لان ذلك الصنف من السمك كان في ذلك الوقت في اللجج بحيث لا يقدر عليه فآيسته الأطباء من نفسه، وقالوا:
استخلف في ملكك من يقوم به، فلست بأخلد من أصحاب القبور، فان شفاءك في هذه السمكة التي اشتهيتها، ولا سبيل إليها، فبعث الله ملكا وأمره أن يزعج تلك السمكة إلى حيث يسهل أخذها فأخذت له [تلك السمكة] فأكلها وبرأ من مرضه وبقي في ملكه سنين بعدها.
ثم إن ذلك الملك المؤمن، مرض في وقت كان جنس ذلك السمك بعينه لا يفارق الشطوط التي يسهل أخذه منها، مثل علة الكافر فاشتهى تلك السمكة و وصفها له الأطباء، وقالوا: طب نفسا فهذا أوانه، تؤخذ لك فتأكل منها، وتبرأ فبعث الله ذلك الملك، فأمره أن يزعج جنس تلك السمكة عن الشطوط إلى اللجج لئلا يقدر عليه، فلم توجد حتى مات المؤمن من شهوته، وبعد [م] دوائه فعجب من ذلك ملائكة السماء، وأهل ذلك البلد في الأرض، حتى كادوا يفتنون، لان الله تعالى سهل على الكافر مالا سبيل [له] إليه، وعسر على المؤمن ما كان السبيل إليه سهلا. فأوحى الله إلى ملائكة السماء وإلى نبي ذلك الزمان في الأرض: إني أنا الله الكريم، المتفضل القادر، لا يضرني ما أعطي، ولا ينقصني ما أمنع، ولا أظلم أحدا مثقال ذرة.
فأما الكافر فإنما سهلت له أخذ السمكة في غير أوانها ليكون جزاء على حسنة كان عملها، إذ كان حقا ألا أبطل لاحد حسنة، حتى يرد القيامة ولا حسنة في صحيفته، ويدخل النار بكفره، ومنعت العابد ذلك السمكة بعينها لخطيئة كانت منه، فأردت تمحيصها عنه بمنع تلك الشهوة، وإعدام ذلك الداء، وليأتيني ولا ذنب
عليه فيدخل الجنة.
بيان: " فلست بأخلد من أصحاب القبور " لعل المعنى أن الله لم يجعلك من الخالدين في الدنيا، وأسباب موتك قد تسببت، فلابد من موتك. أو المعنى أن بقاءك في الدنيا مع هذا المرض، كحياة أصحاب القبور في الاستحالة العادية .
49 - تفسير الإمام العسكري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عجبا للعبد المؤمن من شيعة محمد وعلي عليهما السلام إن ينصر في الدنيا على أعدائه، فقد جمع له خير الدارين، وإن امتحن في الدنيا فقد ادخر له في الآخرة مالا يكون لمحنته في الدنيا قدر عند إضافتها إلى نعم الآخرة وكذلك عجبا للعبد المخالف لنا أهل البيت، إن خذل في الدنيا، وغلب بأيدي المؤمنين، فقد جمع عليه عذاب الدارين، وإن امهل في الدنيا واخر عنه عذابها كان له في الآخرة من عجائب العذاب، وضروب العقاب، ما يود لو كان في الدنيا مسلما، ومالا قدر لنعم الدنيا التي كانت له عند الإضافة إلى تلك البلايا.
فلو أن أحسن الناس نعيما في الدنيا، وأطولهم فيها عمرا من مخالفينا: غمس يوم القيامة في النار غمسة، ثم سئل هل لقيت نعيما قط؟ لقال: لا، ولو أن أشد الناس عيشا في الدنيا، وأعظمهم بلاء من موافقينا وشيعتنا: غمس يوم القيامة في الجنة غمسة، ثم سئل: لقيت بؤسا قط؟ لقال: لا، فما ظنكم بنعيم وبؤس هذه صفتهما، فذلك النعيم فاطلبوه [وذلك العذاب فاتقوه].
50 - الكافي: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن الحكم بن عتيبة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن العبد إذا كثرت ذنوبه، ولم يكن عنده ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفر عنه ذنوبه.
التمحيص: عن الحكم مثله.
51 - مجالس المفيد: عن محمد بن محمد بن طاهر الموسوي، عن ابن عقدة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن سنان، عن أحمد بن سليمان القمي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالجوع، حتى يموت جوعا، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالعطش حتى يموت عطشا، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالعراء حتى يموت عريانا، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالسقم والأمراض حتى تتلفه، وإن كان النبي ليأتي قومه فيقوم فيهم، يأمرهم بطاعة الله ويدعوهم إلى توحيد الله، وما معه مبيت ليلة، فما يتركونه يفرغ من كلامه، ولا يستمعون إليه حتى يقتلوه، وإنما يبتلي الله تبارك وتعالى عباده على قدر منازلهم عنده.
52 - مجالس المفيد: عن أحمد بن الوليد عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن ابن عطية، عن ابن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فيما ناجى الله به موسى بن عمران أن: يا موسى ما خلقت خلقا هو أحب إلي من عبدي المؤمن وإني إنما ابتليته لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل بما يرضيني وأطاع أمري.
53 - روضة الواعظين: قال الصادق عليه السلام: إن العبد إذا كثرت ذنوبه، ولم يجد ما يكفرها به، ابتلاه الله عز وجل بالحزن في الدنيا ليكفرها به، فإن فعل ذلك به، وإلا فعذبه في قبره، ليلقاه الله عز وجل يوم يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من ذنوبه.
54 - جامع الأخبار: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام الجزع عند البلاء تمام المحنة.
وقال عليه السلام: إن البلاء للظالم أدب، وللمؤمن امتحان وللأنبياء درجة وللأولياء كرامة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر، قالوا: ما باله؟ قال: أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وقال عليه السلام: إن الله يتعاهد وليه بالبلاء، كما يتعاهد المريض أهله بالدواء وإن الله ليحمي عبده الدنيا كما يحمي المريض الطعام.
وروي عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا أراد الله بقوم خيرا ابتلاهم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال البلاء في المؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة.
وقال عليه السلام: ليودن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء. قال الله تعالى: يا داود قل لعبادي: يا عبادي من لم يرض بقضائي، ولم يشكر نعمائي، ولم يصبر على بلائي، فليطلب ربا سوائي.
وقال الباقر عليه السلام: يا بني من كتم بلاء ابتلى به من الناس، وشكى ذلك إلى الله عز وجل، كان حقا على الله أن يعافيه من ذلك البلاء. قال عليه السلام: يبتلي المرؤ على قدر حبه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: ما من عبد أريد أن ادخله الجنة إلا ابتليته في جسده، فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ضيقت عليه في رزقه فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلا شددت عليه الموت، حتى يأتيني ولا ذنب له ثم ادخله الجنة.
وما من عبد أريد أن ادخله النار، إلا صححت جسمه، فإن كان ذلك تماما لطلبته، وإلا أمنت له وعن سلطانه، فإن كان ذلك تماما لطلبته، وإلا هونت عليه الموت، حتى يأتيني ولا حسنة له، ثم أدخلته النار.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ليتعاهد المؤمن بالبلاء:
إما بمرض في جسده، أو بمصيبة في أهل، أو مال، أو مصيبة من مصائب الدنيا
ليأجره عليها.
وقال عليه السلام: ما من مؤمن إلا وهو يذكر في كل أربعين يوما ببلاء: إما في ماله، أو في ولده، أو في نفسه، فيوجر عليه، أو هم لا يدري من أين هو؟.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في الجنة لمنزلة لا يبلغها العبد إلا ببلاء في جسده.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: خرج موسى عليه السلام فمر برجل من بني إسرائيل فذهب به حتى خرج إلى الظهر، فقال له: اجلس حتى أجيئك وخط عليه خطة ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: إني استودعتك صاحبي وأنت خير مستودع، ثم مضى فناجاه الله بما أحب أن يناجيه، ثم انصرف نحو صاحبه، فإذا أسد قد وثب عليه، فشق بطنه وفرث لحمه وشرب دمه، قلت: وما فرث اللحم؟ قال: قطع أوصاله فرفع موسى رأسه فقال: يا رب استودعتك وأنت خير مستودع، فسلطت عليه شر كلابك، فشق بطنه وفرث لحمه، وشرب دمه؟ فقيل: يا موسى إن صاحبك كانت له منزلة في الجنة، لم يكن يبلغها إلا بما صنعت به، انظر - وكشف له الغطاء - فنظر موسى فإذا منزل شريف، فقال: رب رضيت.
وعن الكاظم عليه السلام قال: لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء.
قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تكون مؤمنا حتى تعد البلاء نعمة، والرخاء محنة لان بلاء الدنيا نعمة في الآخرة، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة.
وعن أبي الجارود، عن أبي جعفر، عن آبائه عليهم السلام قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
إن المؤمن إذا قارف الذنوب ابتلي بها بالفقر، فإن كان في ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ابتلي بالمرض، فإن كان في ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ابتلي بالخوف من السلطان يطلبه، فإن كان ذلك كفارة لذنوبه وإلا ضيق عليه عند خروج نفسه، حتى يلقى الله حين يلقاه، وماله من ذنب يدعيه عليه، فيأمر به إلى الجنة.
وإن الكافر والمنافق ليهون عليهما خروج أنفسهما، حتى يلقيا الله حين
يلقيانه ومالهما عنده من حسنة يدعيانها عليه، فيأمر بهما إلى النار.
وعنه عليه السلام قال: كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته.
بيان: في القاموس فرث الجلة يفرث ويفرث: نثر ما فيها، وكبده يفرثها ضربها وهو حي كفرثها تفريثا، فانفرثت كبده انتثرت 55 - بشارة المصطفى: عن ابن شيخ الطائفة، عن أبيه، عن المفيد، عن زيد بن محمد السلمي، عن الحسين بن الحكم الكندي، عن إسماعيل بن صبيح، عن خالد بن العلا عن المنهال بن عمرو قال: كنت جالسا مع محمد بن علي الباقر عليهما السلام إذ جاءه رجل فسلم عليه فرد عليه السلام فقال الرجل: كيف أنتم؟ فقال له محمد: أو ما آن لكم أن تعلموا كيف نحن؟ إنما مثلنا في هذه الأمة مثل بني إسرائيل، كان يذبح أبناؤهم ويستحي نساؤهم، ألا وإن هؤلاء يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا: زعمت العرب أن لهم فضلا على العجم، فقال العجم: وبما ذاك؟ قالوا: كان محمد منا عربي، قالوا لهم: صدقتم وزعمت قريش أن لها فضلا على غيرها من العرب، فقالت لهم العرب من غيرهم: وبما ذاك؟ قالوا: كان محمد قرشيا، قالوا لهم: صدقتم.
فإن كان القوم صدقوا فلنا فضل على الناس لأنا ذرية محمد، وأهل بيته خاصة وعترته، لا يشركنا في ذلك غيرنا، فقال له الرجل: والله إني لأحبكم أهل البيت، قال: فاتخذ للبلاء جلبابا، فوالله إنه لأسرع إلينا والى شعيتنا من السيل في الوادي، وينا يبدء البلاء ثم بكم وبنا يبدء الرخاء ثم بكم.
بيان: قال الجوهري: آن أينك: أي حان حينك، وآن لك أن تفعل كذايئين أينا، عن أبي زيد أي حان مثل أنى لك وهو مقلوب منه.
56 - جامع الأخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. وقال:
لو كان المؤمن في جحر فارة لقيض الله فيه من يؤذيه. وقال: المؤمن مكفر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يكون في الدنيا مؤمن إلا وله جار يؤذيه وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان ولا يكون ولا هو كائن نبي ولا مؤمن إلا وله قرابة يؤذيه أو جار يؤذيه.
57 - الاختصاص: عن ربعي، عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
إن الشياطين على المؤمنين أكثر من الزنابير على اللحم، ثم قال هكذا بيده:
إلا ما دفع الله.
بيان: كأنه عليه السلام أشار إلى جهة السماء.
58 - الاختصاص: عن محمد بن علي، عن أبيه، عن سعد، عن الحسن بن موسى عن إسماعيل بن مهران، عن علي بن عثمان، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: إن الأنبياء وأولاد الأنبياء وأتباع الأنبياء خصوا بثلاث خصال: السقم في الأبدان، وخوف السلطان، والفقر.
59 - التمحيص: عن محمد بن همام، عن الحميري، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب وكرام، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يقول: إن البلاء أسرع إلى شيعتنا من السيل إلى قرار الوادي.
60 - التمحيص: عن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الجوع والخوف أسرع إلى شيعتنا من ركض البراذين.
بيان: الركض: تحريك الرجل، ومنه " اركض برجلك " والدفع
واستحثاث الفرس للعدو، والهرب، والعدو، وركض الفرس كعني فركض هو عدا، فهو راكض ومركوض ذكره الفيروزآبادي.
61 - التمحيص: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن مؤمنا على لوح في البحر لقيض الله له منافقا يؤذيه.
جامع الأخبار: عنه عليه السلام مثله.
62 - التمحيص: عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا زاد إن الله يتعهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعهد الغائب أهله بالهدية، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.
63 - التمحيص: عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نعم جرعة الغيظ لمن صبر عليها، وإن عظيم الاجر مع عظيم البلاء، وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم.
64 - التمحيص: عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول:
إن الله جعل المؤمنين في دار الدنيا غرضا لعدوهم.
65 - التمحيص: عن الثمالي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا حمزة ما كان ولن يكون مؤمن إلا وله بلايا أربع: إما يكون له جار يؤذيه، أو منافق يقفو أثره، أو منافق يرى قتاله جهادا، أو مؤمن يحسده، ثم قال: أما إنه أشد الأربعة عليه، لأنه يقول فيصدق عليه ويقال: هذا رجل من إخوانه، فما بقاء المؤمن بعد هذه.
66 - التمحيص: عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو يعلم المؤمن ماله في المصائب من الاجر لتمني أن يقرض بالمقاريض.
67 - التمحيص: عن عبد الله بن المبارك قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول:
إذا أضيف البلاء إلى البلاء كان من البلاء عافية. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن
أصابكم تمحيص فاصبروا، فإنما يبتلي الله المؤمنين، ولم يزل إخوانكم قليلا، ألا وإن أقل أهل المحشر المؤمنون.
بيان: " كان من البلاء عافية " لعل المعنى أن عند اشتداد البلاء وتواتره يرجى الفرج، كما قال تعالى: " إن مع العسر يسرا.
68 - التمحيص: عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من مؤمن إلا وهو يذكر، لبلاء يصيبه في كل أربعين يوما، أو بشئ في ماله وولده ليأجره الله عليه، أو بهم لا يدري من أين هو؟.
69 - التمحيص: عن أبي الحسن الأحمسي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله ليتعهد عبده المؤمن بأنواع البلاء، كما يتعهد أهل البيت سيدهم بطرف الطعام.
توضيح: الظاهر أن الأحمسي هو الحسين بن عثمان الثقة، و " أهل البيت " بالنصب، و " سيدهم " بالرفع، وفي القاموس: الطريف: القريب من الثمر وغيره.
70 - التمحيص: عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث وربما اجتمعت الثلاث عليه: إما أن يكون معه في الدار من يغلق عليه الباب يؤذيه، أو جار يؤذيه، أو شئ في طريقه وحوائجه يؤذيه، ولو أن مؤمنا على قلة جبل لبعث الله إليه شيطانا ويجعل له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد.
71 - التمحيص: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
72 - التمحيص: عن سدير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: هل يبتلي الله المؤمن؟ فقال:
هل يبتلى إلا المؤمن؟ حتى أن صاحب ياسين: " قال يا ليت قومي يعلمون " كان مكنعا، قلت: وما المكنع؟ قال: كان به جذام.
73 - التمحيص: عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا وبه وجع في شئ من بدنه لا يفارقه حتى يموت يكون ذلك كفارة لذنوبه.
74 - التمحيص: عن الأحمسي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تزال الغموم والهموم بالمؤمن حتى لا تدع له ذنبا.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يمضي على المؤمن أربعون ليلة إلا عرض له أمر يحزنه يذكره ربه.
75 - التمحيص: عن الحارث بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن العبد المؤمن ليهتم في الدنيا حتى يخرج منها ولا ذنب له.
76 - التمحيص: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله: لولا أن يجد عبدي المؤمن في نفسه، لعصبت المنافق عصابة لا يجد ألما حتى يموت.
بيان: [في النهاية] في حديث الايمان إني سائلك فلا تجد علي، أي لا تغضب من سؤالي يقال: وجد عليه يجد وجدا وموجدة.
77 - التمحيص: عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأما المؤمن فيروع فيها، وأما الكافر فيمتع فيها.
بيان: الروع: الفزع كالإرتياع والتروع، والروعة: الفزعة، وراع:
أفزع كروع لازم متعد.
78 - التمحيص: عن أبي جميلة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العبد ليكرم على الله تعالى حتى أنه لو سأله الدنيا وما فيها أعطاه إياها، ولم ينقصاه ذلك، ولو سأله من الجنة شبرا حرمه، وإن الله يتعهد المؤمن بالبلاء كما يتعهد الغائب أهله بالهدية ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.
بيان: الظاهر أنه سقط من صدر الخبر فقرات.
79 - التمحيص: عن أبي الحسن عليه السلام قال: المؤمن بعرض كل خير لو قطع أنملة أنملة كان خيرا له، ولو ولي شرقها وغربها كان خيرا له.
بيان: " بعرض كل خير " أي بمعرض كل خير ومحل عروضه وظهوره " لو قطع أنملة أنملة " في المصباح: الأنملة من الأصابع العقدة، وبعضهم يقول:
الأنامل رؤوس الأصابع، والأنملة بفتح الهمزة وفتح الميم أكثر من ضمها، وابن قتيبة يجعل المضموم من لحن العوام، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة، مع تثليث الميم، فتصير تسع لغات.
وأقول: كأن المعنى قطع جميع بدنه بمقدار الأنملة وكون المراد قطع أنامل يديه ورجليه تدريجا بعيد.
80 - التمحيص: عن عيسى بن أبي منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يذود المؤمن عما يشتهيه، كما يذود أحدكم الغريب عن إبله ليس منها.
بيان: في المصباح: ذاد الراعي إبله عن الماء ذودا وذيادا: منعها.
81 - التمحيص: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن العبد المؤمن ليطلب الامارة والتجارة، حتى إذا أشرف من ذلك على ما كان يهوى بعث الله ملكا، وقال له: عق عبدي وصده عن أمر لو استمكن منه أدخله النار فيقبل الملك فيصده بلطف الله فيصبح وهو يقول: لقد دهيت ومن دهاني فعل الله به وفعل، وما يدري أن الله الناظر له في ذلك، ولو ظفر به أدخله النار.
بيان: في القاموس دهاه دهيا ودهاه: أصابه بداهية وهي الامر العظيم وفعل الله به وفعل: كناية عن شتم كثير ودعاء عليه بالسوء.
82 - أمالي الطوسي: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة عن أبي لحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: مثل المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زيد في إيمان زيد في بلائه، ليلقى الله عز وجل ولا خطيئة له.
التمحيص: عن علي بن أبي حمزة عنه عليه السلام مثله جامع الأخبار: عنه عليه السلام مثله.
83 - كتاب الإمامة والتبصرة: عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله السقم يمحو الذنوب وقال صلى الله عليه وآله: ساعات الوجع يذهبن ساعات الخطايا. وقال صلى الله عليه وآله: ساعات الهموم ساعات الكفارات، ولا يزال الهم بالمؤمن حتى يدعه وماله من ذنب.
84 - رجال الكشي: عن محمد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد، عن العمركي بن علي، عن محمد بن حبيب الأزدي، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن ذريح، عن محمد بن مسلم قال: خرجت إلى المدينة وأنا وجع ثقيل فقيل له: محمد بن مسلم وجع، فأرسل إلي أبو جعفر عليه السلام بشراب مع الغلام مغطى بمنديل، فناولنيه الغلام وقال لي: اشربه، فإنه قد أمرني أن لا أرجع حتى تشربه فتناولته فإذا رائحة المسك عنه، وإذا شراب طيب الطعم بارد، فإذا شربته قال لي الغلام: يقول لك: إذا شربته فتعال، ففكرت فيما قال لي، ولا أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي.
فلما استقر الشراب في جوفي، فكأنما نشطت من عقال، فأتيت بابه فاستأذنت عليه فصوت بي: صح الجسم، ادخل ادخل، فدخلت وأنا باك، وسلمت عليه، وقبلت يديه ورأسه، فقال لي، وما يبكيك يا محمد؟ فقلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقة، وقلة المقدرة على المقام عندك والنظر إليك.
فقال: أما قلة المقدرة فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا، وجعل البلاء إليهم سريعا، وأما ما ذكرت من الغربة، فلك بأبي عبد الله عليه السلام أسوة، بأرض ناء عنا بالفرات صلى الله عليه وأما ما ذكرت من بعد الشقة، فان المؤمن في هذه الدار غريب وفي هذا الخلق المنكوس حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله، وأما ما ذكرت
من حبك قربنا والنظر إلينا وأنك لا تقدر على ذلك فالله يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه.
مناقب ابن شهرآشوب: مرسلا مثله.
الاختصاص: عن عدة من أصحابه، عن محمد بن جعفر المؤدب، عن البرقي، عن بعض أصحابنا، عن الأصم، عن مدلج مثله.
بيان: " قيل له " أي لأبي جعفر عليه السلام، وفي المناقب: قيل لأبي جعفر عليه السلام وفي النهاية: في حديث السحر فكأنما أنشط من عقال أي حل، وكثيرا ما يجئ في الرواية، كأنما نشط من عقال، وليس بصحيح يقال: نشطت العقدة: إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها، وفي القاموس: " الشقة " بالضم والكسر، البعد و الناحية التي يقصدها المسافر، والسفر البعيد والمشقة.
" فلك بأبي عبد الله " أي الحسين صلوات الله عليه " أسوة " أي اقتداء، أي شابهته في الغربة، والتفكر في حاله يسهل عليك غربتك. ويكشف هذا الحزن عنك ، في القاموس: الأسوة بالكسر والضم: القدوة، وما يأتسي به الحزين وأساه تأسية فتأسى: عزاه فتعزى.
" وفي هذا الخلق " عطف على قوله " وفي هذه الدار " أي بين هذا الخلق غريب، وإنما وصفهم بالنكس، لأنهم انخلعوا عن الانسانية، فصاروا كالبهائم والانعام، أو انقلبوا عن حدود الانسانية إلى حد البهيمية، أو هم منكوسوا - القلوب، لا تعي قلوبهم شيئا من الحق، أو هو كناية عن الخيبة والخسران، أو شبه أسوء حالاتهم الروحانية بأسوء حالاتهم الجسمانية، أو أنهم لما أعرضوا عن العروج على معارج الكمالات الروحانية، وقصروا نظرهم على الشهوات الجسمانية
فكأنهم انتكسوا وانقلبوا.
وفي المناقب " وفي هذا الخلق منكوس " أي يرونه كذلك، أو بينهم بشر الأحوال لا يقدر على شئ كالمنكوس، في القاموس: نكسه، قلبه على رأسه كنكسه والنكس بالكسر الضعيف، وكمحدث الفرس لا يسمو برأسه ولا بهاديه إذا جرى ضعفا أو الذي لم يلحق الخيل، وانتكس: وقع على رأسه.
وفي النهاية: في حديث أبي هريرة: تعس عبد الدنيا وانتكس: أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة، لان من انتكس في أمره فقد خاب وخسر، وفي حديث ابن مسعود. قيل له: إن فلانا يقرء القرآن منكوسا، فقال: ذلك منكوس القلب.
" فالله يعلم ما في قلبك "، في المناقب " فلك ما في قلبك "، وما في رجال الكشي أظهر.
85 - كتاب المؤمن: بإسناده عن سعد بن طريف، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فجاء جميل الأزرق، فدخل عليه، قال: فذكروا بلايا للشيعة وما يصيبهم، فقال أبو جعفر عليه السلام: إن أناسا أتوا علي بن الحسين عليه السلام وعبد الله بن عباس، فذكروا لهما نحو ما ذكرتم، قال: فأتيا الحسين بن علي عليهما السلام، فذكرا له ذلك، فقال الحسين عليه السلام: والله البلاء والفقر والقتل أسرع إلى من أحبنا من ركض البراذين، ومن السيل إلى صمره، قلت: وما الصمر؟ قال: منتهاه، ولولا أن تكونوا كذلك، لرأينا أنكم لستم منا.
بيان: في القاموس، صمر الماء: جرى من حدور في مستوى فسكن، وهو جار والصمر بالكسر: مستقره.
86 - المؤمن: باسناده عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الشياطين أكثر على المؤمن من الزنابير على اللحم.
87 - التمحيص: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أحب الله عبدا نظر إليه، فإذا نظر إليه أتحفه من ثلاث بواحدة، إما صداع وإما حمى وإما رمد.
88 - نهج البلاغة: قال عليه السلام وقد توفي سهل بن حنيف الأنصاري رحمه الله بالكوفة مرجعه معه من صفين، وكان من أحب الناس إليه: لو أحبني جبل لتهافت.
قال السيد رضي الله عنه: ومعنى ذلك: أن المحبة تغلظ عليه، فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار، والمصطفين الأخيار، وهذا مثل قوله عليه السلام: من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا، وقد تؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره.
تبيان: " مرجعه " منصوب على الظرفية، " والتهافت ": التساقط قطعة قطعة، من هفت كضرب، إذا سقط كذلك، وقيل هفت أي تطاير لخفته، والمراد تلاشي الاجزاء، وتفرقها، لعدم الطاقة، و " تغلظ " في بعض النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل، وفي بعضها على صيغة المجرد المعلوم، يقال: غلظ الشئ ككرم ضد رق، كما في النسخة، وجاء كضرب، والاستعداد للشئ التهيؤ له.
ولفظ الرواية على ما ذكره ابن الأثير في النهاية أظهر قال: في حديث علي عليه السلام: من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا أي ليزهد في الدنيا، وليصبر على الفقر والعلة، و " الجلباب " الإزار، والرداء، وقيل: هو كالمقنعة، تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب، كنى به عن الصبر، لأنه يستر الفقر، كما يستر الجلباب البدن.
وقيل: إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر أي فليلبس إزار الفقر، و يكون منه على حالة تعمه وتشمله، لان الغنا من أحوال أهل الدنيا، ولا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا وحب أهل البيت انتهى.
وقال ابن أبي الحديد: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يحبك إلا مؤمن
ولا يبغضك إلا منافق، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور، هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة، هي أنه عليه السلام لو أحبه جبل لتهافت، ولعل هذا هو مراد الرضي - رضي الله عنه - بقوله: معنى آخر ليس هذا موضع ذكره انتهى، وفيه تأمل.
وقال ابن ميثم: الجلباب مستعار لتوطين النفس على الفقر والصبر عليه ووجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعد بهما من عوارض الفقر، وظهوره في سوء الخلق، وضيق الصدر، والتحير الذي ربما أدى إلى الكفر، كما يستر بالملحفة ولما كانت محبتهم عليهم السلام بصدق يستلزم متابعتهم، والاستشعار بشعارهم، ومن شعارهم الفقر، ورفض الدنيا والصبر على ذلك، وجب أن يكون كل محب مستشعرا للفقر ومستعدا له جلبابا من توطين النفس عليه والصبر.
وقد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة أخرى، فقال: من أحبنا فليقتصر على التقلل من الدنيا، والتقنع فيها، قال: وشبه الصبر على الفقر بالجلباب لأنه يستر الفقر، كما يستر الجلباب البدن، قال: ويشهد بصحة هذا التأويل، ما روي أنه رأى قوما على بابه، فقال: يا قنبر من هؤلاء؟ فقال: شيعتك يا أمير المؤمنين فقال: مالي لا أرى فيهم سيماء الشيعة؟ قال: وما سيماء الشيعة؟ قال: خمص البطون من الطوى، يبس الشفاه من الظماء، عمش العيون من البكاء.
وقال أبو عبيد: إنه لم يرد الفقر في الدنيا، ألا ترى أن فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى؟ وإنما أراد الفقر يوم القيامة، وأخرج الكلام مخرج الوعظ والنصيحة، والحث على الطاعات، فكأنه أراد من أحبنا فليعد لفقره يوم القيامة ما يحسره من الثواب، والتقرب إلى الله تعالى والزلفة عنده.
قال: وقال السيد المرتضى ره: والوجهان جميعا حسنان، وإن كان قول ابن قتيبة أحسن، فذلك معنى قول السيد رضي الله عنه، وقد تؤول ذلك على معنى آخر، انتهى كلام ابن ميثم.
وقال القطب الراوندي رحمه الله بعد ذكر المعنيين المحكيين عن ابن قتيبة وأبي عبيد: وقال المرتضى فيه وجها ثالثا، أي من أحبنا فليزم نفسه وليقدها إلى الطاعات، وليذللها على الصبر عما كره منها ، فالفقر: أن يحز أنف البعير فيلوى عليه حبل يذلل به الصعب، يقال: فقره إذا فعل به ذلك انتهى.
ولا يخفي أنه لو كان المراد الصبر على الفقر وستره والكف عن إظهار الحاجة إلى الناس، وذلك هو المعبر عنه بالجلباب، كما أشير إليه أولا، لا يقدح فيه ما ذكره أبو عبيد من أن: فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى، لان الامر بالصبر والستر حينئذ يتوجه إلى من ابتلاه الله بالفقر، فالمراد: أن من ابتلى من محبينا بالفقر، فليصبر عليه ولا يكشفها، ولا يستفاد منه فقد الغنى من الشيعة.
وأما الخبر الأول فقد قيل: يحتمل أن تكون مفاده صعوبة حمل محبتهم الكاملة، فيكون قريبا من قوله عليه السلام: إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان.
فتهافت الجبل حينئذ لثقل هذا الحمل، وشدة المهابة، كقوله تعالى " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " وقوله تعالى:
" إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها " والظاهر من المقام أنه ليس المراد بالمحبة، ما في العوام والأوساط بل ما يستلزم التشبه به عليه السلام على وجه كامل، والاقتداء التام به عليه السلام في الفضائل ومحاسن الأعمال، على قدر الطاقة، وإن كانت درجته الرفيعة فوق إدراك الافهام، وأعلى من أن تناله الأوهام، وحق للجبل أن يتهافت عن حمل مثل ذلك الحمل.
* تتميم * في هذه الأحاديث الواردة من طرق الخاصة والعامة، دلالة واضحة على أن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام في الأمراض الحسية، والبلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير، تعظيما لاجرهم، الذي يوجب التفاضل في الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم، بل هو تثبيت لأمرهم وأنهم بشر، إذ لو لم يصبهم ما أصاب سائر البشر، مع ما يظهر في أيديهم من خرق العادة، لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيهم.
وقد ورد هذا التأويل في الخبر، وابتلاؤهم تحفة لهم، لرفع الدرجات التي لا يمكن الوصول إليها بشئ من العمل إلا ببلية، كما أن بعض الدرجات لا يمكن الوصول إليها إلا بالشهادة، فيمن الله سبحانه على من أحب من عباده بها، تعظيما وتكريما له، كما ورد في خبر شهادة سيد الشهداء عليه السلام أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في المنام فقال له: يا حسين لك درجة في الجنة لا تصل إليها إلا بالشهادة.
واستثنى أكثر العلماء ما هو نقص، ومنفر للخلق عنهم كالجنون والجذام والبرص، وحمل استعاذة النبي صلى الله عليه وآله عنها على أنها تعليم للخلق.
وقال المحقق الطوسي قدس سره في التجريد: فما يجب كونه في كل نبي:
العصمة، وكمال العقل، والذكاء، والفطنة، وقوة الرأي، وعدم السهو، وكلما ينفر عنه الخلق من دناءة الاباء، وعهر الأمهات، والفظاظة، والغلظة، والابنة وشبهها، والاكل على الطريق وشبهه.
وقال العلامة في شرحه: وأن يكون منزها عن الا مرضا المنفرة نحو الابنة وسلس الريح، والجذام، والبرص، لان ذلك كله مما ينفر عنه، فيكون منافيا للغرض من البعثة، وضم القوشجي سلس البول أيضا.
وقال القاضي عياض من علماء المخالفين في كتاب الشفاء: قال الله تعالى:
" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " وقال: " ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام " وقال: " وما أرسلنا من قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق " وقال: " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ".
فمحمد صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء من البشر، أرسلوا إلى البشر، ولولا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم، والقبول عنهم، ومخاطبتهم، قال الله تعالى: " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " أي لما كان إلا في صورة البشر، الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك ومخاطبته ورؤيته، إذا كان على صورته، وقال: " لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا " أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه، أو من خص الله تعالى واصطفاه وقواه على مقاومته، كالأنبياء والرسل.
فالأنبياء والرسل وسائط بين الله وخلقه، يبلغونهم أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ويعرفونهم بما لم يعلموه من أمره، وخلقه، وجلاله، وسلطانه، وجبروته وملكوته، فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر، طارئ عليها ما يطرء على البشر من الاعراض والأسقام، والموت والفناء، ونعوت الانسانية، وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر، متعلقة بالماء الاعلى، متشبهة بصفات الملائكة، سليمة من التغيير والآفات، ولا يلحقها غالبا عجز البشرية، ولا ضعف الانسانية.
إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم، لما أطاقوا الاخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم، كما لا يطيقه غيرهم من البشر، ولو كانت أجسامهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة، وبخلاف صفات البشر، لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليه مخاطبتهم كما تقدم من قول الله تعالى.
فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر، ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة، كما قال صلى الله عليه وآله: تنام عيناي ولا ينام قلبي، وقال: إني لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني، فبواطنهم منزهة عن الآفات، مطهرة من النقائص والإعتلالات.
وقال في موضع آخر: قد قدمنا أنه صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء والرسل من البشر، وأن جسمه وظاهره خالص للبشر، يجوز عليه من الآفات والتغييرات، والآلام والأسقام، وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر، هذا كله ليس بنقيصة فيه، لان الشئ إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه، وقد كتب الله على أهل هذه الدار " فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون "، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير، فقد مرض صلى الله عليه وآله واشتكى وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر وناله الاعياء والتعب، ومسه الضعف والكبر، وسقط فجحش شقه، وشجه الكفار وكسروا رباعيته، وسقي السم، وسحر وتداوى، واحتجم وتعوذ ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وآله ولحق بالرفيق الاعلى وتخلص من دار الامتحان والبلوى.
وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منها ، وقتلوا قتلا، ورموا في النار، ووشروا بالمياشير، ومنهم من وقاه الله
ذلك في بعض الأوقات، ومنهم من عصمه كما عصم نبينا صلى الله عليه وآله بعد من الناس.
فلئن لم يكف عن نبينا ربه تعالى يد ابن قميئة يوم أحد، ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوة أهل الطائف، فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور، وأمسك عنه سيف غورث، وحجر أبي جهل، وفرس سراقة، ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم، فلقد وقاه ما هو أعظم من سم اليهودية، وكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى.
وذلك من تمام حكمته، ليظهر شرفهم في هذه المقامات، ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم، وليحقق بامتحانهم بشريتهم، ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم، ضلال النصارى بعيسى بن مريم، وليكون في محنهم تسلية لأممهم، ووفور لإجورهم عند ربهم، تماما على الذي أحسن إليهم.
قال بعض المحققين: وهذه الطواري والتغييرات المذكورة، إنما يختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم، لمشاكلة الجسم، وأما بواطنهم فمنزهة غالبا عن ذلك، معصومة منه، متعلقة بالملاء الاعلى والملائكة لاخذها عنهم، تلقيها الوحي منهم، وقد قال صلى الله عليه وآله: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، وقال: إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، وقال: إني لست أنسى، ولكن انسى ليستن بي.
فأخبر أن سره وباطنه وروحه بخلاف جسمه وظاهره، وأن الآفات التي تحل ظاهره من ضعف، وجوع، ونوم، وسهر، لا يحل منها شئ باطنه، بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن، لان غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه، وهو في نومه عليه السلام حضر القلب، كما هو في يقظته، حتى أنه جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه.
وكذلك غيره إذا جاع، ضعف لذلك جسمه، وحارت قوته، وبطلت في الكلية حملته، وهو عليه السلام قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك، وأنه بخلافهم، بقوله:
لست كهيئتكم، وكذلك أقول إنه في هذه الأحوال كلها من وصب ومرض، وسحر وغضب، لم يجر على باطنه ما يحل به، ولا فاض منه على لسانه وجوارحه مالا يليق به، كما يعتري غيره من البشر.
* تذييل * قال المحقق الطوسي قدس الله روحه في التجريد: بعض الألم قبيح يصدر منا خاصة، وبعضه حسن يصدر منه تعالى ومنا، وحسنه إما لاستحقاقه، أو لاشتماله على النفع، أو دفع الضرر الزائدين، أو لكونه عاديا، أو على وجه الدفع، ويجوز في المستحق كونه عقابا، ولا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن ولا يشترط في الحسن اختيار المتألم بالفعل، والعوض نفع مستحق خال عن تعظيم وإجلال ويستحق عليه تعالى بإنزال الآلام، وتفويت المنافع لمصلحة الغير وإنزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري، أو مكتسب، أو ظن، لا ما يستند إلى فعل العبد.
وأمر عباده بالمضار وإباحته، أو تمكين غير العاقل، بخلاف الاحراق عند الالقاء في النار، والقتل عند شهادة الزور، والانتصاف عليه تعالى واجب عقلا وسمعا، فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم، من دون عوض في الحال يوازي ظلمه.
فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله أعواضه على الأوقات، أو تفضل عليه بمثلها، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه، بحيث لا يظهر له التخفيف، بأن يفرق الناقص على الأوقات، ولا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختار معه الألم، وإن كان منقطعا، ولا يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير والألم على القطع ممنوع، مع أنه غير محل النزاع، ولا يجب إشعار صاحبه بإيصاله عوضا، ولا يتعين منافعه، لا يصح إسقاطه، والعوض عليه تعالى يجب
تزايده إلى حد الرضا عند كل عاقل، وعلينا تجب مساواته.
وقال العلامة نور الله ضريحه في شرحه: اعلم أنا قد بينا وجوب الألطاف والمصالح، وهي ضربان: مصالح في الدين، ومصالح في الدنيا، أعني المنافع الدنياوية، ومصالح الدين إما مضار، أو منافع، والمضار منها آلام وأمراض و غيرهما، كالآجال والغلاء، والمنافع: الصحة، والسعة في الرزق والرخص.
واختلف الناس في قبح الألم وحسنه، فذهبت الثنوية إلى قبح جميع الآلام وذهبت المجبرة إلى حسن جميعها من الله تعالى، وذهبت البكرية، وأهل التناسخ والعدلية إلى حسن بعضها، وقبح الباقي، واختلفوا في وجه الحسن.
إلى أن قال: وقالت المعتزلة: إنه يحسن عند شروطه: أحدها: أن يكون مستحقا، وثانيها: أن يكون نفع عظيم يوفى عليها، وثالثها: أن يكون فيها دفع ضرر أعظم منها ورابعها: أن يكون مفعولا على مجرى العادة: كما يفعله الله تعالى بالحي إذا ألقيناه في النار وخامسها: أن يكون مفعولا على سبيل الدفع عن النفس، كما إذا آلمنا من يقصد قتلنا، لأنا متى علمنا اشتمال الألم على أحد هذه الوجوه، حكمنا بحسنه قطعا، وشرط حسن الألم المبتدأ الذي يفعله الله تعالى كونه مشتملا على اللطف، إما للمتألم أو لغيره، لان خلو الألم عن النفع الزائد الذي يختار المولم معه الألم، يستلزم الظلم، وخلوه عن اللطف يستلزم العبث وهما قبيحان، ولذا أوجب أبو هاشم في أمراض الصبيان مع الأعواض الزائدة اشتمالها على اللطف لمكلف آخر.
وجوز المصنف كأبي الحسين البصري: أن تقع الآلام في الكفار والفساق عقابا للكافر والفاسق، ومنه قاضي القضاة من ذلك، وجزم بكون أمراضهم محنا لا عقوبات، وذهب المصنف كالقاضي والشيخين إلى أنه لا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن، بل لابد من عوض، خلافا لجماعة اكتفوا باللطف، ولو فرضنا اشتمال اللذة على اللطف الذي اشتمل عليه الألم، هل يحسن منه تعالى فعل الألم بالحي
لأجل لطف الغير، مع العوض الذي يختار المكلف لو عرض عليه؟ قال أبو هاشم:
نعم، وأبو الحسين منع ذلك، وتبعه المصنف.
ولا يشترط في حسن الألم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل، وقيد الخلو عن تعظيم وإجلال، ليخرج به الثواب.
والوجه التي يستحق به العوض على الله تعالى أمور:
الأول: إنزال الآلام بالعبد كالمرض وغيره.
الثاني: تفويت المنافع، إذا كانت منه تعالى لمصلحة الغير، فلو أمات الله تعالى ابنا لزيد وكان في معلومه تعالى أنه لو عاش لا ينفع به زيد لاستحق عليه تعالى العوض عما فاته من منافع ولده، ولو كان في معلومه تعالى عدم انتفاعه به، لأنه يموت قبل الانتفاع منه لم يستحق منه عوضا، لعدم تفويت المنفعة منه تعالى، و لذلك لو أهلك ماله استحق العوض بذلك، سواء أشعر بهلاك ماله أو لم يشعر، لان تفويت المنفعة كإنزال الألم، ولو آلمه ولم يشعر به لاستحق العوض وكذا لو فوت عليه منفعة لم يشعر بها، وعندي في هذا الوجه نظر.
الثالث: إنزال الغموم بأن يفعل الله تعالى أسباب الغم، أما الغم الحاصل من العبد نفسه فإنه لا عوض فيه عليه تعالى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.