پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

12 - باب شدة ابتلاء المؤمن وعلته وفضل البلاء

ج ۶۴، ص ۱۹۵–۲۲۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۴

آل عمران : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور.

الانعام: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم

يتضرعون * فلولا إذ جائهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون.

تفسير: " أم حسبتم " قال في المجمع: أي أظننتم وخلتم أيها المؤمنون " أن تدخلوا الجنة " ولما تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتحن الذين مضوا من قبلكم به فتصبروا كما صبروا، وهذا استدعاء إلى الصبر، وبعده الوعد بالنصر.

ثم ذكر سبحانه ما أصاب أولئك فقال: " مستهم البأساء والضراء " والمس واللمس واحد، والبأساء نقيض النعماء، والضراء نقيض السراء، وقيل: البأساء:

القتل، والضراء: الفقر، " وزلزلوا " أي حركوا بأنواع البلايا، وقيل: معناه هنا أزعجوا بالمخافة من العدو، وذلك لفرط الحيرة.

" متى نصر الله " قيل: هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن، وإنما قال الرسول استبطاء للنصر، وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر ولا يجوز أن يكون على جهة الاستبطاء لنصر الله، لان الرسول يعلم أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة، ثم أخبر الله أنه ناصر لأوليائه، فقال: " ألا إن نصر الله قريب ".

وقيل: إن هذا من كلامهم فإنهم قالوا عند الأياس: منى نصر الله، ثم تفكروا وعلموا أن الله منجز وعده، فقالوا: ألا إن نصر الله قريب، وقيل: إنه ذكر كلام الرسول والمؤمنين جملة وتفصيله: وقال المؤمنون متى نصر الله، وقال الرسول: ألا إن نصر الله قريب انتهى.

وأقول: روى في الخرائج عن زين العابدين، عن آبائه عليهم السلام قال: فما تمدون أعينكم؟ لقد كان من قبلكم ممن هو على ما أنتم عليه، يؤخذ فتقطع يده ورجله ويصلب ثم تلا: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " الآية.

وروى في الكافي: عن بكر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقرء " وزلزلوا ثم زلزلوا حتى يقول الرسول ".

وقال في المجمع في قوله تعالى: " لتبلون " أي لتوقع عليكم المحن وتلحقكم الشدائد " في أموالكم " بذهابها ونقصانها " وفي أنفسكم " أيها المؤمنون بالقتل والمصائب، وقيل: بفرض الجهاد وغيره " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب " يعنى اليهود والنصارى، " ومن الذين أشركوا " يعني كفار مكة وغيرهم " أذى كثيرا " من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ومن الكلام الذي يغمهم " من عزم الأمور " أي مما بان رشده وصوابه، ووجب على العاقل العزم عليه، وقيل: أي من محكم الأمور.

وقال في قوله تعالى: " ولقد أرسلنا " أي رسلا " إلى أمم من قبلك " فخالفوهم، " فأخذناهم بالبأساء والضراء " يريد بالفقر والبؤس والأسقام والأوجاع عن ابن عباس " لعلهم يتضرعون " معناه لكي يتضرعوا " فلولا إذ جائهم بأسنا تضرعوا " معناه فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا، " ولكن قست قلوبهم " فأقاموا على كفرهم ولم تنجع فيهم العظة " وزين لهم الشيطان " بالوسوسة والاغراء بالمعصية، لما فيها من عاجل اللذة " ما كانوا يعملون " يعني أعمالهم.

" فلما نسوا ما ذكروا به " أي تركوا ما وعظوا به، " فتحنا عليهم أبواب كل شئ " أي كل نعمة وبركة من السماء والأرض، والمعنى أنه تعالى امتحنهم بالشدائد لكي يتضرعوا ويتوبوا، فلما تركوا ذلك فتح عليهم أبواب النعم، والتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " من النعيم واشتغلوا بالتلذذ، ولم يروه نعمة من الله حتى يشكروه " أخذناهم بغتة " أي مفاجأة من حيث لا يشعرون، " فإذا هم مبلسون " أي آيسون من النجاة والرحمة.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فذلك استدراج

منه ثم تلا هذه الآية، ونحوه ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: يا ابن آدم إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمه فاحذره انتهى.

ويظهر من الآيات أن البلايا والمصائب نعم من الله، ليتعظوا ويتذكروا بها ويتركوا المعاصي، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم، وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لرد عليهم كل شارد، وأصلح لهم كل فاسد.

وتدل على أن تواتر النعم على العباد، وعدم ابتلائهم بالبلايا استدراج منه سبحانه غالبا كما قال علي بن إبراهيم، " لعلهم يتضرعون " يعني كي يتضرعوا فلما لم يتضرعوا فتح الله عليهم الدنيا وأغناهم لفعلهم الردى " فإذا هم مبلسون " أي آيسون وذلك قول الله في مناجاته لموسى عليه السلام.

حدثني أبي، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان في مناجاة الله تعالى لموسى: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته، فما فتح الله على أحد في هذه الدنيا إلا بذنب لينسيه ذلك الذنب فلا يتوب فيكون إقبال الدنيا عليه عقوبة لذنوبه.

وروى الكشي والعياشي باسنادهما، عن أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أن قنبرا مولى أمير المؤمنين عليه السلام ادخل على الحجاج فقال: ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب؟ قال: كنت أوضيه، فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ فقال: كان يتلو هذه الآية " فلما نسوا ما ذكروا به " إلى قوله:

" فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " فقال الحجاج: أظنه كان يتأوله علينا؟ قال: نعم.

1 - كتاب صفات الشيعة للصدوق رحمه الله باسناده، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: البرص شبه اللعنة، لا يكون فينا، ولا في ذريتنا، ولا في شيعتنا.

وباسناده عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن لم يؤمن المؤمن من البلايا في الدنيا، ولكن امنه من العمى في الآخرة ومن الشقاء يعني عمى البصر.

2 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الاسلام بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدا، فطوبى للغرباء فقيل: ومن هم يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، إنه لا وحشة ولا غربة على مؤمن، وما من مؤمن يموت في غربته إلا بكت عليه الملائكة رحمة له، حيث قلت بواكيه، وفسح له في قبره بنور يتلألأ من حيث دفن إلى مسقط رأسه.

3 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل.

بيان: " أشد الناس " بلاء " قيل: المراد بالناس هنا الكمل من الأنبياء والأوصياء والأولياء، فإنهم الناس حقيقة وسائر الناس نسناس، كما ورد في الاخبار والبلاء: ما يختبر ويمتحن به من خير أو شر، وأكثر ما يأتي مطلقا الشر، وما أريد به الخير يأتي مقيدا كما قال تعالى. " بلاء حسنا " وأصله: المحنة.

والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، وبما يكره ليمتحن صبره، يقال: بلاء الله بخير أو شر يبلوه بلوا، وأبلاه إبلاء، وابتلاه ابتلاء بمعنى امتحنه، والاسم: البلاء مثل سلام، والبلوى والبلية مثله.

وقال في النهاية: فيه أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل: أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة، ثم يقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس: خيارهم انتهى.

" ثم الذين يلونهم " أي يقربون منهم ويكونون بعدهم، في المصباح: الولي مثل فلس: القرب، وفي الفعل لغتان أكثرهما وليه يليه بكسرتين، والثانية من باب وعد وهي قليلة الاستعمال، وجلست مما يليه أي يقاربه، وقيل: الولي: حصول الثاني بعد الأول من غير فصل انتهى والمراد بهم الأوصياء عليهم السلام.

4 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن معاوية ابن عمار، عن ناجية قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول: إن المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص، ولا بكذا ولا بكذا، فقال: إن كان لغافلا عن صاحب ياسين إنه كان مكنعا ثم رد أصابعه، فقال: كأني أنظر إلى تكنيعه، أتاهم فأنذرهم، ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه، ثم قال: إن المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة، إلا أنه لا يقتل نفسه.

بيان: المغيرة: هو المغيرة بن سعيد، وقد ذكر الكشي أحاديث كثيرة في لعنه، وقال العلامة قدس سره: إنه كان يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن وقال رحمه الله في مناهج اليقين: القائلون بامامة الباقر عليه السلام اختلفوا بعد موته فالامامية ساقوها إلى ولده الصادق عليه السلام، ومنهم من قال: إنه لم يمت، ومنهم من ساقها إلى غير ولده، فذهب بعضهم إلى أن الامام بعد الباقر عليه السلام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهم أصحاب المغيرة بن سعيد.

وروى الكشي عن الصادق عليه السلام أنه قال يوما لأصحابه: لعن الله المغيرة ابن سعيد ولعن الله يهودية كان يختلف إليها، يتعلم منها السحر، والشعبذة والمخاريق، إن المغيرة كذب على أبي عليه السلام فسلبه الله الايمان وإن قوما كذبوا علي، مالهم أذاقهم الله حر الحديد.

وروى أيضا عن الرضا عليه السلام أنه قال: كان المغيرة يكذب على أبي جعفر عليه السلام فأذاقه الله حر الحديد.

وقال في المواقف: قال مغيرة بن سعيد العجلي: الله جسم على صورة إنسان من نور، على رأسه تاج، وقلبه منبع الحكمة، ولما أراد أن يخلق الخلق تكلم بالاسم الأعظم، فطار، فوقع تاجا على رأسه، ثم إنه كتب على كفه أعمال العباد فغضب من المعاصي، فعرق، فحصل منه بحران أحدهما: مالح مظلم، والاخر حلو نير، ثم اطلع في البحر النير، فأبصر فيه ظله، فانتزعه فجعل منه الشمس والقمر، وأفنى الباقي من الظل نفيا للشريك، ثم خلق الخلق من البحرين فالكفار من المظلم، والمؤمنين من النير.

ثم أرسل محمدا، والناس في ضلال، وعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان وهو أبو بكر بأمر عمر بشرط أن يجعل الخلافة بعده له وقوله تعالى،: " كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر "

نزلت في أبي بكر وعمر.

والامام المنتظر هو زكريا بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، وهو حي في جبل حاجر إلى أن يؤمر بالخروج، وقتل المغيرة فقال بعض أصحابه بانتظاره وبعضهم بانتظار زكريا انتهى.

وقيل: هو المغيرة بن سعد، وكان يلقب بالأبتر، فنسبت إليه البترية من الزيدية، ولم أدر من أين أخذه. " فقال إن كان لغافلا " إن: مخففة من المثقلة " وصاحب ياسين " هو حبيب النجار، وإنذاره إشارة إلى قوله تعالى: " واضرب لهم مثلا أصحاب القرية " وهذه القرية هي أنطاكية في قول المفسرين " إذ جائها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين " أي رسولين من رسلنا " فكذبوهما " أي الرسولين.

قال ابن عباس ضربوهما وسجنوهما " فعززنا بثالث " أي فقوينا وشددنا ظهورهما برسول ثالث، قيل: كان اسم الرسولين شمعون ويوحنا، والثالث بولس و وقال ابن عباس وكعب: صادق، وصدوق والثالث سلوم، وقيل: إنهم رسل عيسى

وهم الحواريون، وإنما أضافهم إلى نفسه لان عيسى عليه السلام أرسلهم بأمره " فقالوا إنا إليكم مرسلون ".

" قالوا " يعني أهل القرية " ما أنتم إلا بشر مثلنا " فلا تصلحون للرسالة كما لا نصلح نحن لها " وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين ".

إلى قوله تعالى: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى " وكان اسمه حبيب النجار، عن ابن عباس وجماعة من المفسرين، وكان قد آمن بالرسول عند ورودهم القرية وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم، جاء يعدو ويشتد، " قال يا قوم اتبعوا المرسلين " الذين أرسلهم الله إليكم، وأقروا برسالتهم.

قالوا: وإنما علم هو نبوتهم لأنهم لما دعوه قال: أتأخذون على ذلك أجرا؟

قالوا: لا، وقيل: إنه كان به زمانة أو جذام فأبرؤوه فآمن بهم عن ابن عباس.

" اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون * ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا هم ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون " فاسمعوا قولي واقبلوه، وقيل: إنه خاطب بذلك الرسل، أي فاسمعوا ذلك حتى تشهدوا لي به عند الله عن ابن مسعود.

قال: ثم إن قومه لما سمعوا ذلك القول منه، وطئوه بأرجلهم، حتى مات فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق، وهو قوله: " قيل ادخل الجنة " وقيل:

رجموه حتى قتلوه، وقيل: إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة ولا يموت إلا بفناء الدنيا وهلاك الجنة، عن الحسن ومجاهد، وقالا إن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها.

وقيل: إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه وأدخله الجنة، فلما دخلها قال:

" يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ".

وفي تفسير الثعلبي بالاسناد عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون وعلي أفضلهم.

كل ذلك ذكره الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان، والاخبار الطويلة المشتملة على تلك القصة قد تقدمت في المجلد الخامس.

" إنه كان مكنعا " في أكثر النسخ بالنون المشددة المفتوحة، وفي بعضها بالتاء وفي القاموس: كنع كمنع كنوعا: انقبض وانضم، وأصابعه: ضربها فأيبسها، وكفرح يبس وتشنج ولزم، وشيخ كنع ككتف: شنج، والكنيع: المكسور اليد، والأكنع الأشل، وكمعظم ومجمل: المقفع اليد: - أي متشنجها أو - مقطوعها، وكنع يده: أشلها، وقال: كتع كمنع: انقبض وانضم، والأكتع: من رجعت أصابعه إلى كفه وظهرت رواجبه. وأقول: كأنه كان الجذام سببا لتكنيع أصابعه كما سيأتي تفسيره بالجذام أو كان هذا الداء أيضا مذكورا في الأدواء التي نفاها عن المؤمن، أو الغرض بيان أن الابتلاء بالأدواء العظيمة الشنيعة لا ينافي كمال الايمان وقيل: كانت أصابعه سقطت من الجدام فأشار عليه السلام بضم أصابعه إلى كفه إلى ذلك.

" ثم رد أصابعه " هذا من كلام الراوي أي رد عليه السلام أصابعه إلى كفه إشارة إلى تكنيعه، فقال: " كأني أنظر إلى تكنيعه " أي أعلم ذلك وكيفيته بعين اليقين " أتاهم " أي حبيب " فأنذرهم " وخوفهم عقاب الله على ترك اتباع الرسل، بما حكى الله تعالى عنه ، وربما يتوهم التنافي بين هذا الخبر، وبين ما ورد عن الصادق عليه السلام أنه إذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه الله من الأدواء الثلاثة: البرص والجذام، والجنون، ويمكن أن يجاب بأنه محمول على الغالب، فلا ينافي الابتلاء بعد

الأربعين نادرا، مع أنه يمكن أن يكون ابتلاء المؤمن قبل الأربعين، وأيضا الخبر ليس بصريح في ابتلائه بالجذام.

" والميتة " بالكسر للحال والهيئة، ويدل على أن قاتل نفسه ليس بمؤمن سواء قتلها بحربة، أو بشرب السم، أو بترك الأكل والشرب، أو ترك مداواة جراحة أو مرض علم نفعها، أما لو أحرق العدو السفينة فألقى من فيها نفسه في البحر فمات فالظاهر أنه أيضا داخل في هذا الحكم خلافا لبعض العامة فإنه أخرجه منه، لأنه فر من موت إلى موت وهو ضعيف، وربما يحمل على من استحل قتل نفسه، والظاهر أن المراد بالمؤمن: الكامل.

5 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن عثمان النوا، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبتلي المؤمن بكل بلية، ويميته بكل ميتة، ولا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيوب كيف سلط الله إبليس على ماله، وعلى ولده وعلى أهله، وعلى كل شئ من، ولم يسلط على عقله ترك له ليوحد الله به.

بيان:: " ولا يبتليه بذهاب عقله " لان فائدة الابتلاء التصبر والتذكر والرضا ونحوها، ولا يتصور شئ من ذلك بذهاب العقل وفساد القلب، ولا ينافي ذهاب العقل لا لغرض الابتلاء، على أن الموضع هو المؤمن، والمجنون لا يتصف بالايمان كذا قيل، لكن ظاهر الخبر أن المؤمن الكامل لا يبتلي بذلك، وإن لم يطلق عليه في تلك الحال اسم الايمان، وكان بحكم المؤمن.

ويمكن أن يكون هذا غالبيا فانا نرى كثيرا من صلحاء المؤمنين، يبتلون في أواخر العمر بالخرافة وذهاب العقل، أو يخص بنوع منه، والوجه الأول لا يخلو من وجه، " وعلى كل شئ منه " ظاهره تسلطه على جميع أعضائه وقواه سوى عقله وقد يؤول بتسلطه على بيته ، وأثاث بيته، وأمثال ذلك، وأحبائه وأصدقائه

وقد سبق بسط القول في قصص أيوب عليه السلام ودفع الشبه الواردة فيها في المجلد الخامس فلا نعيدها حذرا من التكرار.

6 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمان ابن الحجاج قال: ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام: البلاء وما يخص الله عز وجل به المؤمن، فقال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله من أشد الناس بلاء في الدنيا؟ فقال: النبيون ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلي المؤمن بعد على قدر إيمانه، وحسن أعماله، فمن صح إيمانه، وحسن عمله، اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه.

التمحيص: عن عبد الرحمان مثله.

بيان: " السخف " الخفة في العقل وغيره ذكره الجزري والفعل ككرم " وضعف عمله " أي بالكمية أو بالكيفية أو بهما.

7 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عظيم الاجر لمع عظيم البلاء، وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم.

بيان: يدل على أن عظيم البلاء سبب للاجر العظيم، وعلامة لمحبة الرب الرحيم، إذا كان في المؤمن الكريم.

8 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله عز وجل عبادا في الأرض من خالص عباده ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلا صرفها عنهم إلى غيرهم، ولا بلية إلا صرفها إليهم.

تنبيه الخاطر: عن ابن رئاب وكرام بن عمرو، عن أبي بصير مثله.

بيان: " ما ينزل من السماء " أي يقدر فيها " تحفة " أي من التحف الدنيوية وكذا " البلية ".

9 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أحمد بن عبيد، عن الحسين بن علوان، عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال وعنده سدير: إن الله إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا، وإنا وإياكم يا سدير لنصبح به ونمسي.

بيان: " غته " أي غمسه، والباء بمعنى " في " ويحتمل القهر والغم، في النهاية: فيه يغتهم الله في العذاب غتا، أي يغمسهم فيه غمسا متتابعا، ومنه حديث الدعاء: يا من لا يغته دعاء الداعين: أي يغلبه ويقهره، وفي حديث الحوض: يغت فيه ميزابان، مدادهما من الجنة، أي يدفقان فيه الماء دفقا دائما متتابعا، وفي القاموس: غته بالامر كده، وفي الماء غطه، وفلانا غمه وخنقه، " لنصبح به " أي بالغت أو بالبلاء.

10 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن الوليد بن العلا، عن حماد، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا، وثجه بالبلاء ثجا، فإذا دعاه قال: لبيك عبدي!

لئن عجلت لك ما سألت، إني على ذلك لقادر، ولئن ادخرت لك فما ادخرت لك خير لك.

جامع الأخبار: عنه عليه السلام مثله. بيان: في القاموس: ثج الماء: سال، وثجه: أسأله، وفي النهاية: فيه أفضل الحج العج الثج، الثج: سيلان دماء الهدي والأضاحي، يقال: ثجه

يثجه ثجا، ومنه فحلب فيه ثجا، أي لبنا سائلا كثيرا، وحديث المستحاضة إني أثجه ثجا انتهى.

وأقول: ما في هذا الخبر يحتمل أن يكون على الحذف والإيصال والباء زائدة أي ثج عليه البلاء أو يكون تسييله كناية عن شدة ألمه وحزنه، كأنه يذوب من البلاء ويسيل، أو عن توجهه إلى جناب الحق سبحانه بالدعاء والتضرع لدفعه، وقيل: أي أسال دم قلبه بالبلاء.

وأقول: في جامع الأخبار وغيره " بجه " بالباء الموحدة والبج:

الشق والطعن بالرمح.

" فإذا دعاه " أي لدفع البلاء، أو لغيره من المطالب أيضا، وفي القاموس:

ألب: أقام كلب، ومنه لبيك أي أنا مقيم على طاعتك إلبابا بعد إلباب وإجابة بعد إجابة، أو معناه اتجاهي وقصدي لك، من: داري تلب داره: أي تواجهها، أو معناه: محبتي لك، من: امرأة لبة: محبة لزوجها، أو معناه إخلاصي لك من:

حسب لباب: خالص.

11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن زيد الزراد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فإذا أحب الله عبدا ابتلاه الله بعظيم البلاء، فمن رضي فله عند الله الرضا، ومن سخط البلا فله عند الله السخط.

الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن سهل، عن الحسن اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن زيد الشحام، عنه عليه السلام مثله.

التمحيص: عن الشحام مثله.

بيان: " يكافأ به " على بناء المجهول، أي يحازي، أو يساوى، في القاموس:

كافأه مكافأة وكفاء: جازاه، وفلانا: ماثله وراقبه، والحمد لله كفاء الواجب اي ما يكون مكافئا له.

" فإذا أحب الله عبدا " أي أراد أن يوصل الجزاء العظيم إليه، ويرضى عنه ووجده أهلا لذلك ابتلاه بعظيم البلاء من الأمراض الجسمانية، والمكاره الروحانية " فمن رضي " أي ببلائه وقضائه، والظاهر أن المراد بالموصول في الموضعين أعم من العبد المحبوب المتقدم، فان العبد المحبوب لله سبحانه لا يسخط قضاءه، و يحتمل أن يكون المراد بالمحبة، تعريضه للمثوبة، سواء رضي أم لا " فمن رضي فله عند الله الرضا " أي يرضى الله عنه، " ومن سخط " القضاء " فله عند الله السخط " أي الغضب.

12 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن زكريا بن الحر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما يبتلي المؤمن في الدنيا على قدر دينه، أو قال على حسب دينه.

بيان: " أو قال " الشك من الراوي، و " الحسب " بالتحريك المقدار، فمآل الروايتين واحد، قال في المصباح: قولهم: يجزى المرء على حسب عمله: أي على مقداره.

13 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه، عن محمد بن المثنى الحضرمي، عن محمد بن بهلول بن مسلم العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

بيان: " إنما المؤمن " كأن المعنى أن حال المؤمن في إيمانه وبلائه بمنزلة كفتي الميزان، كما ورد: الصلاة ميزان فمن وفى استوفى ، وقيل: المعنى أن المؤمن ككفة الميزان، في أنه كلما وضع فيه يوضع في الكفة الأخرى

ما يوازنه عند الوزن، فكلما زيد في المؤمن من الايمان زيد في الكفة الأخرى وهو الكافر الذي بلاء المؤمن بسببه، سواء كان من الانس أو الجن، فيزيد بلاؤه و أذاه للمؤمن بحسب زيادة إيمان المؤمن.

14 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلا عرض له أمر يحزنه يذكر به.

بيان: " أمر يحزنه " بالضم، قال في المصباح: حزن حزنا من باب تعب والاسم الحزن بالضم فهو حزين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حزنني الامر يحزنني، من باب قتل قاله تغلب والأزهري وفي لغة تميم بالألف، ومثل الأزهري باسم الفاعل والمفعول في اللغتين على بابهما ومنع أبو زيد الماضي من الثلاثي، فقال: لا يقال: حزنه وإنما يستعمل المضارع من الثلاثي فيقال:

يحزنه انتهى.

وقوله: " يذكر به " على بناء المفعول من التفعيل، كأنه سئل عن سبب عروض ذلك الامر، فقال: يذكر به ذنوبه، والتوبة منها، لقوله سبحانه: " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ". وربه القادر على دفع ذلك عنه، فيتضرع لذلك، ويدعو الله لرفعه، وسفالة الدنيا ودناءتها لشيوع أمثال ذلك فيها فيزهد فيها، والآخرة وخلوص لذاتها عن الأحزان والكدورات فيرغب إليها ولا يصلح القلب إصلاح الحزن شئ وقد قيل: إن القلب الذي لا حزن فيه كبيت الخراب.

15 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن المؤمن من الله عز وجل لبأفضل مكان - ثلاثا - إنه ليبتليه بالبلاء، ثم ينزع نفسه عضوا عضوا

من جسده، وهو يحمد الله على ذلك.

بيان: " من الله " أي بالنسبة إليه " ثلاثا " أي قال هذا الكلام ثلاث مرات " نفسه عضوا عضوا " أي روحه من بدنه بالتدريج، وقيل: أراد بقطع بدنه عضوا عضوا فكلما قطع منه عضو سلب الروح منه، وقال بعضهم: النفس بضم النون والفاء جمع نفيس أي يقطع أعضاءه النفيسة بالجذام، ولا يخفى ما فيه والأول أظهر.

16 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن فضيل ابن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في الجنة منزلة لا يبلغها عبد إلا بالابتلاء في جسده.

بيان: يدل على أن بعض درجات الجنة يمكن البلوغ إليها بالعمل و السعي، وبعضها لا يمكن الوصول إليها الا بالابتلاء في الجسد، فيمن الله تعالى على من أحب من عبده بالابتلاء ليصلوا إليها.

17 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الأشعري عن أبي يحيى الحناط، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام ما ألقى من الأوجاع - وكان مسقاما - فقال لي: يا عبد الله لو يعلم المؤمن ماله من الجزاء في المصائب، لتمني أنه قرض بالمقاريض.

بيان: " وكان مسقاما " هذا كلام أبي يحيى، وضمير كان عائد إلى عبد الله و " المسقام " بالكسر الكثير السقم والمرض، " إنه قرض " على بناء المفعول بالتخفيف، أو بالتشديد للتكثير والمبالغة.

وفي المصباح: قرضت الشئ قرضا من باب ضرب: قطعته بالمقراضين، و المقراض أيضا بكسر الميم والجمع: مقاريض، ولا يقال: إذا جمع بينهما مقراض كما تقوله العامة وإنما يقال عند اجتماعهما قرضته قرضا من باب قطعته بالمقراضين

وفي الواحد قطعته بالمقراض.

18 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن رباط قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة أما إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة.

تنبيه الخاطر: عن ابن رباط مثله.

بيان: " منذ كانوا " تامة " وفي شدة " خبر " لم يزالوا " " إلى مدة قليلة " أي إلى انتهاء مدة قليلة هي العمر، ينهي إلى " عافية طويلة " في البرزخ والآخرة وقيل: " إلى " بمعنى مع.

19 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن الحسين بن المختار عن أبي أسامة، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.

بيان: في القاموس تعهده وتعاهده: تفقده وأحدث العهد به، وقال: حمى المريض ما يضره: منعه إياه فاحتمى، وتحمى: امتنع.

وأقول: وجه الشبه في الفقرتين في المشبه وإن كان أقوى، لكن المشبه به عند الناس أظهر وأجلى.

20 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن محمد بن يحيى الخثعمي عن محمد بن بهلول العبدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لم يؤمن الله المؤمن من هزاهز الدنيا، ولكنه آمنه من العمى فيها والشقاء في الآخرة.

بيان: " من هزاهز الدنيا " أي الفتن والبلايا التي يهتز فيها الناس و " العمى "

عمى القلب، الموجب للجهل بالله، والتنفر عن الحق والبعد عن لوازم الايمان وكل ذلك يوجب الشقاء والتعب في الآخرة.

21 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن نوح بن شعيب، عن أبي داود المسترق رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: دعى النبي صلى الله عليه وآله إلى طعام فلما دخل منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت فتقع البيضة على وتد في حائط، فثبتت عليه، ولم تسقط ولم تنكس، فتعجب النبي صلى الله عليه وآله منها فقال له الرجل: أعجبت من هذه البيضة؟ فوالذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا قط.

فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يأكل من طعامه شيئا، وقال: من لم يرزء فما لله فيه من حاجة.

بيان: " فتقع " أي فوقعت، واستعمال المضارع في الماضي في أمثال هذه المواضع شائع، " ما رزئت شيئا " أي ما نقصت، في القاموس: رزأه ماله - كجعله وعلمه - رزعا بالضم: أصاب منه شيئا كارتزأه ماله، ورزأ الشئ: نقصه، والرزيئة المصيبة، وما رزئته بالكسر: ما نقصته.

وفي النهاية: في حديث سراقة: فلم يرزءاني شيئا أي لم يأخذا مني شيئا يقال: رزأته أرزأه وأصله النقص، فقوله: رزئت على بناء المجهول ومفعول، الثاني محذوف.

" فما لله فيه من حاجة " استعمال الحاجة في الله سبحانه مجاز، والمراد أنه ليس من خلص المؤمنين، وممن أعده الله لهداية الخلق ولعبادته ومعرفته، فإن نظام العالم لما كان بوجود هؤلاء. فكأنه محتاج إليهم في ذلك، أو أنهم لما كانوا من حزب الله، وعبدته حقيقة، وأنصار دينه، فكأنه سبحانه محتاج إليهم، كما أن سائر الخلق محتاجون إلى مثل ذلك.

أو المراد حاجة الأنبياء والأوصياء في ترويج الدين، ونسب ذلك إلى ذاته

تعظيما لهم كما ورد في قوله تعالى: " إن تنصروا الله ينصركم " " وما ظلمونا " وأمثالهما.

أو أنه تعالى لما طلب من عباده العبادات بالأوامر وغيرها، كطلب ذي الحاجة ما يحتاج إليه، فاستعملت الحاجة فيه مجازا، أو سلب الحاجة كناية عن سلب اللطف به، وترك الاقبال عليه، لان اللطف والاقبال منا لازمان للحاجة، فنفى الملزوم وأراد نفي اللازم، والوجوه متقاربة.

وإنما امتنع صلى الله عليه وآله من طعامه لان ما ذكره كان من صفات المستدرجين ومن لا خير فيه لا خير في طعامه، والمال الذي لم ينقص منه شئ ملعون كالبدن وقد قال صلى الله عليه وآله: ملعون كل مال لا يزكى، ملعون كل بدن لا يزكى مع أنه يمكن أن يكون علم صلى الله عليه وآله من تقريره أنه لا يؤدي الحقوق الواجبة أيضا.

وأيضا لما كانت الخصلة التي ذكرها صاحب الطعام، مرغوبة بالطبع لسائر الخلق، أراد صلى الله عليه وآله المبالغة في ذمها، لئلا ترغب الصحابة فيها، وليعلموا أنها ليست من صفات المؤمنين.

22 - الكافي: عن العدة، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمان عن أبي عبد الله، وأبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا حاجة لله فيمن ليس له في ماله وبدنه نصيب.

بيان: " فيمن ليس له " أي لله، وإرجاعه إلى المؤمن كما زعم بعيد، والظاهر أن المراد بالنصيب : النقص الذي وقع بقضاء الله وقدره، في ماله أو بدنه، بغير اختيار ويحتمل شموله للاختياري أيضا، كأداء الحقوق المالية، وإبلاء البدن بالطاعة.

23 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي

ابن عقبة، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال إنه ليكون للعبد منزلة عند الله، فما ينالها إلا بإحدى الخصلتين: إما بذهاب ماله، أو ببلية في جسده.

بيان: " بذهاب ماله " بكسر اللام، وقد يقرء بالفتح وعلى الأول يمكن أن يكون على المثال فيشمل ذهاب ولده وأهله وأقاربه وأشباه ذلك، والمراد بالعبد:

المؤمن الخالص الذي يحبه الله.

24 - الكافي: بالاسناد المتقدم عن البرقي، عن ابن فضال، عن مثنى الحناط عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عز وجل: لولا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت رأس الكافر بعصابة حديد لا يصدع رأسه أبدا.

بيان: " لولا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه " كأن مفعول الوجدان محذوف أي شكا أو حزنا شديدا، أو يكون الوجد بمعنى الغضب، أو بمعنى الحزن، فقوله:

" في قلبه " للتأكيد أي وجدا مؤثرا في قلبه باقيا فيه.

في المصباح: وجدته أجده وجدانا بالكسر، ووجدت عليه موجدة في الغضب ووجدت به في الحزن وجدا بالفتح انتهى.

والعصابة بالكسر: ما يشد على الرأس والعمامة، والعصب: الطي الشديد وعصب رأسه بالعصابة، وعصب أيضا بالتشديد أي شده بها، و " الصداع " كغراب وجع الرأس، يقال: صدع على بناء المفعول من التفعيل، وجوز في الشعر التخفيف وذكر الرأس هنا على التجريد، والعصب بالحديد كناية عن حفظه مما يؤلمه ويؤذيه.

وتخصيص الرأس لان أكثر الأمراض العظيمة ينشأ منه وأكثر القوى فيه وذكر الصداع لأنه أقل مراتب الآلام والأوجاع وأخفها، أي فكيف ما فوقه، ويحتمل كون تخصيص الرأس لذلك.

والحاصل أنه: لولا مخافة انكسار قلب المؤمن، أو ضعف يقينه، لما يراه على

الكافر من العافية المستمرة، لقويت الكافر، وصححت جسمه، حتى لا يرى وجعا وألما في الدنيا أبدا.

وقيل تعصيب الرأس كناية عن وضع تاج السلطنة على رأسه، وذكر الحديد كناية عن شدة ملكه بحيث لا تحصل فيه ثملة، ولا يخفى بعده.

وفيه إشارة إلى قوله سبحانه: " لولا أن يكون الناس أمة واحدة " قال الطبرسي رحمه الله: أي لولا أن يجتمع الناس على الكفر، فيكونوا كلهم كفارا على دين واحد، لميلهم إلى الدنيا، وحرصهم عليها " لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة " فالسقف إذا كان من فضة فالحيطان من فضة " ومعارج عليها يظهرون " أي وجعلنا درجا وسلاليم من فضة لتلك السقف، عليها يعلون ويصعدون.

" ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها " أي على تلك السرر " يتكئون وزخرفا " أي ذهبا، أي وجعلنا لهم مع ذلك ذهبا، وقيل: الزخرف: النقوش، وقيل: هو الفرش ومتاع البيت، والمعنى لاعطى الكافر في الدنيا غاية ما يتمناه فيها، لقلتها وحقارتها عنده، ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك لما فيه من المفسدة، " وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين " خاصة لهم.

25 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن عثمان عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

مثل المؤمن كمثل خامة الزرع، تكفئها الرياح كذا وكذا، وكذلك المؤمن تكفئه الأوجاع والأمراض، ومثل المنافق كمثل الإرزبة المستقيمة التي لا يصيبها شئ حتى يأتيه الموت فيقصفه قصفا.

بيان: قد مر معنى " خامة الزرع " في باب أن المؤمن صنفان والفرق

بين التشبيه هنا وبين ما سبق، حيث شبه هناك بعض المؤمنين بها وههنا جميعهم بها هو أنه شبه المعاصي هناك بالريح، وههنا شبه البلايا والأمراض بها، " تكفئها " بالهمز أي تقلبها، في القاموس: كفأه كمنعه: صرفه وكبه وقلبه، كأكفأه وقال: الإزربة، والمرزبة مشددتان، أو الأولى فقط: عصية من حديد و " حتى " في قوله: " حتى يأتيه الموت " متعلق بالجار والمجرور في قوله:

" كمثل الإرزبة "، وفي المصباح: قصفت العود قصفا فانقصفت، مثل كسرته فانكسر، لفظا ومعنا.

ومثل هذه الرواية رواها مسلم في صحيحه باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تكفئها الرياح: تصرفها مرة، وتعدلها أخرى، حتى يأتيه أجله، ومثل المنافق مثل الإرزة المجذية التي لا يصيبها شئ حتى يكون انجعافها مرة واحدة، وفي رواية أخرى مثل الكافر.

قال عياض: الخامة هي الزرع أول ما ينبت، ومعنى تكفئها بضم التاء تميلها الريح وتلقيها بالأرض كالمصروع، ثم تقيمه يقوم على سوقه، ومعنى المجذية:

الثابتة، يقال: أجذى يجذي، و " الانجعاف ": الانقطاع، يقال: جعفت الرجل صرعته.

وقال محيي الدين: الإرزة - بالفتح - وقال بعضهم: هي الإرزة بالمد وكسر الراء على وزن فاعلة، وأنكره أبو عبيد، وقال أهل اللغة: الإرزة بالمد الثابتة، وهذا المعنى صحيح ههنا، فانكار أبي عبيد إنكار الرواية لا إنكار اللغة.

وقال أبو عبيد: شبه المؤمن بالخامة التي تميلها الريح، لأنه يرزأ في نفسه وماله، وشبه الكافر بالإرزة لأنه لا يرزأ في شئ حتى يموت، وإن رزئ لم يوجر حتى يلقى الله بذنوب جمة.

26 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله يوما لأصحابه: ملعون كل مال لا يزكى ملعون كل جسد لا يزكى، ولو في كل أربعين يوما مرة، فقيل: يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟ فقال لهم: أن تصاب بآفة.

قال: فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه، فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم قال لهم: هل تدرون ما عنيت بقولي؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: بلى الرجل يخدش الخدشة، وينكب النكبة، ويعثر العثرة، ويمرض المرضة، ويشاك الشوكة وما أشبه هذا، حتى ذكر في آخر حديثه اختلاج العين.

بيان: " ملعون كل مال لا يزكى " قال الشيخ البهائي برد الله مضجعه:

أي بعيد عن الخير والبركة، يعني لا خير فيه لصاحبه ولا بركة، ويجوز أن يراد ملعون صاحبه، على حذف مضاف، أي مطرود مبعد عن رحمة الله تعالى وقس عليه قوله صلى الله عليه وآله: " ملعون كل جسد لا يزكى " وذكر الزكاة هنا من باب المشاكلة ويجوز أن يكون استعارة تبعية، ووجه الشبه أن كلا منهما وإن كان نقصا بحسب الظاهر إلا أنه موجب لمزيد الخير والبركة في نفس الامر.

" فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك " لأنهم ظنوا أن مراده بالآفة: العاهة والبلية الشديدة التي كثيرا ما يخلوا عنهما الانسان سنين عديدة، فضلا عن أربعين يوما، " قال: بلى " أقول: كأنه جواب عن سؤال مقدر، كأن القوم قالوا: ألا تفسر لنا؟ قال: بلى.

وصحف بعض الأفاضل فقرأ " بلى الرجل " مصدرا مضافا إلى الرجل أي خلقه، كأن البلايا تبلي الجسد وتخلقها و " يخدش " صفة الرجل لان اللام للعهد الذهني، ولا يخفى ما فيه.

وقال الشيخ المتقدم ذكره قدس سره: " يخدش " بالبناء للمفعول، وكذا " ينكب " والخدشة تفرق اتصال في الجلد، من ظفر ونحوه، سواء خرج منه الدم أو لا.

وأقول: النكبة: أن يقع رجله على الحجارة ونحوها، أو يسقط على وجهه أو أصابته بلية خفيفة من بلايا الدهر، في القاموس: النكب: الطرح، ونكب الاناء: هراق ما فيه، والكنانة: نثر ما فيها، والحجارة رجله لثمتها، أو أصابتها، فهو منكوب ونكب، وبه: طرحه، والنكبة بالفتح: المصيبة ونكبه الدهر نكبا ونكبا:

بلغ منه، أو أصابه بنكبة.

وفي النهاية: وقد نكب بالحرة: أي نالته حجارتها، وأصابته، ومنه النكبة وهي ما يصيب الانسان من الحوادث: ومنه الحديث: أنه نكبت أصبعه أي نالته الحجارة.

" ويعثر العثرة " في القاموس: العثرة: المرة من العثار في المشي، وقال الشيخ رحمه الله: المراد عثرة الرجل، ويجوز أن يراد بها ما يعم عثرة اللسان أيضا لكنه بعيد.

" ويشاك الشوكة " يقال: شاكته الشوكة، تشوكه شاكة وشيكة: إذا دخلت في جسده، وانتصاب الشوكة بالمفعولية المطلقة، كانتصاب الخدشة، والنكبة والعثرة، فان: قلت تلك مصادر بخلاف الشوكة، فكيف يكون مفعولا مطلقا؟

قلت: قد يجئ المفعول المطلق غير مصدر إذا لابس المصدر بالالية ونحوها، نحو ضربته سوطا، وإن أبيت فاجعل انتصابها بنزع الخافض أي يشاك بالشوكة.

أقول: وفي القاموس: شاكته الشوكة: دخلت في جسمه، وشكته أنا أشوكه وأشكته : أدخلتها في جسمه، وشاك يشاك شاكة وشيكة - بالكسر: وقع في الشوك، والشوكة - خالطها، وما أشاكه شوكة ولا شاكه بها: ما أصابه بها انتهى.

فعلى بعض الوجوه يمكن أن يكون الشوكة مفعولا ثانيا من غير تقدير.

وقال: " وما أشبه هذا " يحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وآله، وأن يكون من كلام الراوي.

أقول: الظاهر أنه من كلام الصادق عليه السلام إلى آخر الخبر، وضمير حديثه راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله، وقال قدس سره: عد صلى الله عليه وآله اختلاج العين من الآفات لان الاختلاج مرض من الأمراض، وقد ذكره الأطباء، وهو حركة سريعة متواترة غير عادية، يعرض لجزء من البدن، كالجلد ونحوه بسبب رطوبة غليظة لزجة تنحل، فتصير ريحا بخاريا غليظا يعسر خروجه من المسام، وتزاول الدافعة دفعه، فتقع بينهما مدافعة واضطراب.

27 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أيبتلي المؤمن بالجذام والبرص وأشباه هذا؟ قال: فقال: وهل كتب البلاء إلا على المؤمن.

بيان: " وهل كتب البلاء إلا على المؤمن " أي غالبا.

28 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن رواه، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن ليكرم على الله، حتى لو سأله الجنة بما فيها، أعطاه ذلك، من غير أن ينتقص من ملكه شيئا وإن الكافر ليهون على الله حتى لو سأله الدنيا بما فيها لاعطاه من غير أن ينقص من ملكه شيئا، وإن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعاهد الغائب أهله بالطرف، وإنه ليحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.

بيان: كلمة " لو " في الموضعين شرطية إمتناعية، و " أعطاه " جزاؤه، أي لو سأل المؤمن الجنة أعطاه، لكنه لا يسأله ذلك، لأنه يعلم عدم المصلحة في ذلك أو يحب الشركاء فيها ولا يطلب التفرد، مع أنه يمكن أن يعطيه ما هو جنة بالفعل ويخلق أمثالها وأضعافها لغيره.

وأما الكفار فإنه أيضا لا يسأل جميع الدنيا، لأنه لا يؤمن بالله وسعد قدرته بل يعد ذلك ممتنعا، وقيل: لأنه ممتنع أن يسأل الله، لأنه سبحانه لا يدرك

بالكنه ولا بالشخص، بل معرفته منحصرة في أن يعرف بصفات الربوبية، و الكافر لا يعرفه كذلك، وإليه يشير قوله تعالى: " أجيب دعوة الداع إذا دعان " " وانتقص " يكون لازما ومتعديا، والمراد هنا الثاني، في القاموس:

نقص لازم متعد، وأنقصه وانتقصه، ونقصه: فانتقص: وقيل: " شيئا " قائم مقام المفعول المطلق في الموضعين بمعنى انتقاصا وفي المصباح: " الطرفة " ما يستطرف أي يستملح، والجمع طرف، مثل غرفة وغرف، وفي القاموس: أطرف فلانا: أعطاه ما لم يعطه أحد قبله والاسم: الطرفة بالضم.

29 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في كتاب علي عليه السلام: إن أشد الناس بلاء النبيون، ثم الوصيون ثم الأمثل فالأمثل، وإنما يبتلي المؤمن على قدر أعماله الحسنة، فمن صح دينه وحسن عمله، اشتد بلاؤه وذلك أن الله عز وجل لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن، و لا عقوبة لكافر، ومن سخف دينه وضعف عمله قل بلاؤه، وإن البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر إلى قرار الأرض.

علل الشرائع: عن أبيه، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن ابن محبوب مثله.

جامع الأخبار: عن النبي صلى الله عليه وآله مثله إلا أن قوله: " وذلك أن الله " إلى قوله:

" لكافر " في آخر الخبر، وهو أنسب.

بيان: " وذلك أن الله " أقول: دفع لما يتوهم من أن المؤمن لكرامته على الله كان ينبغي أن يكون بلاؤه أقل، والمعنى: أن المؤمن لما كان محل ثوابه الآخرة، لان الدنيا لفنائها وانقطاعها لا يصح أن يكون ثوابا له، فينبغي

أن لا يكون له في الدنيا إلا ما يوجب الثواب في الآخرة، وكذا الكافر لما كنت عقوبته في الآخرة، لان الدنيا لانقطاعها لا تصلح أن تكون عقوبته فيها، فلا يبتلي في الدنيا كثيرا، بل إنما يكون ثوابه لو كان له عمل في الدنيا، بدفع البلاء والسعة في النعماء.

وفي القاموس: " القرار والقرارة ": ما قر فيه، والمطمئن من الأرض شبه عليه السلام البلاء النازل إلى المؤمن بالمطر النازل إلى الأرض، ووجه الشبه متعدد وهو السرعة والاستقرار بعد النزول، وكثرة النفع، والتسبب للحياة، فان البلاء للمؤمن سبب للحياة الأبدية، والمطر سبب للحياة الأرضية.

30 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن مالك بن عطية، عن يونس بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن هذا الذي ظهر بوجهي يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبدا له فيه حاجة، قال: فقال لي:

لقد كان مؤمن آل فرعون مكنع الأصابع، فكان يقول: هكذا - ويمد يديه - و يقول: " يا قوم اتبعوا المرسلين ".

ثم قال لي: إذا كان الثلث الأخير من الليل، في أوله فتوضأ وقم إلى صلاتك التي تصليها، فإذا كنت في السجدة الأخيرة من الركعتين الأوليين، فقل وأنت ساجد: " يا علي يا عظيم، يا رحمان يا رحيم، يا سامع الدعوات، يا معطي الخيرات صل على محمد وآل محمد، وأعطني من خير الدنيا والآخرة ما أنت أهله، واصرف عني من شر الدنيا والآخرة ما أنت أهله، وأذهب عني هذا الوجع - وتسميه - فإنه قد غاظني وأحزنني. وألح في الدعاء، قال: فما وصلت إلى الكوفة حتى أذهب الله به عني كله.

بيان: الظاهر أن الآثار التي ظهرت بوجهه كان برصا، ويحتمل الجذام و

على الأول ذكر المؤمن لبيان أنه إذا جاز ابتلاء المؤمن بالجذام، جاز ابتلاؤه بالبرص بطريق أولى لان الجذام أشد وأخبث.

وأما ذكر مؤمن آل فرعون في هذا الخبر فلعله من اشتباه الرواة، أو النساخ لان الآية المذكورة إنما هي في قصة آل ياسين كما مر في هذا الباب أيضا، و ربما يوجه بوجهين:

أحدهما أن المراد بالفرعون هنا: فرعون عيسى عليه السلام وهو الجبار الذي كان بالإنطاكية حين ورده رسل عيسى عليه السلام، والفرعون يطلق على كل جبار متكبر، نعم شاع إطلاقه على ثلاثة: فرعون الخليل واسمه: سنان، و فرعون يوسف واسمه الريان بن الوليد، وفرعون موسى واسمه: الوليد بن مصعب وإضافته إلى آل فرعون عيسى بأدنى الملابسة، وهو كونه فيهم واشتغاله بإنذارهم، أو باعتبار كونه منهم في نفس الامر.

وثانيهما: كونهما واحدا وكان طويل العمر جدا، ومع إدراكه زمان موسى أدراك زمان عيسى عليهما السلام أيضا مع أنه كان بينهما على رواية ابن الجوزي في التنقيح ألف وستمائة واثنان وثلاثون سنة، وكان اسمه حبيبا النجار، وكان يلقب بمؤمن آل ياسين كما مر في الخبر، وقال في القاموس: خربيل كقنديل اسم مؤمن آل ياسين.

وقال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه " قال: كتم إيمانه ستمائة سنة قال: وكان مجذوما مكنعا، وهو الذي قد وقعت أصابعه، وكان يشير إلى قومه بيديه المكنوعتين، ويقول: " يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد " وفي بعض النسخ: مكتعا وهو الذي قد عقفت

أصابعه، وكان يسير بيديه المعقوفتين، ويقول: والعقف،: العطف، ولا يخفي بعد الوجهين، لا سيما الأخير فإنه ينافيه أخبار كثيرة دالة على تعدد المؤمنين.

" وإذا كان الثلث " " كان " تامة، وقيل ناقصة، واسمه ضمير مستتر راجع إلى العالم أو نحوه، و " الثلث " منصوب بالظرفية الزمانية بقرينة " في أوله " فإنه بدل الثلث والظرف خبر كان، و " تسميه " كلام الإمام عليه السلام اعترض بين الدعاء أي وتسمي الوجع بأن تقول مكان هذا الوجع هذا البرص، وفيه إشعار بأن الدعاء لا يخص البرص.

" وأحزنني " وفيما سيأتي في كتاب الدعاء " حزنني " وكلاهما صحيح فيقال: حزنه وأحزنه، و " الإلحاح ": المداومة والمبالغة بالتضرع، والتكرار والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم وأشباه ذلك، قال في المصباح:

ألح السحاب إلحاحا: دام مطره، ومنه ألح الرجل على الشئ: إذا أقبل عليه مواظبا.

31 - ب: عن محمد بن الوليد، عن عبد الله بن بكير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أيبتلي المؤمن بالجذام والبرص وأشباه هذا؟ قال: وهل كتب البلاء إلا على المؤمن؟. 32 - الخصال: عن ابن مسرور، عن ابن بطة، عن البرقي، عن أبيه رفعه إلى زرارة بن أوفى قال: دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام فقال: يا زرارة الناس في زماننا على ست طبقات: أسد، وذئب، وثعلب، وكلب، وخنزير وشاة.

فأما الأسد فملوك الدنيا، يحب كل واحد أن يغلب ولا يغلب.

وأما الذئب فتجاركم يذمون إذا اشتروا، ويمدحون إذا باعوا.

وأما الثعلب: فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم، ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم.

وأما الكلب يهر على الناس بلسانه، ويكرهه الناس من شره لسانه.

وأما الخنزير: فهؤلاء المخنثون وأشباههم، لا يدعون إلى فاحشة إلا أجابوا.

وأما الشاة: فالذين تجر شعورهم ويؤكل لحومهم، ويكسر عظمهم فكيف تصنع الشاة بين أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير.

بيان: المراد بالشاة: المؤمن المبتلى بهؤلاء، وجر الشعر: كناية عن الاستيلاء عليهم، وجرهم إلى بيوت الظلمة للدعاوي الباطلة، أو الاستخفاف بهم وفي بعض النسخ بالزاي فهو بالمعنى الأخير، وأكل لحومهم: غيبتهم، وكسر عظمهم:

ضربهم وشدة الجور عليهم.

33 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة مؤمن إلا وله جار يؤذيه.

صحيفة الرضا (ع): عنه عليه السلام مثله.

34 - أمالي الطوسي: عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث عن آبائه، عن الصادق عليهم السلام مثله وفيه: رجل مؤمن.

35 - أمالي الطوسي: عن الغضائري، عن هارون بن موسى، عن محمد بن همام، عن الحسين بن أحمد المالكي، عن اليقطيني، عن يحيى بن زكريا، عن داود بن كثير، عن أبي خالد البرقي قال: حدثنا أبو عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: لولا أني أستحيي من عبدي المؤمن، ما تركت عليه خرقة يتوارى بها وإذا كملت له الايمان ابتليته بضعف في قوته، وقلة في رزقه، فان هو حرج أعدت إليه، فإن صبر باهيت به ملائكتي.

ألا وقد جعلت عليا علما للناس فمن تبعه كان هاديا، ومن تركه كان ضالا لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق.

بيان: فان هو حرج - كفرح - أي ضاق صدره ولم يصبر، " أعدت إليه " أي ما أخذت منه: الرزق أو القوة.

36 - أمالي الطوسي: عن علي بن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن إبراهيم بن إسحاق عن أبي جعفر المطلبي، عن محمد بن خالد التميمي، عن علي بن أبان، عن ابن نباته قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فأتاه رجل فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأحبك في السر، كما أحبك في العلانية.

قال: فنكت بعوده ذلك في الأرض طويلا ثم رفع رأسه، فقال: صدقت إن طينتنا طينة مرحومة، أخذ الله ميثاقها يوم أخذ الميثاق، فلا يشذ منها شاذ، ولا يدخل فيها داخل إلى يوم القيامة، أما إنه فاتخذ للفقر جلبابا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الفاقة إلى محبيك أسرع من السيل من أعلى الوادي إلى أسفله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.