پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب تأثير السحر والعين وحقيقتهما زائدا على

ج ۶۰، ص ۳۰–۴۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۹

وتلحق به الطلسمات، وهي تمزيج القوى العالية الفاعلة بالقوى السافلة المنفعلة، ليحدث عنها فعل غريب. فعمل هذا كله والتكسب به حرام، والأكثر على أنه لا حقيقة له، بل هو تخييل، وقيل: أكثره تخييل، وبعضه حقيقي، لأنه تعالى وصفه بالعظمة في سحرة فرعون، ومن التخييل إحداث خيالات لا وجود لها في الحس المشترك للتأثير في شئ آخر، وربما ظهر إلى الحس.

وتلحق به الشعبذة، وهي الأفعال العجيبة المرتبة على سرعة اليد بالحركة، فيلبس على الحس، وقيل: الطلسمات كانت معجزات للأنبياء.

وأما الكيمياء فيحرم المسمى بالتكليس بالزيبق والكبريت والزاج والتصدية وبالشعر والبيض والمرار والأدهان كما تفعله الجهال، أما سلب الجواهر خواصها.

وإفادتها خواص أخرى بالدواء المسمى بالإكسير أو بالنار الملينة الموقدة على أصل الفلزات أو لمراعاة نسبها في الحجم والوزن، فهذا مما لا يعلم صحته، وتجنب ذلك كله أولى وأحرى.

وقال الشهيد الثاني - رفع الله مقامه -: السحر هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام وعزائم ونحوها يحدث بسببها ضرر على الغير، ومنه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطيها، وإلقاء البغضاء بينهما، ومنه استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب، واستحضارهم وتلبسهم ببدن صبي أو امرأة وكشف الغائب على لسانه، فتعلم ذلك وأشباهه وعمله وتعليمه كله حرام والتكسب به سحت، ويقتل مستحله. ولو تعلمه ليتوقى به أو ليدفع به المتنبي بالسحر فالظاهر جوازه، وربما وجب على الكفاية كما هو خيرة الدروس، ويجوز

حله بالقرآن والأقسام كما ورد في رواية القلا.

وهل له حقيقة، أو هو تخييل؟ الأكثر على الثاني، ويشكل بوجدان أثره في كثير من الناس على الحقيقة، والتأثر بالوهم إنما بتم لو سبق للقابل علم بوقوعه، ونحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلا حتى يضر به، ولو حمل تخييله على ما تظهر من تأثيره في حركات الحيات والطيران ونحوهما أمكن، لا في مطلق التأثير وإحضار الجان وشبه ذلك فإنه أمر معلم لا يتوجه دفعه.

ثم قال: والكهانة عمل بوجوب طاعة بعض الجان له واتباعه (له) بحيث يأتيه بالأخبار، وهو قريب من السحر. ثم قال: والشعبذة عرفوها بأنها الحركات السريعة التي تترتب عليها الأفعال العجيبة، بحيث يتلبس على الحس الفرق بين الشئ وشبهه لسرعة الانتقال منه إلى شبهه.

أقول: ونحو ذلك قال المحقق الأردبيلي روح الله روحه في شرح الإرشاد وقال: الظاهر أن له حقيقة بمعنى أنه يؤثر بالحقيقة لا أنه إنما يتأثر بالوهم فقط ولهذا نقل تأثيره في شخص لم يعرف ولا يشعر بوقوعه فيه، نعم يمكن أن لا حقيقة له بمعنى أن لا يوجد حيوان بفعله، بل يتخيل، كقوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " مع أنه لا ثمرة في ذلك، إذ لا شك في عقابه ولزوم الدية وعوض ما يفوت بفعل الساحر عليه.

وقال ابن حجر في " فتح الباري " في العين تقول: عنت الرجل أصبته بعينك، فهو معيون ومعين، ورجل عاين ومعيان وعيون. والعين يضر باستحسان مشوب بحسد من حيث الطبع يحصل للمبصور منه ضرر. وقد استشكل ذلك على بعض الناس فقال:

كيف يعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ والجواب أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العاين في الهواء إلى بدن المعيون.

وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال: إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت

حرارة تخرج من عيني! ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من العروش من غير أن تمسها. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمد فيرمد، ويتثأب بحضرته فيتثأب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال.

وقال الخطابي: في الحديث أن للعين تأثيرا في النفوس، وأبطال قول الطباعيين إنه لا شئ إلا ما تدركه الحواس الخمس ، وما عدا ذلك لا حقيقة له.

وقال المازري: زعم بعض الطباعيين أن العاين تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد، وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العاين بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضر عند مقابلة شخص لآخر وهل ثم جواهر خفية أولا، هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه.

ومن قال ممن ينتمي إلى الاسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العاين فتتصل بالمعيون وتتخلل مسام جسمه فيخلق البارئ الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه جائز أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة انتهى.

وهو كلام سديد، وقد بالغ ابن العربي في إنكاره فقال: ذهبت الفلاسفة إلى أن الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما يؤثر في نفسها ثم يؤثر في غيرها.

وقيل: إنما هو سم في عين العاين يصيبه بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به.

ثم رد الأول بأنه لو كان كذلك لما تخلفت الإصابة في كل حال، والواقع بخلافه. والثاني بأن سم الأفعى جزء منها، وكلها قاتل، والعاين ليس يقتل منه

شئ في قولهم إلا بصره، وهو معنى خارج عن ذلك. قال: والحق أن الله يخلق عند بصر العاين إليه وإعجابه (به) إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقية أو بالاغتسال أو بغير ذلك انتهى كلامه -.

وفيه: (بعض) ما يتعقب، فإن الذي مثل بالأفعى لم يرد أنها تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن جنسا من الأفاعي اشتهر أنها إذا وقع بصرها على الانسان هلك، فكذلك العاين. وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي تذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزاز بسند حسن عن جابر رفعه قال: أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس. قال الراوي: يعني بالعين. وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فترى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند روية من يخافه، وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه ويضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح. والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة.

والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل. والذي يخرج من عين العاين سهم معنوي إن صادف بدنا لا وقاية له أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء.

وقال في بيان السحر: قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان: أحدها

ما دق ولطف، ومنه سحرت الصبي: خدعته واستملته، فكل من استمال شيئا فقد سحره: إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس: ومنه قول الأطباء " الطبيعة ساحرة " ومنه قوله تعالى " بل نحن قوم مسحورون " أي مصروفون عن المعرفة: ومنه حديث " إن من البيان لسحرا ".

الثاني ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " وقوله تعالى " سحروا أعين الناس " ومن هناك سموا موسى عليه السلام ساحرا، وقد يستعان في ذلك بما يكون فيه خاصية كحجر المقناطيس.

الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ".

الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واشتراك روحانياتها بزعمهم، قال ابن حزم: ومنه ما يؤخذ من الطلسمات كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب، فينفع من لدغة العقرب، وقد يجمع بعضهم بين الامرين: الاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم.

ثم السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرقي والنفث، وتارة تكون من المحسوسات كتصوير صورة على صورة المسحور، وتارة يجمع الأمرين الحسي والمعنوي، وهو أبلغ.

واختلف في السحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وقال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة

المشهورة - انتهى.

لكن محل النزاع أنه هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا، فمن قال إنه تخييل فقط منع من ذلك، ومن قال له حقيقة اختلفوا [في أنه] هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه. فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف فإن كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه.

ونقل الخطابي أن قوما أنكروا السحر مطلقا، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة.

وقال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأن له حقيقة ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر ولأن العقل لا ينكر أن الله تعالى قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق وتركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع أكثر من ذلك لذكره.

قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك قال: والآية ليست نصا في منع الزيادة ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك.

ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقع غالبا انفاقا، وأما المعجزة فتمتاز من الكرامة بالتحدي.

ونقل إمام الحرمين الاجماع على أن السحر لا يظهر إلا عن فاسق، والكرامة

لا تظهر عن الفاسق. ونقل النووي في زيادات الروضة عن المستولي نحو ذلك وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر، لأنه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين.

وقال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس. ومادتها الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبتها وأوقاته، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون " وجاؤا بسحر عظيم " مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا.

ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب، كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر في الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانا وعكسه بسحر الساحر ونحو ذلك انتهى.

وقال شارح المقاصد: السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيها التعلم والتلمذ، وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة، وبأنه لا يكون بحسب اقتراح المعترض، وبأنه يختص ببعض الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط، وبأنه قد يتصدى لمعارضته ويبذل الجهد في الإتيان بمثله وبأن صاحبه ربما يعلن بالفسق، ويتصف بالرجس في الظاهر والباطن، والخزي في الدنيا والآخرة، إلى غير ذلك من وجوه المفارقة. وهو عند أهل الحق جائز عقلا ثابت سمعا وكذلك الإصابة بالعين .

وقالت المعتزلة: هو مجرد إراءة ما لا حقيقة له بمنزلة الشعبذة التي سببها خفة حركات اليد أو خفاء وجه الحيلة فيه.

لنا على الجواز ما مر في الإعجاز، من إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة الله له، فإنه هو الخالق، وإنما الساحر فاعل وكاسب. وأيضا إجماع الفقهاء، وإنما اختلفوا في الحكم. وعلى الوقوع وجوه:

منها قوله تعالى " يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت إلى قوله - فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " وفيه إشعار بأنه ثبات حقيقة، ليس مجرد إراءة وتمويه وبأن المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده.

ومنها سورة الفلق، فقد اتفق جمهور المسلمين على أنها نزلت فيما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى مرض ثلاث ليال.

ومنها ما روي أن جارية سحرت عايشة، وأنه سحر ابن عمر حتى تكوعت يده.

فإن قيل: لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين، ولحصلوا لأنفسهم الملك العظيم، وكيف يصح أن يسحر النبي صلى الله عليه وآله وقد قال الله " والله يعصمك من الناس " " ولا يفلح الساحر حيث أتى " وكانت الكفرة يعيبون النبي صلى الله عليه وآله بأنه مسحور، مع القطع بأنهم كاذبون.

قلنا: ليس الساحر يوجد في كل عصر وزمان، وبكل قطر ومكان، ولا ينفذ حكمه كل أوان، ولا له يد في كل شئ والنبي صلى الله عليه وآله معصوم من أن يهلكه الناس أو يوقع خللا في نبوته، لا أن يوصل ضررا وألما إلى بدنه، ومراد الكفار بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بالسحر حيث ترك دينهم.

فان قيل: قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام " يخيل إليه من سحرهم أنها

تسعى " يدل على أنه لا حقيقة للسحر، وإنما هو تخييل وتمويه.

قلنا: يجوز أن يكون سحرهم إيقاع ذلك التخيل وقد تحقق، ولو سلم فكون أثره في تلك الصورة هو التخييل لا يدل على أنه لا حقيقة له أصلا.

وأما الإصابة بالعين وهو أن يكون لبعض النفوس خاصية أنها إذا استحسنت شيئا لحقه الآفة، فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وآله " العين حق يدخل الرجل القبر والجمل القدر " وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون - الآية " نزلت في ذلك.

وقالوا: كان العين في بني أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شئ يقول فيه " لم أر كاليوم " إلا عانه، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصنعة أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك، فعصمه الله.

واعترض الجبائي أن القوم ما كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وآله نظر استحسان بل مقت ونقص.

والجواب أنهم كانوا يستحسنون منه الفصاحة وكثيرا من الصفات، وإن كانوا يبغضونه من جهة الدين.

ثم للقائلين بالسحر والعين اختلاف في جواز الاستعانة بالرقى والعوذ، وفي جواز تعليق التمائم، وفي جواز النفث والمسح. ولكل من الطرفين أخبار وآثار، والجواز هو الأرجح، والمسألة بالفقهيات أشبه - انتهى -.

وأقول: الذي ظهر لنا مما مضى من الآيات والأخبار والآثار أن. للسحر تأثيرا ما في بعض الأشخاص والأبدان، كإحداث حب أو بغض أو هم أو فرح، وأما تأثيره في إحياء شخص، أو قلب حقيقة إلى أخرى، كجعل الانسان بهيمة، فلا ريب في نفيهما، وأنهما من المعجزات. وكذا في كل ما يكون من هذا القبيل، كإبراء

الأكمه والأبرص، وإسقاط يد بغير جارحة أو وصل يد مقطوع، أو إجراء الماء الكثير من بين الأصابع أو من حجر صغير وأشباه ذلك.

والظاهر أن الإماتة أيضا كذلك، فإنه بعيد أن يقدر الانسان على أن يقتل رجلا بغير ضرب وجرح وسم وتأثير ظاهر في بدنه، وإن أمكن أن يكون الله تعالى جعل لبعض الأشياء تأثيرا في ذلك ونهى عن فعله، كما أنه سبحانه جعل الخمر مسكرا ونهى عن شربه، وجعل الحديد قاطعا ومنع من استعماله في غير ما أحله، وكذا التمريض، لكنه أقل استبعادا.

فان قيل: مع تجويز ذلك يبطل كثير من المعجزات، ويحتمل فيه السحر.

قلنا: قد مر أن المعجزة تحدث عند طلبها بلا آلات وأدوات ومرور زمان يمكن فيه تلك الأعمال، بخلاف السحر، فإنه لا يحصل إلا بعد استعمال تلك الأمور ومرور زمان. وأيضا الفرق بين السحر والمعجز [ة] بين عند العارف بالسحر وحقيقته ولذا حكم بعض الأصحاب بوجوب تعلمه كفاية. ويروى عن شيخنا البهائي قدس الله روحه أنه لو كان خروج الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله مع قبض يده وصم أصابعه إلى كفه كان يحتمل السحر، وأما مع بسط الأصابع وتفريجها فلا يحتمل السحر، وذلك واضح وعند من له دربة في صناعة السحر.

وأيضا معجزات الأنبياء لا تقع على وجه تكون فيه شبهة لأحد، إلا أن يقول معاند بلسانه ما ليس في قلبه، فإن الساحر ربما يخيل ويظهر قطرات من الماء من بين أصابعه أو كفه أن من حجر صغير، وأما أن يجري أنهار كبيرة بمحض ضرب العصا أو يروي كثيرا من الناس والدواب بما يجري من بين أصابعه بلا معاناة عمل أو استعانة بآلة، فهذا مما يعرف كل عاقل أنه لا يكون من السحر. وكذا إذا دعا على أحد فمات أو مرض من ساعته، فإن مثل هذا لا يكون سحرا بديهة.

وأما جهة تأثيره فما كان من قبيل التخييلات والشعبدة فأسبابها ظاهرة عند العاملين بها تفصيلا، وعند غيرهم إجمالا، كما مر في سحر سحرة فرعون، واستعانتهم

بالزئبق أو إرائتهم أشياء بسرعة اليد لا حقيقة لها.

وأما حدوث الحب والبغض والهم وأمثالها، فالظاهر أن الله تعالى جعل لها تأثيرا وحرمها كما أومأنا إليه، وهذا مما لا ينكره العقل، ويحتمل أن يكون للشياطين أيضا مدخلا في ذلك. ويقل أو يبطل تأثيرها بالتوكل والدعاء والآيات والتعويذات.

ولذا كان شيوع السحر والكهانة وأمثالهما في الفترات بين الرسل وخفاء آثار النبوة واستيلاء الشياطين أكثر، وتضعف وتخفى تلك الأمور عند نشر آثار الأنبياء وسطوع أنوارهم كأمثال تلك الأزمنة، فإنه ليس من دار ولا بيت إلا وفيه مصاحف كثيرة وكتب جمة من الأدعية والأحاديث، وليس من أحد إلا ومعه مصحف أو عوذة أو سورة شريفة، وقلوبهم وصدورهم مشحونة بذلك، فلذا لا نرى منها أثرا بينا في تلك البلاد إلا نادرا في البلهاء والضعفاء والمنهمكين في المعاصي، وقد نسمع ظهور بعض آثارها في أقاصي البلاد، لظهور آثار الكفر وندور أنوار الإيمان فيها، كأقاصي بلاد الهند والصين والترك.

وأما تأثير السحر في النبي والإمام - صلوات الله عليهما - فالظاهر عدم وقوعه وإن لم يقم برهان على امتناعه إذا لم ينته إلى حد يخل بغرض البعثة، كالتخبيط والتخليط، فإنه إذا كان الله سبحانه أقدر الكفار لمصالح التكليف على حبس الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وضربهم وجرحهم وقتلهم بأشنع الوجوه فأي استحالة على أن يقدروا على فعل يؤثر فيهم هما ومرضا؟

لكن لما عرفت أن السحر يندفع بالعوذ والآيات والتوكل، وهم عليهم السلام معادن جميع ذلك، فتأثيره فيهم مستبعد، والأخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية أو ضعيفة ومعارضة بمثلها، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك.

وأما ما يذكر من بلاد الترك أنهم يعملون ما يحدث به السحب والأمطار فتأثير أعمال مثل هؤلاء الكفرة في الآثار العلوية وما به نظام العالم مما يأبى عنه العقول

السليمة، والأفهام القويمة، ولم يثبت عندنا بخبر من يوثق بقوله.

وأما العين فالظاهر من الآيات والأخبار أن لها تحققا أيضا، إما بأن جعل الله تعالى لذلك تأثيرا وجعل علاجه التوكل والتوسل بالآيات والأدعية الواردة في ذلك أو بأن الله تعالى يفعل في المعين فعلا عند حدوث ذلك لضرب من المصلحة، وقد أومأنا إلى وجه آخر فيما مر.

وبالجملة لا يمكن إنكار ذلك رأسا، لما يشاهد من ذلك عينا، وورود الأخبار به مستفيضا، والله يعلم وحججه عليهم السلام حقائق الأمور.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.