پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب تأثير السحر والعين وحقيقتهما زائدا على

ج ۵۹، ص ۳۵۶–۳۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۹

البقرة: يعلمون الناس السحر - إلى قوله - فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله.

الأعراف: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم. يونس: ولا يفلح الساحرون. وقال تعالى: وقال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. يوسف: وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب

قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

طه: قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - إلى قوله تعالى - إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى.

القلم: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون. وما هو إلا ذكر للعالمين.

الفلق: ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد ".

تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " يعلمون الناس السحر " السحر والكهانة والحيلة نظائر، يقال: سحره يسحره سحرا. وقال صاحب العين:

السحر عمل يقرب إلى الشياطين، ومن السحر الآخذة التي تأخذ العين حتى تظن أن الامر كما ترى وليس الامر كما ترى. فالسحر عمل خفي لخفاء سببه، يصور الشئ بخلاف صورته، ويقلبه عن جنسه في الظاهر، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألا ترى إلى قوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ".

وقال في قوله: " ما يفرقون به ": فيه وجوه: أحدها أنهم يوجدون أحدهما على صاحبه ويبغضونه إليه فيؤدي ذلك إلى الفرقة عن قتادة. وثانيها: أنهم يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرق بينهما على اختلاف النحلة وتباين الملة. و ثالثها أنهم يسعون بين الزوجين بالنميمة والوشاية حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة و المباينة. " إلا بإذن الله " أي يعلم الله فيكون تهديدا أو بتخلية الله.

وقال البيضاوي: المراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الانسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا يميز الساحر عن النبي والولي.

وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحرا على التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه.

وقال الشيخ - قدس سره - في التبيان: قيل في معنى السحر أربعة أقوال: أحدها أنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة.

والثاني أنه أخذ بالعين على وجه الحيلة. والثالث أنه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، وإنشاء الأجسام على وجه الاختراع، فيمكن الساحر أن يقلب الانسان حمارا وينشئ أجساما. والرابع أنه ضرب من خدمة الجن. وأقرب الأقوال الأول لأن كل شئ خرج عن العادة الجارية فإنه سحر لا يجوز أن يتأتى من الساحر، ومن جوز شيئا من هذا فقد كفر، لأنه لا يمكن مع ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات، لأنه أجاز مثله على جهة الحيلة والسحر.

وقال النيسابوري: السحر في اللغة عبار عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، ومنه الساحر العالم، وسحره خدعه، والسحر الرئة. وفي الشرع مختص بكل أمر يختفي سببه ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع. وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد، وهو السحر الحلال. قال صلى الله عليه وآله: إن من البيان لسحرا.

ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات

والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم.

ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، بدليل أن الجذع الذي يتمكن الانسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض، لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر، والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء.

ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية، وهو المسمى بالعزائم وتسخير الجن.

ومنها التخييلات الآخذة بالعيون، وتسمى بالشعبدة. ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضرورة الخلاء. ومن هذا الباب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال. وهذا لا يعد من السحر عرفا لأن لها أسبابا معلومة يقينية.

ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار.

ومنها تعليق القلب، وهو أن يدعى الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم، و أن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في قلبه نوع من الرعب وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء.

ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة - انتهى -.

وهذا فذلكة مما نقلنا عن الرازي في باب عصمة الملائكة.

وقال أيضا في قوله سبحانه " فيتعلمون ": أي فيتعلم الناس من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه، إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرق بينهما بالتمويه والاحتيال، كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لأن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " أي بإرادته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئا من أفعاله، وإن شاء لم يحدث. وكان الذي يتعلمون منهما لم يكن مقصورا على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى - انتهى -.

وقد مر من تفسير الإمام عليه السلام " فيتعلمون " يعني طالبي السحر " منهما " يعني مما كتبت الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات، ومما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، يتعلمون من هذين الصنفين " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " هذا من يتعلم للإضرار بالناس، يتعلمون التضريب بضروب الحيل والنمائم والايهام أنه قد دفن في موضع كذا وعمل كذا ليحبب المرأة إلى الرجل، والرجل إلى المرأة، أو يؤدي إلى الفراق بينهما. " وما هم بضارين به " أي ما المتعلمون لذلك بضارين به " من أحد إلا بإذن الله " يعني بتخلية الله وعلمه، فإنه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر.

وقال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " فلما ألقوا " أي فلما ألقى السحرة ما عندهم من السحر احتالوا في تحريك العصي والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق، حتى تحركت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس، وخيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية. وإنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته، وخفي ذلك عليهم لبعده منهم، لأنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. وفي هذا دلالة على أن السحر لا حقيقة له، لأنه لو صارت حياة حقيقة لم يقل الله سبحانه " سحروا أعين الناس " بل كان يقول " فلما ألقوا صارت حياة " - انتهى -.

وقال الرازي: احتج القائلون بأن السحر محض التمويه بهذه الآية. قال القاضي: لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم، فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة، مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه.

قال الواحدي: بل المراد سحروا أعين الناس أي قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وقال الطبرسي: " ولا يفلح الساحرون " أي لا يظفرون بحجة، ولا يأتون على ما يدعونه ببينة، وإنما هو تمويه على الضعفة.

" ما جئتم به السحر " أي الذين جئتم به من الحبال والعصي السحر، لا ما جئت به. " إن الله سيبطل هذا السحر الذي عظمتموه. " إن الله لا يصلح عمل المفسدين " إن الله لا يهيئ عمل من قصد إفساد الدين ولا يمضيه، ويبطله حتى يظهر الحق من الباطل.

وقال في قوله " لا تدخلوا من باب واحد " خاف عليهم العين، لأنهم كانوا ذوي جمال، وهيئة وكمال، وهم إخوة، أولاد رجل واحد، عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبو مسلم. وقيل: خاف عليهم حسد الناس إياهم، وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم، فيحبسهم أو يقتلهم خوفا على ملكه، عن الجبائي، وأنكر العين وذكر أنه لم يثبت بحجة، وجوزه كثير من المحققين، ورووا فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله " إن العين حق تستنزل الحالق " والحالق المكان المرتفع من الجبل وغيره، فجعل عليه السلام العين كأنها تحط ذروة الجبل، من قوة أخذها، وشدة بطشها.

وورد في الخبر أنه صلى الله عليه وآله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بأن يقول " أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " وروي أن إبراهيم

عليه السلام عوذ ابنيه، وأن موسى عليه السلام عوذ ابني هارون بهذه العوذة، وروي أن بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا، فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن العين إليهم سريعة، أفأسترقي لهم من العين؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. وروي أن جبرئيل عليه السلام رقى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمه الرقية، وهي: " بسم الله أرقيك من كل عين حاسد الله يشفيك " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين.

ثم اختلفوا في وجه تأثير الإصابة بالعين، فروي عن عمرو بن بحر الجاحظ أنه قال: لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشئ المستحسن أجزاء لطيفة تتصل به وتؤثر فيه، ويكون هذا المعنى خاصة في بعض الأعين كالخواص في بعض الأشياء.

وقد اعترض على ذلك بأنه لو كان كذلك لما اختص ذلك ببعض الأشياء دون بعض، ولأن الأجزاء تكون جواهر، والجواهر متماثلة، ولا يؤثر بعضها في بعض . وقال أبو هاشم: إنه فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة، وهو قول القاضي.

ورأيت في شرح هذا للشريف الأجل الرضي الموسوي - قدس الله روحه - كلاما أحببت إيراده في هذا الموضع. قال: إن الله يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها، فغير ممتنع أن يكون تغييره نعمة زيد مصلحة لعمرو، وإذا كان تعالى يعلم من حال عمرو أنه لو لم يسلب زيدا نعمته أقبل على الدنيا بوجهه، ونأى عن الآخرة بعطفه. وإذا سلب نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه عنها، وأعطاه بدلا منها عاجلا وآجلا، فيمكن أن يتأول قوله عليه السلام " العين حق " على هذا الوجه. على أنه قد روي عنه عليه السلام ما يدل على أن الشئ إذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره، وصغر أمره، وإذا كان الأمر على هذا فلا ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه، واستحسانه له، وعظمه في صدره، وفخامته في عينه، كما روي أنه قال - لما سبقت ناقته العضباء، وكانت إذا سوبق بها لم تسبق -: " ما رفع العباد من شئ إلا وضع الله منه " ويجوز

أن يكون ما أمر به المستحسن للشئ عند الرؤية من تعويذه بالله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشئ المستحسن، فلا تغيير عند ذلك، لأن الرائي لذلك قد أظهر الرجوع إلى الله تعالى والإعاذة به فكأنه غير راكن إلى الدنيا، ولا مغتر بها - انتهى كلامه رضي الله عنه -.

" وما أغني عنكم من الله من شئ " أي وما أدفع من قضاء الله من شئ، إن كان قد قضا عليكم الإصابة بالعين أو غير ذلك. " إن الحكم إلا لله " أي ما الحكم إلا لله. " عليه توكلت " فهو القادر على أن يحفظكم من العين، أو من الحسد، ويردكم علي سالمين.

" وعليه فليتوكل المتوكلون " أي ليفوضوا أمورهم إليه وليثقوا به. " ولما دخلوا مصر من حيث أمرهم أبوهم " أي من أبواب متفرقة كما أمرهم [أبوهم] يعقوب " ما كان يغني عنهم - إلخ - " أي لم يكن دخولهم مصر كذلك يغني عنهم أي يدفع عنهم شيئا أراد الله إيقاعه، من حسد أو إصابة عين، وهو عليه السلام كان عالما بأنه لا ينفع حذر من قدر، ولكن كان ما قاله لبنيه حاجة في قلبه، فقضى يعقوب تلك الحاجة، أي أزال به اضطراب قلبه، لأن لا يحال على العين مكروه يصيبهم.

وقيل: معناه أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم مجتمعين.

قال: " وحاجة " استثناء ليس من الأول بمعنى ولكن حاجة " وإنه لذو علم " أي لذو يقين ومعرفة بالله " لما علمناه " من أجل تعليمنا إياه، أو يعلم ما علمناه فيعمل به " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " مرتبة يعقوب في العلم.

قال البيضاوي: لا يعلمون سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر.

وقال الرازي: قال جمهور المفسرين إنه خاف من العين عليهم، ولنا ههنا مقامان:

المقام الأول إثبات أن العين حق. والذي يدل عليه وجهان: الأول إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك. والثاني ما روي أن النبي صلى الله عليه وإله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام. ثم ذكر بعض ما مر من الأحبار - إلى أن قال -: والخامس دخل رسول الله صلى الله عليه وآله بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقال: يا رسول الله أصابته العين، فقال صلى الله عليه وآله: أما تسترقون له من العين؟

السادس قوله صلى الله عليه وآله " العين حق، ولو كان شئ يسبق القدر لسبقت العين القدر ".

السابع قالت عائشة: كان يأمر العاين أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين الذي أصيب بالعين.

المقام الثاني في الكشف عن ماهيته، فنقول: إن الجبائي أنكر هذا المعنى إنكارا بليغا، ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة. وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوها:

الأول قال الجاحظ: تمتد من العين أجزاء، فتتصل بالشخص المستحسن، فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار، وإن كان مخالفا في وجه التأثير لهذه الأشياء. قال القاضي: وهذا ضعيف، لأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن.

واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف، وذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه، وقد يكره بقاءه، كما إذا استحسن الحاسد بحصول شئ حسن لعدوه، فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف

شديد من زواله، والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب، فحينئذ يسخن القلب والروح جدا، وتحصل في الروح الباصر كيفية قوة مسخنة، وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه، والحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب وتحصل فيه سخونة شديدة.

فثبت أن عند الاستحسان القوي يسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين، بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة، فظهر الفرق بين الصورتين.

ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وآله العاين بالوضوء، ومن أصابته العين بالاغتسال.

أقول: على ما ذكره، إذا عاين شيئا عند استحسان شئ آخر وحصول تلك الحالة فيه أو عند حصول غضب شديد على رجل آخر، أو حصول هم شديد من مصيبة أو خوف عظيم من عدو أو يؤثر نظره إليه وأي كل شئ يعاينه، ومعلوم أنه ليس كذلك.

ثم قال الرازي: الثاني قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن يكون العين حقا، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشئ واعجب به استحسانا كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشخص أو ذلك الشئ حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، فهذا التغيير غير ممتنع. ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وبعد عن الإعجاب وسأل ربه فعنده تتغير المصلحة، والله سبحانه يبقيه ولا يفنيه، ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل: " العين حق ".

الوجه الثالث: هو قول الحكماء. قالوا: هذا الكلام مبنى على مقدمة، وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانيا ومحضا، ولا تكون القوى الجسمانية لها تعلق به والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض قدر الانسان على المشي عليه، ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الانسان عن المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من

السقوط منه يوجب سقوطه منه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة.

وأيضا إن الانسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه، وسخن مزاجه، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذاك التصور النفساني. ولأن مبدء الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية. ولما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان.

فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان. وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية، فلا يمتنع أن تكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه وتتعجب منه. فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه، والنصوص النبوية نطقت به، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك. وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده. قوله تعالى: " يخيل " قال الطبرسي: الضمير راجع إلى موسى عليه السلام وقيل:

إلى فرعون، أي يرى الحبال والعصي من سحرهم أنها تسعى وتعدو مثل سير الحيات. وإنما قال " يخيل إليه " لأنها لم تكن تسعى حقيقة، وإنما تحركت لأنهم جعلوا داخلها الزئبق، فلما حميت الشمس طلب الزئبق الصعود فحركت الشمس ذلك فظن أنها تسعى.

" إنما صنعوا " أي إن الذي صنعوه أو إن صنيعهم " كيد ساحر " أي مكره و حيلته. " ولا يفلح الساحر " أي لا يظفر ببغيته، إذ لا حقيقة للسحر " حيث أتى " أي حيث كان من الأرض، وقيل: لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره، لأن الحق يبطله.

وقال - قدس سره - في قوله تعالى " وإن يكاد الذين كفروا ": " إن " هي المخففة من الثقيلة " ليزلقونك " أي يقتلونك ويهلكونك، عن ابن عباس وكان يقرأها كذلك. وقيل: ليصرعونك، عن الكلبي. وقيل: يصيبونك بأعينهم، عن السدي. والكل يرجع في المعنى إلى الإصابة بالعين، والمفسرون كلهم على أنه المراد في الآية، وأنكر الجبائي ذلك وقال: إن إصابة العين لا تصح.

وقال الرماني: وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، وعليه إجماع المفسرين، وجوزه العقلاء فلا مانع منه. وقيل: إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام، ثم كان يصفه فيصرعه بذلك، وذلك بأن يقول الذي أراد أن يصيبه بالعين: لا أرى كاليوم إبلا أو شاتا أو ما أراد، أي كإبل أراها اليوم. فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله كما كانوا يقولون لما أرادوا أن يصيبوه بالعين، عن الفراء والزجاج.

وقيل: معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن والدعاء إلى التوحيد نظر عداوة وبغض وانكار لما يسمعونه وتعجب منه، فيكادون يصرعونك بحدة نظرهم ويزيلونك عن موضعك.

وهذا مستعمل في الكلام، يقولون: نظر إلى فلان نظرا يكاد يصرعني ونظرا يكاد يأكلني فيه. وتأويله كله أنه نظر إلى نظرا لو أمكنه معه أكلي أو أن يصرعني لفعل، عن الزجاج.

" لما سمعوا الذكر " يعني القرآن " ويقولون " مع ذلك " إنه لمجنون وما هو " أي القرآن " إلا ذكر " أي شرف " للعالمين " إلى أن تقوم الساعة، أو مذكر لهم. قال

الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الانسان هذه الآية - انتهى -.

قوله " أي كإبل " كأنه حمل قوله " أو ما أراد " على تغيير تركيب الكلام، ولا يخفى بعده، بل الظاهر أن المعنى: أو ما أراد أن يصيبه بالعين سوى الإبل، فيذكره مكانهما.

وقال - رحمه الله - في نزول سورة الفلق: قيل: إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم دس ذلك في بئر لبني زريق، فمرض رسول الله صلى الله عليه وآله فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فأخبراه بذلك وأنه في بئر ذروان في جف طلعة تحت راعوفة - والجف قشر الطلع، والراعوفة حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح.

فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث عليا عليه السلام والزبير وعمارا فنزحوا، ماء تلك البئر ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فنزلت هاتان السورتان، فجعل كلما يقرء آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله خفة، فقام فكأنما أنشط من عقال.

وجعل جبرئيل عليه السلام يقول: " بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من حاسد وعين، والله يشفيك ". ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس. وهذا لا يجوز، لأن من وصف بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله، قد أبى الله سبحانه ذلك في قوله " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا " ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه واطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله على ما فعلوه من التمويه حتى استخرج وكان ذلك دلالة

على صدقه صلى الله عليه وآله وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم؟! ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلا كثيرا من المؤمنين مع شده عداوتهم لهم!

وقال في قوله سبحانه " ومن شر النفاثات في العقد " معناه: ومن شر النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد. وإنما امر بالتعوذ من شر السحرة لايهامهم أنهم يمرضون ويصحون ويفعلون أشياء من النفع والضرر والخير والشر وعامة الناس يصدقونهم، فيعظم بذلك الضرر في الدين، ولأنهم يموهون أنهم يخدمون الجن ويعلمون الغيب، وذلك فساد في الدين ظاهر، فلأجل هذا الضرر امر بالتعوذ من شرهم.

وقال أبو مسلم: النفاثات النساء اللاتي يملن آراء الرجال ويصرفنهم عن مرادهم ويردونهم إلى آرائهن، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد، فعبر عن حلهما بالنفث، فإن العادة جرت أن من حل عقدا نفث فيه.

" ومن شر حاسد إذا حسد " فإنه يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فامر بالتعوذ من شره. وقيل: إنه أراد من شر نفس الحاسد ومن شر عينه فإنه ربما أصاب بهما فعان وضر. وقد جاء في الحديث أن العين حق. وقد مضى الكلام فيه.

وروي أن العضباء ناقة النبي صلى الله عليه وآله لم تكن تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابق بها فسبقها، فشق ذلك على الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من رأى شيئا يعجبه فقال:

" الله الصمد، ما شاء الله لا قوة إلا بالله " لم يضر شيئا. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله كان كثيرا ما يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بهاتين السورتين - انتهى -.

وأقول: قال في النهاية: في حديث سحر النبي صلى الله عليه وآله " بئر ذروان " بفتح الذال وسكون الراء، بئر لبني زريق بالمدينة.

وقال: الراعوفة هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس عليها المنقي.

وقيل: هي حجر يكون على رأس البئر يقوم المستقي عليه، ويروى بالثاء المثلثة بمعناها. وقال: في حديث سحر النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل في جف طلعة. الجف وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون فوقه، يروى في جب طلعة أي في داخلها.

وقال: القعود من الدواب ما يقتعده الرجل للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا، والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب.

وقال البيضاوي: " ومن شر النفاثات في العقد " ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها. والنفث - بالفتح - النفخ مع ريق، وتخصيصه لما روي أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وآله في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر، فمرض عليه السلام، فنزلت المعوذتان وأخبره جبرئيل بموضع السحر، فأرسل عليا عليه السلام فجاء به ، فقرأهما عليه، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد بعض الخفة.

ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر. وقيل: المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل، مستعار من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حلها.

" ومن شر حاسد إذا حسد " إذا أظهر حسده، وعمل بمقتضاه.

وقال الرازي: اختلفوا في أنه هل يجوز الاستعاذة بالرقى والعوذة أم لا؟ منهم من قال إنه يجوز - ثم ذكر احتجاجهم بالروايات المتقدمة وغيرها - ومن الناس من منع من الرقي، لما روي عن جابر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرقي. وقال عليه السلام:

إن لله عبادا لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. وقال عليه السلام: لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى؟!

واختلفوا في التعليق أيضا، فمنهم من منع لبعض الأخبار، ومنهم من جوز.

سئل الباقر عليه السلام عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه. واختلفوا في النفث أيضا فمنهم من أنكر، عن عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد إلى آخر ما قال -.

1 تفسير علي بن إبراهيم في هجرة جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردهم - وساق الخبر الطويل إلى أن قال - وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة - وكان فتى جميلا - فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة:

لو راسلت جارية الملك! فراسلها، فأجابته، فقال عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا.

فقال لها فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيب وأدخله على النجاشي وأخبره بما جرى بين عمارة وبين الوصيفة، ثم وضع الطيب بين يديه. فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة، ثم قال: لا يجوز قتله، فإنهم دخلوا بلادي بأمان، فدعا السحرة فقال لهم: اعملوا (به) شيئا أشد عليه من القتل، فأخذوه فنفخوا في إحليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك:

فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش، فأخذوه فما زال يضطرب في أيديهم و يصيح حتى مات - الخبر -.

2 جنة الأمان: في رواية أدعية السر القدسية: يا محمد!، إن السحر لم

يزل قديما وليس يضر شيئا إلا بإذني، فمن أحب أن يكون من أهل عافيتي من السحر فليقل: " اللهم رب موسى - الدعاء - " فإنه إذا قال ذلك لم يضره سحر ساحر جني ولا إنسي أبدا.

3 - ومنه: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن العين حق، وأنها تدخل الجمل والثور التنور.

وفي كتاب الغرة أن رجلا عيانا رأى رجلا راكبا، فقال: ما أحسنه!

فسقطت الدابة وماتت ومات الرجل.

وعن أبي الحسن المخلدي قال: كان لي أكار ردئ العين، فأبصر بيدي خاتما فقال: ما أحسنه! فسقط الفص، فحملته فقال: ما أحسنه! فانشق بنصفين.

وعن الأصمعي قال: كان عندنا عيانان، فمر أحدهما بحوض من حجارة، فقال: بالله ما رأيت كاليوم مثله. فانصدع فلقين، فضبب بحديد، فمر عليه ثانيا فقال راسلا: لعلك ما ضررت أهلك فيك! فتطاير أربع فلقات. وسمع الثاني صوت بول من وراء الحائط، فقال: إنك لشر شخب! فقيل: هو ابنك، فقال:

وا انقطاع ظهراه! والله لا يبول بعدها، فمات من ساعته. وسمع أيضا صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال: أيتهن هذه؟ فوري بأخرى، فهلكتا جميعا: المورى بها، والمورى عنها. وقصة البعير والأعرابي مشهورة معروفة.

4 وفى زبدة البيان أن يعقوب عليه السلام خاف على بنيه من العين لجمالهم، فقال: " يا بني لا تدخلوا من باب واحد - الآية - ".

5 وفيه عن النبي صلى الله عليه وآله: العين تنزل الحالق - وهو ذروة - الجبل - من قوة أخذها وشدة بطشها.

6 - ومنه: ذكر عبد الكريم بن محمد بن المظفر السمعاني في كتابه أن جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وآله فرآه مغتما، فسأله عن غمه، فقال له: إن الحسنين عليهما السلام أصابتهما عين. فقال له: يا محمد، العين حق فعوذهما بهذه العوذة، وذكرها.

7 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى، ثم يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من شر كل شيطان (و) هامة، ومن شر (كل) عين لامة " ثم يقول:

هكذا كان إبراهيم أبي عليه السلام يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام.

8 - وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الرقي بغير كتاب الله عز وجل وما يعرف من ذكره. وقال: إن هذه الرقي مما أخذه سليمان بن داود عليهما السلام على الجن والهوام.

9 وعنه عليه السلام أنه قال: لا رقى إلا في ثلاث: في حمة، أو عين، أو دم لا يرقأ. والحمة السم.

10 - وعنه عليه السلام أنه قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هام، والعين حق، والفأل حق، فإذا نظر أحدكم إلى انسان أو دابة أو إلى شئ حسن فأعجبه فليقل " آمنت بالله وصلى الله على محمد وآله " فإنه لا يضره عينه.

11 - وعنه صلى الله عليه وآله نهى عن التمائم والتول. فالتمائم ما يعلق من الكتب والخرز وغير ذلك، والتول ما تتحبب به النساء إلى أزواجهن كالكهانة وأشباهها، ونهى عن السحر.

توضيح: في النهاية: فيه أنه كان يتفأل ولا يتطير. الفأل مهموز فيما يسر ويسوء، والطيرة لا يكون إلا فيما يسوء. وربما استعملت فيما يسر، وقد أولع الناس بترك الهمزة تخفيفا. وإنما أحب الفأل لأن الناس إذا أملوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإن الرجاء

لهم خير، وإذا قطعوا أملهم أو رجاءهم من الله كان ذلك من الشر. وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء. ومعنى التفأل مثل أن يكون رجل مريض فيتفأل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول " يا سالم " أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول " يا واجد " فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه، أو يجد ضالته.

وقال: في حديث عبد الله " التمائم والرقى من الشرك " التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الاسلام. وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه. وقال: في حديت عبد الله " التولة من الشرك " التولة - بكسر التاء وفتح الواو - ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى.

وفي القاموس: التولة - كهمزة -: السحر أو شبهه، وخرز تتحبب معها المرأة إلى زوجها كالتولة - كعنبة - فيهما.

12 - الشهاب: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا رقية إلا من حمة أو عين.

الضوء: " عين " مصدر عانه إذا أصابه بعينه إذا نظر إليه نظر معجب حاسد مستعظم. والحمة السم، وأصلها حمو وحمى، والهاء عوض فيها عن الساقط، وبهذا الكلام يشير إلى ما كانت نساء العرب يدعينه من تأخيذ الرجال عن الأزواج، وكانت لهن رقى تضحك الثكلان، فقال صلى الله عليه وآله " لا رقية " أي لا تصح تأثير الرقية إلا في العين التي تعين الشئ، إي تصيبه. وأصل ذلك إنها تستحسنه فيغيره الله تعالى عند ذلك، لما للناظر إليه فيه من اللطف، أو لغيره من المعتبرين، إذا رآه غب اللطافة والطراوة والإعجاب بخلاف ما رآه، فيستدل بذلك على أنه لا بقاء لما في الدنيا، وأن نعيمها زائل.

وأما ما يذكر من أن العاين ينظر إلى الشئ فيتصل به شعاع هو المؤثر فيه، فلا تلتفت إليه، لأنا نعلم قطعا أن الشعاع اللطيف لا يعمل في الحديد والحجر وغير

ذلك، بل ذلك كله من فعل الله تعالى على سبيل اللطف والإعلام بأن نعيم الدنيا إلى انقراض. والرقية التي فيها اسم الله تعالى أو اسم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو آية من كتاب الله تعالى يشفيه، وكذلك من السموم التي يستضر بها الانسان من لسع الهوام. وهذا غير مدفوع، وما سوى ذلك فمخاريق يجلبون بها أموال الناس. وليس قوله صلى الله عليه وآله " لا رقيقة " إلى آخره قطعا لأن تكون رقية الحق ناجعة في غير ذلك من الأدواء، بل المعنى إن الرقية لها تأثير قوي فيهما كما في قوله " لا سيف إلا ذو الفقار " وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! قال: أما إنك لو قلت حين أمسيت " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " لم تضرك. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمنا من الأوجاع كلها أن نقول " بسم الله الأكبر، أعوذ بالله العظيم، من شر عرق نعار ومن شر حر النار " وفائدة الحديث أن الرقية في غير العين والحمة لا تنجع، وراوي الحديث جابر رضي الله عنه.

13 الشهاب: قال صلى الله عليه وآله: إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر.

الضوء: قد تقدم الكلام فيه، وأن المؤثر فيما يعينه العاين قدرة الله عز وجل الذي يفعل ما يشاء، ويغير المستحسن من الأشياء عن حاله، اعتبارا للناظر، وإعلاما أن الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا يبقى ما فيها على وتيرة واحدة. والعين ماذا تكاد تفعل بنظرها ليت شعري؟! ولو كان للعين نفسها أثر لكان يصح أن ينظر العاين إلى بعض أعدائه الذين يريد إهلاكهم وقلعهم، فيهلكهم بالنظر، وهذا باطل والعين كالجماد إذا انفردت عن الجملة فماذا تصنع؟! وللفلاسفة في هذا كلام لا أريد أن أطواه. وفائدة الحديث إعلام أن الله تعالى قد يغير بعض ما يستحسنه الانسان إظهارا

لقدرته، واعتبارا للمعتبر من خليقته، وراوي الحديث جابر.

14 الاحتجاج: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فيما سأله فقال: إخبرني عن السحر ما أصله؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل؟ قال إن السحر على وجوه شتى: وجه منها بمنزلة الطب، كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حلية. ونوع منه آخر خطفة وسرعة ومخاريق وخفة. ونوع منه ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم. قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟ قال: من حيث عرف الأطباء الطب وبعضه تجربة، وبعضه علاج. قال: فما تقول في الملكين: هاروت وماروت، وما يقول الناس بأنهما يعلمان (الناس) السحر؟ قال: إنهما موضع ابتلاء وموقف فتنة، تسبيحهما اليوم لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا، أصناف سحر،. فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم:

أنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم.

قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك؟ قال: هو أعجز من ذلك، وأضعف من أن يغير خلق الله! إن من أبطل ما ركبه الله وصوره غيره فهو شريك لله (في خلقه) تعالى عن ذلك علوا كبيرا!

لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته.

وإن من أكبر السحر النميمة! يفرق بها بين المتحابين، ويجلب العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء ويهدم بها الدور، ويكشف بها الستور. والنمام أشر من وطئ على الأرض بقدم! فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب.

إن الساحر عالج فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك

العلاج فأبرأ.

15 - تفسير الفرات: عن عبد الرحمان بن محمد العلوي ومحمد بن عمرو الخزاز، عن إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن عيسى بن محمد، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سحر لبيد بن أعصم اليهودي وأم عبد الله اليهودية رسول الله صلى الله عليه وآله فعقدوا له في إحدى عشرة عقدة، وجعلوه في جف من طلع، ثم أدخلوه في بئر بواد بالمدينة في مراقي البئر تحت حجر، فأقام النبي صلى الله عليه وآله لا يأكل ولا يشرب ولا يسمع ولا يبصر ولا يأتي النساء. فنزل جبرئيل عليه السلام وأنزل معه المعوذات، فقال له: يا محمد، ما شأنك؟ قال: ما أدري، أنا بالحال الذي ترى. قال: فإن أم عبد الله ولبيد بن أعصم سحراك، وأخبره بالسحر. وحيث هو. ثم قرأ جبرئيل " بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذاك، فانحلت عقدة، ثم لم يزل يقرأ آية ويقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله. وتنحل عقدة، حتى قرأها عليه إحدى عشرة آية وانحلت إحدى عشرة عقدة، وجلس النبي ودخل أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما أخبره جبرئيل عليه السلام وقال: انطلق وائتني بالسحر، فجاء به فأمر به النبي صلى الله عليه وآله فنقض، ثم تفل عليه وأرسل إلى لبيد وأم عبد الله، فقال:

ما دعاكم إلى ما صنعتما؟ ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله على لبيد وقال: لا أخرجك الله من

الدنيا سالما. قال: وكان موسرا كثير المال، فمر به غلام في اذنه قرط قيمته دينار فجذبه، فخرم اذن الصبي وأخذه فقطعت يده فيه.

بيان: في القاموس: الجف بالضم - وعاء الطلع.

أقول: قد مر الكلام في تأثير السحر في الأنبياء والأئمة عليهم السلام وأن المشهور عدمه.

دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام مثله - إلى قوله - وجعلاه في مراقي البئر بالمدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم ولا يتكلم ولا يأكل ولا يشرب، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام بمعوذات - وساق نحوه إلى قوله - فقطعت يده فكوي منها فمات.

16 طب الأئمة: عن محمد بن جعفر البرسي، عن أحمد بن يحيى الأرمني عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا محمد، قال لبيك يا جبرئيل قال: إن فلانا اليهودي سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه - يعني إلى البئر - أوثق الناس عندك، وأعظمهم في عينك، وهو عديل نفسك، حتى يأتيك بالسحر.

وقال: فبعث النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: انطلق إلى بئر " ذروان " فإن فيها سحرا سحرني به لبيد بن أعصم اليهودي، فائتني به. قال علي عليه السلام: فانطلقت في حاجة رسول الله صلى الله عليه وآله فهبطت فإذا ماء البئر قد صار كأنه ماء الحناء من السحر، فطلبته مستعجلا حتى انتهيت إلى أسفل القليب ولم أظفر

به. قال الذين معي: ما فيه شئ فاصعد، فقلت: لا والله، ما كذبت ولا كذبت، وما يقيني به مثل يقينكم يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ثم طلبت طلبا بلطف، فاستخرجت حقا، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فقال: افتحه، ففتحته فإذا في الحق قطعة كرب النخل، في وتر عليها إحدى وعشرون عقدة.

وكان جبرئيل عليه السلام أنزل يومئذ المعوذتين على النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي اقرأهما على الوتر، فجعل أمير المؤمنين كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى فرغ منها وكشف الله عز وجل عن نبيه ما سحر به وعافاه.

ويروى أن جبرئيل وميكائيل عليهما السلام أتيا إلى النبي صلى الله عليه وآله فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال جبرئيل لميكائيل: ما وجع الرجل؟ فقال ميكائيل هو مطبوب، فقال جبرئيل عليه السلام: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، ثم ذكر الحديث إلى آخره.

بيان: في القاموس: الكرب - بالتحريك - أصول السعف الغلاظ. وفي النهاية رجل مطبوب أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفألا بالبرء.

17 - الطب: عن إبراهيم بن البيطار، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد - الرحمان - ويقال له يونس المصلي لكثرة صلاته - عن ابن مسكان، عن زرارة، قال:

قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: إن السحرة لم يسلطوا على شئ إلا العين.

18 - وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: أنه سئل عن المعوذتين: أنهما من القرآن؟ فقال الصادق عليه السلام: هما من القرآن. فقال الرجل: أنهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أخطأ ابن مسعود - أو قال:

كذب ابن مسعود - هما من القرآن. قال الرجل: فأقرأ بهما يا ابن رسول الله في المكتوبة؟

قال: نعم ، وهل تدري ما معنى المعوذتين وفي أي شئ نزلتا؟ إن رسول الله سحره

لبيد بن أعصم اليهودي.

فقال أبو بصير لأبي عبد الله عليه السلام: وما كان ذا؟ وما عسى أن يبلغ من سحره؟! فقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: بلى، كان البني صلى الله عليه وآله يرى يجامع وليس يجامع، وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده والسحر حق وما سلط السحر إلا على العين والفرج. فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخبره بذلك، فدعا عليا عليه السلام وبعثه ليستخرج ذلك من بئر أزوان، وذكر الحديث بطوله إلى آخره.

19 - ومنه: عن محمد بن سليمان بن مهران، عن زياد بن هارون العبدي، عن عبد الله بن محمد البجلي، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أعجبه شئ من أخيه المؤمن فليثمد عليه، فإن العين حق.

20 ومنه: عن محمد بن ميمون المكي، عن عثمان بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: لو نبش لكم عن القبور لرأيتم أن أكثر موتاهم بالعين، لأن العين حق، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:

العين حق، فمن أعجب له من أخيه شئ فليذكر الله في ذلك، فإنه إذا ذكر الله لم يضره.

21 ومنه: عن سهل بن محمد بن سهل، عن عبد ربه بن محمد بن إبراهيم، عن ابن أورمة، عن ابن مسكان، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النشرة للمسحور، فقال: ما كان أبي عليه السلام يرى بها بأسا.

22 - المكارم: عن معمر بن خلاد، قال: كنت مع الرضا عليه السلام بخراسان

على نفقاته، فأمرني أن أتخذ له غالية، فلما اتخذتها فأعجب بها فنظر إليها فقال لي:

يا معمر، إن العين حق فاكتب في رقعة الحمد وقل هو الله أحد والمعوذتين وآية الكرسي واجعلها في غلاف القارورة.

23 - ومنه: روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: العين حق، وليس تأمنها منك على نفسك ولا منك على غيرك، فإذا خفت شيئا من ذلك فقل: " ما شاء الله (لا حول و) لا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثلاثا.

24 - وعنه عليه السلام قال: من أعجبه من أخيه شئ فليبارك عليه، فإن العين حق.

25 ومنه: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن العين ليدخل الرجل القبر، والجمل القدر.

وقال صلى الله عليه وآله: لا رقية إلا من حمة والعين.

27 - ومنه: عن الصادق عليه السلام: لو كان شئ يسبق القدر لسبقه العين.

28 - الخصال: بإسناده عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا رقى إلا في ثلاثة: في حمة، أو عين، أو دم لا يرقأ 29 - جامع الأخبار: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العين لتدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر.

30 - وجاء في الخبر أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن بني

جعفر تصيبهم العين، فأسترقي لهم؟ قال: نعم، فلو كان شئ يسبق القدر لسبقت العين.

31 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رفع الناس أبصارهم إلى شئ إلا وضعه الله.

32 - النهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما قال الناس لشئ طوبى له إلا وقد خبأ الدهر له يوم سوء.

بيان: " طوبى " كلمة تستعمل في مقام المدح والاستحسان والتعجب من حسن الشئ وكماله. وخبأت الشئ أخبوه: أخفيته. " يوم سوء " بالفتح إي يوم نقص وبلية وزوال. وإخفاء الدهر ذلك اليوم كناية عن جهل الناس بأسبابه وأنه يأتيهم بغته، أو غفلتهم عن عدم ثبات زخارف الدنيا وسرعة زوالها.

ثم إنه يحتمل أن يكون ما ورد في هذا الخبر والخبر السابق إشارة إلى تأثير العيون كما مر، أو إلى أن من لوازم الدنيا أنه إذا انتهت فيها حال شخص في الرافعة والعزة إلى غاية الكمال فلا بد أن يرجع إلى النقص والزوال، فقولهم طوبى له واستحسانهم إياه ورفع أبصارهم إليه من شواهد الرفعة والكمال، وهو علامة الاخذ في الهبوط والاضمحلال.

وقد يخطر بالبال أن ما ورد في العين وتأثيرها يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى، وإن كان بعيدا من بعض الآيات والأخبار، ويمكن تأويلها إليه وتطبيقها عليه كما لا يخفى على أولي الأبصار، وما ورد من ذكر الله والدعاء عند ذلك لا ينافيه بل يؤيده، فإن أمثال ذلك موجبة لدوام النعمة واستمرارها، والله يعلم حقائق الأمور ودقائق الأسرار.

نقل وتحقيق اعلم أن أصحابنا والمخالفين اختلفوا في حقيقة السحر، وأنه هل له حقيقة أو محض توهم. ولنذكر بعض كلماتهم في ذلك.

قال الشيخ قدس سره في الخلاف: السحر له حقيقة، ويصح منه أن يعقد ويؤثر ويسحر فيقتل ويمرض ويكوع الأيدي ويفرق بين الرجل وزوجته، و يتفق له أن يسحر بالعراق رجلا بخراسان فيقتله عند أكثر أهل العلم وأبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي.

وقال أبو جعفر الأسترآبادي: لا حقيقة له، وإنما هو تخييل وشعبدة. وبه قال المغربي من أهل الظاهر، وهو الذي يقوى في نفسي. ويدل عليه قوله تعالى " فإذا حبالهم - الآية - " وذلك أن القوم جعلوا من الحبال كهيئات الحيات، وطلوا عليها الزيبق وأخذوا الموعد على وقت تطلع فيه الشمس، حتى إذا وقعت على الزيبق تحرك فخيل لموسى عليه السلام أنها حياة ولم يكن لها حقيقة، وكان هذا في أشد وقت الحر فألقى موسى عصاه فأبطل عليهم السحر، فآمنوا به.

وأيضا فإن الواحد منا لا يصح أن يفعل في غيره وليس بينه وبينه اتصال ولا اتصال بما يتصل بما يفعل فيه، فكيف يفعل من هو ببغداد فيمن هو بالحجاز وأبعد منها؟! ولا يفني هذا قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " لأن ذلك لا نمنع منه، وإنما الذي منعنا منه أن يؤثر الساحر الذي يدعونه، فأما أن يفعلوا ما يتخيل عنه أشياء فلا نمنع منه.

ورووا عن عائشة..

أقول: ثم ذكر نحوا مما مر من سحر اليهودي النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: وهذه أخبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى، وقد روي عن عائشة أنها قالت: سحر .

رسول الله صلى الله عليه وآله فما عمل فيه السحر، وهذا معارض ذلك.

ثم قال قدس سره: إذا أقر أنه سحر فقتل بسحره متعمدا لا يجب عليه القود، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجب عليه القود. دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وأن هذا مما يقتل به يحتاج إلى دليل.

وأيضا فقد بينا أن الواحد لا يصح أن يقتل غيره بما لا يباشره به، إلا أن يسقيه ما يقتل به على العادة مثل السم، وليس السحر بشئ من ذلك.

وقد روى أصحابنا أن الساحر يقتل، والوجه فيه أن هذا فساد في الأرض والسعي فيها به، فلأجل ذلك وجب فيه القتل.

وقال العلامة نور الله مرقده - في التحرير: السحر عقد ورمي كلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة، وقد يحصل به القتل والمرض والتفريق بين الرجل والمرأة وبغض أحدهما لصاحبه ومحبة أحد الشخصين للآخر، وهل له حقيقة أم لا؟ فيه نظر.

ثم قال: والسحر الذي يجب فيه القتل هو ما يعد في العرف سحرا، كما نقل الأموي في مغازيه أن النجاشي دعا السواحر فنفخن في إحليل عمارة بن الوليد فهام مع الوحش، فلم يزل معها إلى أمارة عمر بن الخطاب، فأمسكه انسان، فقال:

خلني وإلا مت، فلم يخله فمات من ساعته.

وقيل: إن ساحرة أخذها بعض الأمراء، فجاء زوجها كالهائم، فقال قولوا لها تخل عني، فقالت: ائتوني بخيوط وباب، فأتوا بذلك فجلست وجعلت تعقد، فطار بها الباب فلم يقدروا عليها، وأمثال ذلك. وأما الذي يعزم على المصروع ويزعم أنه يجمع الجن ويأسرها فتطيعه، فلا يتعلق به حكم، والذي يحل السحر بشئ من القرآن والذكر والأقسام فلا بأس به، وإن كان بالسحر حرم على إشكال.

وقال في موضع آخر منه: الذي اختاره الشيخ - رحمه الله - أنه لا حقيقة

للسحر، وفي الأحاديث ما يدل على أن له حقيقة، فعلى ما ورد في الأخبار لو سحره فمات بسحره ففي القود إشكال، والأقرب الدية - إلى آخر ما قال -.

وقال في المنتهى نحوا من أول الكلام، ثم قال: واختلف في أنه له حقيقة أم لا. قال الشيخ رحمه الله: لا حقيقة له: وإنما هو تخييل، وهو قول بعض الشافعية وقال الشافعي: له حقيقة، وقال، أصحاب أبي حنيفة: إن كان يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ما يؤثر في نفس المسحور من قتل أو مرض أو أخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطيها أو يفرق بينهما أو يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحببه إليه، فأما أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شئ فلا يجوز ذلك.

ثم ذكر - رحمه الله - احتجاج الطرفين بآية " يخيل إليه " وسورة الفلق، ثم قال: وروى الجمهور عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله سحر حتى يرى أنه يفعل الشئ ولا يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته إنه أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل؟ فقال:

مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي في مشط ومشاطة في جف طلعة في بئر ذي أزوان. رواه البخاري. وجف الطلعة وعاؤها، والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس وغيره إذا مشط، فقد أثبت لهم سحرا. وهذا القول عندي باطل، والروايات ضعيفة، خصوصا رواية عائشة، لاستحالة تطرق السحر إلى الأنبياء عليهم السلام.

ثم قال: إن كان للسحر حقيقة فهو ما يعد في العرف سحرا، ثم ذكر القصتين للنجاشي والساحرة. ثم قال: فهذا وأمثاله مثل أن يعقد الرجل المزوج فلا يطيق وطي امرأته هو السحر المختلف فيه، فأما الذي يقال من العزم على المصروع فلا يدخل تحت هذا الحكم، وهو عندي باطل لا حقيقة له، وإنما هو من الخرافات.

وقال الشهيد - رفع الله درجته - في الدروس: تحرم الكهانة والسحر بالكلام والكتابة والرقية والدخنة بعقاقير الكواكب وتصفية النفس والتصوير والعقد والنفث

والأقسام والعزائم بما لا يفهم معناه ويضر بالغير فعله. ومن السحر الاستخدام للملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائب وعلاج المصاب، ومنه الاستحضار بتلبيس الروح ببدن منفعل كالصبي والمرأة وكشف الغائب عن لسانه.

ومنه النيرنجات، وهي إظهار غرائب خواص الامتزاجات وأسرار النيرين.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.