بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
47 باب ما به قوام بدن الانسان وأجزائه وتشريح أعضائه ومنافعها وما يترتب عليها من أحوال النفس
ج ۵۸، ص ۳۱۳–۱۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۴
19 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عمر بن عبد العزير، قال: حدثنا هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: ما العلة في بطن الراحة لا ينبت فيه الشعر وينبت في ظاهرها؟ فقال: لعلتين: أما إحداهما فلان الناس يعلمون الأرض التي تداس ويكثر عليها المشي لا تنبت شيئا، والعلة الأخرى لأنها جعلت من الأبواب التي تلاقي الأشياء، فتركت لا ينبت عليها الشعر لتجد مس اللين والخشن ولا يحجبها الشعر عن وجود الأشياء، ولا يكون بقاء الخلق إلا على ذلك.
بيان: " الأرض التي تداس " كأنه علة لعدم نبات الشعر بعد الكبر لا ابتداء والدوس: الوطئ بالرجل. " من الأبواب التي تلاقي الأشياء " أي من أسباب العلم التي تدرك بها الأشياء بالملاقاة، أو من الأعضاء التي تلاقي الأشياء كثيرا. " عن وجود الأشياء " أي وجدان كيفياتها، في القاموس: وجد المطلوب كوعد وجدا ووجودا و وجدانا وإجدانا - بكسرهما -: أدركه.
20 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله القرشي رفعه، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا با حنيفة، بلغني أنك تقيس، قال: نعم أنا أقيس. فقال :
ويلك لا تقس فان أول من قاس إبليس، قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " قاس
ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنور النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر، ولكن قس لي رأسك مع جسدك: أخبرني عن أذنيك مالهما مرتان؟ وعن عينيك مالهما مالحتان؟ وعن شفتيك مالهما عذبتان؟ وعن أنفك ماله بارد؟ فقال: لا أدري. فقال له: أنت لا تحسن تقيس رأسك، تقيس الحلال والحرام؟!
فقال: يا ابن رسول الله، أخبرني كيف ذلك. فقال: إن الله عز وجل جعل الاذنين مرتين لئلا يدخلهما شئ إلا مات، ولولا ذلك لقتلت الدواب ابن آدم. وجعل العينين مالحتين لأنها شحمتان ولولا ملوحتهما لذابتا. وجعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو والمر. وجعل الانف باردا سائلا لئلا يدع في الرأس داء إلا أخرجه ولولا ذلك لثقل الدماغ وتدود.
وقال البرقي: وروى بعضهم أنه قال في الاذنين: لامتناعهما من العلاج.
وقال في موضع ذكر الشفتين الريق: فإنما عذب الريق ليميز [به] بين الطعام و الشراب وقال في ذكر الانف: لولا برد ماء الانف وإمساكه الدماغ لسال الدماغ من حرارته.
ومنه: عن أبيه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن هاشم عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي، رفع الحديث وذكر مثله إلى قوله " وتدود ".
بيان: " وتدود " أي تولد فيه الدود، " لامتناعهما من العلاج " أي لتكونا بطبعهما آبيتين ممتنعتين عن أن يعالج الدواب فيهما بعد دخولهما بل تموت أو تخرج أو لأنهما لكونهما غائرتين في الرأس يشكل علاجهما إذا لذعتهما هامة أو دابة فينفذ السم سريعا إلى الدماغ فيهلك.
21 - المناقب: مما أجاب الرضا عليه السلام بحضرة المأمون لضباع بن نصر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما، قالا: فما بال الرجل يلتحي دون المرأة؟ قال عليه السلام:
زين الله الرجال باللحى وجعلها فصلا يستدل بها على الرجال والنساء.
22 - مجالس الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد الموسوي عن عبيد الله بن أحمد بن نهيك، عن محمد بن أبي عمير، عن سبرة بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في ابن آدم ثلاثمائة وستون عرقا منها مائة وثمانون متحركة، ومائة وثمانون ساكنة، فلو سكن المتحرك لم يبق الانسان ولو تحرك الساكن لهلك الانسان - الخبر -.
المكارم عن علي عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله مثله.
23 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في زيادة ضلع المرأة على ضلع الرجل لمكان الجنين كي يتسع جوفها للولد.
24 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الأنباري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحمد الله في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة عدد عروق الجسد، يقول: الحمد لله رب العالمين كثيرا على كل حال.
25 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وحميد بن زياد، عن الحسن بن محمد جميعا عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن يعقوب بن شعيب، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في ابن آدم ثلاثمائة وستين عرقا، منها مائة وثمانون متحركة
ومنها مائة وثمانون ساكنة، فلو سكن المتحرك لم ينم، ولو تحرك الساكن لم ينم. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أصبح قال: " الحمد لله رب العالمين كثيرا على كل حال " ثلاثمائة وستين مرة، وإذا أمسى قال مثل ذلك.
العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن الميثمي مثله.
26 - المناقب لابن شهرآشوب: عن سالم الضرير أن نصرانيا سأل الصادق عليه السلام عن أسرار الطب ثم سأله عن تفصيل الجسم، فقال عليه السلام: إن الله خلق الانسان على اثني عشر وصلا، وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظما، وعلى ثلاثمائة وستين عرقا. فالعروق هي التي تسقي الجسد كله، والعظام تمسكها، واللحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم وجعل في يديه اثنين وثمانين عظما في كل يد أحد وأربعون عظما، منها في كفه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساعده اثنان، وفي عضده واحد. وفي كتفه ثلاثة، فذلك أحد و أربعون عظما، وكذلك في الأخرى، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظما، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساقه اثنان، وفي ركبته ثلاثة، وفي فخذه واحد وفي وركه اثنان. وكذلك في الأخرى. وفي صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع، وفي وقصته ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظما، وفي فيه ثمانية وعشرون أو اثنان وثلاثون [عظما].
تبيين: يمكن أن يكون المراد وصل الأعضاء العظيمة بعضها ببعض كالرأس والعنق العضدين والساعدين والوركين مع الفخذين والساقين والأضلاع من اليمين والأضلاع
من الشمال وكأن المراد بالوقصة العنق. قال الفيروزآبادي: وقص عنقه - كوعد -: كسرها والوقص - بالتحريك -: قصر العنق - انتهى -. فعدها ثمانية باعتبار ضم بعض فقرات الظهر إليها لقربها منها وانحنائها ويحتمل أن يكون في الأصل " وفي وقيصته " وهي عظام وسط الظهر، وهي على المشهور سبعة فتكون الثمانية بضم الترقوة إليها. وفي بعض النسخ في أول الخبر " وستة وأربعين عظما " وهو تصحيف، لأنه لا يستقيم الحساب والأسنان غير داخلة في عدد العظام، فيدل على أنها ليست بعظم، وقد اختلف الأطباء في ذلك اختلافا عظيما: فمنهم من ذهب إلى أنها عظم، وقيل: هو عصب، وقيل: عضو مركب.
وظاهر الاخبار أنها نوع آخر غير العظم والعصب، لأنهم عليهم السلام عدوها في مالا تحله الحياة من الحيوان مقابلا للقرن والعظم والظلف والحافر وغيرها وهو لا ينافي المذهب الأخير كثيرا وظاهر الاخبار أنه لا حس لها ولم تحلها الحياة كما ذهب إليه بعض الأطباء وقال بعضهم: لها حس. قال في القانون: ليس لشئ من العظام حس البتة إلا للأسنان فإن جالينوس قال: بل التجربة تشهد أن لها حسا أعينت به بقوة تأتيها من الدماغ ليميز أيضا بين الحار والبارد. وقال القرشي: قال جالينوس: ليس بشئ من العظام حس إلا للأسنان، لان قوة الحس تأتيها في عصب لين. وهذا عجب، فإنه كيف جعل لينا وهو مخالط للعظام، وينبغي أن يكون شبيها بجرمها فيكون صلبا لئلا تتضرر بمماستها. وقال: بقي ههنا بحث، وهو أن الأسنان عظام أوليس بعظام؟
وقد شنع جالينوس على من لا يجعلها عظاما وجعلهم سوفسطائية، واستدل على أنها عظام بما هو عين السفسطة، وذلك لأنه قال ما هذا معناه: لأنها لو لم تكن عظاما لكانت إما أن تكون عروقا أو شرايين أو لحما أو عصبا، ومعلوم أنها ليست كذلك. وهذا غير لازم، فإن القائلين بأنها ليست بعظام يجعلونها من الأعضاء المؤلفة لامن هذه المفردة، ويستدلون على تركيبها بما يشاهد فيها من الشظايا، وتلك رباطية و عصبية. قالوا: وهذا يوجد في أسنان الحيوانات الكبار ظاهرا.
وقوله عليه السلام " وفي فيه ثمانية وعشرون " أي في بدء الانبات، ثم ينبت في قريب من العشرين أربعة أخرى تسمى " أسنان الحلم " بالكسر بمعنى العقل، أو بالضم بمعنى الاحتلام يعني البلوغ، ولذا قال عليه السلام بعده " واثنان وثلاثون " ويحتمل أن يكون باعتبار اختلافها في الاشخاص. قال في القانون: الأسنان اثنان وثلاثون سنا، وربما عدمت النواجد منها في بعض الناس، وهي الأربعة الطرفانية، فكانت ثمانية وعشرين سنا. فمن الأسنان ثنيتان ورباعيتان من فوق، ومثلهما من أسفل للقطع، ونابان من فوق ونابان من تحت للكسر، وأضراس للطحن في كل جانب فوقاني وسفلاني أربعة أو خمسة، فكل ذلك اثنان وثلاثون سنا أو ثمانية وعشرون. والنواجد تنبت في الأكثر في وسط زمان النمو، وهو بعد البلوغ إلى الوقف. وذلك أن الوقوف قريب من ثلاثين سنة، ولذلك تسمى أسنان الحلم.
27 - الكافي: عن محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن العزرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لله عبادا في أصلابهم أرحام كأرحام النساء. قال: فسئل: فمالهم لا يحملون؟ فقال: إنها منكوسة، ولهم في أدبارهم غدة كغدة الجمل أو البعير، فإذا هاجت هاجوا، وإذا سكنت سكنوا.
28 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن رفاعة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل ضرب رجلا فنقص بعض نفسه، بأي شئ يعرف ذلك؟ قال: ذلك بالساعات. قلت: وكيف الساعات قال: إن النفس يطلع الفجر وهو في الشق الأيمن من الانف، فإذا مضت الساعة صار إلى الشق الأيسر، فتنظر ما بين نفسك ونفسه ثم يحسب فيؤخذ بحساب ذلك منه.
بيان: كأن المراد به أنه في أول اليوم يكون النفس في الشق الأيمن أكثر ولعل هذا إنما ذكر استطرادا، فإن استعلام عدد النفس لا يتوقف عليه، ولم أر من عمل به سوى الشيخ يحيى بن سعيد في جامعه. وقال العلامة - ره - في التحرير: في انقطاع النفس الدية، وفي بعضه بحسب ما يراه.
29 - التهذيب: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: لا تواروا إلا كميشا - يعني به من كان ذكره صغيرا - وقال: لا يكون ذلك إلا في اكرام الناس.
30 - توحيد المفضل: فكر يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر و الأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشرة تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم، إذا كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره. وخلق للأنثى وعاء قعر ليشتمل على المائين جميعا، ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم. أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف؟! سبحانه وتعالى عما يشركون.
فكر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع، وتدبير كل منها للإرب: فاليدان للعلاج والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة.
قال المفضل: فقلت: يا مولاي! إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة.
فقال: سلهم عن هذه الطبيعة: أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق. فإن هذه صفته وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من
الصواب والحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه، الجارية على ما أجراها عليه.
فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينهما قد جعلت كالمصفي للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد ثقيلة، فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء حتى يطرد إلى الأرض كلها، وينفذ ما يخرج منه [من] الخبث والفضول إلى مغائض قد أعدت لذلك: فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة. فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتقسمه وتنهكه. فتبارك من أحسن التقدير، وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه.
قال المفضل: [فقلت:] صف نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السلام: أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف. فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمى بجميع أعضائه وهو ثابت على شكله وهيئته لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره، أو يستوفي مدته قبل ذلك. هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة؟!
يا مفضل انظر إلى ما خص به الانسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم فإنه
خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الاعمال.
انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات و تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها. ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء. فلما لم يكن لها في شئ من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها.
فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا لكيلا يفوتها شئ من المحسوسات: فخلق البصر ليدرك الألوان، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة، وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب، وكذلك سائر الحواس ثم هذا يرجع متكافئا: فلو كان بصرا ولم يكن ألوانا لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع. فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه، ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء، فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون.
ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت. فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة أشياء أخربها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير؟
فكر يا مفضل في من عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الألوان وبين المنظر الحسن و القبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها، ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له
سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة، حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى. وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة، فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الأصوات واللحون الشجية المطربة، ويعظم المؤنة على الناس في محاورته حتى يتبرموا به، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي. فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم، بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم! أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الانسان، والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل، يوافي خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئا منها. فلم كان كذلك إلا لأنه خلق بعلم وتقدير.
قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي؟
قال عليه السلام: ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم. ثم إن للذين تنزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا و أنابوا لما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب.
فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة و التقدير والصواب في التدبير. فالرأس مما خلق فردا، ولم يكن للانسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد. ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لان الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد. ثم كان الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان، فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي
ذلك يأخذ، و [كان] أشباه هذا من الاختلاط. واليدان مما خلق أزواجا، ولم يكن للانسان خير في أن يكون له يد واحدة، لان ذلك كان يخل به في ما يحتاج إلى معالجته من الأشياء. ألا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل أطل الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الأسنان. فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم.
ألا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء. وأشبه شئ بذلك المزمار الأعظم، فالحنجرة يشبه قصبة المزمار، والرئة يشبه الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض [على] الرئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزمار، والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالأصابع التي تختلف في [فم] المزمار، فتصوغ صفيره ألحانا، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف، فإن المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت.
قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف. وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب أخرى. فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرئة فتروح عن الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو حبس شيئا يسيرا لهلك الانسان وباللسان تذاق الطعوم، فيميز بينها، ويعرف كل واحد منها: حلوها من مرها، وحامضها من مزها، ومالحها من عذبها، وطيبها من خبيثها. وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب. والأسنان تمضغ الطعام حتى يلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك
كالسند للشفتين تسمكهما وتدعمهما من داخل الفم. واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخى الشفة ومضطربها، وبالشفتين يترشف الشراب ، حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر، لا يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكأ في الجوف.
ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الانسان إذا شاء ويطبقهما إذا شاء.
ففي ما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه الأعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتى، وذلك كالفأس يستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الاعمال.
لو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الاعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفته هد الصدمة والصكة التي ربما وقعت في الرأس. ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صار بمنزلة الفرو للرأس تستر من شدة الحر والبرد فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس والمستحق للحيطة والصيانة لعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته؟!
[تأمل] يا مفضل الجفن على العين كيف جعل كالغشاء، والأشفار كالأشراج، وأولجها في هذا الغار، وأظلها بالحجاب وما عليه من الشعر!
[فكر] يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر وكساه المدرعة التي هي غشاؤه وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكأه؟ من جعل في الحلق منفذين: أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرئة، والآخر منفذ للغذاء وهو المرئ المتصل بالمعدة، الموصل الغذاء إليها، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرئة فيقتل؟ من جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تفتر ولا تخل لكيلا
تتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف؟ من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجا تضبطهما لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الانسان عيشه؟ فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا! بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر.
من جعل المعدة عصبانية شديدة وقدرها لهضم الطعام الغليظ؟ ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء، ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر؟ أترى [من] الاهمال يأتي بشئ من ذلك؟ كلا بل هو تدبير من مدبر حكيم قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إياها لا يعجزه شئ وهو اللطيف الخبير.
فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام؟ هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه؟ لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض؟ لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلا وقاية لها ومعونة على العمل؟
لم صار داخل الاذن ملتويا كهيئة اللولب إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليكسر حمة الريح فلا ينكأ في السمع؟ لم حمل الانسان على فخذيه وأليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يوقيه صلابتها؟ من جعل الانسان ذكرا وأنثى إلا من خلقه متناسلا؟ ومن خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا؟ ومن أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا ومن خلقه عاملا إلا من جعله محتاجا؟ ومن جعله محتاجا إلا من ضربه بالحاجة؟ ومن ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه؟ من خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء؟ من وهب له الحيلة إلا من ملكه الحول؟ ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة؟ من يكفيه مالا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ مدى شكره؟ فكر
وتدبر ما وصفته، هل تجد الاهمال على هذا النظام والترتيب؟! تبارك الله عما يصفون.
أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد. اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرئة تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب فتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الانسان، فيستجير ذو فكر وروية أن يزعم أن مثل هذا يكون بالاهمال، ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه عن هذا القول.
لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب أكنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى؟
بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقى فردا آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة . وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ من فرد أنثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه. فتبا وخيبة وتسعا لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتى أنكروا التدبير والعمد فيها!
لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف [كان] يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه، ولو كان منعظا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش ويمشي بين الناس و شئ شاخص أمامه! ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال والنساء جميعا. فقدر الله - جل اسمه - أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت، ولا يكون على الرجال منه مؤنة، بل جعل فيه القوة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك لما قدر أن يكون فيه من دوام النسل وبقائه.
اعتبر الآن يا مفضل بعظم النعمة على الانسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى. أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها؟ فهكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الانسان في أستر موضع منه فلم يجعله بارزا من خلقه ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن مستور محجوب يلتقي
عليه الفخذان وتحجبه الأليتان بما عليهما من اللحم فيواريانه. فإذا احتاج الانسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفي ذلك المنفذ منصبا مهيأ لانحدار الثفل.
فتبارك [الله] من تظاهرت آلاؤه، ولا تحصى نعماؤه.
فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للانسان، فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضه، فلم ينقص واحد من الصفتين إذا كان محتاجا إليهما جميعا.
تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار، فإنهما لما كانا مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا جعلا عديمي الحس لئلا يؤلم الانسان الاخذ منهما. ولو كان قص الشعر وتقليم الأظفار مما يوجد له مس ذلك لكان الانسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كل واحد منهما حتى يطول فيتثقل عليه، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه.
قال المفضل: فقلت: فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد فيحتاج الانسان إلى النقصان منه؟ فقال عليه السلام: إن لله تبارك وتعالى في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها.
اعلم أن آلام البدن وأدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه وبخروج الأظفار من أناملها. ولذلك امر الانسان بالنورة وحلق الرأس وقص الأظفار في كل أسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات فتخرج الآلام والأدواء بخروجهما. وإذا طالا تحيزا وقل خروجهما فاحتبست الآلام والأدواء في البدن فأحدثت عللا وأوجاعا، ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي يضر بالإنسان ويحدث عليه الفساد والضرر: لو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمى البصر؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سينغص على الانسان طعامه وشرابه؟
ولو نبت في باطن الكف ألم يكن سيعوقه عن صحة اللمس وبعض الاعمال؟ ولو نبت في فرج المرأة وعلى ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع؟ فانظر كيف تنكب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة. ثم ليس هذا في الانسان فقط، بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات، فإنك ترى أجسامهن مجللة بالشعر، وترى هذه
المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه. فتأمل الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطاء والمضرة وتأتي بالصواب والمنفعة. إن المنانية وأشباهم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر كما ينبت العشب في مستنقع المياه. أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها. ثم إن هذه تعد مما يحمل الانسان من مؤنة هذا البدن وتكاليفه لماله في ذلك من المصلحة، فإن اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته، ويكف عاديته، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والبطالة.
تأمل الريق وما فيه من المنفعة، فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا يجف، فإن هذه المواضع لو جعلت كذلك، كان فيه هلاك الانسان ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة واعلم أن الرطوبة مطية الغذاء، وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للانسان، ولو يبست المرة لهلك الانسان ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التمييز وقصور العلم: لو كان بطن الانسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت؟ فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل من الأمراض والموت وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة، فيخرجه ذلك إلى العتو والأشر. ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الانسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه.
ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف، فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الأحشاء، فكان في ذلك هلاك الانسان. أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل!.
أقول: قد مر شرح الجميع في كتاب التوحيد. من أراد ذلك فليرجع إليه.
31 - الدر المنثور: عن وهب بن منبه، قال: خلق الله ابن آدم كما شاء و بما شاء، فكان كذلك، فتبارك الله أحسن الخالقين. خلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشعره وعظامه وجسده، فهذا بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم ثم جعلت فيه النفس، فبها يقوم ويقعد، ويسمع ويبصر، ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقي ما تتقي. ثم جعلت فيه الروح، فبه عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، وبه حذر وتقدم واستتر وتعلم ودبر الأمور كلها. فمن التراب يبوسته، ومن الماء رطوبته.
فهذا بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم كما أحب أن يكون. ثم جعل فيه من هذه الفطر الأربع أنواعا من الخلق في جسد ابن آدم، فهي قوام جسده وملاكه بإذن الله وهي المرة السوداء، والمرة الصفراء والدم والبلغم. فيبوسته وحرارته من قبل النفس ومسكنها في الدم، ورطوبته وبرودته من قبل الروح ومسكنه في البلغم. فإذا اعتدلت هذه الفطر في الجسد فكان كل واحد ربع كان جلدا كاملا وجسما صحيحا، و إن كثر واحد منها على صاحبه علاها وقهرها وادخل عليها السقم من ناحيته، وإن قل عنها واحد منها غلبت عليه وقهرته ومالت به، فضعف عن قوتها وعجز عن طاقتها
وأدخل عليها السقم من ناحيته. فالطبيب العالم بالداء والدواء يعلم من الجسد حيث أتى سقمه، أمن نقصان أو من زيادة.
32 - وعن ابن عباس، قال: إن الله أوحى إلى داود أن يسأل سليمان عن أربع عشرة كلمة، فإن أجاب ورثه العلم والنبوة. قال: أخبرني يا بني أين موضع العقل منك؟ قال: الدماغ، قال: أين موضع الحياء منك؟ قال: العينان، قال: أين موضع الباطل منك؟ قال: الاذنان، قال: أين باب الخطيئة منك؟ قال: اللسان، قال:
أين طريق الريح منك؟ قال: المنخران، قال: أين موضع الأدب والبيان منك؟ قال:
الكلوتان، قال: أين باب الفظاظة والغلظة منك؟ قال: الكبد، قال: أين بيت الريح منك؟ قال: الرئة، قال: أين باب الفرح منك؟ قال الطحال، قال: أين باب الكسب منك؟ قال: اليدان قال: أين باب النصب منك؟ قال: الرجلان، قال: أين باب الشهوة منك؟ قال: الفرج، قال: أين باب الذرية منك؟ قال: الصلب. قال: أين باب العلم والفهم والحكمة؟ قال: القلب، إذا صلح القلب، صلح ذلك كله، وإذا فسد القلب فسد ذلك كله.
بسم الله الرحمن الرحيم {48 باب آخر} * (في ما ذكره الحكماء والأطباء في تشريح البدن وأعضائه) * * (وفيه فصول) * الفصل الأول * (في بيان الأعضاء الأصلية للبدن) * قالوا: إن الله سبحانه خلق أعضاء الحيوان مختلفة لحكم ومصالح، فجعلها عظاما وأعصابا وعضلات وأوتارا ورباطات وعروقا وأغشية ولحوما وشحوما و رطوبات وغضاريف، وهي البسائط.
ثم جعل منها الأعضاء المركبة الآلية من القحف والدماغ والفكين والعين والاذن والأنف والأسنان واللسان والحلق والعنق والصلب والنخاع والأضلاع والقص والترقوة والعضد والساعد والرسغ والمشط والأصابع والأظفار والصدر والرئة والقلب والمرئ والمعدة والأمعاء والكبد والطحال والمرارة والكلى والمثانة ومراق البطن والأنثيين والقضيب والثدي والرحم والعانة والفخذ والساق والقدم والعقب والكعب وغير ذلك.
أربعة منها رئيس شريف: وهي الدماغ والقلب والكبد والأنثيان، إذ في
الأول قوة الحس والحركة، وفي الثاني قوة الحياة، وفي الثالث قوة التغذية، والثلاثة ضرورية لبقاء الشخص، وفي الرابع قوة التوليد وحفظ النسل المحتاج إليه في بقاء النوع، وبه يتم الهيئة والمزاج الذكوري والأنوثي اللذين هما من العوارض اللازمة لأنواع الحيوان. وكل من الثلاثة الأول مشتبك بالآخر محتاج إليه:
إذ لولا الكبد وإهداره لسائر الأعضاء بالغذاء لا نحلت وانفشت، ولولا ما يتصل بالكبد من حرارة القلب لم يبق له جوهره الذي به يتم فعله، ولولا تسخن الدماغ بالشرايين وإغذاء الكبد بالعروق الصاعدة إليه لم يدم له طباعه الذي يكون به فعله، ولولا تحريك الدماغ لعضل الصدر لم يكن التنفس ولم يبق للقلب جوهره الذي منه تنبعث الحرارة الغريزية في أبداننا، ولكن الرئيس المطلق هو القلب، وهو أول ما يتكون في الحيوان، ومنه يسري الروح الذي هو محل الحس والحركة إلى الدماغ، ثم يسري منه إلى سائر الأعضاء، ومنه أيضا يسري الروح الذي هو مبدأ التغدية والنمو إلى الكبد، ثم يسري منه إلى سائر الأعضاء. فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم اعلم أن العظام أنواع: من طويل وقصير وعريض ودقيق ومصمت ومجوف على حسب اختلاف المصالح والحكم. فمنها ما قياسه من البدن قياس الأساس وعليه مبناه، ومنها ما قياسه المجن والوقاية، ومنها ما هو كالسلاح الذي يدفع به المصادم، ومنها ما هو حشو بين فرج المفاصل، ومنها ما هو متعلق العضلات المحتاجة إلى علاقة.
وجملة العظام دعامة وقوام للبدن ولهذا خلقت صلبة. ثم مالا منفعة فيه سوى هذه خلق مصمتا وإن كان فيه المسام والخلل والتي لابد منها. وما يحتاج إليه لأجل الحركة أيضا فقد زيد في تجويفه وجعل تجويفه في الوسط واحدا ليكون التغذي (خ).
جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة فيصير رخوا، بل صلب جرمه وجمع غذاؤه وهو المخ في حشوه. ففائدة زيادة التجويف أن يكون أخف وفائدة توحيد التجويف أن يبقى جرمه أصلب، وفائدة صلابة جرمه أن لا ينكسر عند الحركات العنيفة، وفائدة المخ ليغذوه وليرطبه دائما فلا يتفتت بتجفيف الحركة، وليكون - وهو مجوف - كالمصمت. والتجويف يقل إذا كانت الحاجة إلى الوثاقة أكثر، ويكثر إذا كانت الحاجة إلى الخفة أكثر. وخلق بعضها مشاشة لأجل الغذاء المذكور مع زيادة حاجة بسبب شئ يجب أن ينفذ فيها كالرائحة المستنشقة مع الهواء في العظام التي تحت الدماغ ولفضول الدماغ المدفوعة فيها.
والعظام كلها متجاورة متلاقية ليس بين شئ منها وبين الذي يليه مسافة كثيرة وإنما لم يجعل كل ما في البدن منها عظما واحدا لئلا يشمل البدن ما أصابته من آفة أو كسر، وليكون لاجزاء البدن حركات مختلفة متفننة، ولهذا هيئ كل واحد منها بالشكل الموافق لما أريد به، ووصل ما يحتاج منها إلى أن يتحرك في بعض الأحوال معا وفي بعضها فرادى برباط أنبته من أحد طرفي العظم ووصل بالطرف الآخر، وهو جسم أبيض عديم الحس، فجعل لاحد طرفي العظمين زوائد وفي الاخر مرا موافقه لدخول هذه الزوائد وتمكنها فيها والنابت بهذه الهيئة بين العظام مفاصل وصار للأعضاء من أجل المفاصل أن تتحرك منها بعض دون بعض، ومن أجل الربط المواصلة بين العظام أن تتحرك معا كعظم واحد، ومن أجل أن العظام وسائر الأعضاء ليس لها أن تتحرك بذاتها بل بمحرك وعلى سبيل جهة الانفعال وصل بها من مبدأ الحس والحركة وينبوعهما الذي هو الدماغ وصولا.
وهذه الوصول هي العصب، وهو جوهر لدن علك مستطيل مصمت عند الحس غير العصبة المجوفة التي في العين، فائدته بالذات إفادة الدماغ بتوسطه لسائر الأعضاء حسا وحركة، وبالعرض تشديد اللحم وتقوية البدن. وليس يتصل بالعظم مفردة ولكن بعد اختلاطها باللحم والرباط، وذلك لان الأعصاب لو اتصلت مفردة بعضو عظيم لكانت إما أن لا تقدر على أن تحركه البتة وإما أن يكون تحريكها له تحريكا ضعيفا، وخصوصا عندما تتوزع وتنقسم وتنشعب في الأعضاء وتصير حصة العضو الواحد أدق كثيرا من الأصل، وعند ما يتباعد من مبدئه ومنبته. ومن أجل ذلك ينقسم العصب قبل بلوغه إلى العضو الذي أريد تحريكه به وينسج في ما بين تلك الأقاسم اللحم وشظايا من الرباط، فيتكون من جميع ذلك شئ يسمى عضلا ويكون عظمه وصغره وشكله بمقدار العضو الذي أريد تحريكه وبحسب الحاجة إليه ووضعه في الجهة التي يراد أن يتحرك إليها ذلك العضو.
ثم ينبت من الطرف الذي يلي العضو المتحرك من طرفي العضلة شئ يسمي وترا، وهو جسم مركب من العصب الآتي إلى ذلك العضو ومن الرباط النابت من العظام وقد خلص من اللحم فيمر حتى يتصل بالعضو الذي يريد تحريكه بالطرف الأسفل فيلتثم بهذا التدبير أن يعرض قليل نشج للعضلة نحو أصلها بجذب الوتر جذبا قويا وأن يتحرك العضو بكليته لان الوتر متصل منه بطرفه الأسفل.
وقد يتعدد الأوتار لعضل واحد إذا كان كبيرا، وربما تعاونت عدة عضل على تحريك عضو واحد. وربما لا يكون للعضل وتر لصغره جدا. وكل عضو يتحرك حركة إرادية فان له عضلة بها تكون حركته، فإن كان يتحرك إلى جهة متضادة كانت له عضلات متضادة المواضع تجذبه كل واحدة منها إلى ناحيتها عند كون تلك الحركة وتمسك المضادة لها عن فعلها، وإن عملت المتضادتان في وقت واحد استوى العضو وتمدد وقام. مثلا: الكف إذا مدها العضل الموضوع في باطن الساعد، انثنى
وإن مده العضل الموضوع في ظهره رجع إلى خلف، وإن مداه جميعا استوى وقام بينهما.
ثم إن مبدء الحس والحركة جميعا في الأعضاء قد يكون عصبة واحدة، وقد يكون اثنتين. ومبدئية العصب للحس والحركة إنما هو بسبب حمله للقوة اللامسة والقوة المحركة من جهة الروح الحيوانية المنبثة فيه من الدماغ. فالقوة اللامسة منبثة في جملة جلد البدن وأكثر اللحم والغشاء وغير ذلك بسبب انبثاث حاملها الذي هو الروح إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد والطحال والكلية والرئة والعظم.
وتدرك هذه القوة الكيفيات الأول: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة وتدرك أيضا الخفة والثقل والملاسة والخشونة والصلابة واللين والهشاشة والزوجة كلها بالمماسة.
وكذلك القوة المحركة منبثة في جميع الأعضاء بواسطة الروح المنبثة في العضلات، ثم لما كانت أسافل البدن وما بعد عن الدماغ يحتاج أن ينال الحس والحركة وكان نزول العصب إليها من الدماغ بعيد المسلك غير حريز ولا وثيق.
وأيضا لو نبتت الأعصاب كلها من الدماغ لاحتيج أن يكون الرأس أعظم مما هو عليه بكثير ولثقل على البدن حمله، فلذلك جعل الله - عز اسمه - في أسفل القحف ثقبا وأخر منها شيئا من الدماغ وهو النخاع، وحصنه لشرفه وعزته بالعنق والصلب كما حصن الدماغ بالقحف، وأجراه في طول البدن وهو محصن موقي، وأنبت منه حين قارب وحاذى عضوا ما عصبا يخرج من ثقب في خرز العنق والصلب ويتصل بتلك الأعضاء التي يأتيها العصب من ذلك الموضع فيعطيها الحس والحركة بقوة مبدئهما الذي فيه.
فإن حدث على الدماغ حادثة عظيمة فقد البدن كله الحس والحركة، وإن حدثت على النخاع فقدتهما الأعضاء التي يجيئها العصب من ذلك الموضع وما دونه
فحسب، لان الدماغ بمنزلة العين والينبوع لذلك، والنخاع بمنزلة النهر العظيم الجاري منه، والأعصاب بمنزلة الجداول. وأول مبادئ الأعصاب الخارجة من الدماغ والنخاع تكون لينة شبيهة بهما، ثم إنها تصلب متى تباعدت منهما حتى يصير عصبا تام النوع.
ثم اعلم أن العضلات كلها مجللة بغشاء لطيف، وكذلك جميع الأحشاء مجللة بأغشية والغشاء جسم لطيف رقيق منتسج من العصب والرباط ليفيد العضو الذي هو غشاء له ومحيط به مما لا حس له الحس والشعور العرضيين، فيتبادر إلى دفع الألم في الجملة وليحفظ أيضا الأعضاء على أشكالها وأوضاعها ويصونها عن التبدد والتفرق، وليربطها بواسطة العصب والرباط الذي يشظى إلى ليفها بعضو آخر.
وجميع الأشياء الملفوفة في الغشاء مما هو داخل الأضلاع فمنبت غشائها من أحد غشائي الصدر والبطن المستبطنين والأعضاء اللحمية، إما ليفية كلحم العضل، وأما ليس فيها ليف كالكبد ولا شئ من الحركات إلا بالليف، أما الإرادية فبسبب ليف العضل، وأما الطبيعية كحركة الرحم والعروق، والمركبة كحركة الازدراد فبليف مخصوص بهيئة من وضع الطول والعرض والتورب وللجذب الليف المطول وللدفع الليف الذاهب عرضا العاصر، وللامساك الليف المؤرب.
وأما العروق فنوعان: إحداهما النابضة الضوارب. ومنبتها القلب، ويسمى بالشرايين، ولها حركتان: انقباضية، وانبساطية، وشأنها أن تنفض البخار الدخاني من القلب بحركتها الانقباضية، وتجذب بحركتها الانبساطية نسيما طيبا صافيا يستريح به القلب ويستمد منه الحرارة الغريزية، وبهذه الحركة ينتشر الروح والقوة الحيوانية والحرارة الغريزية في جميع البدن.
وخلقت كلها ذات صفاقين، احتياطا في وثاقة جسميتها، لئلا تنشق بسبب
قوة حركتها بما فيها، ولئلا يتحلل ما فيها، إلا واحدة منها تسمى بالشريان الوريدي، فإنها ذات صفاق واحد ليكون ألين وأطوع للانبساط والانقباض، فإن الحاجة إلى السلاسة أمس منها إلى الوثاقة، لأنها كما أنها منفذ للنسيم كذلك منفذ لغذاء الرئة، فإن غذاءها من القلب، وهي تغوص في الرئة وتصير شعبا ولحم الرئة لين لطيف لا تخشى مصادمته عند النبض، ويحتاج إلى ترشح الغذاء إليه بسرعة وسهولة. وجعل الصفاق الداخلاني من ذوات الصفاقين أصلب، لأنه كالبطانة التي تحمي الطهارة، وهو الملاقي لقوة الحرارة الغريزية ولمصادمته حركة الروح، فأوجبت الحكمة تقوية منفذ الروح والحرارة الغريزية بهذه البطانة و إحرازها بها.
والنوع الثاني العروق الساكنة، ومنبتها الكبد، وتسمى الأوردة، وشأنها إما جذب الغذاء إلى الكبد وإما إيصال الغذاء من الكبد إلى الأعضاء، وكلها ذات صفاق واحد، إلا واحد يسمى بالوريد الشرياني فإنه ذو غشائين صلبين، لأنه ينفذ في التجويف الأيمن من القلب ويأتي بغذاء الرئة إلى القلب، ولحم الرئة لحم لطيف خفيف لا يصلح له إلا دم رقيق لطيف.
ومن الشرايين ما يرافق الأوردة لترتبط الأوردة بالأغشية المجللة بها فيستقي في ما بينهما من الأعضاء فيستقي كل واحد منهما عن الآخر، وكلما ترافقا على الصلب في داخل امتطى الشريان الوريد ليكون أخسهما حاملا للأشرف وما ترافقا في الأعضاء الظاهرة غاص الشريان تحت الوريد ليكون أستر وأكن له، ويكون الوريد له كالجنة.
وأما الغضروف فهو ألين من العظم فينعطف، وأصلب من سائر الأعضاء. وفائدته أن يحسن به اتصال العظام بالأعضاء اللينة، فلا يكون الصلب واللين قد تركبا بلا
متوسط، فيتأذى اللين بالصلب خصوصا عند الضربة والضغطة، وليحسن به تجاور المفاصل المستحاكة فلا تتراض لصلابتها، وليستند به ويقوى بعض العضلات الممتدة إلى عضو ذي عظم، وليعتمد عليه ما افتقر إلى الاعتماد على شئ قوي ليس بغاية الصلابة.
فهذه هي الأعضاء المتشابهة الاجزاء التي تركب عنها الأعضاء الآلية، لواهبها الحمد كما هو أهله. وكلها يتكون عن المني ما خلا اللحم والشحم فإنهما يتكونان عن الدم.
{الفصل الثاني} * (في تشريح الرأس وأعضائه وما اشتملت عليه) * فمنها قحف الرأس وهو الذي خلقه الله لحفظ الدماغ ووقايته عن الآفات فخلقه الله مستديرا إلى طول لان المستدير أعظم مساحة من الاشكال المستقيمة الخطوط إذا تساوت إحاطتها، ولئلا ينفعل عن المصادمات ما ينفعل عنه ذو الزوايا. وأما طوله فلان منابت الأعصاب الدماغية موضوعة في الطول لئلا يزدحم ولا ينضغط، وقد يفقد النتوء المقدم أو المؤخر أو كلاهما.
[و] القحف مؤلف من ستة أعظم، اثنان منها بمنزلة السقف، وأربعة بمنزلة الجدران ويتصل بعضها ببعض بدروز تسمى بالشؤون، وجعل الجدران أصلب من اليافوخ لان السقطات والصدمات عليها أكثر، ولان الحاجة إلى تخلخل اليافوخ أمس لينفذ فيه البخار المتحلل، ولئلا يثقل على الدماغ. وجعل أصلب الجدران
مؤخرها لأنها غائبة عن حراسة الحواس.
وفي القحف ثقب كثيرة ليخرج منها أعصاب كثيرة، ويدخل فيها عروق وشرايين ويخرج منها الأبخرة الغليظة الممتنعة النفوذ في العظم فينقى بتحللها الدماغ وليتشبث بها الحجاب الثقيل الغليظ الآتي ذكره فيخف عن الدماغ. وأعظم ثقب فيه الذي من أسفل عند فقرة القفا، وهو يخرج النخاع. ويتصل بالقحف اللحى الأعلى وهو الذي فيه الخدان والأذنان والأسنان العليا. ويتركب من أربعة عشر عظما يتصل بعضها ببعض بدروز. ثم اللحي الأسفل وهو الذي فيه الأسنان السفلى، إلا أنه لم يتصل به اتصال التحام وركز بل اتصال مفصل لاحتياجه إلى حركة، ويسمى موضع اتصاله به " الزرفين " وهو مركب - سوى الأسنان - من عظمين بينهما شان في وسط الذقن.
وتحت القحف من ناحية الخلف فيما بينه وبين اللحي الأعلى عظم مركوز قد ملئ به الخلل الحادث من تقسيم أشكال هذه العظام ويسمى بالوتد، فجميع عظام الرأس إذا عدت على ما ينبغي خلا الأسنان ثلاثة وعشرون عظما.
وأما الدماغ فخلقه الله سبحانه لينا دسما لينطبع المحسوسات فيه بسهولة ولتكون الأعصاب النابتة منه لدنا لا ينكسر ولا ينقطع، وجعل مزاجه باردا رطبا لتنفعل القوى المودعة فيه عن مدركاتها، ولئلا يشتعل بالحرارة المتولدة فيه من الحركات الفكرية والخيالية، ولتعدل قوة الروح والحرارة الصاعدة إليه من القلب، وجعل مقدمه الذي هو منبت الأعصاب الحسية ألين من مؤخره الذي هو منبت الأعصاب الحركية، لان الحركة لا تحصل إلا بقوة، والقوة إنما تحصل بصلابة. وهو ذو قسمين طولا وعرضا لئلا تشمل الآفة جميع أجزائها، وفي طوله تجاويف ثلاثة يفضي بعضها إلى بعض تسمى بطون الدماغ، وهي محل الروح النفساني ومواضع الحواس ومقدمها أعظمها، ويتدرج إلى الصغر حتى يعود إلى قدر النخاع وشكله.
وله زائداتان شبيهتان بحلمتي الثدي يبلغان إلى العظم الكثير الثقب الشبيه بالمصفي في موضعه من القحف حيث ينتهي إليه أقصى الانف، فيهما حس الشم، وبهما يندفع الفضول من هذا البطن المقدم إلى العظم المذكور وينزل منه إلى الخيشوم بالعطاس.
وأما فضول البطنين الآخرين فتندفع إلى العظم المثقب الذي تحت الحنك والبطن المقدم هو موضع انجذاب الهواء إلى الدماغ، والهواء بعد مكثه في البطون وتغيره إلى المزاج الدماغي يصير روحا نفسانيا، وكثيرا ما يزيد على ما تسعه البطون فيصعد إلى بطون للدماغ تسمى بالتزاريد، ويستحل فيها إلى المزاج الدماغي وإلى صلوحه له.
والزرد الموضوع من جانبي البطن الأوسط يتمدد تارة ويتقلص أخرى مثل الدودة، ويسمى بها كما يسمى هذا البطن أيضا لان بتمدده يستطيل هو وينتظم معه، وبتقلصه يستعرض وينفرج عنه، والأول حركة الانقباض، بها يندفع الفضلة والثاني حركة الانبساط بها تتأدى صور المدركات إلى القوة الحافظة بتقدير العزيز الحكيم.
ثم إنه تعالى قد جلل الدماغ بغشائين: رقيق لين ملاصق [له] ومخالط في مواضع، وغليظ صلب فوقه ملاصق للقحف وله في أمكنة منه، وهو مثقب، ثقبا كثيرة في موضعين عند العظم الشبيه بالمصفي والعظم الذي في الحنك لاندفاع الفضول، ويتشعب منه شعب دقاق يصعد من دروز القحف إلى ظاهر يتشبث أولا الغشاء بالقحف بتلك الشعب فيتجافى بها عن الدماغ ويرتفع ثقله عنه ثم ينسج من تلك الشعب على ظاهر القحف غشاء يجلله.
ويتوسط أيضا جزئي الدماغ المقدم والمؤخر حجاب لطيف يحجب الجزء الألين عن مماسة الأصلب. وتحت الدماغ بين الغشاء الغليظ والعظم نسجة شبيهة بالشباك الكثيرة التي ألقيت بعضها على بعض حصلت من الشرايين الصاعدة إلى الرأس من القلب والكبد، ويخرج منها عرقان فيدخلان الغشاء الصلب ويتصلان بالدماغ
وإنما فرشت الشبكة تحت الدماغ ليبرد فيها الدم الشرياني والروح فيتشبه بالمزاج الدماغي بعد النضج، ثم يتخلص إلى الدماغ على التدريج. والفرج التي تقع بين فروع هذه الشريانات محشوة بلحم غددي لئلا تبقى خالية ولتعتمد عليه تلك الفروع وتبقى على أوضاعها.
وأما الأعصاب النابتة من الدماغ فسبعة أزواج أولها ينشأ من مقدم الدماغ ويجئ إلى العين فيعطيها حس البصر بتوسط القوة الباصرة، وهاتان العصبتان مجوفتان وإذا نشأتا من الدماغ وبعدتا عند قليلا اتصلتا وأفضى ثقب كل واحد منهما إلى صاحبه ثم يفترقان أيضا وهما بعد داخل القحف، ثم يخرجان ويصير كل واحد منهما إلى العين التي من جانبه.
والزوج الثاني ينشأ من خلف منشأ الأول، ويخرج من القحف في الثقب الذي في قعر العين ويتفرق في عضل العين فتكون به حركاتها.
والثالث منشأه من خلف الثاني بحيث ينتهي البطن المقدم إلى البطن الثاني ويخالط الزوج الرابع الذي بعده ثم يفارقه.
وينقسم أربعة أقسام: أحدها ينزل إلى البطن إلى ما دون الحجاب، والباقي منها يتفرق في أماكن من الوجه والأنف، ومنها ما يتصل بالزوج الذي بعده.
والرابع منشأه من خلف منشأ الثالث، ويتفرق في الحنك فيعطيه حسا خاصا له.
والخامس يكون ببعضه حس السمع وببعضه حركة العضل الذي يحرك الخد.
والسادس يصير بعضه إلى الحلق واللسان وبعضه إلى العضل الذي في ناحية الكتف وما حواليه، وبعضه ينحدر من العنق ويتشعب منها في مرورها شعب تتصل بعضل الحنجرة، فإذا بلغت إلى الصدر انقسمت أيضا فرجع منها بعضها مصعدا حتى يتصل بعضل الحنجرة، ويتفرق شئ منها في غلاف القلب والرئة والمرئ وما جاورهما ويمر الثاني وهو أكبره حتى ينفذ الحجاب ويتصل بفم المعدة منه أكثره، ويتصل
الباقي بغشاء الكبد والطحال وسائر الأحشاء، ويتصل به هناك بعض أقسام الزوج الثالث.
والسابع يبتدئ من مؤخر الدماغ حيث ينشأ النخاع ويتفرق في عضل اللسان والحنجرة، والعضلات المحركة لأعضاء البدن كلها ينشأ من هذه الأعصاب والأعصاب النخاعية الآتي ذكرها. ولما لم يمكن تصويرها بالكلام ما يمكن من تصوير الأعصاب والعظام بل لابد في ذلك من مشاهدة ودرية كثيرة بالغة أعرضنا عنه. وعدد كل ما في البدن من العضلات خمسمائة وتسعة وعشرون عضلا على رأي جالينوس.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.