بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
46 باب قوى النفس ومشاعرها من الحواس الظاهرة والباطنة وسائر القوى البدنية الآيات
ج ۵۸، ص ۲۴۴–۲۶۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
{46 باب} * (قوى النفس ومشاعرها من الحواس الظاهرة والباطنة وسائر) * * (القوى البدنية) * الآيات.
البقرة: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم.
النحل: والله أخرجكم من بطون أمها تكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة لعلكم تشكرون.
المؤمنون: وهو الذي أنشأ لكم السمع والابصار والأفئدة قليلا ما تشكرون الروم: من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين.
تفسير: " ختم الله على قلوبهم " قال النيسابوري: القلب تارة يراد به اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر، وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة، وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الانسان إنسانا، وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بموجب التكليف. " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " وهي من عالم الامر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده
" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق وهو نقيض ذلك " ألا له الخلق والامر " وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة " ونفس ما سواها فألهمها فجورها وتقواها " وبالروح " قل الروح من أمر ربي "، " و نفخت فيه من روحي - ثم قال بعد تفسير السمع والبصر -: والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من القلب والعين نور، أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي، ومدركه في ذلك النور. ولكل منهما بل لكل فرد منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه أو يدر كه أصغر مما هو عليه - انتهى -.
أقول: وقد مضى تفسير الختم وتأويله في كتاب العدل.
" لا تعلمون شيئا " قال الزمخشري: هو في موضع الحال، أي غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة " وجعل لكم " معناه: وركب فيكم هذه الأشياء آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.
وقال النيسابوري، اعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الانسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم، إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه. ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافيا في جزم الذهن بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية. وإن لم يكن
كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها - ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل - فهي علوم كسبية. فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الانسانية هو أنه تعالى أعطى الحواس والقوى الداركة للصور الجزئية.
وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة هي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارها عليها، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية، فالمراد بقوله " لا تعلمون شيئا " أنه لا يظهر أثر العلم عليهم، ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب سائر العلوم، ومعنى " لعلكم تشكرون " أن تصرفوا كل آلة في ما خلق لأجله، وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف " جعل " على " أخرج " أن يكون جعل السمع والبصر والأفئدة متأخرا عن الاخراج من البطن.
" واختلاف ألسنتكم وألوانكم " قال الرازي: لما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذي بين ألوان الانسان فإن واحدا منهم مع كثرة عددهم وصغر حجمهم، خدودهم وقدودهم لا تشتبه بغيرهم. والثاني اختلاف كلامهم فإن عربيين هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر، حتى أن من يكون محجوبا عنهما لا يبصر هما يقول: هنا صوت فلان. وفيه حكمة بالغة، وذلك لان الانسان يحتاج إلى التمييز بين الاشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره، والعدو من الصديق، ليحتزر قبل وصول العدو إليه، وليقبل علي الصديق قبل أن يفوته الاقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور، وقد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو والصديق فلا يقع التمييز ومن الناس من قال: إن المراد اختلاف اللغات كالعربية والفارسية والرومية وغيرها، والأول أصح - انتهى -.
وعلى الثاني المراد أنه علم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها وأقدره عليها.
الاخبار:
1 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، قال: لبيك يا ابن رسول الله، قال: ألا تحدثني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوا. قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة. وعظم ذلك علي، فخرجت إليه ودخلت البصرة في يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها. فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم، أنا رجل غريب، تأذن لي فأسألك عن مسألة؟ قال: فقال:
نعم، قال: قلت له: ألك عين؟ قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال؟! فقلت: هكذا مسألتي. فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء. قلت: أجبني فيها، قال: فقال لي:
سل، قلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما ترى بها؟ قال: الألوان والاشخاص.
قال: قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أتشمم بها الرائحة.
قال: قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أعرف به طعم الأشياء.
قال: قلت: ألك لسان؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أتكلم به، قال: قلت:
ألك اذن؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الأصوات. قال: قلت:
ألك يد؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أبطش بها. قال: قلت: ألك قلب؟ قال:
نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أميز كل ما ورد على هذه الجوارح. قال: قلت:
أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته رد ته إلى القلب فييقن اليقين ويبطل الشك. قال: فقلت: إنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قال: قلت: فلا بد من القلب وإلا لم تستقم الجوارح؟
قال: نعم، قال: فقلت: يا أبا مروان إن الله - تعالى ذكره - لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وييقن ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! قال: فسكت ولم يقل شيئا. قال: ثم التفت إلي فقال: أنت هشام؟ فقلت: لا، فقال لي: أجالسته؟ فقلت: لا، قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذا هو، قال: ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت. فضحك أبو عبد الله الصادق عليه السلام ثم قال: يا هشام من علمك هذا؟ قال: قلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني. قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. 2 - العلل: عن محمد بن موسى البرقي، عن علي بن محمد ماجيلويه، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول لرجل: اعلم يا فلان أن منزلة القلب من الجسد بمنزلة الامام من الناس الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أن جميع جوارح الجسد شرط للقلب و تراجمة له مؤدية عنه: الاذنان والعينان والأنف واليدان والرجلان والفرج فإن القلب إذا هم بالنظر فتح الرجل عينيه، وإذا هم بالاستماع حرك أذنيه وفتح
مسامعه فسمع، وإذا هم القلب بالشم استنشق بأنفه فأدى تلك الرائحة إلى القلب وإذا هم بالنطق تكلم باللسان، وإذا هم بالحركة سعت الرجلان، وإذا هم بالشهوة تحرك الذكر، فهذه كلها مؤدية عن القلب بالتحريك، وكذا ينبغي للامام أن يطاع للامر منه. بيان: قال في القاموس: الشرطة - بالضم -: واحد الشرط - كصرد - وهم أول كتبية تشهد الحرب وتتهيأ للموت، وطائفة من أعوان الولاة.
3 - التوحيد والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القسم بن محمد الأصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث طويل يقول فيه: ألا إن للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه. أقول: أوردت الاخبار في أحوال القلب وصلاحه وفساده وكذا أحوال النفس و درجاتها في الصلاح والفساد في أبواب مكارم الأخلاق من كتاب الكفر والايمان.
4 - المناقب لابن شهرآشوب: مما أجاب الرضا عليه السلام بحضرة المأمون لضباع ابن نصر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما: قال عمران: العين نور مركبة أم الروح تبصر الأشياء من منظرها؟ قال عليه السلام: العين شحمة، وهو البياض والسواد، والنظر للروح. دليله أنك تنظر فيه فترى صورتك في وسطه، والانسان لا يرى صورته إلا في ماء أو مرآة وما أشبه ذلك. قال ضباع: فإذا عميت العين كيف صارت الروح قائمة والنظر ذاهب؟ قال: كالشمس طالعة يغشاها الظلام. قالا: أين تذهب الروح؟ قال:
أين يذهب الضوء الطالع من الكوة في البيت إذا سدت الكوة؟ قال: أوضح لي
ذلك قال: الروح مسكنها في الدماغ وشعاعها منبث في الجسد بمنزلة الشمس دارتها في السماء وشعاعها منبسط على الأرض، فإذا غابت الدارة فلا شمس، وإذا قطعت الرأس فلا روح. بيان: " نور مركبة " أي مدرك ركب في هذا العضو وهو يدرك المبصرات، أم المدرك الروح وهذا منظره؟ واختار عليه السلام الثاني، ويدل على أن المدرك النفس وهذه آلاتها كما مر أنه المشهور. ويحتمل أن يكون المراد به الروح الحيواني بأن يكون المراد أن المدرك هو الروح الذي في العين لا نفس الضوء فلا ينفي المذهب الآخر كما يومئ إليه قوله " الروح مسكنها في الدماغ " وهو يدل على أن محل الروح ومنشأه الدماغ كما قيل، وكأن النزاع لفظي، المراد هنا الروح النفساني النازل من الدماغ بتوسط الأعصاب إلى جميع البدن، ومنشأ الجميع القلب.
قال بعض المحققين: خلق الله سبحانه بلطيف صنعه جرما حارا لطيفا نورانيا شفافا يسمى بالروح البخاري، وجعله مركبا للنفس وقواها، وكرسيا لملائكتها حيا بحياتها، باقيا بتعلقها به، فانيا برحلتها عنه لا كسائر الاجرام التي تزول عنها الحياة وهي باقية، وبه حياة البدن من الواهب بواسطة النفس. فكل موضع يفيض عليه من سلطان نوره يحيى وإلا فيموت. واعتبر بالسدد، فلو لا أن قوة الحس والحركة قائمة بهذا الجسم اللطيف لما كانت السدد يمنعها، وقد يخدر العضو بالسدة بحيث لا يتألم بجرح وضرب، وربما ينقطع فتبطل الحياة منه، ولولا أنه شديد اللطافة لما نفذ في شباك العصب. ومن أخذ بعض عروقه يحس بجري جسم لطيف حار فيه وتراجعه عنه، وهذا هو الروح، ومنبعه القلب الصنوبري، ومنه يتوزع على الأعضاء العالية والسافلة من البدن، فما يصعد إلى معدن الدماغ على أيدي خوادم الشرايين معتدلا بتبريده فائضا إلى الأعضاء المدركة المتحركة منبثا في جميع البدن يسمى روحا نفسانيا، وما يسفل منه إلى الكبد بأيدي سفراء الأوردة الذي هو مبدأ
القوى النباتية منبثا في أعراق البدن يسمى روحا طبيعيا - انتهى -.
قوله " دليله أنك تنظر فيه " كأن الغرض التنبيه على أن هذا العضو بنفسه ليس شاعرا لشئ، لأنه مثل سائر الأجسام الصقيلة التي يرى فيها الوجه كالماء والمرآة فكما أنها ليست مدركة لما ينطبع فيها فكذا العين وغيرها من المشاعر، أو دفع لتوهم كون الانطباع دليلا على كونها شاعرة، فيكون سندا للمنع.
قوله " دارتها " أي جرمها المستدير. في القاموس: الدار: المحل، يجمع البناء والعرصة، كالدارة، وبالهاء ما أحاط بالشئ كالدائرة، ومن الرمل ما استدار منه وهالة القمر. وفي المصباح: الدارة دارة القمر وغيره، سميت بذلك لاستدارتها - انتهى -. والرأس مذكر، وتأنيث الفعل كأنه لاشتماله على الأعضاء الكثيرة إن لم يكن من تصحيف النساخ.
5 - التوحيد: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن أبي إسحاق، عن عدة من أصحابنا أن عبد الله الديصاني أتى هشام بن الحكم فقال له: ألك رب؟ فقال: بلى، قال: قادر؟ قال: بلى قادر قاهر، قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها في البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا؟ فقال هشام: النظرة.
فقال له: قد أنظرتك حولا! ثم خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له ، فقال: يا ابن رسول الله، أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: عماذا سألك؟ فقال: قال لي كيت وكيت. فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، كم حواسك؟ قال: خمس، فقال: أيها أصغر؟ فقال: الناظر. قال: وكم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة أو أقل منها، فقال:
يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى. فقال: أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وترابا وجبالا وأنهارا، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن الذي قدر أن يدخل
الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة ولا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة. فانكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال: حسبي يا ابن رسول الله. فانصرف إلى منزله وغدا عليه الديصاني فقال له: يا هشام، إني جئتك مسلما ولم أجئك متقاضيا للجواب. فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب - الخبر -.
تبيين: أقول: في حل هذا الخبر وجوه أوردتها في كتاب التوحيد، وعلى التقادير يدل على أن الابصار بالانطباع، وعلى بعض الوجوه المتقدمة يحتمل أن يكون اقناعيا مبنيا على المقدمة المشهورة بين الجمهور أن الرؤية بدخول صور المرئيات في العضو البصري، فلا ينافي كون الابصار حقيقة بخروج الشعاع.
6 - الاختصاص: قال العالم عليه السلام: خلق الله عالمين متصلين: فعالم علوي وعالم سفلي. وركب العالمين جميعا في ابن آدم، وخلقه كريا مدورا فخلق الله رأس ابن آدم كقبة الفلك، وشعره كعدد النجوم، وعينيه كالشمس والقمر، ومنخريه كالشمال والجنوب، وأذنيه كالمشرق والمغرب، وجعل لمحه كالبرق، وكلامه كالرعد ومشيه كسير الكواكب، وقعوده كشرفها، وغفوه كهبوطها، وموته كاحتراقها. وخلق في ظهره أربعة وعشرين فقرة كعدد ساعات الليل والنهار، وخلق له ثلاثين معي كعدد الهلال ثلاثين يوما، وخلق له اثني عشر وصلا كعدد السنة اثني عشر شهرا، وخلق له ثلاثمائة وستين عرقا كعدد السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق له سبعمائة عصبة واثني عشر عضوا وهو مقدار ما يقيم الجنين في بطن أمه . وعجنه من مياه أربعة:
فخل المالح في عينيه، فهما لا يذوبان في الحر ولا يجمدان في البرد، وخلق المر في أذنيه لكي لا تقربهما الهوام، وخلق المني في ظهره ليك لا يعتريه الفساد، وخلق
العذب في لسانه ليجد طعم الطعام والشراب، وخلقه بنفس وجسد وروح، فروحه التي لا تفارقه إلا بفراق الدنيا، ونفسه التي تريه الأحلام والمنامات، وجسمه هو الذي يبلى ويرجع إلى التراب.
بيان: " وغفوه " أي نومه. وفي بعض النسخ " فقره " وكأنه تصحيف. " وهو مقدار ما يقيم " أي الاثنا عشر، فإن أكثر الحمل اثنا عشر شهرا على الأشهر. وكأن الروح هو الحيواني، والنفس هي الناطقة.
7 - تحف العقول: سأل يحيى بن أكثم عن قول علي عليه السلام " إن الخنثى يورث من المبال " وقال: فمن ينظر إذا بال إليه؟ مع أنه عسى أن تكون امرأة وقد نظر إليها الرجال، أو عسى أن يكون رجلا وقد نظرت إليه النساء، وهذا مالا يحل.
فأجاب أبو الحسن الثالث عليه السلام: إن قول علي عليه السلام حق، وينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة، فينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه.
بيان: ظاهره أن الرؤية بالانطباع لا بخروج الشعاع، لقوله عليه السلام " فيرون الشبح " ولأنه إذا كان بخروج الشعاع فلا ينفع النظر في المرآة، لان المرئي حينئذ هو الفرج أيضا. ويمكن الجواب بوجهين:
الأول: أن مبنى الأحكام الشرعية الحقائق العرفية واللغوية لا الدقائق الحكمية، ومن رأى امرأة في الماء لا يقال لغة ولا عرفا: أنه رآها، وإنما يقال:
رأى صورتها وشبحها. والنصوص الدالة على تحريم النظر إلى العورة إنما تدل على تحريم الرؤية المتعارفة، وشمولها لهذا النوع من الرؤية غير معلوم. فيمكن أن يكون كلامه عليه السلام مبنيا على ذلك لا على كون الرؤية بالانطباع، ويكون قوله " فيرون الشبح "
مبنيا على ما يحكم به أهل العرف، وذكره لبيان أن مثل تلك الرؤية لا تسمى رؤية حقيقية لا عرفا ولا لغة.
والثاني أنه يحتمل أن يكون الحكم مبنيا على الضرورة، ويجوز في حال الضرورة مالا يجوز في غيرها، فيجوز النظر إلى العورة كنظر الطبيب والقابلة وأمثالهما ولما كان هذا النوع من الرؤية أخف شناعة وأقل مفسدة اختاره عليه السلام لدفع الضرورة هناك بها، فلا يدل على الجواز عند فقد الضرورة، وعلى الانطباع. والأول أظهر.
ومع ذلك لا يمكن دفع كون ظاهر الخبر الانطباع، وسنتكلم في أصل الحكم في موضعه إن شاء الله تعالى.
8 - توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الانسان من الطعم النوم والجماع وما دبر فيها، فإنه جعل لكل واحد منهما في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به. فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه، والكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن واجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه، ولو كان الانسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل، حتى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء لشئ مما يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت:
وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن واجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه حتى ينهك بدنه. ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع. فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به. فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الانسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه كذلك ويحدوه عليه.
واعلم أن في الانسان قوى أربعا: قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها. ففكر في تقدير هذه القوى الأربع التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والإرب فيها وما في ذلك من التدبير والحكمة. ولولا الجاذبة كيف يتحرك الانسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ منه حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه؟
وسأمثل في ذلك مثالا: إن البدن بمنزلة دار الملك، وله فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار، فواحد لافضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها فالملك هو الخلاق الحكيم ملك العالمين والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوام هي هذه القوى الأربع:
ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء، ولا قولنا فيه كقولهم، لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الأبدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي، كالذي أوضحته بالوصف الثاني والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها.
تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس وموقعها من الانسان أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال الحفظ وحده
كيف كانت تكون حاله؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ماله وعليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال، وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساءه، وما نفعه مما ضره. ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه مالا يحصى، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره، ولا يعتقد دينا، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا!
فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال أو كيف موقع الواحدة منها دون الجميع. وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ، النعمة في النسيان! فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشئ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات، ولا رجاء غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادان، جعل له في كل منهما ضرب من المصلحة؟! وما عسى أن يقول الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتبائنة وقد تراها تجمع على ما فيه الصلاح والمنفعة؟
انظر يا مفضل إلى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء، فلولاه لم يقر ضيف، ولم يوف بالعدات، ولم تقض الحوائج، ولم يتحر الجميل، ولم يتنكب القبيح في شئ من الأشياء، حتى أن كثيرا من الأمور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء، فإن من الناس لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذا رحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعف عن فاحشة. أفلا ترى كيف وفي الانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره.
تأمل يا مفضل ما أنعم الله - تقدست أسماؤه - به على الانسان من هذا النطق الذي يعبر به عما في ضميره وما يخطر بقلبه وينتجه فكره، وبه يفهم من غيره ما في نفسه، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ ولا تفهم عن مخبر شيئا. وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الانسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة
عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم، وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما روي لهم مما لا يسعهم جهله، ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما أعطيه الانسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنما هو شئ يصطلح عليه الناس فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة ككتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في الأمم، إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام فيقال لمن ادعى ذلك: إن الانسان وإن كان له في الامرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشئ الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عز وجل له في خلقه فإنه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلم أبدا ولو لم يكن له كف مهيأة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدا. واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة. فأصل ذلك فطرة البارئ عز وجل، وما تفضل به على خلقه. فمن شكر أثيب، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.
فكر يا مفضل في ما أعطي الانسان علمه وما منع، فإنه أعطي علم جميع ما فيه صلاح دينه ودنياه. فمما فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارك وتعالى بالدلائل والشواهد القائمة في الخلق، ومعرفة الواجب عليه من العدل على الناس كافة، وبر الوالدين، وأداء الأمانة، ومواساة أهل الخلة، وأشباه ذلك مما قد توجب معرفته والاقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كل أمة موافقة أو مخالفة. وكذلك أعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة، والغراس، واستخراج الأرضين، واقتناء الأغنام والانعام، واستنباط المياه، ومعرفة العقاقير التي يستشفي بها من ضروب الأسقام، والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر، وركوب السفن، والغوص في البحر. وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرف في الصناعات ووجوه المتاجر والمكاسب وغير ذلك مما يطول شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار. فأعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه ومنع ما سوى ذلك مما ليس فيه
شأنه ولا طاقته أن يعلم، كعلم الغيب وما هو كائن، وبعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء، وما تحت الأرض، وما في لجج البحار وأقطار العالم، وما في قلوب الناس، وما في الأرحام، وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه. وقد ادعت طائفة من الناس هذه الأمور فأبطل دعواهم ما يبين من خطأهم في ما يقضون عليه ويحكمون به في ما ادعوا علمه. فانظر كيف أعطي الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه! وكلا الامرين فيها صلاحه.
تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الانسان علمه من مدة حياته، فإنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر. على أن الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال، لان من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس. وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء، وانهمك في اللذات والمعاصي، وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله. ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور في كل الأوقات على تصرف الحالات.
فإن قلت: أوليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته؟
قلنا: إن ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات له لو تركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ويبني عليه أمره، فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة. فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع، بأن يتسلف التلذذ في العاجل، ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك، فإن النزوع من الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب، ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته بالتوبة أن
يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الاجل وقد نفذ المال، فيبقى الدين قائما عليه. فكان خير الانسان أن يستر عنه مبلغ عمره، فيكون طول عمره يترقب الموت، فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح.
فإن قلت: وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش وينتهك المحارم. قلنا: إن وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الامر فيه، فإن كان الانسان مع ذلك لا يرعوي ولا ينصرف عن المساوي فإنما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه، لا من خطأ في التدبير. كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به، فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه لم ينتفع بصفته، ولم يكن الإساءة في ذلك للطبيب، بل للمريض حيث لم يقبل منه. ولئن كان الانسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر القطعية فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء. ثم إن ترقب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي، ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع أولئك حظهم منها.
تذنيب ولنذكر بعض ما ذكره الحكماء في تحقيق القوى البدنية الانسانية، لتوقف فهم الآيات والاخبار عليها في الجملة، واشتمالها على الحكم الربانية.
قالوا: الحيوان جسم مركب مختص من بين المركبات بالنفس الحيوانية لكون مزاجه أقرب إلى الاعتدال جدا من النباتات والمعادن، فبعد أن يستوفي درجة
الجماد والنبات يقبل صورة أشرف من صورتهما. وعرفوا النفس الحيوانية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة. ولها قوتان: مدركة، ومحركة. أما المدركة فهي إما في الظاهر أو في الباطن. أما التي في الظاهر فهي خمس بحكم الاستقراء. وقيل: لان الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا وقد استكملت جميع ما في تلك المرتبة، فلو كان في الامكان حس آخر لكان حاصلا للانسان، فلما لم يحصل علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس.
فمنها السمع وهو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ، ويتوقف على وصول الهواء المنضغط بين القارع والمقروع و القالع والمقلوع مع مقاومة المتكيف بكيفية الصوت المعلول لتموج ذلك الهواء إلى الصماخ. وليس مرادهم بوصوله ما هو المتبادر منه، بل إن ذلك الهواء بتموجه يموج الهواء المجاور له ويكيفه بالصوت، ثم يتموج المجاور لهذا المجاور وهكذا إلى أن يتموج الهواء الراكد في الصماخ. وقيل: لا ينحصر المتوسط في الهواء، بل كل جسم سيال كالماء أيضا.
ومنها البصر وهو قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين النابتتين من غور البطنين المقدمين من الدماغ، يتيامن النابت منهما يسارا، ويتياسر النابت منهما يمينا، فيلتقيان ويصير تجويفهما واحدا، ثم ينعطف النابت منهما يمينا إلى الحدقة اليمنى، والنابت منهما يسارا إلى الحدقة اليسرى، ويسمى الملتقى بمجمع النور.
والفلاسفة اختلفوا في كيفية الابصار، فالطبيعيون منهم ذهبوا إلى أنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي بمنزلة البرد والجمد في الصقالة المرآتية، فإذا قابلها متلون مستنير انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الانسان في المرآة، لا بأن ينفصل من المتلون شئ ويميل إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في عين الناظر، ويكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف.
والرياضيون ذهبوا إلى أنه بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند العين وقاعدته عند المرئي، ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة.
وقال بعضهم بأن الخارج من العين خط واحد مستقيم لكن يثبت طرفه الذي يلي العين ويضطرب طرفه الأخرى على المرئي فيتخيل منه هيئة مخروط.
والإشراقيون قالوا: لا شعاع ولا انطباع، وإنما الابصار مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة، فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم حضوري إشراقي على المبصر، فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية. لكن المشهور من آراء الفلاسفة الانطباع والشعاع.
تمسك الأولون بوجوه: أحدها - وهو العمدة - أن العين جسم صقيل نوراني وكل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة. أما الكبرى فظاهر وأما الصغرى فلما نشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه، ولان الانسان إذا نظر نحو أنفه قد يرى عليه دائرة مثل الضياء، وإذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه ثم يفقده، وذلك لامتلاء العين من النور. وإن غمضنا إحدى العينين أتسمع مثقب العين الأخرى، فيعلم أنه يملؤه جوهر نوري. ولولا انصباب أجسام نورانية من الدماغ إلى العين لكان تجويف العصبتين عديم الفائدة.
وثانيها أن الإحساس بسائر الحواس ليس لأجل خروج شئ من المحسوس بل لأجل أن يأتيها صورة المحسوس، فكذا حكم الابصار.
وثالثها أن كون رؤية الأشياء الكبيرة من البعيد صغيرة لضيق زاوية الرؤية لا يتأتى إلا مع القول بكون موضع الرؤية هو الزاوية كما هو رأي أصحاب الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي القائلين بخروج الشعاع، فإنها لا تتفاوت.
ورابعها أن من حدق النظر إلى الشمس ثم انصرف عنها يبقى في عينه صورتها زمانا، وذلك يوجب ما قلناه وخامسها أن الممرورين يرون صورا مخصوصة لا وجود لها في الخارج، فإذن
حصولها في البصر.
وأجيب عن الأول بأنه بعد تمامه لا يفيد إلا انطباع الشبح، وأما كون الابصار به فلا. وعن الثاني أنه تمثيل بلا جامع . وعن الثالث بأن كون العلة ما ذكرتم غير مسلم، كيف وأصحاب الشعاع يذكرون له وجها آخر. وعن الرابع بأن الصورة غير باقية في الباصرة بل في الخيال، وأين أحدهما من الآخر. وعن الخامس أنه إنما يدل على إثبات الانطباع في هذا النحو من الرؤية التي هي من قبيل الرؤيا ومشاهدة الأمور الغائبة عن الابصار بوقوع أشباحها في الخيال، ولا يدل على أن الابصار للموجودات في الخارج بالانطباع، وقياس أحدهما على الآخر غير ملتفت إليه في العلوم.
وتمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه: أحدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في البعيد، ومن كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح، لان الحركة في المسافة البعيدة تفيد رقة وصفاء، ولو كان الابصار بالانطباع لما تفاوت الحال.
وثانيها أن الأجهر يبصر بالليل دون النهار، لان شعاع بصره لقلته يتخلل نهارا شعاع الشمس فلا يبصر، ويجتمع ليلا فيقوى على الابصار، والأعمش بالعكس لان شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الابصار إلا إذا أفادته الشمس رقة وصفاء.
وثالثها أن الانسان إذا نظر إلى ورقة ورآها كلها لم يظهر له إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر وما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا.
ورابعها أن الانسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل عن عينه وأشرق على أنفه، وإذا غمض عينه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه والسراج.
والجواب عن الكل أنها لا تدل على المطلوب، أعني كون الابصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا، ونحن لا ننكر أن في آلات الابصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة، وإن أنكرها محمد بن زكريا زعما أن النور لا يوجد إلا في النار
وفي الكواكب، وأما الأجسام الكثيفة وما في بواطنها فالأولى بها الظلمة، وكيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب جسم نوراني؟ أما ابن سينا فقد اعترت بذلك، لان جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي مر ذكرها على خروج الشعاع من العين [و] أجاب عنه بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين ولا نزاع فيه لكن قلتم إن ذلك الشعاع يخرج فحينئذ نقول: آلة الابصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين والمرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية وتشتد حركته عند رؤية البعيد، فيتخلل لطيفها، فيفتقر إلى تلطيف إذا غلظ، وتكثيف إذا لطف ورق فوق ما ينبغي، ويحدث منها في المقابل القابل أشعة وأضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي ولشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر، وإدراكه أقوى وأكمل، ويشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به الشيخ، وإلا فهو باطل قطعا، أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الاعراض فظاهر، وإن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلانا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم، ثم إذا طبق الجفن عاد إليها أو انعدم، ثم إذا فتح خرج مثله وهكذا، وأن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر أو إرادة إلى جميع الجهات، وأن ينفذ في الأفلاك ويخرقها ليرى الكواكب، وأن لا يتشوش لهبوب الرياح ولا يتصل بغير المقابل، كما في الأصوات حيث يميلها الرياح إلى الجهات، ولأنه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب التفاوت بينهما، وليس كذلك بل يرى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة.
ثم إن للقائلين بالشعاع مذهبا آخر، وهو أن المشف الذي بين البصر والمرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر، ويصير بذلك آلة للابصار. ويرد عليه المفاسد المتقدمة مع زيادة.
وقال صاحب المقاصد: الحق أن الابصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين.
ثم اعلم أنه يعرض في الرؤية أمور غريبة قد يستدل ببعضها على أحد المذهبين
منها اختلاف الاقدار بسبب تفاوت الابعاد، والسبب فيه على كلا المذهبين اختلاف زاوية مركز الجليدية انفراجا وحدة ، فإنه إذا قابل المبصر البصر توهمنا خطين مستقيمين واصلين بين مركز الجليدية وطرفي المبصر، فيحصل زاوية البتة عند مركز الجليدية، فكلما كانت تلك الزاوية أعظم يرى المرئي أصغر، ولا يخفى على المتدرب أن قرب المرئي سبب لعظم تلك الزاوية، وبعده سبب لصغرها، أو بزيادة القرب يزيد عظمها وبزيادة البعد يزيد صغرها، فالخطوط التي هي أضلاع الزوايا موجودة عند الرياضيين، موهومة عند المشائين، وكل من أصحاب المذهبين جعل هذا مؤيدا لمذهبه، وله وجه وإن كان بمذهب المشائين أنسب.
وقال بعض المحققين: قد قرر الحكماء عن آخر هم أن تفاوت أقدار المبصرات بتفاوت أقدار الزاوية المذكورة، ويتبع تفاوت إحداهما تفاوت الأخرى على نسبتها من غير انثلام في اتساق النسبة، وبنوا عليه علم المناظر وغيره من معظمات المسائل. وفيه شبهة، وهو أنا إذا قربنا جسما صغيرا طوله مثل طول البصر أو أزيد بقليل كالا صبع من البصر بحيث يصل إلى رؤس شعر الجفن فيرى بزاوية عظيمة جدا ويحجب الجبل العظيم جدا، فزاويته أعظم من زاوية الجبل، فيجب أن يرى أعظم، مع أن الامر بخلافه ضرورة. والجواب أنه في الرؤية أعظم إلا أنه يعلم بحكم العقل أنه صغير جدا ورؤي عظيما بسبب كمال قربه - انتهى -.
ومنها رؤية المرئيات في المرايا والأجسام الصقيلة، واختلف في سببه وتفرق آراؤهم إلى مذاهب أربعة: الأول مذهب أصحاب الشعاع حيث ذهبوا إلى أنه بانعكاس الخطوط الشعاعية، وتفصيله أنا نعلم تجربة أن الشعاع ينعكس من الجسم الصقيل، كما ينعكس شعاع الشمس من الماء إلى الجدار، ومن المرآة إلى مقابلها، فإذا وقع شعاع البصر على المرآة مثلا ينعكس منها إلى جسم آخر وضعه من المرآة وضع المرآة من البصر على وجه تتساوى زاويتا الشعاع والانعكاس، فإذا قابلت المرآة وجه المبصر وكان سهم المخروط الشعاعي عمودا على سطح المرآة وجب انعكاس ذلك الخط العمود من سمته بعينه إلى مركز الجليدية، إذ لو انعكس إلى غيره لزم تساوى زاوية قائمة مع زاوية
حادة، وانعكست الخطوط القريبة منه إلى باقي أجزاء الوجه فيرى الوجه . وإذا كانت المرآة غير مقابلة للبصر على الوجه المذكور لم ينعكس الشعاع إليه، بل إلى جسم آخر من شأنه أن تتساوى به الزاويتان المذكورتان. فالمرئي في المرآة إنما هو الأمر الخارجي لكن لما رؤي بالشعاع الذي رؤي به المرآة يظن أنه في المرآة وليس موجودا في المرآة، وإذا كان الوجه قريبا من المرآة والخطوط المنعكسة قصيرة يظن أن صورة المرئي قريبة من سطح المرآة، وإذا كان الوجه بعيدا عنها والخطوط المنعكسة طويلة يظن الصورة غائرة فيها. وأورد عليه وجوه من الايراد المذكورة في محالها.
الثاني مذهب أصحاب الانطباع، وتوضيحه أنه كما أن القوة الباصرة بحيث إذا قابلت جسما ملونا مضيئا ارتسمت صورته فيها، فكذلك هي بحيث إذا قابلت جسما صقيلا ارتسمت صورتها في الباصرة مع صورة مقابل ذلك الجسم الصقيل وترتسم في جزء ارتسمت فيه صورة المرآة. وشرط الانعكاس عندهم أيضا ما مر من كون الجسم المقابل من المرآة مثل مقابلة المرآة للمبصر بحيث تتساوى زاويتا الشعاع والانعكاس من الخطوط الشعاعية الموهومة المفروضة المستقيمة.
الثالث مذهب سخيف ضعيف، وهو أن الصورة ينطبع في المرآة.
الرابع مذهب أفلاطون ومن سبقه وتبعه من الإشراقيين، حيث أثبتوا عالما آخر سوى هذا العالم الجسماني الذي هو المحدد للجهات مع ما فيه من الاجرام الفلكية والأجسام العنصرية، وهو عالم متوسط بينه وبين عالم المجردات العقلية الصرفة المنزهة عن المقدار والحيز والجهة والشكل. فإن أشخاص هذا العالم صور مثالية، وأشباح برزخية، مجردة عن الطبائع والمواد، نورانية، يسمى ذلك العالم عالم المثال. وقالوا: إن الصور المرئية في المرايا وغيرها من الأجسام الصقيلة والصور المتخيلة وأمثالها صور موجودة قائمة بنفسها، إذ لو كانت الصور في المرآة لما اختلف رؤية الشئ باختلاف مواضع نظرنا إليها، ولو كانت في الهواء لم يمكن أن ترى لان الهواء شفاف لم يمكن أن يرى وكذا ما حل فيه، وليست هي صورتك بعينها بأن ينعكس الشعاع من المرآة إليك لبطلان القول بالشعاع لوجوه مذكورة في كتب
القوم ولا في القوة الباصرة أو غيرها من القوى البدنية لوجوه ذكروها، فهي صور جسمانية موجودة في عالم آخر متوسط بين عالمي الحس والعقل يسمى بعالم المثال وهي قائمة بذاتها معلقة لا في محل ولا في مكان، لها مظاهر كالمرآة في الصور المرئية المرآتية والخيال في الصور الخيالية. ووافقهم الصوفية في إثبات هذا العالم وقد مرت الإشارة إليه.
قال القيصري في شرح الفصوص: اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا، وبالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيا، وليس بجسم مركب مادي ولا جوهر مجرد عقلي، لأنه برزخ وحد فاصل بينهما، وكل ما هو برزخ بين الشيئين لابد وأن يكون غيرهما، بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه. اللهم إلا أن يقال إنه جسم نوري في غاية ما يمكن من اللطافة، فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة وبين الجواهر الجسمانية الكثيفة، وإن كان بعض هذه الأجسام ألطف من البعض كالسماوات بالنسبة إلى غيرها - انتهى -.
ومنها رؤية الشئ شيئين كما في الأحول، وفي من مد طرف عينه، أو غمض إصبعه في طرف من العين، فإنه يرى كل شئ اثنين. واختلفت الآراء في تعليله ولنذكر منها مذهبين: الأول مذهب أصحاب الشعاع، فإنهم يقولون إنه يخرج من كل عين مخروط شعاعي له سهم، فان وقع السهمان على موضع واحد من المرئي يرى شيئا واحدا، وإن اختلف موقعاهما يرى اثنين. الثاني مذهب أصحاب الانطباع ومداره على مقدمة، وهي أن القوة البصرية قائمة بالروح الحيواني المصبوب في العصبتين المجوفتين النابتتين من مقدم الدماغ المتقاطعتين، وعند التقاطع يتحد التجويفان، وهناك مجمع النور، فإذا قابل البصر المبصر انطبعت صورته في الجليديتين ولا يكفي ذلك في الابصار، وإلا لرؤي الشئ الواحد شيئين، بل يجب أن تتأدى صورة أخرى مثل تلك الصورة إلى مجمع النور فتحصل الابصار. ثم إن هذا الروح الذي في مجمع النور يؤدي صورة المرئي إلى الحس المشترك، وهناك يتم كمال الابصار.
ثم بعد هذه المقدمة نقول: إن لادراك الشئ الواحد اثنين أربعة أسباب:
الأول انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبتين، فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد، بل ينتهي كل إلى جزء آخر من الروح الباصرة لان خطي الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ملتقى العصبتين، وإذا اختص كل بجزء آخر من الروح الباصرة فكأنهما شبحان لشيئين، ولأنه يختلف موضع الشبح في الروح الباصرة يرى الاثنين في الاثنين.
الثاني حركة الروح الباصرة التي في الملتقى وتموجها يمينا ويسارا، حتى يتقدم مركزها المرسوم [له] في الطبع إلى جهتي الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح قبل تقاطع المخروطين، فينطبع من الشئ الواحد شبحان، ويرى كشيئين مفترقين. وهذا مثل ارتسام شبح الشمس في الماء الساكن الراكد مرة واحدة وفي الماء المتوج متكررا.
الثالث اضطراب روح الباصرة التي في مقدم الدماغ وحركته قداما إلى صوب ملتقى العصبتين وخلفا إلى الحس المشترك، فإذا نظر في تلك الحالة إلى المرئي انطبع شبحه في جزء من الروح الحاصل في مركزه الذي له وضع مخصوص بالقياس إلى ذلك المرئي، فإذا تحرك ذلك الجزء ووقع جزء آخر في موضعه فلا جرم انطبع شبحه في ذلك الجزء أيضا ولم يزل بعد عن الجزء الأول، فتجتمع هناك صورتان ويرى شيئان.
ولمثل هذا السبب يرى الشئ السريع الحركة إلى جانبين كشيئين، لأنه قبل انمحاء صورته عن الحس المشترك وهو في جانب يراه البصر في جانب آخر، فتتوافى إدراكاته في الجانبين معا. ومن هذا القبيل رؤية القطرة النازلة خطا مستقيما، والشعلة الجوالة دائرة. ونظير الحركة الدورية لصاحب الدوار، فإنه لسبب من الأسباب الطبية يتحرك الروح الذي في تجويف مقدم الدماغ على الدور، فحينئذ إن انطبعت فيه صورة، تزول بسرعة لتحركه، كزوال الضوء عن أجزاء الكرة المقابلة
للكوة التي تشرق منها الشمس على الكرة إذا دارت الكرة، لكن قبل زوالها عن ذلك الجزء تحصل صورة في الجزء الذي حصل مكانه فيظن أن المرئي يدور حول نفسه، وما ذلك إلا لحركة الرائي.
الرابع اضطراب يعرض للثقبة العنبية، فان الطبقة العنبية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع بها الثقبة تارة وتضيق أخرى، تارة إلى خارج وتارة إلى داخل، فإن تحرك إلى خارج يعرض للثقبة اتساع، وإن تحرك إلى داخل يعرض لها تضيق، فإن ضاقت يرى الشئ أكبر، وإن اتسعت يرى أصغر، فيرى المرئي أولا غير المرئي ثانيا، خصوصا إذا تمثلت قبل انمحاء الأول فيرى اثنين. وفي حال ضيق الثقبة يتكاثف الروح البصري والنور الشعاعي، فيرى أكبر، كما يرى الشئ في البخار أعظم. وفي حال السعة يتلطف الروح ويتخلخل ويرق فيرى أصغر.
ومنها انعطاف الشعاع، وبيان ذلك أن الخطوط الشعاعية التي هي على سطح المخروط تنفذ على الاستقامة إلى طرفي المرئي إذا كان الشفاف المتوسط متشابه الغلظ والرقة فإن فرض هناك تفاوت بأن يكون مما يلي الرائي هواء ومما يلي المرئي ماء أو بخارا، فإن تلك الخطوط إذا وصلت إلى ذلك الماء مثلا انعطفت ومالت إلى سهم المخروط، ثم وصلت إلى طرفي المرئي، ولو انعكس الفرض مالت الخطوط إلى خلاف جانب السهم، ومن لوازم الانعطاف رؤية الشئ في الماء والبخار أعظم مما يرى في الهواء. فإن العنبة ترى في الماء كالإجاصة، والكوكب يرى في الأفق أعظم مما يرى في وسط السماء. وذلك لان الخطوط إذا انعطفت ومالت إلى جانب السهم تكون زاوية رأس المخروط أعظم منها إذا نفذت الخطوط على الاستقامة، لأنه يجب أن تتباعد الخطوط بحيث إذا انعطفت ومالت إلى السهم وصلت إلى طرفي المرئي، فيكون المرئي بها أعظم من المرئي بالأخرى.
ومنها رؤية الشجر على الشط منتكسا، وذلك لان الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار الآلة الحدباء المسماة بالفارسية، " چنگ " فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع
إلى رأس الشجر من موضع أقرب من الرائي، وإلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه وهكذا، وإذا كان الشجر على طرف الرائي كان الامر في الانعكاس على عكس ما ذكر.
ألا ترى أنك إذا سترت سطح الماء من جانبك يستر عنك رأس الشجر في الصورة الأولى وقاعدتها في الصورة الثانية، فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول من جميع تلك الخطوط المنعكسة إلى ما دونه، ويكون ما هو أقرب منه أطول مما هو أبعد منه على الترتيب، حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجرة، وذلك لتساوي زاويتي الشعاع والانعكاس.
ولنفرض خط " أب " عرض النهر و خط " ج ب " الشجر القائم على شطه، " و ه " الحدقة، ونفرض على " أب " نقطتي " د " و " و " وعلى " ج ب " " ح " و " ط " فإذا خرج من " ه " خط شعاعي إلى " و " وآخر إلى " د " وجب أن ينعكس الأول إلى نقطة " ط " مثلا فتكون الزاوية الشعاعية أعني زاوية " ه وا " كالزاوية الانعكاسية أعني زاوية " ط و ب " وأن ينعكس الآخر إلى نقطة " ح " وتتساوى أيضا شعاعية " ه د ا " وانعكاسية " ح د ب ".
ثم إن النفس لا تدرك الانعكاس، لتعودها في رؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة، فتحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء، ولا نفوذ [حينئذ] هناك، إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيحسب لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء، لكون الشعاع المنعكس إليه أطول، وكذا الحال في باقي الاجزاء على الترتيب فتراه كأنه منتكس تحت سطح الماء.
ومنها الشامة وهي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة. وقيل: بتبخر أجزاء
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.