بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
47 باب ما به قوام بدن الانسان وأجزائه وتشريح أعضائه ومنافعها وما يترتب عليها من أحوال النفس
ج ۵۸، ص ۲۸۵–۳۱۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
{47 باب} * (ما به قوام بدن الانسان وأجزائه وتشريح أعضائه ومنافعها وما يترتب) * * (عليها من أحوال النفس) * 1 - العلل: عن محمد بن شاذان بن عثمان بن أحمد البراوذي، عن محمد بن محمد بن الحرث بن سفيان السمرقندي. عن صالح بن سعيد الترمذي، عن عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه وجد في التوراة صفة خلق آدم عليه السلام حين خلقه الله عز وجل وابتدعه. قال الله تبارك وتعالى: إني خلقت آدم وركبت جسده من أربعة أشياء، ثم جعلتها وراثة في ولده تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة. وركبت جسده حين خلقته من رطب ويابس وسخن وبارد، وذلك أني خلقته من تراب وماء، ثم جعلت فيه نفسا وروحا، فيبوسة كل جسد من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح. ثم خلقت في الجسد بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع، وهن ملاك الجسد وقوامه بإذني، لا يقوم الجسد الا بهن، ولا تقوم منهن واحدة إلا بالأخرى، منها المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم، ثم اسكن بعض هذا الخلق في بعض، فجعل مسكن اليبوسة في المرة
السوداء، ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء، ومسكن الحرارة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم. فأيما جسد اعتدلت به هذه الأنواع الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه وكانت كل واحدة منهن أربعا لا تزيد ولا تنقص كملت صحته واعتدل بنيانه، فإن زاد منهن واحدة عليهن فقهرتهن ومالت بهن ودخل [على] البدن السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإذا كانت ناقصة نقل عنهن حتى تضعف من طاقتهن وتعجز عن مقارنتهن وجعل عقله في دماغه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه وحزنه وكربه في وجهه. وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا.
قال وهب: فالطبيب العالم بالداء والدواء يعلم من حيث يأتي السقم، من قبل زيادة تكون في إحدى هذه الفطر الأربع أو نقصان منها، ويعلم الدواء الذي به يعالجهن، فيزيد في الناقصة منهن أو ينقص من الزائدة، حتى يستقيم الجسد على فطرته، ويعتدل الشئ بأقرانه.
ثم تصير هذه الأخلاق التي ركب عليها الجسد فطرا عليه تبنى أخلاق بني آدم وبها توصف. فمن التراب العزم. ومن الماء اللين، ومن الحرارة الحدة، ومن البرودة الأناة.
فإن مالت به اليبوسة كان عزمه القسوة، وإن مالت به الرطوبة كانت لينة مهانة، وإن مالت به الحرارة كانت حد ته طيشا وسفها، وإن مالت به البرودة كانت أناته ريبا وبلدا. فإن اعتدلت أخلاقه وكن سواءا واستقامت فطرته كان حازما في أمره، لينا في عزمه، حادا في لينه، متأنيا في حدثه، لا يغلبه خلق من أخلاقه ولا يميل به، من أيها شاء استكثر
ومن أيها شاء أقل، ومن أيها شاء عدل، ويعلم كل خلق منها إذا علا عليه بأي شئ يمزجه ويقومه، فأخلاقه كلها معتدلة كما يجب أن يكون.
فمن التراب قسوته وبخله وحصره وفظاظته وبرمه وشحه وبأسه وقنوطه وعزمه و إصراره، ومن الماء كرمه ومعروفه وتوسعه وسهولته وتوسله وقربه وقبوله و رجاؤه واستبشاره. فإذا خاف ذو العقل أن يغلب عليه أخلاق التراب ويميل به ألزم كل خلق منها خلقا من أخلاق الماء يمزجه به بلينه: يلزم القسوة اللين، والحصر التوسع، والبخل العطاء، والفظاظة الكرم، والبرم الترسل، والشح السماح، واليأس الرجاء والقنوط الاستبشار، والعزم القبول، والاصرار القرب.
ثم من النفس حدته وخفته وشهوته ولهوه ولعبه وضحكه وسفهه وخداعه وعنفه وخوفه، ومن الروح حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وبهاؤه وفهمه وكرمه وصدقه ورفقه وكبره.
وإذا خاف ذو العقل أن تغلب عليه أخلاق النفس وتميل به ألزم كل خلق منها خلقا من أخلاق الروح يقومه به: يلزم الحدة الحلم، والخفة الوقار، والشهوة العفاف، واللعب الحياء، والضحك الفهم، والسفه الكرم، والخداع الصدق، والعنف الرفق، والخوف الصبر.
ثم بالنفس سمع ابن آدم وأبصر، وأكل وشرب، وقام وقعد، وضحك وبكى، وفرح وحزن، وبالروح عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، والصواب من الخطاء، وبه علم وتعلم وحكم وعقل واستحيى وتكرم وتفقه وتفهم وتحذر وتقدم. ثم يقرن إلى أخلاقه عشرة خصال أخرى: الايمان، والحلم، والعقل، والعلم، والعمل، واللين، والورع، والصدق، والصبر، والرفق. ففي هذه الأخلاق العشر جميع الدين كله. ولكل خلق منها عدو: فعدو الايمان الكفر، وعدو الحلم الحمق، وعدو العقل الغي، وعدو العلم الجهل، وعدو العمل الكسل، وعدو اللين العجلة، وعدو الورع الفجور،
وعدو الصدق الكذب، وعدو الصبر الجزع، وعدو الرفق العنف. فإذا وهن الايمان تسلط عليه الكفر وتعبده وحال بينه وبين كل شئ يرجو منفعته، وإذا صلب الايمان وهن له الكفر وتعبد واستكان واعترف الايمان. وإذا ضعف الحلم علا الحمق وحاطه وذبذبه وألبسه الهوان بعد الكرامة، وإذا استقام الحلم فضح الحمق وتبين عورته وأبدى سوأته وكشف ستره وأكثر مذمته. فإذا استقام اللين تكرم من الخفة والعجلة واطردت الحدة، وظهر الوقار والعفاف وعرفت السكينة، وإذا ضعف الورع تسلط عليه الفجور وظهر الاثم وتبين العدوان وكثر الظلم ونزل الحمق وعمل بالباطل. وإذا ضعف الصدق كثر الكذب وفشت الفرية وجاء الإفك بكل وجه البهتان، وإذا حصل الصدق اختسأ الكذب وذل وصمت للإفك وأميتت الفرية وأهين البهتان، ودنا البر واقترب الخير وطردت الشرة. وإذا وهن الصبر وهن الدين وكثر الحزن ورهق الجزع وأميتت الحسنة وذهب الاجر. وإذا صلب الصبر خلص الدين وذهب الحزن واخر الجزع و أحييت الحسنة وعظم الاجر وتبين الحزم وذهب الوهن. وإذا ترك الرفق ظهر الغش وجاءت الفظاظة واشتدت الغلظة وكثر الغشم وترك العدل وفشا المنكر وترك المعروف وظهر السفه ورفض الحلم وذهب العقل وترك العلم وفتر العمل ومات اللين وضعف الصبر وغلب الورع ووهن الصدق وبطل تعبد أهل الايمان.
فمن أخلاق العقل عشرة أخلاق صالحة: الحلم، والعلم، والرشد، والعفاف، والصيانة، والحياء، والرزانة، والمداومة على الخير، وكراهة الشر، وطاعة الناصح.
فهذه عشرة أخلاق صالحة، ثم يتشعب كل خلق منها عشر خصال: فالحلم يتشعب منه حسن العواقب، والمحمدة في الناس، وتشرف المنزلة، والسلب عن السلفة، وركوب
الجميل، وصحبة الأبرار، والارتداع عن الضيعة، والارتفاع عن الخساسة، وشهرة اللين، والقرب من معالي الدرجات. ويتشعب من العلم الشرف وإن كان دنيا، والعز وإن كان مهينا، والغنى وإن كان فقيرا، والقوة وإن كان ضعيفا، والنيل وإن كان حقيرا، والقرب وإن كان قصيا، والجود وإن كان بخيلا، والحياء وإن كان صلفا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سفيها. ويتشعب من الرشد السداد، والهدى والبر، والتقوى، والعبادة، والقصد، والاقتصاد، والقناعة، والكرم، والصدق. و يتشعب من العفاف الكفاية والاستكانة والمصادقة والمراقبة والصبر والنصر واليقين والرضا والراحة والتسليم. ويتشعب من الصيانة الكف والورع وحسن الثناء والتذكية والمروءة والكرم والغبطة والسرور والمنالة والتفكر. ويتشعب من الحياء اللين والرأفة والرحمة والمداومة والبشاشة والمطاوعة وذل النفس والنهى والورع وحسن الخلق. ويتشعب من المداومة على الخير الصلاح والاقتدار والعز والاخبات والإنابة والسؤدد والأمن والرضا في الناس وحسن العاقبة. ويتشعب من كراهة الشر حسن الأمانة وترك الخيانة واجتناب السوء وتحصين الفرج وصدق اللسان والتواضع والتضرع لمن هو فوقه، والانصاف لمن هو دونه، وحسن الجوار، ومجانبة إخوان السوء ويتشعب من الرزانة التوقر والسكون والتأني والعلم والتمكين والحظوة والمحبة والفلح والزكاية والإنابة.
ويتشعب من طاعة الناصح زيادة العقل وكمال اللب ومحمدة الناس والامتعاض من اللوم والبعد من البطش واستصلاح الحال ومراقبة ما هو نازل والاستعداد للعدو والاستقامة على المنهاج والمداومة على الرشاد. فهذه مائة خصلة من أخلاق العاقل.
بيان: " الصرامة " بالصاد المهلة: الشجاعة والحدة والعزم، وفي بعض النسخ
بالمعجمة من " ضرم " - كفرح -: اشتد جوعه، أو من " ضرم عليه " احتد غضبا في وجهه أي تظهر فيه. وفي القاموس: التبلد التجلد، بلد - ككرم وفرح - فهو بليد وأبلد.
وقال: الحصر - كالنصر والضرب -: التضييق، وبالتحريك ضيق الصدر والبخل والعي في المنطق. وقال: الفظ: الغليظ الجانب، السيئ الخلق القاسي الخشن الكلام، وفظ بين الفظاظة والفظاظ بالكسر.
قوله " يلزم القسوة اللين الخ " أي يختار الوسط بينهما ويكسر سورة كل منهما بالآخر، وهي العدالة المطلوبة في الأخلاق، أو يستعمل كلا منها في موقعه كما قال تعالى في وصف أمير المؤمنين عليه السلام وأضرابه " أذلة على المؤمنين أعزة علي الكافرين " وهو التخلق بأخلاق رب العالمين كما قال سبحانه " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ".
" والبرم التوسل " أي التقرب إلى الناس أو إلى الله بالصبر على أخلاق الناس، ولعله كان بالراء وهو الاستئناس، فإنه أنسب. " والعزم بالقبول " أي إذا عزم في أمر فنصحه صادق يقبل منه. " والاصرار القرب " أي من الله بالتوبة أو الأعم، قوله " وكبره " أي على أعداء الدين، والظاهر " صبره " كما يظهر من قوله " والخوف الصبر " ويحتمل أن يكون التصحيف في ما سيأتي، ويكون المراد بالكبر الشجاعة لمقابلة الخوف.
ثم الظاهر أن المراد بالنفس في هذا الحديث الروح الحيواني، وبالروح الناطقة.
ونسبة البرد إليها لأنه يلزم تعلقها تحرك النفس الذي يحصل البرد بسببه. و " تقدم " أي إلى الخير والسعادة والكمال. وفي القاموس: الذبذبة تردد الشئ المعلق في الهواء وحماية الجوار والأهل، وايذاء الخلق والتحريك. وقال: تكرم عنه: تنزه. وقال: الطرد:
الابعاد. وقال: خسأ الكلب طرده. " صمت للإفك " أي عنه. وشرة الشباب - بالكسر -: نشاطه.
والرزانة: الوقار، والارتداع: الانزجار، ولا يبعد أن يكون مكان الضيعة الضعة، كما مر في كتاب العقل. وفي القاموس: الصلف - بالتحريك -: التكلم بما يكرهه صاحبك،
والتمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة حد الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبرا (انتهى) " والمنالة " لعل المراد بها الدرجة التي تنال بها أشرف المقاصد من القرب والفوز و السعادة، من النيل: الإصابة. والاخبات: الخشوع والخضوع للرب تعالى. والحظوة بالضم والكسر -: المكانة والمنزلة. والفلح - بالمهملة محركة - والفلاح: الفوز والنجاة والبقاء في الخير، وبالمعجمة بالفتح: الظفر والفوز، والاسم بالضم. والزكاية:
النمو والطهارة، وفي بعض النسخ " الركانة " بالراء المهملة والنون، وهي العلو والرفعة والوقار، ولعله أصوب. وفي القاموس: معض من الامر - كفرح - غضب وشق عليه، فهو ماعض ومعض، وأمعضه ومعضه تمعيضا فامتعض.
أقول: إنما لم نعط شرح هذا الخبر حقه لأنه من الاخبار العامية المنسوبة إلى أهل الكتاب، وقد مر قريب منه في كتاب العقل، وشرحناه هناك بما ينفع في هذا المقام.
2 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد ابن أحمد الأشعري، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن علي بن الحسن الطاطري، عن سعيد بن محمد، عن درست، عن أبي الأصبغ. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بني الجسد على أربعة أشياء: الروح: والعقل، والدم، والنفس. فإذا خرج الروح تبعه العقل فإذا رأى الروح شيئا حفظه عليه العقل، وبقي الدم والنفس.
بيان: كأن المراد بالروح النفس الناطقة وبالعقل الحالات والصفات الحالة فيها ولابد لها منها في العلوم والادراكات، فإذا فارق الروح البدن تبعتها تلك الأحوال لأنها في البرزخ لا تفارقها العلوم والمعارف، بل تترقى فيها كما يظهر من الاخبار .
وبالنفس الروح الحيوانية فهي مع الدم الحامل لها تبقيان في البدن وتضمحلان. وقوله " فإذا رأى الروح " أي بعد مفارقة البدن، والرؤية بمعنى العلم أو بعين الجسد المثالي.
3 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
قوام الانسان وبقاؤه بأربعة: بالنار والنور والريح والماء. فبالنار يأكل ويشرب، و بالنور يبصر ويعقل، وبالريح يسمع ويشم، وبالماء يجد لذة الطعام والشراب. فلولا النار في معدته لما هضمت الطعام والشراب، ولولا أن النور في بصره لما أبصر ولا عقل ولولا الريح لما التهبت نار المعدة، ولولا الماء لم يجد لذة الطعام والشراب. قال:
وسألته عن النيران: فقال: النيران أربعة: نار تأكل وتشرب. ونار تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل. ونار لا تأكل ولا تشرب. فالنار التي تأكل وتشرب [فنار] ابن آدم وجميع الحيوان، والتي تأكل ولا تشرب فنار الوقود، والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة والتي لا تأكل ولا تشرب فنار القداحة والحباحب.
بيان " فبالنار يأكل ويشرب " أي بالحرارة الغريزية التي تتولد من النار و يسمونها نار الله، والمراد بالنور إما نور البصر أو الأعم منه ومن سائر القوى والمشاعر، فإن النور ما يصير سببا لظهور الأشياء كما عرفت مرارا. " وبالريح يسمع ويشم " لان الهواء حامل للصوت والكيفيات المشمومة. " بالماء يجد لذة الطعام والشراب " أي الماء الذي في الفم، فإنه الموصل للكيفيات المذوقة إلى الذائقة كما مر. " فلولا النار في معدته " أي الحرارة المفرطة. " فنار ابن آدم " أي الحرارة العزيزية فإنها الداعية إلى الأكل والشرب وتحيل المأكول والمشروب. " فنار الوقود " أي النيران التي توقدها الناس فإنها تأكل الحطب وكل ما تقع فيه. أي تحيلها وتكسرها، ولا تشرب لأن الماء غالبا يطفئها. " والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة " أي النار التي تورى من الشجر الأخضر كما مر في تفسير قوله تعالى " الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " فإنها تشرب الماء الذي يسقى الشجر، ولا تأكل أي لا يحيل شيئا ترد عليه بحرارتها
وقد مر الكلام فيها. وفي القاموس: قدح بالزند: رام الايراء به كاقتدح، والمقدح و القداح والمقداح حديدته، والقداح والقداحة حجره. وقال الجوهري: الحباحب اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان، فضربوا بها المثل حتى قالوا نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها (انتهى). ولعل المعنى أنها لما كانت تخرج من بين الحديد والحجر ولا ينفذ الماء فيهما ولا يحيلان شيئا فكأنهما لا تأكل ولا تشرب.
وقد مر الكلام فيه من باب النار.
4 - العيون: عن هاني بن محمد بن محمود العبدي عن أبيه بإسناده رفعه أن موسى بن جعفر عليهما السلام دخل على الرشيد، فقال له الرشيد: يا ابن رسول الله: أخبرني عن الطبائع الأربع. فقال موسى عليه السلام: أما الريح فإنه ملك يدارى، وأما الدم فإنه عبد عارم وربما قتل العبد مولاه، وأما البلغم فإنه خصم جدل، إن سددته من جانب انفتح من آخر، وأما المرة فإنها أرض إذا اهتزت رجفت بما فوقها. فقال له هارون: يا ابن رسول الله، تنفق على الناس من كنوز الله ورسوله.
بيان: يحتمل أن يكون المراد بالريح المرة الصفراء لحدتها ولطافتها وسرعة تأثيرها، فينبغي أن يدارى لئلا تغلب وتهلك، أو المراد بها الروح الحيوانية، وبالمرة، الصفراء والسوداء معا، فإنه تطلق عليهما المرة، فيكون اصطلاحا آخر في الطبائع و تقسيما آخر لها. و " العارم " سيئ الخلق الشديد، يقال: عرم الصبي علينا، أي أشر ومرح، أو بطر أو فسد ولعل المعنى أنه خادم للبدن نافع له لكن ربما كانت غلبته سببا للهلاك، فينبغي أن يصلح ويكون الانسان على حذر منه. " فإنه خصم جدل " كناية عن بطء علاجه وعدم اندفاعه بسهولة. " إذا اهتزت " أي غلبت وتحركت " رجفت بما فوقها " كما في حمى النائبة من الغب والربع وغيرهما، فإنها تزلزل البدن وتحركها.
ورأيت مثل هذا الكلام في كتب الأطباء والحكماء الأقدمين.
5 - العيون والعلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن غير واحد، عن أبي طاهر بن أبي حمزة، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: الطبائع أربع: فمنهن البلغم، وهو خصم جدل، ومنهم الدم، وهو عبد وربما قتل العبد سيده، ومنهن الريح، وهو ملك يدارى، ومنهن المرة، وهيهات [و] هيهات، هي الأرض إذا ارتجت ارتجت بما عليها.
6 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن [عمه] الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما صار الانسان يأكل ويشرب بالنار. ويبصر ويعمل بالنور، ويسمع ويشم بالريح، ويجد لذة الطعام والشراب بالماء، ويتحرك بالروح. ولولا أن النار في معدته ما هضمت - أو قال: حطمت - الطعام والشراب في جوفه ولولا الريح ما التهبت نار المعدة ولا خرج الثفل من بطنه، ولولا الروح ما تحرك ولا جاء ولا ذهب، ولولا برد الماء لاحترقه نار المعدة، ولولا النور ما أبصر ولا عقل. فالطين صورته، والعظم في جسده بمنزلة الشجر في الأرض والدم في جسده بمنزلة الماء في الأرض ولا قوام للأرض إلا بالماء، ولا قوام لجسد الانسان إلا بالدم، والمخ دسم الدم وزبده.
فهكذا الانسان خلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة، فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الأرض، لأنه نزل من شأن السماء إلى الدنيا، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت، ترد شأن الأخرى إلى السماء، فالحياة في الأرض، والموت في السماء،
وذلك أنه يفرق بين الأرواح والجسد، فردت الروح والنور إلى القدرة الأولى وترك الجسد لأنه من شأن الدنيا. وإنما [فسد] الجسد في الدنيا لان الريح تنشف الماء فييبس، فيبقى الطين فيصير رفاتا ويبلى ويرجع كل إلى جوهره الأول. وتحركت الروح بالنفس حركتها من الريح، فما كان من نفس المؤمن فهو نور مؤيد بالعقل، وما كان من نفس الكافر فهو نار مؤيد بالنكراء، فهذه صورة نار، وهذه صورة نور. والموت رحمة من الله عز وجل لعباده المؤمنين، ونقمة على الكافرين. ولله عقوبتان:
إحداهما [من] أمر الروح، والأخرى تسليط بعض الناس على بعض، فما كان من قبل الروح فهو السقم والفقر، وما كان من تسليط فهو النقمة، وذلك قوله تعالى " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون " من الذنوب. فما كان من ذنب الروح، من ذلك سقم وفقر، وما كان من تسليط فهو النقمة، وكل ذلك للمؤمن عقوبة له في الدنيا وعذاب له فيها، وأما الكافر فنقمة عليه في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة، ولا يكون ذلك إلا بذنب، والذنب من الشهوة، وهي من المؤمن خطأ ونسيان وأن يكون مستكرها وما لا يطيق، وما كان في الكافر فعمد وجحود واعتداء وحسد، وذلك قول الله عز وجل " كفارا حسدا من عند أنفسهم ".
بيان: " أو قال " الترديد من الراوي، والحطم: الكسر، " ولولا الريح " أي التي تدخل المعدة مع الطعام والشراب، أو المتولدة في المعدة، أو الالتهاب من الأولى، و خروج الثفل من الثانية، كما ذكر الأطباء أن الرياح المتولدة فيها تعين على احدار الثفل. " فالطين صورته " أي مادته التي تقبل صورته. وقال الفيروزآبادي: وتستعمل الصور بمعنى النوع والصفة. " خلق من شأن الدنيا " أي البدن " وشأن الآخرة " أي الروح " فإذا جمع الله بينهما " أي بين النشأتين " صارت حياته في الأرض " أي تعلقت روحه السماوية
بالجسد الأرضي، فتدخل فيه - على الجسمية - أو تظهر آثارها في الأرض بتوسط البدن - على التجرد - " ترد شأن الآخرة " أي الروح إلى السماء " فالحياة في الأرض " أي بسبب كون الروح أو تعلقها في الأرض " والموت في السماء " أي بسبب عروج الروح إلى السماء، أو الروح في حال حياة في الأرض، وبعد الموت في السماء. " فردت الروح والنور إلى القدرة الأولى " أي إلى عالم الأرواح التي هي أولى مخلوقاته تعالى، و في بعض النسخ " إلى القدس الأولى " أي إلى عوالم القدس الأولى. " ويرجع كل " أي من العناصر " إلى جوهره الأول " قبل الامتزاج، أو كل من الروح والبدن إلى الجوهر الأول. " وتحركت الروح بالنفس " كأن المراد بالروح هنا الحيوانية. وبالنفس، الناطقة أي عند الموت تتحرك الروح إلى السماء بسبب حركة النفس أو قطع تعلقها كحركة الروح في حال الحياة في البدن من الريح التي هي النفس، أو المراد حركتها في حال الحياة، أي الروح الحيوانية إنما تتحرك وتجري في مجاري البدن بسبب النفس حركتها التي بسبب الريح والتنفس. ويمكن أن يقرأ " بالنفس " بالتحريك، أي حركة الروح الحيوانية تابعة للنفس، كما أن النفس وتحركه تابع للريح، فيرتكب تأويل في تأنيث الضمير كالأنفاس ونحوه، وعلى هذا يحتمل وجها آخر بأن يكون المراد خروج الحيوانية بالنفس، وخروجه كحركة الروح بالريح إلى السماء بعد خروجها والروح في قوله " فردت الروح " يمكن [أيضا] حملها على الحيوانية، فالمراد بالنور الناطقة، ويدل عليه قوله " فهو نور مؤيد بالعقل " وإذا حملناها على الناطقة فالمراد بالنور كمالاتها وعلمها وادراكاتها، والأول في أكثر أجزاء الخبر أظهر. والنكراء - بالفتح الحيل والخداع والفطنة في الباطل، قال في القاموس: النكر والنكارة والنكراء والنكر - بالضم -: الدهاء والفتنة والمنكر. وقد مر في الحديث أنها شبهة بالعقل وليست به.
قوله " إحداهما من الروح " أي ما يصيب روحه من الآلام الجسمانية والروحانية
بلا توسط أحد، والأخرى ما يصيبه بسبب تسلط الغير عليه " فهو النقمة " أي ينتقم الله منه بغيره وعقوبة المؤمن منحصرة فيهما، وأما الكافر فيجتمع عليه عقاب الدنيا وعذاب الآخرة ويحتمل أن تكون " ان مخففة وكان المعنى: إنما يفعله باستكراه الشهوة وعدم طاقته لمقاومتها لعسر تركها عليه لا بسبب اختياره وخروجه عن التكليف، وأما الكافر فيفعلها عمدا واعتداء واستهانة بأمر الله ونهيه، كما ورد في خبر آخر " فإذا وقع الاستخفاف فهو الكفر ".
" حسدا من عند أنفسهم " الآية في سورة البقرة هكذا: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا " قال البيضاوي: علة ود. " من عند أنفسهم " يجوز أن يتعلق ب " ود " أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، أو ب " حسدا " أي حسدا بالغا منبعثا من أصل نفوسهم (انتهى). وظاهر الخبر أن الاستشهاد بقوله " من عند أنفسهم " أي باختيارهم لا باستكراه واضطرار وخطأ ونسيان، فيدل على أن المؤمن لا يرتكب المعصية إلا على أحد هذه الوجوه، فالمراد بالمؤمن الكامل، وهو الذي لا يخاف عليه العذاب في الآخرة، وعلى ما أولنا يشمل غيره أيضا. ولا يخفى ما في الخبر من التشويش، وكأنه من الرواة، وهو مع ذلك مشتمل على رموز خفية، وأسرار غيبية، وحكم ربانية، وحقائق إيمانية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
7 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لما أحب أن يخلق خلقا بيده، وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، قال: ولما كان من شأن الله أن يخلق آدم للذي أراد من التدبير والتقدير لما هو مكونه في السماوات والأرض وعلمه لما أراد من ذلك كله كشط عن أطباق السماوات ثم قال للملائكة: انظروا إلى أهل
الأرض من خلقي من الجن والنسناس، فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق، عظم ذلك عليهم وغضبوا لله وأسفوا على أهل الأرض ولم يملكوا غضبهم أن قالوا: يا رب أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن، وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك يتقلب في قبضتك، ويعيشون برزقك، ويستمتعون بعافيتك، وهم يعصونك بمثل هذا الذنوب العظام، لا تأسف ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى! وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك. فلما سمع الله عز وجل من الملائكة قال: إني جاعل في الأرض خليفة لي عليهم، فيكون حجة لي عليهم في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة: سبحانك! أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قالوا: فاجعله منا فإنا لا نفسد في الأرض ولا نسفك الدماء. قال الله - جل جلاله -: يا ملائكتي إني أعلم مالا تعلمون، إني أريد أن أخلق خلقا بيدي، أجعل ذريته أنبياء مرسلين، وعبادا صالحين، وأئمة مهتدين، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معاصي، وينذرونهم عذابي، و يهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، وأجعلهم حجة لي عذرا أو نذرا، وأبين النسناس من أرضي فأطهرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريتي و خلقي وخيرتي، واسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض لا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا، ولا يرى نسل خلقي الجن ولا يؤانسونهم ولا يخالطونهم فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم لنفسي أسكنتهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم ولا أبالي.
فقالت الملائكة يا ربنا افعل ما شئت، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. فقال الله - جل جلاله - للملائكة: إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. وكان ذلك من أمر الله عز وجل تقد إلى الملائكة في آدم من قبل أن يخلقه، احتجابا منه عليهم.
قال فاعترف - تبارك وتعالى - غرفة من الماء العذب الفرات فصلصلها فجمدت، ثم قال لها: منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين الدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا أبالي، ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون يعني بذلك خلقه أنه سيسألهم. ثم اغترف غرفة من الماء المالح الأجاج، فصلصلها فجمدت، ثم قال لها: منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة إخوان الشياطين والدعاة إلى النار يوم القيامة وأتباعهم ولا أبالي، ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون. قال: وشرط في ذلك البداء، ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء. ثم خلط الماءين فصلصلهما ثم ألقاهما قدام عرشه وهما ثلة من طين. ثم أمر الملائكة الأربعة: الشمال والدبور والصبا والجنوب، أن جولوا على هذه السلالة الطين وابرأوها وانشئوها ثم جزئوها وفصلوها وأجروا فيها الطبائع الأربعة: الريح، والمرة، والدم والبلغم. قال: فجالت الملائكة عليها وهي الشمال والصبا والجنوب والدبور، فأجروا فيها الطبائع الأربعة. قال : والريح في الطبائع الأربعة [في البدن] من ناحية الشمال. قال والبلغم في الطبائع الأربعة في البدن من ناحية الصبا. قال: والمرة في الطبائع الأربعة في البدن من ناحية الدبور. قال: والدم في الطبائع الأربعة في البدن من ناحية الجنوب. قال: فاستقلت النسمة وكمل البدن. قال: فلزمه
من ناحية الريح حب الحياة وطول الامل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب واللين والرفق، ولزمه من ناحية المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب النساء واللذات وركوب المحارم والشهوات.
قال عمرو: أخبرني جابر أن أبا جعفر عليه السلام قال: وجدناه في كتاب من كتب علي عليه السلام.
تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن ثابت الحداد، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام مثله بأدنى تغيير، وقد أوردناه بلفظ التفسير في باب خلق آدم عليه السلام.
بيان: " لما هو مكونه " متعلق بالتقدير والتدبير على التنازع، و " علمه " معطوف على " الذي " أو على " شأن الله " أو " علمه " بصيغة الماضي عطفا على " هو مكونه " و " لما أراد " بالتشديد تأكيد لقوله " لما أحب " لبعد العهد بين الشرط والجزاء. وقال الجوهري:
كشطت الجل عن ظهر الفرس والغطاء عن الشئ إذا كشفته عنه. وفي المصباح: أسف غضب وزنا ومعنى. " أن قالوا " أي إلى أن قالوا، و " أن " ليس في التفسير، وفيه " يتقلبون " وهو أظهر، وما هنا لرعاية إفراد لفظ الخلق، وفيه " خليفة يكون حجة لي في أرضي على خلقي ". " بيدي " أي بقدرتي. " وأبين النسناس " أي أخرجهم، وفي بعض النسخ " أبير " أي أهلك، وفي التفسير " أبيد " بمعناه. والمردة جمع المارد وهو العاتي. وفي الصحاح:
الصلصال الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف. والحمأ: الطين الأسود، والمسنون: المتغير المنتن. وقال: ثلة البئر ما اخرج من ترابها، والثلة - بالضم - الجماعة من الناس (انتهى) وفي التفسير " سلالة من طين " وسلالة الشئ ء ما استل منه. " أن جولوا " من الجولان، وفي التفسير " أن يجولوا " و " أبروها " من البري بمعنى النحت، أو بالهمز أي اجعلوها مستعدة لان أبرأها وأنشئها - مجازا - والبر: التراب، ويمكن
أن يكون من التأبير، وفي القاموس: أبر النخل والزرع كأبره أصلحه. ولعل المراد بالريح المرة الصفراء وبالمرة السوداء، كما مر أو بالعكس، أو المراد بالريح الروح الحيواني وبالمرة المرتان، وفي التفسير الصغير لعلي بن إبراهيم " وأجروا فيها الطبائع الأربع: المرتين والدم والبلغم - إلى قوله - فالدم من ناحية الصبا، والبلغم من ناحية الشمال، والمرة الصفراء من ناحية الجنوب، والمرة السوداء من ناحية الدبور ".
8 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابنا رفعه، قال: قال أبو عبد الله: عرفان المرء نفسه أن يعرفها بأربع طبائع وأربع دعائم وأربعة أركان، وطبائعه: الدم، والمرة، والريح، والبلغم. ودعائمه: العقل - ومن العقل الفطنة - والفهم، والحفظ، والعلم. وأركانه: النور، والنار، والروح، والماء. فأبصر وسمع و عقل بالنور، وأكل وشرب بالنار، وجامع وتحرك بالروح، ووجد طعم الذوق والطعم بالماء: فهذا تأسيس صورته. فإذا كان عالما حافظا ذكيا فطنا فهما عرف في ما هو ومن أين تأتيه الأشياء ولأي شئ هو ههنا ولما هو صائر باخلاص الوحدانية والاقرار بالطاعة وقد جرى فيه النفس وهي حارة وتجري فيه وهي باردة. فإذا حلت به الحرارة أشر وبطر وارتاح وقتل وسرق ونصح واستبشر وفجر وزنا واهتز وبذخ، وإذا كانت باردة اهتم وحزن واستكان وذبل ونسي وأيس. فهي العوارض التي تكون منها الأسقام، فإنه سبيلها، ولا يكون أول ذلك إلا لخطيئة عملها فيوافق ذلك مأكل أو مشرب في إحدى ساعات لا تكون تلك الساعة موافقة لذلك المأكل والمشرب بحال الخطيئة فيستوجب الألم من ألوان الأسقام. وقال: جوارح الانسان وعروقه وأعضاؤه جنود لله
مجندة عليه، فإذا أراد الله به سقما سلطها عليه فأسقمه من حيث يريد به ذلك السقم.
بيان: قوله " والفهم " عطف على العقل أوعد العقل أربعا باعتبار شعبه، والأول أظهر. وقال الراغب في مفرداته: النور الضوء المنتشر الذي يعين على الابصار، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي فالدنيوي ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل ونور القرآن، ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة كالقمر والنجوم والنيران، فمن النور الإلهي قوله عز وجل " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " وقال " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " وقال " ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا " وقال " فهو على نور من ربه " وقال " نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " ثم قال ومن النور الأخروي قوله " يسعى نورهم بين أيديهم " وقوله " انظرونا نقتبس من نوركم " وسمى الله نفسه نورا فقال " الله نور السماوات والأرض " - انتهى -.
" عرف في ما هو " أي فناء الدنيا ودناءتها وأحوال نفسه وضعفه وعجزه " ومن أين تأتيه الأشياء " أي يؤمن بالقضاء والقدر ويعلم أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة " ولأي شئ هو ههنا " أي في الدنيا للمعرفة والطاعة " وإلى ما هو صائر " من الآخرة.
وقوله " باخلاص الطاعة " إما حال عن فاعل " عرف " أي متلبسا به، أو متعلق ب " صائر " أي يعلم أن مصيره إلى الجنة إذا أخلص الوحدانية، أو متعلق بالمعرفة علة لها.
والارتياج: النشاط، والبذخ: الكبر، بذخ كفرح. وذبل: ذوي وضمر " بحال الخطيئة " أي تلك الموافقة بسبب الخطيئة. وقال الجوهري: الجند الأنصار والأعوان، وفلان جند الجنود.
9 - العلل: عن محمد بن موسى البرقي، عن علي محمد ماجيلويه، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول لرجل: اعلم يا فلان أن منزلة القلب من الجسد بمنزلة الامام من الناس الواجب الطاعة عليهم. ألا تري أن جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدية عنه: الاذنان، والعينان، والأنف، والفم، واليدان، والرجلان، والفرج فإن القلب إذا هم بالنظر فتح الرجل عينيه، وإذا هم بالاستماع حرك أذنيه وفتح مسامعه فسمع، وإذا هم القلب بالشم استنشق بأنفه فأدى تلك الرائحة إلى القلب، وإذا هم بالنطق تكلم باللسان، وإذا هم بالحركة سعت الرجلان، وإذا هم بالشهوة تحرك الذكر، فهذه كلها مؤدية عن القلب بالتحريك، وكذلك ينبغي الامام أن يطاع للامر منه.
بيان: الشرط - كصرد - طائفة من أعوان الولاة.
10 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبي جميلة، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الغلطة في الكبد، والحياء في الريح، والعقل مسكنه القلب.
11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر والحسن بن
فضال، عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحزم في القلب، والرحمة والغلظة في الكبد، والحياء في الرئة. وفي حديث آخر لأبي جميلة: العقل مسكنه في القلب.
بيان: الحزم ضبط الامر والاخذ فيه بالثقة، ونسبته إلى القلب إما لان المراد بالقلب النفس وهو ظاهر، إما لان لقوة القلب مدخلا في حسن التدبير. والرحمة والغلظة منسوبتان إلى الاخلاط المتولدة في الكبد، فلذا نسبهما إليه. ويحتمل أن يكون لبعض صفاته مدخلا فيهما كما هو المعروف بين الناس، وكذا الرئة. ولا يبعد أن يكون الريح في الخبر السابق تصحيف الرئة، لاتحاد الراوي، وعلى تقدير صحته المراد المرة السوداء أو الصفراء، والأول أنسب.
11 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله الحميري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن بعض أصحابنا رفع الحديث قال: لما خلق الله عز وجل طينة آدم أمر الرياح الأربع فجرت عليها فأخذت من كل ريح طبيعتها.
12 - النصوص: عن علي بن الحسن، عن هارون بن موسى، عن علي بن محمد بن مخلد عن الحسن بن علي بن بزيع، عن يحيى بن الحسن بن فرات، عن علي بن هاشم البريد عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام في صغره عند أبيه عليه السلام: يا ابن رسول الله من أين الضحك؟ قال: يا محمد! العقل من القلب ، والحزن من الكبد، والنفس من الرئة والضحك من الطحال. فقمت وقبلت رأسه.
13 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، قال: سمعت
أبا الحسن عليه السلام يقول: طبائع الجسم على أربعة: فمنها الهواء الذي لا تحيى النفس إلا به وبنسيمه، ويخرج ما في الجسم من داء وعفونة، والأرض التي قد تولد اليبس والحرارة، والطعام ومنه يتولد الدم، ألا يرى أنه يصير إلى المعدة فيغذيه حتى يلين ثم يصفو، فيأخذ الطبيعة صفوه دما، ثم ينحدر الثفل والماء وهو يولد البلغم.
13 - بيان: " طبائع الجسم على أربعة " أي مبنى طبائع جسد الانسان وصلاحها على أربعة أشياء، ويحتمل أن يكون المراد بالطبائع ماله مدخل في قوام البدن وإن كان خارجا عنه، فالمراد أنها على أربعة أقسام: " ويخرج ما في الجسم " يدل على أن لتحرك النفس مدخلا في دفع الأدواء ورفع العفونات عن الجسد كما هو الظاهر. " والأرض " أي الثانية منها الأرض وهي تولد اليبس بطبعها، والحرارة بانعكاس أشعة الشمس والكواكب عنها، فلها مدخل في تولد المرة الصفراء والمرة السوداء " والطعام " هذا هو الثالثة، وإنما نسب الدم فقط إليها لأنها أدخل في قوام البدن من سائر الاخلاط مع عدم مدخلية الأشياء الخارجة كثيرا فيها. " والماء " هو الرابعة، ومدخليتها في تولد البلغم ظاهرة.
14 - الاختصاص: عن المعلى بن محمد، عن بعض أصحابنا يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أول من قاس إبليس، فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، ولو علم إبليس ما خلق الله في آدم لم يفتخر عليه. ثم قال: إن الله عز وجل خلق الملائكة من نور، وخلق الجان من النار، وخلق الجن صنفا من الجان من الريح، وخلق الجن صنفا من الجن من الماء، وخلق آدم من صفحة الطين، ثم أجرى في آدم النور
والنار والريح والماء، فبالنور أبصر وعقل وفهم، وبالنار أكل وشرب، ولولا أن النار في المعدة لم يطحن المعدة الطعام، ولولا أن الريح في جوف آدم تلهب نار المعدة لم تلتهب، ولولا أن الماء في جوف ابن آدم يطفئ حر نار المعدة لأحرقت النار جوف ابن آدم.
فجمع الله ذلك في آدم الخمس الخصال وكانت في إبليس خصلة فافتخر بها.
15 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: أعجبوا لهذا الانسان ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم! 16 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم رفعه، قال: سألته عن الموت مما هو ومن أي شئ هو؟ فقال: هو من الطبائع الأربع التي هي مركبة في الانسان، وهي:
المرتان، والدم، والريح. فإذا كان يوم القيامة نزعن هذه الطبائع من الانسان فيخلق منها الموت فيؤتى به في صورة كبش أملح - أي أغبر - فيذبح بين الجنة والنار، فلا يكون في الانسان هذه الطبائع الأربع فلا يموت أبدا.
17 - الخصال والعلل: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي عن عباد بن صهيب، عن أبيه، عن جده، عن الربيع صاحب المنصور، قال: حضر أبو عبد الله عليه السلام مجلس المنصور يوما وعنده رجل من الهند يقرأ كتب الطب، فجعل أبو عبد الله عليه السلام ينصت لقراءته، فلما فرغ الهندي قال له: يا أبا عبد الله أتريد مما معي شيئا؟
قال: لا، فإن معي ما هو خير مما مع؟ قال: وما هو؟ قال: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وأرد الامر كله إلى الله عز وجل، وأستعمل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله " واعلم أن المعدة بيت الداء، وإن الحمية هي الدواء " وأعود البدن ما أعتاد.
فقال الهندي وهل الطب إلا هذا؟! فقال الصادق عليه السلام: أفتراني من كتب
الطب أخذت؟ قال: نعم، قال: لا والله، ما أخذت إلا عن الله سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطب أم أنت؟ قال الهندي: لا، بل أنا. قال الصادق عليه السلام: فأسألك شيئا، قال: سل.
قال [الصادق] عليه السلام: أخبرني يا هندي لم كان في الرأس شؤون؟ قال: لا أعلم قال: فلم جعل الشعر عليه من فوق، قال: لا أعلم، قال: فلم خلت الجبهة من الشعر؟
قال: لا أعلم، قال: فلم كان لها تخاطيط وأسارير؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان الحاجبان [من] فوق العينين (2)؟ قال: لا أعلم، قال فلم جعل العينان كاللوزتين؟ قال: لا أعلم، قال: فلم جعل الانف بينهما؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان ثقب الانف في أسفله؟ قال، لا أعلم قال: فلم جعلت الشفة والشارب من فوق الفم؟ قال: لا أعلم، قال فلم احتد السن وعرض الضرس و طال الناب؟ قال: لا أعلم، قال فلم جعلت اللحية للرجال؟ قال: لا أعلم، قال: فلم خلت الكفان من الشعر؟ قال: لا أعلم، قال فلم خلا الظفر والشعر من الحياة؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كان القلب كحب الصنوبر؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كانت الرئة قطعتين وجعل حركتها في موضعها؟ قال: لا أعلم. قال: فلم كانت الكبد حدباء؟ قال: لا أعلم، قال: فلم كانت الكلية كحب اللوبيا؟ قال: لا أعلم، قال: فلم جعل طي الركبة إلى خلف؟ قال: لا أعلم، قال: فلم انخصرت القدم؟ قال: لا أعلم.
فقال الصادق عليه السلام: لكني أعلم. قال: فأجب. فقال الصادق عليه السلام: كان في الرأس شؤون لان المجوف إذا كان بلا فصل أسرع إليه الصداع، فإذا جعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد. وجعل الشعر من فوقه ليوصل بوصوله الادهان إلى الدماغ، و
يخرج بأطرافه البخار منه، ويرد الحر والبرد الواردين عليه. وخلت الجبهة من الشعر لأنها مصب النور إلى العينين. وجعل فيها التخاطيط والأسارير ليحبس العرق الوارد من الرأس عن العين قدر ما يميطه الانسان عن نفسه كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه. وجعل الحاجبان من فوق العينين ليردا عليهما من النور قدر الكفاية، ألا ترى يا هندي أن من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه. وجعل الانف في ما بينهما ليقسم النور قسمين إلى كل عين سواء. وكانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء، ولو كانت مربعة أو مدورة ما جرى فيها الميل وما وصل إليها دواء ولا خرج منها داء. وجعل ثقب الانف في أسفله لينزل منه الأدواء المنحدرة من الدماغ، ويصعد فيها الأراييح إلى المشام، ولو كان في أعلاه لما نزل داء ولا وجد رائحة. وجعل الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم، لئلا يتنغص على الانسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه. وجعلت اللحية للرجال ليستغني بها عن الكشف في المنظر ويعلم بها الذكر من الأنثى. وجعل السن حادا لان به يقع العض، وجعل الضرس عريضا لان به يقع الطحن والمضغ، وكان الناب طويلا ليشد الأضراس والأسنان كالأسطوانة في البناء. وخلا الكفان من الشعر لان بهما يقع اللمس، فلو كان بهما شعر ما درى الانسان ما يقابله ويلمسه.
وخلا الشعر والظفر من الحياة لان طولهما سمج يقبح وقصهما حسن، فلو كان فيهما حياة لألم الانسان لقصهما. وكان القلب كحب الصنوبر لأنه منكس، فجعل
رأسه دقيقا ليدخل في الرئة فيتروح عنه ببردها لئلا يشيط الدماغ بحره. وجعلت الرئة قطعتين ليدخل بين مضاغطها فتروح عنه بحركتها. وكانت الكبد حدباء لتثقل المعدة وتقع جميعها عليها فتعصرها فيخرج ما فيها من البخار. وجعلت الكلية كحب اللوبيا لان عليها مصب المني نقطة بعد نقطة، فلو كانت مربعة أو مدورة لاحتبست النقطة الأولى الثانية، فلا يلتذ بخروجها الحي، إذ المني ينزل من فقار الظهر إلى الكلية فهي كالدودة تنقبض وتنبسط، ترميه أولا فأولا إلى المثانة كالبندقة من القوس وجعل طي الركبة إلى خلف لان الانسان يمشي إلى ما بين يديه فتعتدل الحركات، ولولا ذلك لسقط في المشي. وجعلت القدم متخصرة لان الشئ إذا وقع على الأرض جميعه ثقل ثقل حجر الرحا، إذا كان على حرفه دفعه الصبي، وإذا وقع على وجهه صعب ثقله على الرجل.
فقال الهندي: من أين لك هذا العلم؟ فقال عليه السلام: أخذته عن آبائي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عليه السلام عن رب العالمين - جل جلاله - الذي خلق الأجساد والأرواح. فقال الهندي: صدقت، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وعبده. وأنك أعلم أهل زمانك.
بيان: قال في القاموس: المعدة: - ككلمة وبالكسر -: موضع الطعام. وقال الجوهري: الشأن واحد الشؤون وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاها، ومنها تجئ الدموع. وقال: السرر أيضا واحد " أسرار الكف والجبهة " وهي خطوطها، وجمع الجمع أسارير. والذي يظهر من كلام اللغويين أن السن والضرس مترادفان، ويظهر من إطلاقات الاخبار وغيرها اختصاص السن بالمقاديم الحداد، والضرس بالمآخير العراض وفي المصباح حدب الانسان من باب تعب إذا خرج ظهره وارتفع عن الاستواء، والرجل أحدب و المرأة حدباء وقال الجوهري: رجل مخصر القدمين إذا كانت قدمه تمس الأرض من مقدمها
وعقبها وتخوى أخمصها مع دقة فيه. قوله عليه السلام " ليوصل بوصوله " أي بسبب وصول الشعر إلى الدماغ تصل إليه الادهان، أو هو جمع الوصل إلى منابته وأصوله، ولا يبعد أن يكون في الأصل " بأصوله " فصحف، بقرينة مقابلة " أطرافه ". قوله عليه السلام " لأنها مصب النور " وذلك لان طول الشعر من الجانب الأعلى إليهما، وأكثر الأنوار السماوية ترد من الجهة العليا، أو أن الأعصاب التي ترد منها الروح إليهما في باطن الجبهة، ومع نبات الشعر تصل منابتها إلى تلك الأعصاب فتمنع ورود الروح التي هي محل النور، أو أنه مزاج الروح الحامل للنور حار رطب، والشعر يتولد من المواد الباردة اليابسة فلا يتوافقان، والأول أظهر. ويقال: ماطه يميطه وأماطه أي نحاه وأبعده. وفي القاموس: الريح معروف، والجمع أرواح، وأرياح، ورياح وريح - كعنب - وجمع الجمع أروايح وأراييح. قوله عليه السلام " فيميطه عن نفسه " أي فيحتاج إلى أن يميط ما ينزل من الدماغ في أثناء الأكل والشرب عن نفسه، أو فيميط الشارب والشفة ما ينزل عنه، وهو بعيد " ليستغني بها عن الكشف " أي [عن] كشف العورة لاستعلام كونه ذكرا أم أنثى وقوله " في المنظر " متعلق بقوله " يستغني " لا بالكشف. " ليشد الأضراس " وفي بعض النسخ " ليسند " وفي المصباح: السند - بفتحتين -: ما استندت إليه من حائط وغيره، يقال:
أسندته إلى الشئ فسند هو - انتهى - وعلى التقديرين لعل وجه كونه سندا من بين سائر الأسنان أنه لطوله يمنع وقوع الأسنان بعضه على بعض في بعض الأحوال، كما أن الأسطوانة تمنع السقف من السقوط، أو أنها لطولها وقوتها تكون أثبت من غيرها فتمنعها من التزلزل والسقوط لاتصالها كالأسطوانة التي تنصب في الأرض ويجعل بينها التخاتج فتمسكها، ويؤيده أن هذا السن يسقط غالبا بعد سائرها، فهو أقوى منها وأثبت.
" ما يقابله " كأنه كان " يعامله " فصحف، مع أن أكثر ما يلمس يكون مقابلا.
" ليدخل " أي القلب " بين مضاغطها " أي بين قطعتي الرئة " فتروح " أي الرئة " عنه " أي القلب. وفي القاموس: شاط يشيط شيطا احترق، وفلان هلك - انتهى -. واستعيرت
" النقطة " هنا للشئ القليل والقطرة. والاحتباس يكون لازما ومتعديا " إلى الثانية " أي منضمة إليها: وهذا موافق لما مر من مذهب جالينوس في ذلك، وكأنه كان مكان المثانة " الأنثيين " لأنهم لم يذكروا مرور المني على المثانة كما عرفت إلا أن يكون المراد رمية قريبا من المثانة كما مر وقال الشيخ في القانون في ذكر أوعية المني: وهذه الأوعية تصعد أولا ثم تتصل برقبة المثانة أسفل من مجرى البول، مع أن أكثر ما ذكروه مبني على الظن والتخمين، فإن صح الخبر وضبطه كان قولهم في ذلك باطلا. قوله عليه السلام " يمشي إلى ما بين يديه " أي يميل في المشي إلى قدامه فلو كان طي الركبة من القدام لانثنى أيضا من هذا الجانب فيسقط. قوله " إذا وقع على الأرض جميعه " وذلك لامتناع الخلاء، لأنه إذا لم يكن بين السطحين هواء أصلا وانطبقتا لم يكن رفع أحدهما عن الآخر فيرتفعان معا، ولو كان بينهما هواء قليل يرتفع لكن يعسر لتوقفه على تخلخل هذا الهواء ودخول الهواء من خارج أيضا، فتخصر القدم يوجب وجود هواء كثير تحت القدم. فإذا رفع القدم يدخل تحت ما لصق بالأرض من قدام القدم وعقبه الهواء من الأطراف بسرعة وسهولة فلا يعسر رفعه.
18 - العلل: عن الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن أبي عبد الله الداري، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سفيان الحريري، عن معاذ، عن بشر بن يحيى العامري، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي نعمان، فقال أبو عبد الله عليه السلام: من الذي معك؟ فقلت: جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة له نظر ونفاذ رأي يقال له نعمان. قال: فلعل هذا
الذي يقيس الأشياء برأيه، فقلت: نعم، قال: يا نعمان، هل تحسن أن تقيس رأسك؟
فقال: لا، فقال: ما أراك تحسن شيئا ولا فرضك إلا من عند غيرك، فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟ قال: لا، قال: فهل عرفت ما الملوحة في العينين والمرارة في الاذنين، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين؟ قال: لا.
قال ابن أبي ليلى: فقلت: جعلت فداك، فسر لنا جميع ما وصفت. قال: حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أن الله تبارك وتعالى خلق عيني ابن آدم من شحمتين فجعل فيهما الملوحة، ولولا ذلك لذابتا، فالملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى.
وجعل المرارة في الاذنين حجابا من الدماغ، فليس من دابة تقع فيه إلا التمست الخروج، ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ. وجعلت العذوبة في الشفتين منا من الله عز وجل على ابن آدم يجد بذلك عذوبة الريق وطعم الطعام والشراب. وجعل البرودة في المنخرين لئلا تدع في الرأس شيئا إلا أخرجته. قلت: فما الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان؟ قال: قول الرجل " لا إله إلا الله " أولها كفر وآخرها إيمان. ثم قال: يا نعمان، إياك والقياس، فقد حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " من قاس شيئا بشئ قرنه الله عز وجل مع إبليس في النار فإنه أول من قاس على ربه " فدع الرأي والقياس، فإن الدين لم يوضع بالقياس و بالرأي.
بيان: [أقول] قد مرت أخبار كثيرة في هذا المعنى في باب البدع والمقاييس، وفي بعضها: جعل الاذنين مرتين لئلا يدخلهما شئ إلا مات، لولا ذلك لقتل ابن آدم الهوام وجعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو والمر، وجعل العينين مالحتين لأنهما شحمتان ولولا ملوحتهما لذابتا، وجعل الانف باردا سائلا لئلا يدع في الرأس داء إلا أخرجه ولولا ذلك لثقل الدماغ وتدود، وفي بعضها: [و] جعل الماء في المنخرين
ليصعد منه النفس وينزل ويجد منه الريح الطيبة من الخبيثة. قوله عليه السلام " ولا فرضك " أي ما أراك تحسن ما افترض الله عليك إلا إذا أخذته من غيرك. وقوله " فالملوحة تلفظ " علة أخرى. " وجعل البرودة " أي الماء البارد، فإن السيلان علة لاخراج ما في الرأس لا البرودة، وهي علة لعدم سيلان الدماغ كما أشير إليه في الخبر الآخر.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.