پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

39 باب فضل الانسان وتفضيله على الملك وبعض جوامع أحواله

ج ۵۷، ص ۲۹۴–۳۰۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

ثم قال: واحتج المخالفون أيضا بوجوه نقلية وعقلية:

أما النقليات فمنها قوله تعالى " ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون " خصهم بالتواضع وترك الاستكبار في السجود، وفيه إشارة إلى أن غيرهم ليس كذلك وأن أسباب التكبر والتعظم حاصلة لهم; ووصفهم باستمرار الخوف وامتثال الأوامر ومن جملتها اجتناب المنهيات.

ومنها: قوله [تعالى] " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون " وصفهم بالقرب والشرف عنده، وبالتواضع و المواظبة على الطاعة والتسبيح.

ومنها قوله تعالى " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون - إلى أن قال - وهم من خشيته مشفقون " وصفهم بالكرامة المطلقة والامتثال والخشية وهذه الأمور أساس كافة الخيرات.

والجواب: أن جميع ذلك إنما يدل على فضيلتهم لا على أفضليتهم لا سيما على الأنبياء.

ومنها قوله تعالى " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك " فإن مثل هذا الكلام إنما يحسن إذا كان الملك أفضل.

والجواب: أنه إنما قال ذلك حين استعجله قريش العذاب الذي أوعدوا به بقوله تعالى " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون " والمعنى أني لست بملك حتى يكون لي القوة والقدرة على إنزال العذاب بإذن الله كما كان لجبرئيل عليه السلام، أو يكون له العلم بذلك بإخبار من الله تعالى بلا واسطة.

ومنها قوله تعالى " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " أي إلا كراهة أن تكونا ملكين، يعني أن الملائكة بالمرتبة العليا، وفي الأكل من الشجرة ارتقاء إليهما.

والجواب: أن ذلك تمويه من الشيطان وتخييل أن ما يشاهد في الملك من حسن الصورة وعظم الخلق وكمال القوة يحصل بأكل الشجرة، ولو سلم فغايته التفضيل على آدم قبل النبوة.

ومنها قوله تعالى " علمه شديد القوى " يعني جبرئيل عليه السلام، والمعلم أفضل من المتعلم.

والجواب: أن ذلك بطريق التبليغ وإنما التعليم من الله تعالى.

ومنها قوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " أي لا يترفع عيسى من العبودية ولا من هو أرفع منه درجة، كقولك: لن يستنكف من هذا الامر الوزير ولا السلطان، ولو عكست أحلت بشهادة علماء البيان، و البصراء بأساليب الكلام. وعليه قوله تعالى " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى "

أي مع أنهم أقرب مودة لأهل الاسلام، ولهذا خص الملائكة بالمقربين منهم لكونهم أفضل.

والجواب: أن الكلام سيق لرد مقالة النصارى وغيرهم في المسيح وادعائهم فيه مع النبوة البنوة، بل الألوهية والترفع عن العبودية، لكونه روح الله ولد بلا أب لكونه يبرئ الأكمه والأبرص، والمعنى: لا يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو فوقه في هذا المعنى، وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ولا يقدرون على ما لا يقدر عليه عيسى عليه السلام، ولا دلالة على الأفضلية بمعنى كثرة الثواب وسائر الكمالات ألا ترى أن فيما ذكرت من المثال لم يقصد الزيادة والرفعة في الفضل والشرف والكمال بل في ما هو مظنة الاستنكاف والرضا كالغلبة والاستكبار والاستعلاء في السلطان وقرب المودة في النصارى.

ومنها: اطراد تقديم ذكر الملائكة على ذكر الأنبياء والرسل ، ولا تعقل له جهة سوى الأفضلية.

والجواب: أنه يجوز أن يكون بجهة تقدمهم في الوجود، أو في قوة الايمان بهم والاهتمام به لأنه أخفى، فالايمان بهم أقوى وبالتحريص عليه أحرى.

واما العقليات: فمنها أن الملائكة روحانيات مجردة في ذاتها، متعلقة بالهياكل العلوية، مبرأة عن ظلمة المادة، وعن الشهوة والغضب اللذين هما مبدءا الشرور والقبائح، متصفة بالكمالات العلمية والعملية بالفعل، من غير شوائب الجهل والنقص والخروج عن القوة إلى الفعل على التدريج ومن احتمال الغلط، قوية على الأفعال العجيبة، وإحداث السحب والزلازل وأمثال ذلك، مطلعة على أسرار الغيب، سابقة إلى أنواع الخير، ولا كذلك حال البشر.

والجواب: أن مبنى ذلك على قواعد الفلسفة دون الملة.

ومنها: أن أعمالهم الموجبة للمثوبات أكثر لطول زمانهم، وأدوم لعدم تخلل الشواغل، وأقوم لسلامتها عن مخالطة المعاصي المنقصة للثواب، وعلومهم أكمل وأكثر لكونهم نورانيين يشاهدون اللوح المحفوظ المنتقش بالكائنات وأسرار المغيبات.

والجواب: أن هذا لا يمنع كون أعمال الأنبياء وعلومهم أفضل وأكثر ثوابا لجهات اخر، كقهر المضاد والمنافي، وتحمل المتاعب والمشاق ونحو ذلك على ما مر (انتهى).

وأقول: والعمدة في ذلك الأخبار الكثيرة الدالة على فضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام على الملائكة، وإن كان فيها ما يوهم خلاف ذلك، وهي متفرقة في أبواب مجلدات الحجة، لم نوردها ههنا حذرا من الاطناب وحجم الكتاب.

1 - الاحتجاج: في ما سأل الزنديق الصادق عليه السلام: الرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال عليه السلام: بل الرسول أفضل.

2 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني عن علي بن محمد بن الحسن النخعي، عن جده سليم بن إبراهيم بن عبيد، عن نصر بن مزاحم المنقري، عن إبراهيم بن الزبرقان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه عليه السلام في قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " يقول: فضلنا بني آدم على سائر الخلق " وحملناهم في البر والبحر " يقول: على الرطب واليابس " ورزقناهم من الطيبات " يقول: من طيبات الثمار كلها " وفضلناهم " يقول: ليس من دابة ولا طائر إلا هي تأكل وتشرب بفيها لا ترفع بيدها إلى فيها طعاما ولا شرابا غير ابن آدم، فإنه يرفع إلى فيه بيده طعامه، فهذا من التفضيل.

بيان: لعله أراد بالرطب الحيوانات المتحركة النامية، وباليابس الأخشاب اليابسة التي تعمل منها السفن، ويحتمل كون النشر على خلاف ترتيب اللف، فالرطب البحر، واليابس البر.

3 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن الحسن بن هارون، عن يحيى بن السري الضرير، عن محمد بن حازم أبي معاوية الضرير قال: دخلت على هارون الرشيد، قيل لي، وكانت بين يديه المائدة، فسألني عن تفسير هذه الآية " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات

- الآية - " فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تأولها جدك عبد الله بن عباس، أخبرني الحجاج بن إبراهيم الخوزي، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في هذه الآية " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات " قال: كل دابة تأكل بفيها إلا ابن آدم فإنه يأكل بالأصابع. قال أبو معاوية: فبلغني أنه رمى بملعقة كانت بيده من فضة، وتناول من الطعام بإصبعه.

4 - ومنه: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران. عن ابن عباس في قوله تعالى عز وجل " ولقد كرمنا بني آدم - إلى قوله - تفضيلا " قال: ليس من دابة إلا وهي تأكل بفيها إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده.

5 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي ابن الحكم، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقلت: الملائكة أفضل أم بنوا آدم؟ فقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إن الله عز وجل ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، و ركب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم.

6 - صحيفة الرضا: بالاسناد عنه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل المؤمن عند الله كمثل ملك مقرب، وإن المؤمن عند الله عز وجل أعظم من الملك، وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة.

7 - ومنه: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المؤمن ليعرف في السماء

كما يعرف الرجل أهله وولده، وإنه أكرم عند الله عز وجل من ملك مقرب.

8 - العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " قال: خلق كل شئ منكبا غير الانسان فإنه خلق منتصبا.

9 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن غالب بن عثمان عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عز وجل: يا ابن آدم اذكرني في ملا أذكرك في ملا خير من ملاك.

10 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن ابن فضال، رفعه قال: قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام: يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، واذكرني في ملاك أذكرك في ملا خير من ملا الآدميين.

بيان: ربما يستدل بالخبرين على كون الملائكة أفضل من بني آدم، ويمكن أن يجاب بأن خيرية ملا الملائكة باعتبار كون الجميع معصومين بخلاف ملا البشر لا ينافي كون بعض البشر أفضل من الملائكة، على أنه يمكن أن يكون المراد بالملأ الثاني ما يشتمل على أرواح النبيين عليهم السلام، لكن وقع التصريح في بعض الأخبار بملأ من الملائكة.

11 - كتاب تفضيل أمير المؤمنين: الكراجكي، عن علي بن الحسن بن مندة، عن الحسن بن يعقوب البزاز، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال: لما حمل المأمون أبا هدية مولى أنس إلى خراسان بلغني ذلك، فخرجت في لقائه فصادفني في بعض المنازل، فرأيت رجلا طويلا خفيف العارضين منحنيا من الكبر وقد اجتمع عليه الناس، فقلت له: حدثني - رحمك الله - فإني أتيتك من بلد بعيد أسمع منك، فلم يحدثني من الزحمة التي كانت عليه، ثم رحل فتبعته إلى المرحلة الأخرى فلما نزل فقلت له: حدثني

- رحمك الله تعالى - قال: أنت صاحبي بالأمس؟ قلت: نعم، قال: إذا والله لا أحدثك إلا قائما لما بدا مني إليك، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كان عنده علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار، ثم قام قائما وقال: كنت رأيت مولاي أنس بن مالك وهو معصب بعصابة بيضاء، فقلت: وما هذه العصابة؟ قال: هذه دعوة علي بن أبي طالب، فقلت: وكيف؟ فقال: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طائر ورسول الله صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة رضي الله عنها وأنا حينئذ أحجب رسول الله صلى الله عليه وآله فأصلحته أم سلمة رضي الله عنها وأتت به رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت أم سلمة: الزم الباب لينال رسول الله صلى الله عليه وآله منه، فلزمت الباب وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وآله، فلما وضعته بين يديه رفع رسول الله صلى الله عليه وآله يديه وقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فسمعت دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأحببت أن يكون رجلا من قومي، فأتى علي ابن أبي طالب، فقلت: إن رسول الله عنك مشغول فانصرف، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية وقال: اللهم أئتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فأتى علي ابن أبي طالب، فقلت: إن رسول الله عنك مشغول فانصرف، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه ودعا ثالثة وقال: يا رب ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فأتى علي فقلت: رسول الله عنك مشغول، فقال: وما يشغل رسول الله صلى الله عليه وآله عني؟

ودفعني فدخل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ما بين عينيه وقال: يا أخي! من الذي حبسك عني وقد دعوت الله ثلاثا أن يأتيني بأحب خلقه إليه يأكل معي من هذا الطائر؟ فقال يا رسول الله؟ قد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس، فقال: لم رددت عليا؟ فقلت: يا رسول الله إني سمعت دعوتك فأحببت أن يكون رجلا من الأنصار فأفتخر به إلى الأبد، فقال علي عليه السلام: اللهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس، فظهر علي هذا الذي ترى وهي دعوة علي.

بيان: في سائر الأخبار أن دعوة أمير المؤمنين عليه السلام عليه حين استشهده فأبى أن يشهد وهذا من الأخبار المتواترة، ومما احتج به يوم الشورى فصدقوه، ويدل على أنه عليه السلام أفضل [جميع] خلق الله، وخرج الرسول صلى الله عليه وآله بالاجماع والنصوص المتواترة

فيدل على فضله الملائكة، وكل من قال بفضله قال بفضل سائر الأئمة وجميع الأنبياء عليهم السلام فثبت فضل الجميع.

12 - ومن الكتاب المذكور: عن محمد بن أحمد بن شاذان، عن طلحة بن أحمد عن عبد الحميد القناد، عن هشام بن بشير، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي أفضل من خلق الله غيري، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما، وإن فاطمة سيدة نساء العالمين، ولو أن لفاطمة خيرا من علي لم أزوجها منه.

13 - ومنه: عن ابن شاذان، عن محمد بن عبد الله، عن جعفر بن علي الدقاق عن عبد الله بن محمد الكاتب، عن سليمان بن الربيع، عن نصر بن مزاحم، عن علي بن عبد الله، عن الأشعث، عن مرة، عن أبي ذر، قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: خير الأولين والآخرين من أهل السماوات والأرضين، هذا سيد الصديقين، وسيد الوصيين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، إذا كان يوم القيامة جاء على ناقة من نوق الجنة، قد أضاءت القيامة من نورها، على رأسه تاج مرصع بالزبرجد والياقوت، فتقول الملائكة: هذا ملك مقرب، ويقول النبيون:

هذا نبي مرسل، فينادي مناد من تحت بطنان العرش: هذا الصديق الأكبر، هذا وصي حبيب الله رب العالمين، هذا علي بن أبي طالب عليه السلام، فيجئ علي حتى يقف على متن جهنم، فيخرج منها من يحب، ويأتي أبواب الجنة فيدخل فيها أولياءه بغير حساب.

14 - ومنه: عن ابن شاذان، عن الحسن بن أحمد، عن أبي بكر بن محمد عن عيسى بن مهران، عن عيسى بن عبد الحميد، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش عن عباية، عن حميد المغربي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد الأولين والآخرين، وأنت يا علي سيد الخلائق بعدي، أولنا كآخرنا.

أقول: الاستدلال بهذه الاخبار بتقريب ما مر.

15 - ومن الكتاب المذكور: عن ابن شاذان، عن جعفر بن محمد بن مسروق اللحام، عن حسين بن محمد، عن أحمد بن علوية، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن عبد الله ابن صالح، عن حريز بن عبد الحميد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لما أسري بي إلى السماء ما مررت بملاء من الملائكة إلا سألتني عن علي بن أبي طالب، حتى ظننت أن اسم علي بن أبي طالب في السماوات أشهر من اسمي، فلما بلغت السماء الرابعة ونظرت إلى ملك الموت قال لي: يا محمد! ما خلق الله خلقا إلا وأنا أقبض روحه إلا أنت وعلي، فإن الله جل جلاله يقبض أرواحكما بقدرته وجزت تحت العرش إذ أنا بعلي بن أبي طالب واقفا تحت العرش، فقلت: يا علي سبقتني؟ فقال جبرئيل: من هذا الذي تكلمه يا محمد؟ فقلت: هذا علي بن أبي طالب، فقال:

يا محمد! ليس هذا علي بن أبي طالب، ولكنه ملك من الملائكة خلقه الله تعالى على صورة علي بن أبي طالب عليه السلام فنحن الملائكة المقربون كلما اشتقنا إلى وجه علي بن أبي طالب عليه السلام زرنا هذا الملك، لكرامة علي بن أبي طالب على الله سبحانه .

أقول: دلالته أولا وآخرا على فضله لا يخفى على المتأمل، ودلت عليه الأخبار المستفيضة الدالة على مباهاة الله به عليه السلام ليلة المبيت ويوم أحد، وقول جبرئيل عليه السلام:

أنا منكما.

16 - العيون والعلل وكمال الدين: عن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي عن فرات بن إبراهيم، عن ابن عقدة، عن العباس بن عبد الله البخاري، عن محمد بن القاسم بن إبراهيم، عن أبي الصلت الهروي، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما خلق الله عز وجل خلقا أفضل مني ولا أكرم عليه مني، قال علي عليه السلام: فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أو جبرئيل؟ فقال صلى الله عليه وآله:

يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين. والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة عليهم السلام من بعدك وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي! الذين يحملون العرش ومن حوله

يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي! لولا نحن ما خلق آدم، ولا حواء، ولا الجنة، ولا النار، ولا السماء، ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه؟ - وساق الحديث إلى قوله - فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون لكوننا في صلبه؟ وإنه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرئيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد، فقلت له: يا جبرئيل! أتقدم عليك؟ فقال: نعم، لان الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه على الملائكة أجمعين، وفضلك خاصة - إلى آخر الخبر بطوله -.

17 - العلل: بإسناده إلى عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان جبرئيل عليه السلام إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله قعد بين يديه قعدة العبيد وكان لا يدخل حتى يستأذنه.

18 - الاحتجاج وتفسير الامام: قال: سأل المنافقون النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله أخبرنا عن علي هو أفضل أم ملائكة الله المقربون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

وهل شرفت الملائكة إلا [بحبها] لمحمد وعلي وقبولها لولايتهما؟ إنه لا أحد من محبي علي نظف قلبه من قذر الغش والدغل والغل ونجاسة الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة - الخبر -.

19 - كمال الدين: بإسناده إلى الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد من خلق الله، وأنا خير من جبرئيل وإسرافيل وحملة العرش وجميع الملائكة المقربين وأنبياء الله المرسلين - الحديث -.

وأقول: الاخبار في ذلك كثيرة قد أوردناها في أبواب فضائل النبي صلى الله عليه وآله و الأئمة عليهم السلام فليرجع إليها.

تذييل قال السيد الاجل المرتضى في كتاب الغرر بعد أن سئل عن تفسير قوله تعالى " خلق الانسان من عجل ": قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل، نحن نذكرها و نرجح الأرجح منها:

فأولها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يجلب إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا، ولهم عادة في استعمال مثل هذا اللفظ عند المبالغة، كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلا من نوم، وما خلق فلان إلا من شر، إذا أرادوا كثرة وقوع الشر منه، وربما قالوا: إنما أنت أكل وشرب، وما أشبه ذلك. قالت الخنساء تصف بقرة:

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * وإنما هي إقبال وإدبار.

وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الاقبال والادبار منها، ويشهد لهذا التأويل قوله عز وجل في موضع آخر " وكان الانسان عجولا " ويطابقه أيضا قوله تعالى " فلا تستعجلون " لان وصفهم بكثرة العجلة وأن من شأنهم فعلها توبيخا لهم و تقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال، وقادرين على التثبت والتأيد.

وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب [بن المستنير] وغيرهما من أن في الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الانسان، واستشهدوا على ذلك بقوله سبحانه " وقد بلغني الكبر " أي قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة " و المعنى أن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو:

عرضت الحوض على الناقة، ثم ذكر - ره - شواهد وأبياتا كثيرة في ذلك، ثم قال:

ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن

يقال: وما المعنى والفائدة في قوله عز وجل " خلق العجل من الانسان "؟ أتريدون بذلك أن الله تعالى خلق العجلة في الانسان؟ وهذا لا يجوز، لان العجلة فعل من أفعال الانسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره؟ ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول " سأريكم آياتي فلا تستعجلون " لأنه لا ينهاهم عما خلقه فيهم، فإن قالوا: لم يرد أنه تعالى خلقها، لكنه أراد كثرة فعل الانسان لها وأنه لا يزال يستعملها، قيل لهم: هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير، وإذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه. وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقواه، و سأل نفسه عنه وقال: كيف جاز أن يقول: فلا تستعجلون، وهو خلق العجلة فيهم؟

وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طبائعهم وكفها، وقد يكون الانسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة، وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح، وأمرهم في كثير من الأوقات بالامتناع منه، وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره، وهو الطبع الداعي إليه، والشهوة المتناولة له، و يجب أيضا أن يكون المراد ب‍ " من " ههنا " في " لان شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الانسان، وإنما تكون فيه، وهذا تجوز على تجوز، وتوسع على توسع، لان القلب أولا مجاز، ثم هو من بعيد المجاز، وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر، و إقامة " من " مقام " في " كذلك، على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله عز وجل " فلا تستعجلون " أي معنى لتقديم قوله: إني خلقت شهوة العجلة فيهم، والطبع الداعي إليها - على ما عبر به البلخي -؟ وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم، وأيسر الأحوال أن لا يكون عذرا ولا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى. وفي الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه عز وجل، فالجواب الأول أوضح وأصح.

وثالثها جواب روي عن الحسن، قال: يعني بقوله " من عجل " أي من ضعف وهي النطفة المنتنة المهينة الضعيفة، وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل

يكون عبارة عن الضعف أو عن معناه.

ورابعها ما حكي أن أبا الحسن الأخفش أجاب به، وهو أن يكون المراد أن الانسان خلق من تعجيل الامر، لأنه تعالى قال: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد " فلا تستعجلون "؟ قلنا: يمكن أن يكون وجه المطابقة أنه لما استعجلوا بالآيات واستبطؤوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شئ إذا أراده ولا يمتنع عليه، وأن من خلق الانسان بلا كلفة ولا مؤونة بأن قال له كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر ويحار فيها كل ناظر لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات.

وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين، فكأنه تعالى قال: خلق الانسان من طين، كما قال في موضع آخر " بدأ خلق الانسان من طين " واستشهد بقول الشاعر:

والنبع يخرج بين الصخر ضاحية * والنخل ينبت بين الماء والعجل ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب ويقولون: ليس بمعروف أن العجل هو الطين، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة، ولم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أنشدناه يمكن أن يكون شاهدا له، وقد رواه تغلب عن ابن الأعرابي وخالف في شئ من ألفاظه، وإذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى " فلا تستعجلون " على نحو ما ذكرناه، وهو أن من خلق الانسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات، أو يكون المعنى أنه لا يجب بمن خلق من الطين المهين وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله تعالى وآياته وشرائعه، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية: " وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ".

وسادسها أن يكون المراد بالإنسان آدم عليه السلام ومعنى " من عجل " أي في سرعة من خلقه، لأنه تعالى لم يخلقه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق غيره وإنما ابتدأه الله ابتداء وأنشأه إنشاء، فكأنه تعالى نبه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له، وأنه عز وجل يري عباده من آياته وبيناته [أولا] أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم.

وسابعها ما روي عن مجاهد وغيره أن الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شئ آخر نهار يوم الجمعة على سرعة معاجلا به غروب الشمس، وروي أن آدم عليه السلام لما نفخت فيه الروح وبلغت أعالي جسده ولم تبلغ أسافله قال: رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.

وثامنها ما روي عن ابن عباس والسدي أن آدم عليه السلام لما خلق وجعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى ثمار الجنة. وقال: قوم بل هم بالوثوب، فهذا معنى قوله " خلق الانسان من عجل " وهذه الأجوبة الثلاثة المتأخرة مبنية على أن المراد بالإنسان فيها آدم عليه السلام دون غيره. 40

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.