پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

39 باب فضل الانسان وتفضيله على الملك وبعض جوامع أحواله

ج ۵۷، ص ۲۶۷–۲۹۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

البقرة: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة - إلى قوله سبحانه - وكان من الكافرين.

الانعام: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون.

الحجر: ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون.

الاسراء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.

الأنبياء: خلق الانسان من عجل.

الفرقان: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا.

الروم: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير.

الأحزاب: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما.

فاطر: ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك.

يس: سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون.

الصافات: أنا خلقناهم من طين لازب.

الزمر: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها.

المؤمن: وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات.

الرحمن: خلق الانسان علمه البيان. وقال تعالى: خلق الانسان من صلصال كالفخار.

التغابن: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير.

البلد: لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الانسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين.

التين: لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين.

العلق: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم.

تفسير: " وإذ قال ربك للملائكة " هذه الآيات مما استدل به على تفضيل الانسان على الملائكة، وسيأتي وجه الاستدلال بها. " من نفس واحدة " أي من آدم عليه السلام لان الله تعالى خلقنا منه جميعا، وخلق حواء من فضل طينته، أو من ضلع من أضلاعه، ومن علينا بهذا لان الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى التألف " فمستقر ومستودع " أي مستقر في الرحم إلى أن يولد ومستودع في القبر، أو مستقر في بطون الأمهات ومستودع في الأصلاب، أو مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، أو مستقرها أيام حياتها ومستودعها حيث يموت وحيث يبعث، أو مستقر في القبر ومستودع في الدنيا، أو مستقر فيه الايمان ومستودع يسلب منه كما ورد في الخبر.

" من صلصال " أي طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر، وقيل: من صلصل إذا نتن تضعيف صل. " من حمأ " من طين تغير واسود من طول مجاورة الماء. " مسنون " أي مصور من سنة الوجه، أو مصبوب لييبس، أو مصور كالجواهر المذابة تصب في القوالب من السن وهو الصب، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال انسان أجوف، فيبس حتى نقر وصلصل، ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه، أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فإن ما يسيل منهما يكون منتنا يسمى سنين.

" ولقد كرمنا بني آدم " قال الرازي: اعلم أن الانسان جوهر مركب من النفس والبدن، فالنفس الانسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، لان النفس النباتية قواها الأصلية ثلاثة وهي: الاغتذاء، والنمو، والتوليد. والنفس الحيوانية لها قوتان أخريان: الحاسة، والمحركة بالاختيار. ثم إن النفس الانسانية مختصة بقوة أخرى، وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي، وهي التي يتجلى

فيها نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه، وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والامر، ويحيط بأقسام مخلوقات الله من الأرواح والأجسام كما هي، وهذه القوة من سنخ الجواهر القدسية، والأرواح المجردة الإلهية، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى الخمسة النباتية والحيوانية، وإذا كان الامر كذلك ظهر أن النفس الانسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم.

وأما بيان أن البدن الانساني أشرف أجسام هذا العالم فالمفسرون ذكروا أشياء:

أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله " ولقد كرمنا بني آدم " قال: كل شئ يأكل بفيه إلا ابن آدم، فإنه يأكل بيديه. عن الرشيد أنه أحضرت الأطعمة عنده، فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف فقال له: جاء في تفسير قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم ": وجعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه.

وثانيها: قال الضحاك: بالنطق والتميز وتحقيق الكلام أن من عرف شيئا فإما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشئ أو يقدر على هذا التعريف أما القسم الأول فهو جملة حال الحيوان سوى الانسان، فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفا تاما وافيا. وأما القسم الثاني فهو الانسان، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه ووقف عليه وأحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقا. وبهذا البيان يظهر أن الانسان الأخرس داخل في هذا الوصف، لأنه وإن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة وبطريق الكتابة وغيرهما، ولا يدخل فيه الببغاء، لأنه وإن قدر على تعريفات قليلة فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال والتمام.

وثالثها: قال عطاء بامتداد القامة. واعلم أن هذا الكلام غير تمام، لان

الأشجار أطول قامة من الانسان، بل ينبغي أن يشرط فيه شرط، وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية والقوة الحسية والحركية.

ورابعها: قال يمان: بحسن الصورة، والدليل عليه قوله تعالى " وصوركم فأحسن صوركم " ولما ذكر الله تعالى خلقة الانسان قال " فتبارك الله أحسن الخالقين " وقال " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " وإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الانسان وهو العين، فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة، ثم خلق فوق الجبهة سواد الشعر.

وليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب.

وخامسها قال بعضهم: من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط. وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الانسان الواحد على استنباطه يكون قليلا، أما إذا استنبط الانسان علما وأودعه في الكتاب وجاء الانسان الثاني واستعان بهذا الكتاب وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى، ثم لا يزالون يتعاقبون وضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علوم المتقدمين، كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف، وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية أقصى الغايات وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتب، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى " اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ".

وسادسها أن أجسام هذا العالم إما البسائط وإما المركبات، أما البسائط فهي الأرض، والماء، والهواء، والنار. والانسان ينتفع بكل هذه الأربعة، أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة، قال تعالى " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " وقد سماه الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، وهي: الفراش، والمهاد، والمهد وأما الماء فانتفاعنا في الشرب والزراعة والحراثة ظاهر، وأيضا سخر البحر لنأكل لحما طريا ونستخرج منه حلية نلبسها ونرى الفلك مواخر. وأما الهواء فهو مادة حياتنا، ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة. وأما النار فيها طبخ

الأغذية والأشربة ونضجها، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة، وهي الدافعة لضرر البرد. وأما المركبات فهي إما الآثار العلوية، وإما المعادن، وإما النبات، وإما الحيوان. والانسان كالمستولي على كل هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها، فهذا العالم بأسرها جرى مجرى قرية معمورة وخان مغلة وجميع منافعها ومصالحها مصروفة إلى الانسان والانسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، وسائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند الله بمزيد التكريم والتفضيل.

وسابعها أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام: إلى ما حصلت له هذه القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية وهم الملائكة، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم، وإلى ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات، وإلى ما حصل النوعان فيه وهو الانسان، ولا شك أن الانسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية والقوة الشهوانية البهيمية والغضبية السبعية يكون أفضل من البهيمة والسبع، ولا شك أيضا أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الانسان على أكثر أقسام المخلوقات. بقي ههنا بحث في أن الملك أفضل من البشر، والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل من البشر المستجمع لهاتين القوتين، وذلك بحث آخر.

وثامنها الموجود إما أن يكون أزليا وأبديا معا وهو الله سبحانه، وإما أن لا يكون أزليا ولا أبديا وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان وهذا أخس الأقسام، وإما أن يكون أزليا ولا يكون أبديا، وهذا ممتنع الوجود لان ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وإما أن لا يكون أزليا ولكنه يكون أبديا وهو

الانسان والملك، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث، وذلك يقتضي كون الانسان أشرف من أكثر المخلوقات.

وتاسعها العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الانسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية، وليس في موجودات العالم السفلي شئ حصل من العالم العلوي إلا الانسان، فوجب كون الانسان أشرف موجودات العالم السفلي.

وعاشرها أشرف الموجودات هو الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله أتم وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله تعالى هو الانسان، بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله، ولسانه مشرف بذكر الله، وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله، فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الانسان، ولما ثبت أن الانسان موجود ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كلما حصل للانسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله وإنعامه، فلهذا المعنى قال تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " ومن تمام كرامته على الله أنه لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم، فقال " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم " ووصف نفسه بالتكريم عند تربية الانسان فقال " ولقد كرمنا بني آدم " ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الانسان فقال: " يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم " وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى وتفضله وإحسانه مع الانسان.

الحادي عشر قال بعضهم: هذ التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون، ومن كان مخلوقا بيدي الله كانت العناية به أتم، فكان أكرم وأكمل، ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل.

" وحملناهم في البر والبحر " قال ابن عباس: في البر على الخيل والبغال و الحمير والإبل، وفي البحر على السفن، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور

أولا، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه. وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرهما ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها بما يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الانسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع.

" ورزقناهم من الطيبات " وذلك لان الأغذية إما حيوانية وإما إنسانية وكلا القسمين فإن الانسان إنما يغتذي بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ، وذلك مما لا يصلح إلا للانسان. " وفضلناهم " الفرق بين التفضيل والتكريم أنه تعالى فضل الانسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والاخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل.

" على كثير ممن خلقنا تفضيلا " لم يقل: وفضلناهم على الكل، فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شئ لا يكون الانسان مفضلا عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال إنه هو الملائكة، فلزم القول بأن الملك أفضل من الانسان، و هذا القول مذهب ابن عباس واختيار الرجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.

واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين:

أحدهما أن الأنبياء أفضل أم الملائكة، وقد سبق القول فيه في سورة البقرة.

والثاني أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل، منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة، واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم دنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك في الآخرة، فقال تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له " كن " فكان. فقال أبو هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده، هكذا

أورده الواحدي في البسيط. وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الاطلاق فقد عولوا على هذه الآية وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب (انتهى).

وقال الطبرسي - قدس سره -: استدل بعضهم بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، قال: لان قوله " على كثير " يدل على أن ههنا من لم يفضلهم عليه، و ليس إلا الملائكة، لان بني آدم أفضل من كل حيوان سوى الملائكة بالاتفاق، وهذا باطل من وجوه:

أحدها أن التفضيل ههنا لم يرد به الثواب، لان الثواب لا يجوز التفضيل به ابتداءا، وإنما المراد بذلك ما فضلهم الله به من فنون النعم التي عددنا بعضها.

وثانيها أن المراد بالكثير الجميع، فوضع الكثير موضع الجميع، والمعنى:

أنا فضلناهم على من خلقنا وهم كثير، كما يقال: بذلت له العريض من جاهي، وأبحته المنيع من حريمي. ولا يراد بذلك أني بذلت له عريض جاهي ومنعته ما ليس بعريض وأبحته منيع حريمي ولم أبحه ما ليس منيعا، بل المقصود أني بذلت له جاهي الذي من صفته أنه عريض، وفي القرآن ومحاورات العرب من ذلك مالا يحصى، ولا يخفى ذلك على من عرف كلامهم.

وثالثها أنه إذا سلم أن المراد بالتفضيل زيادة الثواب وأن لفظة " من " في قوله " ممن خلقنا " تفيد التبعيض فلا يمتنع أن يكون جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، لان الفضل في الملائكة عام لجميعهم أو أكثرهم، والفضل من بني آدم يختص بقليل من كثير، وعلى هذا فغير منكر أن يكون الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم (انتهى).

وأقول: كلامه - ره - في هذه الآية مأخوذ مما سننقله عن السيد المرتضى - رضي الله عنه -.

" خلق الانسان من عجل " قال البيضاوي: كأنه خلق منه لفرط استعجاله و قلة تأنيه، كقولك: خلق زيد من الكرم، وجعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع، هو منه مبالغة في لزومه له، ولذلك قيل: إنه على القلب، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجاله الوعيد (انتهى) وفي تفسير علي بن إبراهيم قال: لما أجرى الله في آدم الروح من قدميه فبلغت إلى ركبتيه أراد أن يقوم فلم يقدر، فقال الله: خلق الانسان من عجل.

" خلق من الماء بشرا " قيل: يعني الذي خمر به طينة آدم ثم جعله جزءا من مادة البشر ليجتمع ويسلس ويقبل الاشكال بسهولة، أو النطفة " فجعله نسبا وصهرا " أي فقسمه قسمين: ذوي نسب، أي ذكورا ينسب إليهم; وذوات صهر، أي إناثا يصاهر بهن " وكان ربك قديرا " حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين.

وروي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من الماء العذب وخلق زوجته من سنخه فبرأها من أسفل أعضائه، فجرى بذلك الضلع بينهما سبب ونسب ثم زوجها إياه، فجرى بينهما بسبب ذلك صهر، فذلك قوله " نسبا وصهرا " فالنسب ما كان بسبب الرجال، والصهر ما كان بسبب النساء، وقد أوردنا أخبارا كثيرة في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام: أنها نزلت في النبي وأمير المؤمنين وتزويج فاطمة صلوات الله عليهم.

" الله الذي خلقكم من ضعف " قيل: أي ابتدأكم ضعفاء، أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة " ثم جعل من بعد ضعف قوة " وهو بلوغكم الأشد " ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة " إذا أخذ منكم السن " يخلق ما يشاء " من ضعف وقوة و شيبة.

" إنا عرضنا الأمانة " هذه الآية من المتشابهات، وقد اختلف في تأويله المفسرون والروايات على وجوه:

الأول: أن المراد بالأمانة التكليف بالأوامر والنواهي، والمراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال العرض على أهلها، وعرضها عليهم هو تعريفه إياهم أن في تضييع الأمانة الاثم العظيم، وكذلك في ترك أوامر الله تعالى وأحكامه، فبين سبحانه جرأة الانسان على المعاصي وإشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض والجبال من الملائكة والانس والجن " فأبين أن يحملنها " أي فأبى أهلهن أن يحملوا تركها وعقابها والمأثم فيها " وأشفقن منها " أي أشفق أهلهن عن حملها " وحملها الانسان إنه كان ظلوما " لنفسه بارتكاب المعاصي " جهولا " بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها، فالمراد بحمل الأمانة تضييعها. قال الزجاج: كل من خان الأمانة فقد حملها، ومن لم يحمل الأمانة فقد أداها.

والثاني: أن معنى " عرضنا " عارضنا وقابلنا، فإن عرض الشئ على الشئ ومعارضته به سواء والمعنى أن هذه الأمانة في جلالة موقعها وعظم شأنها لو قيست السماوات والأرض والجبال وعورضت بها لكانت هذه الأمانة أرجح وأثقل وزنا، و معنى قوله " فأبين أن يحملنها " ضعفن عن حملها كذلك " وأشفقن منها " لان الشفقة ضعف القلب، ولذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب، ثم قال: إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الأشياء العظيمة تقلدها الانسان، فلم يحفظها بل حملها وضيعها لظلمه على نفسه ولجهله بمبلغ الثواب والعقاب.

والثالث ما ذكره البيضاوي حيث قال: تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، و سماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء، والمعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الاجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها، وحملها الانسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين " إنه

كان ظلوما " حيث لم يف بها ولم يراع حقها " جهولا " بكنه عاقبتها، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب (انتهى).

وقال الطبرسي - قدس سره -: إنه على وجه التقدير أجرى عليه لفظ الواقع، لان الواقع أبلغ من المقدر، معناه: لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ثم عرضت عليها الأمانة وهي وظائف الدين أصولا وفروعا عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها وشدتها وقوتها، ولامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها، ثم حملها الانسان مع ضعف جسمه، ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات والأرض فامتنعت من حملها.

والرابع أن معنى العرض والاباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد تعظيم شأن الأمانة، لا مخاطبة الجماد، والعرب تقول " سألت الربع وخاطبت الدار فامتنعت عن الجواب " وإنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب والسؤال، وتقول " أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال " وقال سبحانه " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " وخطاب من لا يفهم لا يصح. فالأمانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات والأرض والجبال من الدلائل على وحدانيته وربوبيته فأظهرتها والانسان الكافر كتمها وجحدها لظلمه. ويرجع إليه ما قيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية، وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم " حامل الأمانة ومحتملها " لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته، فيكون الاباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه، والظلم والجهالة للخيانة والتقصير.

والخامس ما قيل: إنه تعالى لما خلق هذه الاجرام فيها فهما وقال لها:

إني قد فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها، ونارا لمن عصاني، فقلن: نحن مسخرات على ما خلقتنا، لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا، ولما خلق آدم عليه السلام عرض عليه مثل ذلك فتحمله، وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته.

والسادس ما قيل: إن المراد بالأمانة العقل والتكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد، وبحمل الانسان قابليته واستعداده لها، وكونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين، حافظا لهما عن التعدي ومجاوزة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.

والسابع أن المراد بالأمانة أداء الأمانة ضد الخيانة، أو قبولها، وتصحيح تتمة الآية على أحد الوجوه المتقدمة.

الثامن: أن المراد بالأمانة الإمامة والخلافة الكبرى، وحملها ادعاؤها بغير حق، والمراد بالإنسان أبو بكر، وقد وردت الأخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الإمامة وغيرها، فقد روي بأسانيد عن الرضا عليه السلام قال: الأمانة الولاية من ادعاها بغير حق كفر، وقال علي بن إبراهيم: الأمانة هي الإمامة والأمر والنهي، عرضت على السماوات والأرض والجبال " فأبين أن يحملنها " قال: أبين أن يدعوها أو يغصبوها أهلها " وأشفقن منها وحملها الانسان " الأول " إنه كان ظلوما جهولا ". وعن الصادق عليه السلام: الأمانة الولاية، والانسان أبو الشرور المنافق. وعن الباقر عليه السلام:

هي الولاية، أبين أن يحملنها كفرا، وحملها الانسان، والانسان أبو فلان.

ومما يدل على أن المراد بها التكليف ما روي أن عليا عليه السلام كان إذا حضر وقت

الصلاة تغير لونه، فسئل عن ذلك فقال: حضر وقت أمانة عرضها الله على السماوات و الأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

ومما يدل على كون المراد بها الأمانة المعروفة ما في نهج البلاغة في جملة وصاياه للمسلمين: ثم أداء الأمانة، فقد خاب من ليس من أهلها، إنها عرضت على السماوات المبنية، والأرض المدحوة، والجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعظم منها، ولو امتنع شئ منها بطول أو عرض أو قوة أوعز لامتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الانسان، إنه كان ظلوما جهولا.

وعن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول: ابتع لي ثوبا، فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق، فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه، إن الله عز وجل يقول: " إنا عرضنا الأمانة - الآية - ".

والحق أن الجميع داخل في الآية بحسب بطونها، كما قيل: إن المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها، وأعظمها الخلافة الإلهية لأهلها، ثم تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها، وعدم ادعاء منزلتها لنفسه، ثم سائر التكاليف، والمراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال النظر إلى استعدادهن لذلك، وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة، وتحمل الانسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبرا على أهلها، أو مع تقصيره بحسب وصف الجنس باعتبار الأغلب، فهذه معانيها الكلية وكل ما ورد في تأويلها في مقام يرجع إلى هذه الحقائق كما يظهر عند التدبر والتوفيق من الله سبحانه.

قال السيد المرتضى - رضي الله عنه - في أجوبة المسائل العكبرية حيث سئل عن تفسير هذه الآية: إنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات والأرض والجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول، وإنما الكلام في هذه الآية مجاز أريد به الايضاح عن عظم الأمانة وثقل التكليف بها وشدته على الانسان، وإن السماوات والأرض والجبال لو كانت مما يقبل لأبت حمل الأمانة ولم تؤد مع ذلك حقها، و

نظير ذلك قوله تعالى " تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ومعلوم أن السماوات والأرض والجبال جماد لا تعرف الكفر من الايمان ولكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون، وتفوه به الضالون، وأقدم به المجرمون من الكفر بالله تعالى، وأنه من عظمه جار مجرى ما يثقل باعتماده على السماوات و الأرض والجبال، وأن الوزر به كذلك، وكان الكلام في معناه ما جاء به التنزيل مجازا واستعارة كما ذكرناه، ومثل ذلك قوله تعالى " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار - الآية - " ومعلوم أن الحجارة جماد لا يعلم فيخشى أو يرجو ويؤمل وإنما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله تعالى وما يجب أن يكون العبد عليه من خشية الله [تعالى] وقد بين الله ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال - الآية - " فبين بهذا المثل عن جلالة القرآن وعظم قدره وعلو شانه وأنه لو كان كلام يكون به ما عده ووصفه لكان بالقرآن لعظم قدره على سائر الكلام وقد قيل: إن المعنى في قوله " إنا عرضنا الأمانة " عرضها على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال، والعرب يخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع ويسميهم باسمه قال الله تعالى " واسأل القرية التي كنا فيها والعير " يريد أهل القرية وأهل العير وكان العرض على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال قبل خلق آدم وخيروا بين التكليف لما كلفه آدم وبنوه فأشفقوا من التفريط فيه واستعفوا منه فاعفوا، فتكلفه الانسان ففرط فيه، وليست الآية على ما ظنه السائل أنها هي الوديعة وما في بابها ولكنها التكليف الذي وصفناه. ولقوم من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الإمامة جواب تعلقوا به من جهة بعض الأخبار وهي أن الأمانة هي الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام، وأنها عرضت قبل خلق آدم على السماوات والأرض والجبال ليأتوا بها على شروطها فأبين من حملها على ذلك خوفا من تضييع الحق فيها وكلفها الناس فتكلفوها ولم يؤد أكثرهم حقها (انتهى).

" ليعذب الله المنافقين " تعليل للحمل من حيث إنه نتيجة كالتأديب للضرب في " ضربته تأديبا " وذكر التوبة في الوعد إشعار بأن كونهم ظلوما جهولا في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات " وكان الله غفورا رحيما " حيث تاب على فرطاتهم ، وأثاب بالفوز على طاعاتهم. " كذلك " أي كاختلاف الثمار والجبال.

" خلق الأزواج كلها " أي الأنواع والأصناف " مما تنبت الأرض " من النبات والشجر " ومن أنفسهم " الذكر والأنثى " ومما لا يعلمون " أي وأزواجا مما لم يطلعهم الله عليه، ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته، وسيأتي تأويل آخر برواية علي ابن إبراهيم.

" من طين لازب " أي ممتزج متماسك يلزم بعضه بعضا، يقال: طين لازب يلزق باليد لاشتداده، وقال علي بن إبراهيم: يعني يلزق باليد. " ثم جعل منها زوجها " أي من جزئها، أو من طينتها، أو من نوعها، أو لأجلها ولانتفاعها.

" فأحسن صوركم " بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات " ورزقكم من الطيبات " أي اللذائذ.

" علمه البيان " قيل: إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوانات من البيان، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع. وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام في قوله " الرحمن علم القرآن " قال: الله علم محمدا القرآن، قلت: " خلق الانسان "؟ قال: ذلك أمير المؤمنين، قلت: " علمه البيان "؟ قال: علمه تبيان كل شئ يحتاج الناس إليه - الخبر -.

" من صلصال كالفخار " قيل: الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار الخزف، وقد خلق الله آدم من تراب جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا، فلا يخالف

ذلك قوله " من تراب " ونحوه.

" فمنكم كافر " أي يصير كافرا، أو كان في علم الله أنه كافر. وفي الكافي وتفسير علي ابن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن تفسير هذه الآية فقال: عرف الله إيمانهم بولايتنا وكفرهم بتركها يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر.

" لقد خلقنا الانسان في كبد " قيل: في تعب ومشقة، فإنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال علي بن إبراهيم: أي منتصبا. وسيأتي تفسيره في الخبر أنه منتصب في بطن أمه.

" ألم نجعل له عينين " يبصر بهما " ولسانا " يترجم عن ضمائره " وشفتين " يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها " وهديناه النجدين " طريقي الخير والشر، وقيل: الثديين، وأصله المكان المرتفع. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: نجد الخير والشر. وفي مجمع البيان عن أمير المؤمنين عليه السلام: سبيل الخير وسبيل الشر. وعنه عليه السلام أنه قيل له: إن أناسا يقولون في قوله " وهديناه النجدين " إنهما الثديان، فقال: لا، هما الخير والشر.

" لقد خلقنا الانسان " قيل: يريد به الجنس " في أحسن تقويم " أي تعديل بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات " ثم رددناه أسفل سافلين " بأن جعلناه من أهل النار، أو إلى أسفل سافلين وهو النار، وقيل: أو ذل العمر، وقال علي بن إبراهيم: نزلت في الأول، وفي المناقب عن الكاظم عليه السلام قال: الانسان الأول، ثم رددناه أسفل سافلين ببغضه أمير المؤمنين.

وأقول: على سبيل الاحتمال يمكن أن يكون رده إلى أسفل سافلين ابتلاؤه بالقوى الشهوانية والعلائق الجسمانية، فإن روحه كان من عالم القدس، فلما ابتلي

بعد التعلق بالبدن بالصفات البهيمية والعلائق الدنية فقد تنزل من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فهم باقون في تلك الدركات منهمكون في تلك التعلقات " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فإنهم نفضوا عن أذيالهم أدناس تلك النشأة الفانية، واختاروا الدرجات العالية، فرجعوا إلى النشأة الأولى وتعلقت أرواحهم بالملأ الأعلى، فصاروا أشرف من الملائكة المقربين، وسكنوا في غرفات الجنان آمنين.

" باسم ربك الذي خلق " أي جميع المخلوقات على مقتضى حكمته. وعن الباقر عليه السلام: خلق نورك القديم قبل الأشياء " من علق " أي من دم جامد بعد النطفة " الذي علم بالقلم " قال علي بن إبراهيم علم الانسان بالكتابة التي بها يتم أمور الدنيا في مشارق الأرض ومغاربها. " علم الانسان ما لم يعلم " من أنواع الهدى و البيان، وقال علي بن إبراهيم: قال: يعني علم عليا من الكتابة لك ما لم يعلم قبل ذلك. قيل: عدد سبحانه مبدأ أمر الانسان ومنتهاه إظهارا لما أنعم عليه من نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا لأكرميته.

فائدة: اعلم أن المسلمين اختلفوا في تفضيل الملائكة على البشر أو العكس، فذهب أكثر الأشاعرة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وصرح بعضهم بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء، وذهب أكثر المعتزلة إلى أن الملائكة أفضل من جميع البشر، ولا خلاف بين الامامية في أن الأنبياء والأئمة عليهم السلام أفضل من جميع الملائكة، والاخبار في ذلك مستفيضة أوردنا [ها] في كتاب النبوة وسائر مجلدات الحجة، وأما سائر المؤمنين ففي فضل كلهم أو بعضهم على جميع الملائكة أو بعضهم، فلا يظهر من الآيات والاخبار ظهورا بينا يمكن الحكم بأحد الجانبين، فنحن فيه من المتوقفين.

قال الشيخ المفيد - قدس الله سره - في كتاب المقالات: اتفقت الامامية على أن أنبياء الله ورسله من البشر أفضل من الملائكة، ووافقهم على ذلك أصحاب

الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء والرسل، وقال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الآخر، وكان اختلافهم في هذا الباب على ما وصفناه وإجماعهم على خلاف القطع بفضل الأنبياء على الملائكة [عليهم السلام] حسب ما شرحناه.

ثم قال: أما الرسل من الملائكة والأنبياء عليهم السلام فقولي فيهم مع أئمة آل محمد عليهم السلام كقولي في الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأما باقي الملائكة فإنهم وإن بلغوا بالملائكة فضلا، فالأئمة من آل محمد عليهم السلام أفضل منهم وأعظم ثوابا عند الله عز وجل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب (انتهى).

وقال صاحب الياقوت: الأنبياء أفضل من الملائكة، لاختصاصهم بشرف الرسالة مع مشقة التكليف. وقال العلامة - قدس سره - في شرحه: اختلف الناس في ذلك فذهب الامامية وجماعة من الأشاعرة إلى أن الأنبياء عليهم السلام أشرف من الملائكة وقالت المعتزلة والفلاسفة: بل الملائكة أشرف. وقال الصدوق - قدس سره - في رسالة العقائد: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والحجج عليهم السلام أنهم أفضل من الملائكة، ثم ذكر الدلائل وبسط القول فيها كما ذكرناه في كتاب الإمامة.

وقال السيد الشريف المرتضى - رضي الله عنه - في كتاب الغرر والدرر في تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام: اعلم أنه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلف على الآخر، لان الفضل المراعى في هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، ولا سبيل : إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لان الطاعتين قد تتساوى في ظاهر الامر حالهما وإن زاد ثواب واحدة على الأخرى زيادة عظيمة، وإذا لم يكن للعقل في ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السمع، فإن دل سمع مقطوع به من ذلك على شئ عول عليه، وإلا كان الواجب التوقف عنه والشك فيه، وليس في القرآن ولا في سمع مقطوع على صحته ما يدل على فضل نبي على ملك ولا ملك علي نبي. وسنبين أن آية واحدة مما يتعلق به في تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام يمكن أن يستدل بها

على ضرب من الترتيب نذكره.

والمعتمد - في القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة - على إجماع الشيعة الإمامية على ذلك، لأنهم لا يختلفون في هذا، بل يزيدون عليه ويذهبون إلى أن الأئمة عليهم السلام أفضل من الملائكة أجمعين، وإجماعهم حجة، لان المعصوم في جملتهم وقد بينا في مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة، ورتبناه وأجبنا عن كل سؤال يسأل عنه فيها، وبينا كيف الطريق مع غيبة الامام إلى العلم بمذاهبه و أقواله، وشرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به ههنا. ويمكن أن يستدل على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وأنه يقتضي تعظيمه عليهم وتقديمه وإكرامه وإذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه وتقديمه على الفاضل علمنا أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة، وكل من قال إن آدم أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء عليهم السلام أفضل من جميع الملائكة، ولا أحد من الأمة فصل بين الامرين.

فان قيل: ومن أين أنه أمرهم بالسجود على جهة التقديم والتعظيم؟

قلنا: لا يخلو تعبدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم، أو يكون على ما ذكرناه، فإن كان الأول لم يجز أنفة إبليس من السجود وتكبره عنه، وقوله " أرأيتك هذا الذي كرمت علي " وقوله " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " والقرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة، فلو لم يكن الامر على هذا لوجب أن يرده الله تعالى عنه ويعلمه أنه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له ولا تفضيله، بل على الوجه الآخر الذي لاحظ للتفضيل فيه، وما جاز إغفال ذلك وهو سبب معصية إبليس وضلالته، فلما لم يقع ذلك دل على أن الامر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل والتعظيم، وكيف يقع شك في أن الامر على ما ذكرناه وكل نبي أراد تعظيم آدم عليه السلام ووصفه بما اقتضى الفخر والشرف نفسه بإسجاد الملائكة له، وجعل

ذلك من أعظم فضائله، وهذا مما لا شبهة فيه.

فأما اعتماد بعض أصحابنا في تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة في طاعة الأنبياء عليهم السلام أكثر وأوفر من حيث كانت لهم شهوات في القبائح ونفار عن الواجبات فليس بمعتمد، لأنا لانقطع على أن مشاق الأنبياء أعظم من مشاق الملائكة في التكليف والشك في مثل ذلك واجب، وليس كل شئ لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه ونحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلفين فلا بد من أن تكون عليهم مشاق في تكليفهم لولا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم، والتكليف إنما يحسن في كل مكلف تعريضا للثواب، ولا يكون التكليف شاقا عليهم إلا وتكون لهم شهوات فيما حظر عليهم ونفار عما أوجب، وإذا كان الامر على هذا فمن أين يعلم أن مشاق الأنبياء عليهم السلام أكثر من مشاق الملائكة، وإذا كانت المشقة عامة لتكليف الأمة ولا طريق إلى القطع على زيادتها في تكليف بعض ونقصانها في تكليف آخرين فالواجب التوقف والشك، ونحن الآن نذكر شبه من فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام ونتكلم عليها بعون الله:

فمما تعلقوا به في ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء عليهما السلام " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " فرغبهما في التناول من الشجرة في منزلة الملائكة حتى تناولا وعصيا، وليس يجوز أن يرغب عاقل في أن يكون على منزلة هي دون منزلته حتى يحمله ذلك على خلاف الله تعالى ومعصيته، وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام. وتعلقوا أيضا بقوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " وتأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لان العادة إنما جرت أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا ولا الخليفة، فيقدم الأدون ويؤخر الأعظم، ولم تجر بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ولا الحارس، وهذا يقتضي تفضيل الملائكة

على الأنبياء عليهم السلام. وتعلقوا بقوله تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " قالوا:

وليس بعد بني آدم مخلوق يستعمل في الخبر عنه لفظة " من " التي لا تستعمل إلا في العقلاء إلا الجن والملائكة، ولما لم يقل: وفضلناهم على من، بل قال: على كثير ممن خلقنا، علم أنه إنما أخرج الملائكة عمن فضل بني آدم عليه، لأنه لا خلاف في بني آدم أنه أفضل من الجن، وإذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضل بنو آدم فلا شبهة في أنهم الملائكة. وتعلقوا بقوله تعالى " ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك " فلولا أن حال الملائكة أفضل من حال النبي لما قال ذلك.

فيقال لهم في ما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى " إلا أن تكونا ملكين " معناه: أن تصيرا أو تتقلبا إلى صفة الملائكة؟ فإن هذه اللفظة ليست بصريح لما ذكرتم بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له، وما أنكرتم أن يكون المعنى أن المنهي عن تناول الشجرة غيركما ، وإذا النهي يختص الملائكة والخالدين دونكما، ويجري ذلك مجرى قول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا، وإنما يعني أن المنهي هو فلان دونك، ولم يرد: إلا أن تتقلب فتصير فلانا، ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما فمن أوكد الشبهة إيهامهما أنهما لم ينهيا وإنما المنهي غيرهما.

ومن وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا في أن ينقلا إلى صفة الملائكة وخلقهم كما رغبهما إبليس في ذلك، ولا تدل هذه الرغبة على أن الملائكة أفضل منهما، لأنه بالتقلب إلى خلقة غيره لا يتقلب ولا يتغير الحقيقة بانقلاب الصورة والخلق، فإنه إنما يستحق الثواب على الاعمال دون الهيئات وغير ممتنع أن

يكونا رغبا في أن يصيرا على الهيئة الملائكة وصورها، وليس ذلك يرغبه في الثواب ولا الفضل، فإن الثواب فضل لا يتبع الهيئات والصور، ألا ترى أنهما رغبا في أن يكونا من الخالدين، وليس الخلود مما يقتضي مزية في ثواب ولا فضلا فيه، وإنما هو نفع عاجل، وكذلك لا يمتنع أن يكون الرغبة منهما في أن يصيرا ملكين إنما كانت على هذا الوجه.

ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة وكل من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبي وغلطا في ذلك وكان منهما ذنبا صغيرا؟

لان الصغائر عندكم تجوز على الأنبياء، فمن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء ورغبا في ذلك أن الامر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب؟ و ليس لهم أن يقولوا: إن الصغائر إنما تدخل في أفعال الجوارح دون القلوب، لان ذلك تحكم بغير برهان، وليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر في أفعال القلوب والجوارح معا، لان حد الصغيرة عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله، وليس يمتنع معنى هذا الحد في أفعال القلوب كما لا يمتنع في أفعال الجوارح.

ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء فاخرج الكلام على حسب اعتقادهم و اخر ذكر الملائكة لذلك؟ ويجري هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره: لن يستنكف أبي أن يفعل كذا ولا أبوك، وإن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل، وإنما اخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب.

ومما يجوز أن يقال أيضا: أنه لا تفاوت في الفضل بين الأنبياء والملائكة وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم، ومع التقارب والتداني يحسن أن يؤخر ذكر الأفضل الذي لا تفاوت بينه وبين غيره في الفضل، وإنما مع التفاوت والتنافي لا يحسن ذلك، ألا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: ما يستنكف الأمير فلان من كذا، ولا الأمير

فلان من كذا، وإن كانا متساويين متناظرين أو متقاربين، ولا يحسن أن يقول: ما يستنكف الأمير من كذا ولا الحارس، لأجل التفاوت. وأقوى من هذا أن يقال: إنما اخر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لان جميع الملائكة أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا وهذا لا يقتضي أن كل واحد منهم أفضل من المسيح عليه السلام، وإنما الخلاف في ذلك.

ويقال لهم في ما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى " على كثير ممن خلقنا تفضيلا " أنا فضلناهم على من خلقنا وهم كثير ولم يرد التبعيض، و يجري ذلك مجرى قوله تعالى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا فكل ثمن تأخذونه عنها قليل، ولم يرد التخصيص والمنع من الثمن القليل خاصة. ومثله قول الشاعر:

من أناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع وإنما أراد نفي الفحش كله عن أخلاقهم وإن وصفه بأنه عاجل، ونفي الجزع عنهم وإن وصفه بالسوء، وهذا من غريب البلاغة ودقيقها، ونظائره في الشعر والكلام الفصيح لا تحصى، وقد كنا أملينا في تأويل هذه الآية كلاما منفردا استقصيناه وشرحنا هذا الوجه وأكثرنا من ذكر أمثلته.

ووجه آخر في تأويل هذه الآية، وهو أنه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بني آدم وإن كان في جملة بني آدم من الأنبياء عليهم السلام من يفضل كل واحد منهم على كل واحد من الملائكة، لان الخلاف إنما هو في فضل كل بني آدم على كل ملك، وغير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء يستحق كل واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب، فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بني آدم، لان الأفاضل من بني آدم أقل عددا، وإن كان في بني آدم آحاد كل واحد منهم أفضل من كل واحد من الملائكة.

ووجه آخر ومما يمكن أن يقال في هذه الآية أيضا: أن مفهوم الآية إذا تؤملت يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الذي هو زيادة الثواب، وإنما أراد النعم و

المنافع الدنيوية، ألا ترى إلى قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " والكرامة إنما هي الترقية وما يجري مجراه، ثم قال " وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات " ولا شبهة في أن الحمل لهم في البر والبحر ورزق الطيبات خارج مما يستحق به الثواب ويقتضي التفضيل الذي وقع إطلاقه فيه، ويجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا في هذا الباب وفي هذا القبيل، فإنه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد [به و] مبني عليه، وأقل الأحوال أن تكون لفظة " فضلناهم " مجتمعة للامرين، فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه.

ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة في هذه الآية على أن حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء، لان الغرض في الكلام إنما هو نفي ما لم يكن عليه، لا التفضيل لذلك على ما هو عليه. ألا ترى أن أحدنا لو ظن أنه على صفة وهو ليس عليها جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ وإن كان على أحوال هي أفضل من تلك الحال و أرفع، وليس يجب إذا انتفى مما تبرأ منه من علم الغيب وكون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا في كل ما يقع النفي له والتبرؤ منه، وإذا لم يكن ملكا عنده خزائن الله تعالى جاز أن ينتفي من الامرين من غير ملاحظة، لان حاله دون هاتين الحالتين.

ومما يوضح هذا ويزيل الاشكال فيه أنه تعالى حكى عنه قوله في آية أخرى " ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا " ونحن نعلم أن هذه منزلة غير جليلة، وهو على كل حال أرفع منها وأعلى، فما المنكر أن يكون نفي الملكية عنه في أنه لا يقتضي أن حاله دون حال الملك بمنزلة نفي هذه المنزلة. والتعلق بهذه الآية ضعيف جدا، وفيما أوردناه كفاية وبالله التوفيق (انتهى).

وذكر - رضي الله عنه - نحوا من هذا في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري.

وقال الدواني في شرح العقائد: هم أي الأنبياء أفضل من الملائكة العلوية عند

أكثر الأشاعرة، ومن الملائكة السفلية بالاتفاق، وعامة البشر من المؤمنين أيضا أفضل من عامة الملائكة، وعند المعتزلة وأبي عبد الله الحليمي والقاضي أبي بكر منا الملائكة أفضل، والمراد بالأفضل أكثر ثوابا، وذلك أن عبادة الملائكة فطرية لا مزاحم لهم عنها بخلاف عبادة البشر، فإن لهم مزاحمات فتكون عبادتهم أشق، وقال النبي صلى الله عليه وآله " أفضل الأعمال أضرها " أي أشقها.

قلت: وعلى هذا يندفع ما يتوهم أن إساءة الأدب مع الملائكة كفر ومع آحاد المؤمنين ليس بكفر، فتكون الملائكة أفضل، لان ذلك يدل على أن كون الملك أشرف بسبب كثرة مناسبته مع المبدأ في النزاهة وقلة الوسط، لا على أنه أفضل بمعنى كونه أكثر ثوابا.

وقال شارح المقاصد: ذهب جمهور أصحابنا والشيعة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة خلافا للمعتزلة والقاضي وأبي عبد الله الحليمي، وصرح بعض أصحابنا بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء. لنا وجوه عقلية ونقلية:

الأولى: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، والحكيم لا يأمر بسجود الأفضل للأدنى، وإباء إبليس واستكباره والتعليل بأنه خير من آدم لكونه من نار وآدم من طين يدل على أن المأمور به كان سجود تكرمة وتعظيم، لا سجود تحية وزيارة، ولا سجود الأعلى للأدنى إعظاما له ورفعا لمنزلته وهضما لنفوس الساجدين.

الثاني: أن آدم أنبأهم بالأسماء وبما علمه الله من الخصائص، والمعلم أفضل من المتعلم، وسوق الآية ينادي على أن الغرض إظهار ما خفي عليهم من أفضلية آدم، و دفع ما توهموا فيه من النقصان، ولذا قال تعالى " ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض " وبهذا يندفع ما يقال: إن لهم أيضا علوما جمة أضعاف العلم بالأسماء

لما شاهدوا من اللوح وحصلوا في الأزمنة المتطاولة بالتجارب والانظار المتوالية.

الثالث: قوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " وقد حض من آل إبراهيم وآل عمران غير الأنبياء بدليل الاجماع فيكون آدم ونوح وجميع الأنبياء مصطفون على العالمين الذين منهم الملائكة، إذ لا مخصص للملائكة من العالمين، ولا جهة لتفسيره بالكثير من المخلوقات.

الرابع: أن للبشر شواغل عن الطاعات العلمية والعملية، كالشهوة والغضب وسائر الحاجات الشاغلة والموانع الخارجة والداخلة، فالمواظبة على العبادات وتحصيل الكمالات بالقهر والغلبة على ما يضاد القوة العاقلة يكون أشق وأفضل وأبلغ في استحقاق الثواب. ولا معنى للأفضلية سوى استحقاق الثواب والكرامة.

لا يقال: لو سلم انتفاء الشهوة والغضب وسائر الشواغل في حق الملائكة فالعبادة مع كثرة البواعث والشواغل إنما يكون أشق وأفضل من الأخرى إذا استويا في المقدار وباقي الصفات، وعبادة الملائكة أكثر وأدوم. فإنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون والاخلاص الذي به القوام والنظام واليقين الذي هو الأساس والتقوى التي هي الثمرة فيهم أقوى وأقوم، لان طريقهم العيان لا البيان والمشاهدة لا المراسلة.

لأنا نقول: انتفاء الشواغل في حقهم مما لا ينازع فيه أحد، ووجود المشقة والألم في العبادة والعمل عند عدم المنافي والمضاد مما لا يعقل قلت أو كثرت، وكون باقي الصفات في حق الأنبياء أضعف وأدنى مما لا يسمع ولا يقبل. وقد يتمسك بأن للملائكة عقلا بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وللإنسان كليهما، فإذا ترجح شهوته على عقله يكون أدنى من البهائم لقوله تعالى " بل هم أضل " "، فإذا ترجح عقله على شهوته يجب أن يكون أعلا من الملائكة، وهذا عائد إلى ما سبق لان تمام تقريره هو أن الكافر آثر النقصان مع التمكن من الكمال، وكل من فعل كذا فهو أضل

وأرذل ممن آثره بدونه، لان إيثار الشئ مع وجود المضاد والمنافي أرجح وأبلغ من إيثاره بدونه، فيلزم أن يكون من آثر الكمال مع التمكن من النقصان أفضل وأكمل ممن آثره بدونه.

وأما التمسك بقوله [تعالى] " ولقد كرمنا بني آدم " والتكريم المطلق لاحد الأجناس يشعر بفضله على غيره، فضعيف، لان التكريم لا يوحب التفضيل سيما مع قوله تعالى " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا " فإنه يشير بعدم التفضيل على القليل وليس غير الملائكة بالاجماع، كيف وقد وصف الملائكة أيضا بأنهم عباد مكرمون.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.