پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

34 باب المعادن وأحوال الجمادات والطبائع وتأثيراتها وانقلابات

ج ۵۷، ص ۱۶۳–۱۹۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

الحجر: وأنبتنا فيها من كل شئ موزون.

النحل: أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون.

أسرى: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا.

الأنبياء: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وقال تعالى: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون. ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها.

الحج: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس و القمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.

سبأ: ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أو بي معه والطير وألنا له الحديد - إلى قوله تعالى - وأسلنا له عين القطر.

فاطر: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا.

ص: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق. وقال سبحانه:

فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب.

الحديد: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز.

تفسير: " أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ " قيل: استفهام إنكار، أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع، فما بالهم لم يتفكروا ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه؟!

و " ما " موصولة مبهمة بيانها " يتفيؤوا ظلاله " أي أولم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة " عن اليمين والشمائل " أي عن أيمانها وشمائلها، أي جانبي كل واحد منها، استعارة عن يمين الانسان وشماله، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل لاعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في " ظلاله " وجمعه في قوله " سجدا لله وهم داخرون " وهما حالان عن الضمير في " ظلاله " والمراد من السجود; الانقياد والاستسلام، سواء كان بالطبع أو بالاختيار، يقال: سجدت النخلة: إذا مالت لكثرة الحمل; وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب. وقال الشاعر:

ترى الأكم فيها سجدا للحوافر و " سجدا " حال من الظلال " وهم داخرون " من الضمير، والمعنى: يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيوء، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها كهيئة الساجد، والاجرام في أنفسها أيضا داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله فيها. وجمع " داخرون لان من جملتها من يعقل، أو لان الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل: المراد باليمين والشمائل عن يمين الفلك وهو جانبه الشرقي، لان الكوكب يظهر منه أخذه في

الارتفاع والسطوع، وشماله هو الجانب الغربي المقابل له، فإن الأظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال يبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض كما ذكره البيضاوي وغيره. وقال بعضهم: كان الحسن يقول: أما ظلك فيسجد لربك وأما أنت فلا تسجد لربك! بئس ما صنعت. وعن مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل: ظل كل شئ يسجد لله سواء كان ذلك ساجدا أم لا. وقال الطبرسي - ره - وقيل: إن المراد بالظل هو الشخص بعينه، قال الشاعر " كأن في أظلالهن الشمس " أي في أشخاصهن، فعلى هذا يكون تأويل الظلال في الآية تأويل الأجسام التي عنها الظلال " وهم داخرون " أي أذلة صاغرون، قد نبه الله سبحانه بهذا على أن جميع الأشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها ومدبرها بما لولاه لبطلت ولم يكن لها قوام طرفة عين فهي في ذلك كالساجد من العباد بفعله الخاضع بذله - انتهى -. وقال النيسابوري في تأويلها بعد تفسيرها بما مر: " إلى ما خلق الله من شئ " هو عالم الأجسام، فإن عالم الأرواح خلق من لا شئ " يتفيؤوا ظلاله " فإن الأجسام ظلال الأرواح، فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال " سجدا لله " منقادين لامره مسخرين لما خلقوا لأجله، وإنما وحد اليمين وجمع الشمائل لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه - انتهى -.

وأقول: ويحتمل أن يكون المراد بظلاله مثاله على القول بعالم المثال كما مر.

تحقيقه أو روحه كما عبر في الأخبار الكثيرة عن عالم الأرواح بالظلال، فالمراد بالتفيؤ عن اليمين ميلهم إلى السعادة والتشبه بأصحاب اليمين، وبالشمائل خلافه. وهذا كلام على سبيل الاحتمال في مقابلة ما ذكروه من ذلك، والله يعلم تفسير كلامه وحججه الكرام عليهم السلام.

" ولله يسجد " قال الرازي: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد والخضوع، ويرجع حاصل

هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، لأنه لا يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح. إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود، ومنهم من قال: المراد بالسجود ههنا هو المعنى الأول، لان اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى، لان السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات. ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الامرين معا، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى. وهذا القول ضعيف لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز. قوله " من دابة " قال الأخفش: يريد من الدواب، وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض. فإن قيل: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟ قلنا: فيه وجوه:

الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى، لان أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وأشرفها كونها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى.

والوجه الثاني: قال حكماء الاسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب فلما ميز الله الملائكة من الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة. ويمكن الجواب عنه بأن الطير بالجناح مغائر للدبيب بدليل قوله تعالى " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه " - انتهى -.

وأقول: التخصيص بعد التعميم أيضا شائع كعطف جبرئيل على الملائكة كما ذكره البيضاوي، وما ذكره من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه على تقدير تسليمه لا حاجة في التعميم على حمله على ذلك، بل يمكن حمله على معنى الانقياد والتواضع، وهو يشمل الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا كما حمل عليه البيضاوي. وقال بعضهم: هذه الآية تدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر، وليس إلا النفوس الناطقة الانسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لامن حيث هياكلهم، فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة، ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير - انتهى -.

وأقول: والأرواح والنفوس أيضا لها جهتان: فمن جهة مسخرة منقادة لربها في جميع ما أراد منها، ومن جهة أخرى عاصية مخالفة لربها، بل من هذه الجهة أيضا مسخرة ساجدة خاضعة لإرادة ربها حيث أقدرها على ما أرادت، ودالة على وجود صانعها الذي جعلها مختارة مريدة قادرة على الاتيان بما أرادت، فهي من هذه الجهة أيضا مسبحة لربها ذاكرة لها دالة عليها منادية بلسان حالها من جهة إمكانها وحدوثها وافتقارها بأن لي ربا جعلني مريدا مختارا لحكمته وكماله وعنايته الأزلية كما قال بعض العارفين بالفارسية " عين إنكار منكر اقراراست " والكلام في هذا المقام دقيق لا يمكن إجراء أكثر من ذلك منه على الأقلام، ويصعب دركها على الافهام، وقد أومأت إلى شئ منه في شرح كتاب توحيد الكافي في توضيح أخبار إرادة الله تعالى وبيان معانيها.

قوله سبحانه " تسبح له السماوات " قال النيسابوري: قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول " سبحان الله " وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني. وقد تقرر في الأصول أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معا في حالة واحدة، فتعين التسبيح

ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل. هذا ما عليه المحققون، وأورد عليه: أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل " ولكن لا تفقهون تسبيحهم " لان التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم. وأجيب: بأن دلالة كل شئ على وجود الصانع معلومة على الاجمال دون التفصيل، فإنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله. وأيضا الخطاب للمشركين وأنهم وإن كانوا مقرين بالخالق إلا أنهم أثبتوا شريكا وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله فكأنهم لم يفقهوا التسبيح، إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح، ولهذا ختم الآية بقوله " إنه كان حليما غفورا " حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم. وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح لله تعالى باللسان أيضا، كل بلغته ولسانه الذي لا نعرف نحن ولا نفقه. وزعم أيضا أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح، وكذا غصن الشجرة إذا كسر. فأورد عليه أن كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا فكيف صار ذبح الحيوان مانعا عن التسبيح وكذا كسر الغصن؟ ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شئ لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه، فإذا بطل ذلك التركيب وفكك ذلك النظم لم يبق مسبحا مطلقا أولا على ذلك النحو.

وقال في تأويلها: لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت، لقوله " فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ " والملكوت باطن الكون، وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان " فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيها لصاحبه وحمدا له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان نطق الحصا في كف النبي صلى الله عليه وآله وبه تنطق الأرض يوم القيامة. " يومئذ تحدث أخبارها " وبه تنطق الجوارح " أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ " وبه نطقت

السماوات والأرض " قالتا أتينا طائعين ". " إنه كان حليما " في الأزل، إذ أخرج من العدم من يكفر به ويجحده " غفورا " لمن تاب عن كفره.

" قلنا يا نار كوني بردا " قال الطبرسي. هذا مثل، فإن النار جماد لا يصح خطابه، والمراد أنا جعلنا النار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شئ، كما قال سبحانه " كونوا قردة خاسئين " والمعنى أنه صيرهم كذلك لا أنه خاطبهم وأمرهم بذلك. وقيل: يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم. وذكر في كون النار بردا وسلاما على إبراهيم وجوها: أحدها أن الله سبحانه أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة فيها فلم تؤذه. وثانيها أنه سبحانه حال بينها وبين إبراهيم فلم تصل إليه. وثالثها أن الاحراق يحصل بالاعتمادات التي في النار صعدا فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات. وعلى الجملة فعلمنا أن الله سبحانه منع النار من إحراقه وهو أعلم بتفاصيله - انتهى -.

وقال البيضاوي: انقلاب النار هواء طيبة ليس ببدع، غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته. وقيل: كانت النار بحالها لكنه تعالى دفع عنه أذاها كما في السمندر، ويشعر به قوله " على إبراهيم " - انتهى -.

وأقول: على مذهب الأشاعرة لا إشكال في ذلك، لأنهم يقولون: لا مؤثر في الوجود إلا الله، وإنما أجرى عادته بالاحراق عند قرب شئ من النار، فإذا أراد غير ذلك لا يخلق الاحراق. وأما عند غيرهم من القائلين بتأثير الطبائع ولزوم الصفات لها فيشكل ذلك عندهم، والأولى أن يقال: إحراق النار وتبريد الثلج وقتل السموم وغير ذلك من التأثيرات لما كانت مشروطة بشروط كقابلية المادة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون مشروطة بعدم تعلق إرادة القادر المختار بخلافه فإذا تعلقت

بذلك انتفى تأثيرها، كما أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم لكن بشرط عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافه، ولذا ورد في الاخبار أنه لا يحدث شئ في السماء والأرض إلا بإذنه سبحانه.

قوله تعالى " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير " قال الطبرسي - ره -:

قيل: معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار، فعبر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه عن كل مالا يليق به، وكذلك تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد. و قيل: إن الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير يسبح بالغداة والعشي معجزة له - انتهى -.

وقال الرازي: قال أصحاب المعاني: يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان

بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما. وأما المعتزلة فقالوا: لو حصل الكلام في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه، والأول محال لان بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حيا عالما قادرا يستحيل منه الفعل، والثاني أيضا محال، لان المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لامن كان محلا له، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله لا الجبل، فجعلوا التسبيح من السباحة وبناء التفعيل للتكثير مثل قوله " يا جبال أو بي معه " والحاصل:

سيري معه.

واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة، وهذا ممنوع، و على أن التكلم من فعل الله وهو أيضا ممنوع. وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام ولكن اجتمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن والانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكون حاله كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا، فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق. وأيضا دلالته على قدرة الله وعلى تنزيهه مما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال - انتهى -.

" وعلمناه صنعة لبوس لكم " أي علمناه كيف يصنع الدروع. قال قتادة: أول من صنع الدروع داود وإنما كانت صفائح، جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين فهو أول من سردها وحلقها فجمعت الخفة والتحصين. " ولسليمان " أي سخرنا له " الريح عاصفة " أي شديدة الهبوب. " ألم تر أن الله يسجد له " لعل المراد بالسجود غاية الخضوع والانقياد الممكن من الشئ، ففي الجمادات والعجم من الحيوانات يحصل منهم غاية الانقياد الذي يتأتى منهم، وكذا الملائكة وصالحوا المؤمنين. وأما الكفار والفجار فلما لم يتأت منهم غاية الانقياد أخرجهم وقال " وكثير من الناس " لأنهم وإن كانوا في الأوامر التكوينية منقادين فليسوا في الأوامر التكليفية كذلك

فالسجود محمول على معنى واحد وليس من استعمال المشترك في معنييه كما عرفت سابقا.

وقال الرازي: الرؤية هنا بمعنى العلم، وفي السجود وجوه: أحدها قال الزجاج:

أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها - الآية - " " أن نقول له كن فيكون " " وإن منها لما يهبط من خشية الله " " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " " وسخرنا مع داود الجبال " والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الاعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود. وأما قوله " وكثير من الناس " ففيه وجوه: أحدها أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره، فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها أن نقطع قوله " وكثير من الناس " عما قبله، ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول أن نقول: تقدير الآية: ولله يسجد من في السماوات والأرض و يسجد له كثير من الناس. فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه جميعا. الثاني أن يكون قوله " وكثير من الناس " مبتدءا خبره محذوف وهو، مثاب، لان خبر مقابله يدل عليه وهو قوله " حق عليه العذاب ". والثالث أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف " كثير " على " كثير " ثم يخبر عنهم ب‍ " حق عليهم العذاب " وثالثها من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول: إن المراد بالسجود في حق الاحياء العقلاء السجود، وفي حق الجمادات الانقياد. فان قيل: قوله " من في السماوات والأرض " لفظ العموم فيدخل فيه الناس، فلم قال مرة أخرى " وكثير من الناس "؟ قلنا: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون، فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك.

القول الثاني في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال:

" وأن إلى ربك المنتهى " وكما أن الامكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض، فإن ذلك علامة وضعية للافتقار، وقد يتطرق إليه الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وهذا قول القفال. القول الثالث أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى " يتفيؤوا ظلاله - الآية - " وهذا قول مجاهد - انتهى -.

قوله تعالى " أو بي معه " قال البيضاوي: أي ارجعي معه التسبيح على الذنب أو النوحة، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل فيها، أو: سيري معه حيث سار. و " الطير " عطف على محل " الجبال ".

" وألنا له الحديد " جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بآلاته أو بقوة " عين القطر " أي النحاس المذاب أسال له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سماه عينا. و [كان] ذلك باليمن. " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " أي كراهة أن تزولا، فإن الممكن حال بقائه لابد له من حافظ أو يمنعهما أن تزولا لان الامساك منع. " ولئن زالتا إن أمسكهما " أي ما أمسكهما " من أحد من بعده " أي من بعد الله أو من بعد الزوال، والجملة سادة مسد الجوابين، و " من " الأولى مزيدة، والثانية للابتداء " إنه كان حليما غفورا " حيث أمسكهما وكانتا جديرتين أن تهدا هدا، لاعمال العباد.

قوله تعالى " فيه بأس شديد " فإن آلات الحرب متخذة عنه " ومنافع للناس " إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها " وليعلم الله من ينصره ورسله " باستعمال الأسلحة

ومجاهدة الكفار، والعطف على محذوف دل عليه ما قبله، فإنه حال يتضمن تعليلا أو اللام صلة لمحذوف، أي أنزله ليعلم الله " بالغيب " حال من المستكن في " ينصره ".

" إن الله قوي " على إهلاك من أراد إهلاكه " عزيز " لا يفتقر إلى نصرة، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه.

وقال الرازي: وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحرب متخذة منه، وفيه أيضا منافع كثيرة منها قوله تعالى " وعلمناه صنعة لبوس لكم " ومنها أن مصالح العالم إما أصول وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة، والحياكة، وبناء البيوت، والسلطنة. وذلك لان الانسان يضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يسكن فيه، والانسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه ليشتغل كل واحد منهم بمهم خاص فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل وذلك الانتظام لابد وأن يفضي إلى المزاحمة ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الأصول الأربعة. أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد وذلك من كرب الأرض وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بد من جزها وتنقيتها وذلك لا يتم إلا بالحديد. ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار ولابد فيها من المقدحة الحديدية. وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها من قشورها وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد.

ثم يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم نفزع في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، والذهب لا يقوم مقام الحديد في شئ من هذه المصالح، فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شئ من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا. ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة جعله سهل الوجدان كثير الوجود والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر جود الله ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجاتهم إليه أكثر جعل وجدانه أسهل. ولهذا قال بعض

الحكماء: إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة مات الانسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانا، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى أن الانسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل. وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء. وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء.

ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة، فكل ما كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا لا جرم كانت عزيزة جدا. فعلمنا أن كل شئ كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله أشد من الحاجة إلى كل شئ فنرجو من رحمة الله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا.

1 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن محمد القاساني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن إبراهيم بن الخطاب بن الفراء رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال:

شكت أسافل الحيطان إلى الله عز وجل من ثقل أعاليها، فأوحى الله عز وجل إليها:

يحمل بعضك بعضا.

الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن إبراهيم الثقفي مثله.

المحاسن: عن القاساني مثله، إلا أن فيه: يحمل بعضها بعضا.

بيان: لعل الشكاية بلسان الافتقار والاضطرار، والوحي بالخطاب التكويني كما قيل: في قوله تعالى " وآتيكم من كل ما سألتموه " أي بلسان استعداداتكم وقابلياتكم

أو يكون استعارة تمثيلية لبيان أن الله تعالى خلق الاجزاء الأرضية والترابية بحيث يلتصق بعضها ببعض، ولا يكون ثقل الجميع على الأسافل فتنهدم سريعا.

2 - المحاسن: عن علي بن أسباط، عن داود البرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قوله تعالى " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " قال: نقض الجدر تسبيحها.

الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن أسباط مثله، إلا أن فيه: تنقض الجدر.

3 - المحاسن: عن ابن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال:

سألت أبا عبد الله عن قول الله عز وجل " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " قال: نقض الجدر تسبيحها! قلت: نقض الجدر تسبيحها؟! قال: نعم.

4 - العياشي: عن أبي الصلاح، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله:

" وإن من شئ إلا يسبح بحمده " قال: كل شئ يسبح بحمده، وإنا لنرى أن تنقض الجدار هو تسبيحها.

ومنه: في رواية الحسين بن سعيد عنه عليه السلام مثله.

5 - ومنه: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " قال: إنا نرى أن تنقض الحيطان تسبيحها.

6 - ومنه: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أنه دخل عليه رجل فقال له: فداك أبي وأمي، إني أجد الله يقول في كتابه " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " فقال: هو كما قال، فقال له: أتسبح الشجرة اليابسة؟ فقال: نعم، أما سمعت خشب البيت تنقض؟ وذلك تسبيحه، فسبحان الله على كل حال.

7 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم، قال: بكاء السماء احمرارها من غير غيم وبكاء الأرض زلازلها وتسبيح الشجر حركتها من غير ريح، وتسبيح البحار زيادتها ونقصانها، وتسبيح الشجر نموه ونشوؤه. وقال أيضا: ظله يسبح الله.

بيان: قد مضى من البيان في تفسير الآيات ما يمكن به فهم هذه الأخبار. و الحاصل أن تنقض الجدار لدلالتها على حدوث التغير فيها وفنائها نداء منها بلسان حالها على افتقارها إلى من يوجدها ويبقيها منزها عن صفاتها المحوجة إلى ذلك. وأيضا نقصانات الخلائق دلائل على كمالات الخالق، وكثراتها واختلافاتها ومضاداتها شواهد وحدانيته وانتفاء الشريك عنه والند والضد له كما قال أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له " والحاصل أن جميع المصنوعات والممكنات بصفاتها ولوازمها وآثارها دالة على صانعها وبارئها ومصورها وعلمه وحكمته، شاهدة بتنزهه عن صفاتها المستلزمة للعجز والنقصان، مطيعة لربها في ما خلقها له وأمرها به من مصالح عالم الكون، موجهة إلى ما خلقت له. فسكون الأرض خدمتها وتسبيحها; وصرير الماء وجريه تسبيحه وطاعته; وقيام الأشجار والنباتات ونموها، وجري الريح وأصواتها، وهذه الأبنية وسقوطها، وتحريق النار ولهبها، وأصوات الصواعق وإضاءة البروق وجلاجل الرعود وجري الطيور في الجو ونغماتها، كلها طاعة لخالقها وسجدة وتسبيح وتنزيه له سبحانه.

قال بعض العارفين; خلق الله الخلق ليوحدوه فأنطقهم بالتسبيح والثناء عليه والسجود فقال " ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " وقال أيضا ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في

الأرض والشمس والقمر - الآية - " وخاطب بهاتين الآيتين نبيه الذي أشهده ذلك ورآه فقال " ألم تر " ولم يقل " ألم تروا " فإنا ما رأيناه، فهو لنا إيمان، و لمحمد صلى الله عليه وآله عيان، فأشهده سجود كل شئ وتواضعه لله، وكل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت. هذا الخطاب. وهذا تسبيح فطري وسجود ذاتي عن تجل تجلى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي، وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه.

وفي القاموس: تنقض البيت: تشقق فسمع له صوت. وقوله " بكاء السماء احمرارها " أي خارجا عن العادة فإنه من علامات غضبه تعالى، فكأنه يبكي على من استحق الغضب أو على من يستحق العباد له الغضب كما وقع بعد شهادة الحسين عليه السلام. وقوله " حركتها من غير ريح " أي عند الزلزلة، أو بالنمو فيكون ما بعده تأكيدا له.

8 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجاورد عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " وأنبتنا فيها من كل شئ موزون " فإن الله تبارك وتعالى أنبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ وأشباه هذه لاتباع إلا وزنا.

بيان: لعل المراد بالجوهر الأحجار كالياقوت والعقيق والفيروزج وأشباهها.

9 - تفسير علي بن إبراهيم: " أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " قال: تحويل كل ظل خلقه الله هو سجوده لله لأنه ليس شئ إلا له ظل يتحرك بتحريكه، وتحويله سجوده.

10 - ومنه: في قوله تعالى " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " فحركة كل شئ تسبيح لله عز وجل.

11 - ومنه: في قوله " والشجر والدواب " لفظ الشجر واحد ومعناه جمع.

وفي قوله تعالى " وأسلنا له عين القطر " قال: الصفر.

12 - المناقب لابن شهرآشوب: قال: قال ضباع بن نصر الهندي للرضا عليه السلام ما أصل الماء؟ قال: أصل الماء خشية الله، بعضه من السماء ويسلكه في الأرض ينابيع وبعضه ماء عليه الأرضون، وأصله واحد عذب فرات. قال: فكيف منها عيون نفط و كبريت وقار وملح وأشباه ذلك؟ قال: غيره الجوهر وانقلبت كانقلاب العصير خمرا، وكما انقلبت الخمر فصارت خلا، وكما يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا.

قال: فمن أين أخرجت أنواع الجواهر؟ قال: انقلبت منها كانقلاب النطفة علقة ثم مضغة ثم خلقة مجتمعة مبنية على المتضادات الأربع. قال: إذا كانت الأرض خلقت من الماء والماء بارد رطب فكيف صارت الأرض باردة يابسة؟ قال: سلبت النداوة فصارت يابسة. قال: الحر أنفع أم البرد؟ قال: بل الحر أنفع من البرد، لان الحر من حر الحياة والبرد من برد الموت، وكذلك السموم القاتلة الحارة منها أسلم وأقل ضررا من السموم الباردة.

توضيح: قوله " خشية الله " إشارة إلى ما ورد في بعض الكتب السماوية أن الله تعالى خلق أولا درة بيضاء فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء " ماء عليه الأرضون " أي البحر الأعظم " غيره الجوهر " أي جوهر الأرض التي نبع منها " من حر الحياة " أي من جنسه لان الروح الحيواني والحرارة الغريزية سببان للحياة، وزوالهما سبب للموت. وفيه إشارة إلى ما ذكره الحكماء في تولد المعادن، فلنذكر ما ذكروه في ذلك:

قالوا: المركبات التي لها مزاج، ثلاثة أنواع تسمى بالمواليد، وهي: المعادن والنباتات، والحيوانات. ووجه الحصر أنه إن تحقق فيه مبدأ التغذية فإما مع تحقق مبدأ الحس والحركة الإرادية فهو الحيوان، أو بدونه وهو النبات، وإن لم يتحقق

ذلك فيه فالمعادن. وقال بعضهم: وإنما قلنا مع تحقق الحس والحركة لأنه لا قطع بعدمهما في النبات والمعدن، بل ربما يدعى حصول الشعور والإرادة للنبات لامارات تدل على ذلك، مثل ما يشاهد في ميل النخلة الأنثى إلى الذكر وتعشقها به بحيث لو لم تلقح منه لم تثمر، وميل عروق الأشجار إلى جهة الماء، وميل أغصانها في الصعود من جانب الموانع إلى الفضاء . ثم ليس هذا ببعيد عن القواعد الفلسفية، فإن تباعد الأمزجة عن الاعتدال الحقيقي إنما هو على غاية من التدريج، فانتقاض استحقاق الصور الحيوانية وخواصها لابد أن يبلغ قبل الانتفاء إلى حد الضعف والخفاء، و كذا النباتية. ولهذا اتفقوا على أن من المعدنيات ما وصل إلى أفق النباتية، ومن النباتات ما وصل إلى أفق الحيوانية كالنخلة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله " أكرموا عمتكم النخلة ". وقال بعضهم: أخرى طبقات المعادن متصلة بأولى طبقات النباتات كما أن المرجان التي هي من المعادن ينمو في قعر البحر، وهو قريب من النباتات التي تنبت في فصل الربيع وتذبل وتفنى سريعا. وأخرى طبقات النبات تتصل بأولى طبقة الحيوانات كالنخل فإنها شبيهة بالحيوان في أنها إذا غرقت في الماء أو تقطع رأسها تموت ولا تثمر كثيرا بدون اللقاح، ورائحة طلعها شبيهة برائحة المني، وتعشق بعضها بعضا بحيث لا تحمل إلا إذا صب فيها من طلعه، ويميل بعضها إلى بعض، وهي قريبة من الحيوانات المتولدة في الأراضي الندية كالخراطين وأشباهها. وأخرى طبقة الحيوانات تتصل بأفق الانسان كالفيل والقردة، فإنهما تتعلمان بأدنى تعليم، وفي كثير من الصفات شبيهة بالإنسان، وهي قريبة من بعض أفراد الانسان كالسودان والأتراك الذين ليس فيهم من الانسانية إلا الأكل والشرب والنوم والسفاد.

ثم إنهم قالوا: إن الأبخرة والأدخنة المحتبسة في باطن الأرض إذا كثرت يتولد منها ما مر من الرجفة والزلزلة وانفجار العيون، وإذا لم تكن كثيرة اختلطت على ضروب من الاختلاطات المختلفة في الكم والكيف والمزج بحسب الأمكنة والأزمنة والاعدادات، فتكون منها الأجسام المعدنية بإذن الله تعالى، وهي أول ما يحدث من المركبات العنصرية التامة المزاجية. ثم إذا غلب البخار على الدخان

تتولد مثل اليشم والبلور والزيبق وغيرها من الجواهر المشفة وإن غلب الدخان يتولد الملح والزاج والكبريت والنوشادر. ثم من اختلاط بعض هذه مع بعض يتولد غيرها من المعادن، وأصنافها خمسة، لأنها إما ذائبة أو غير ذائبة، والذائبة إما منطرقة أو غير منطرقة، والغير المنطرقة إما مشتعلة أو غير مشتعلة ، وغير الذائبة إما عدم ذوبانه لفرط الرطوبة، أو لفرط اليبوسة، فأقسامها: ذائب منطرق، وذائب مشتعل، وذائب غير منطرق ولا مشتعل، وغير ذائب لفرط الرطوبة، وغير ذائب لفرط اليبوسة.

فالذائب المنطرق هو الجسم الذي انجمد فيه الرطب واليابس بحيث لا يقدر النار على تفريقهما مع بقاء دهنية قوية بسببها يقبل ذلك الجسم الانطراق وهو الاندفاع في السحق بانبساط يعرض للجسم في الطول والعرض قليلا دون انفصال شئ، والذوبان سيلان الجسم بسبب تلازم رطبه ويابسه. والمشهور من أنواع الذائب المنطرق سبعة:

الذهب، والفضة، والرصاص، والأسرب، والحديد، والنحاس، والخارصيني.

وقيل: الخارصيني هو جوهر شبيه بالنحاس يتخذ منها مرايا لها خواص وذكر بعضهم أنه لا يوجد في عهدنا والذي يتخذ منه المرايا ويسمى بالحديد الصيني والهفتجوش فجوهر مركب من بعض الفلزات، وليس بالخارصيني. والذوبان في غير الحديد ظاهر وأما في الحديد فيكون بالحيلة كما يعرفه أرباب الصنعة. وشهدت الامارات بأن مادة الأجساد السبعة الزيبق والكبريت، واختلاف الأنواع والأصناف عائد إلى اختلاف صفاتهما واختلاطهما وتأثر أحدهما عن الآخر. أما الامارات فهي أنها سيما الرصاص يذوب إلى مثل الزيبق، والزيبق ينعقد برائحة الكبريت إلى مثل الرصاص والزيبق يتعلق بهذه الأجساد. وأما كيفية تكون تلك الأجساد منهما فهي أنه إذا كان الزيبق والكبريت صافيين وكان انطباخ أحدهما بالآخر تاما فإن كان الكبريت مع بقائه أبيض غير محترق تكونت الفضة، وإن كان أحمر وفيه قوة صباغة لطيفة غير

محترقة تكون الذهب، وإن كانا نقيين وفي الكبريت قوة صباغة لكن وصل إليه قبل كمال النضج برد مجمد عاقد تكون الخارصيني، وإن كان الزيبق نقيا والكبريت رديا فإن كان مع الرداءة فيه قوة احراقية تكون النحاس، وإن كان غير شديد المخالطة بالزيبق بل متداخلا إياه سافا فسافا تولد الرصاص، وإن كان الزيبق والكبريت رديين فإن قوي التركيب وفي الزيبق تخلخل أرضي وفي الكبريت إحراق تكون الحديد، وإن ضعف التركيب تكون الا سرب ويسمى الرصاص الأسود.

قال صاحب المواقف بعد إيراد مثل هذا التقسيم: وأنت خبير بأن القسمة غير حاصرة وأن التكون على هذا الوجه لا سبيل فيه إلى اليقين ولا يرجى له إلا الحدس والتخمين وإن سلم فتكونها على غير هذا الوجه مما لم يقم على امتناعه دليل، كيف والمهوسون بالكيمياء لهم في الأجساد السبعة والأرواح التي تفيد الصورة الذهبية والفضية تفنن والكل عندنا للفاعل المختار من غير إحالة على شئ مما ذكروه - انتهى -.

والثاني أي الذائب المشتعل هو الجسم الذي فيه رطوبة دهنية مع يبوسة غير مستحكم المزاج، ولذلك يقوى النار على تفريق رطبه عن يابسه وهو الاشتعال، وذلك كالكبريت المتولد من مائية تخمرت بالأرضية والهوائية تخمرا شديدا بالحرارة حتى صارت تلك المائية دهنية وانعقدت بالبرد، وقيل دخانية تخمر بها بخارية تخمرا شديدا بالحر حتى حصل فيها دهنية ثم انعقدت بالبرد، وكالزرنيخ وهو كذلك إلا أن الدهنية فيه أقل.

والثالث أي الذائب الذي لا ينطرق ولا يشتعل ما ضعف امتزاج رطبه ويابسه وكثرت رطوبته المنعقدة بالحر واليبس كالزاجات وتولدها من ملحية وكبريتية وحجارة، وفيها قوة بعض الأجساد الذائبة، وكالأملاح وتولدها من ماء خالطه دخان حار لطيف كثير النارية وانعقد باليبس مع غلبة الأرضية الدخانية، ولهذا يتخذ الملح من الرماد المحترق بالطبخ والتصفية.

والرابع أي الذي لا يذوب ولا ينطرق لرطوبته ما استحكم الامتزاج بين أجزائه الرطبة الغالبة والاجزاء اليابسة بحيث لا يقوى النار على تفريقهما كالزيبق وهو مركب

من مائية صافية جدا خالطتها دخانية كبريتية لطيفة مخالطة شديدة بحيث لا ينفصل منه سطح إلا ويغشاه من تلك اليبوسة شئ، فلذلك لا يعلق باليد ولا ينحصر انحصارا شديدا بشكل ما يحويه، ومثاله قطرات الماء الواقعة على تراب في غاية اللطافة فإنه يحيط بالقطرة سطح ترابي حاصر للماء كالغلاف له بحيث تبقى القطرة على شكلها في وجه التراب، وإذا تلاقت قطرتان منهما فربما ينخرق الغلافان ويصير الماءان في غلاف واحد. وبياض الزيبق لصفاء المائية وبياض الأرضية وممازجة الهوائية.

والخامس أي الذي لا يذوب ولا ينطرق ليبوسة ما اشتد الامتزاج بين أجزائه الرطبة والاجزاء اليابسة المستولية بحيث لا يقدر النار على تفريقهما مع إحالة البرد للمائية إلى الأرضية بحيث لا تبقى رطوبة حسية دهنية، ولذا لا ينطرق. ولما كان تعقده باليبس لا يذوب إلا بالحيلة بحيث لا يبقى ذلك الجوهر بخلاف الحديد المذاب وذلك كالياقوت واللعل والزبرجد ونحو ذلك من الأحجار.

ثم إن من المعادن ما يتولد بالصنعة بتهيئة المواد وتكميل الاستعداد كالنوشادر والملح، وإن منها ما يعمل له شبيه يعسر التميز في بادئ النظر كالذهب والفضة واللعل وكثير من الأحجار المعدنية. وهل يمكن أن يعمل حقيقة هذه الجواهر بالصنعة من غير جهة الاعجاز؟ فذهب كثير من العقلاء إلى أن تكون الذهب والفضة بالصنعة واقع.

ذهب ابن سينا إلى أنه لم يظهر له إمكان فضلا عن الوقوع، لان الفصول الذاتية التي بها تصير هذه الأجساد أنواعا أمور مجهولة، والمجهول لا يمكن إيجاده. نعم يمكن أن يعمل النحاس بصبغ الفضة، والفضة بصبغ الذهب، وأن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص، لكن هذه الأمور المحسوسة يجوز أن لا تكون هي الفصول بل عوارض ولوازم. وأجيب بأنا لا نسلم اختلاف الأجسام بالفصول والصور النوعية بل هي متماثلة لا تختلف إلا بالعوارض التي يمكن زوالها بالتدبير. ولو سلم فإن أريد بمجهولية الصور النوعية والفصول الذاتية أنها مجهولة من كل وجه فممنوع، كيف وقد علم أنها مبادر لهذه الخواص والاعراض، وإن أريد أنها مجهولة بحقائقها وتفاصيلها فلا نسلم أن الايجاد موقوف على العلم بذلك وأنه لا يكفي العلم بجميع

المواد على وجه حصل الظن بفيضان الصور عنده لأسباب لا تعلم على التفصيل كالحية من الشعر والعقرب من البادروج ونحو ذلك، وكفى بصنعة الترياق وما فيه من الخواص والآثار شاهدا على إمكان ذلك. نعم، الكلام في الوقوع وفي العلم بجميع المواد وتحصيل الاستعداد، ولهذا جعل الكيمياء في اسم بلا مسمى.

أقول: ويظهر من بعض الأخبار تحققه، لكن علم غير المعصوم به غير معلوم ومن رأينا وسمعنا ممن يدعي علم ذلك منهم أصحاب خديعة وتدليس، ومكر وتلبيس ولا يتبعهم إلا مخدوع، وصرف العمر فيه لا يسمن ولا يغني من جوع.

13 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: لو فطنوا طالبوا الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالبوا بها.

14 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله ابن عبد الرحمن، عن يحيى الحلبي، عن الثمالي، قال: مررت مع أبي عبد الله عليه السلام في سوق النحاس، فقلت: جعلت فداك، هذا النحاس أيش أصله، فقال: فضة إلا أن الأرض أفسدتها، فمن قدر على أن يخرج الفساد منها انتفع بها.

15 - المجازات النبوية للرضي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الجبل: ظهورها حرز، وبطونها كنز.

قال السيد - ره -: هذا القول خارج عن طريق المجاز، لان بطون الجبل على الحقيقة كنز، وإنما أراد أن أصحابها يستخرجون منها من الأفلاذ ما تنمى به أموالهم وتحسن معه أحوالهم. وظهورها حرز: أراد أنها منجاة من المعاطب، وملجأة عند المهارب.

16 - الخرائج: روى أحمد بن عمر الحلال قال: قلت لأبي الحسن الثاني عليه السلام:

جعلت فداك، إني أخاف عليك من هذا صاحب الرقة، قال: ليس علي منه بأس، إن لله بلادا تنبت الذهب قد حماها بأضعف خلقه بالذر، فلو أرادتها الفيلة ما وصلت إليها.

قال الوشاء: إني سألت عن هذه البلاد وقد سمعت الحديث قبل مسألتي، فأخبرت أنه بين البلخ والنبت، وأنها تنبت الذهب، وفيها نمل كبار أشباه الكلاب على حلقها قلس لا يمر بها الطير فضلا عن غيره، تكمن بالليل في حجرها وتظهر بالنهار، فربما غزوا الموضع على الدواب التي تقطع ثلاثين فرسخا في ليلة لا يعرف شئ من الدواب يصبر صبرها، فيوقرون أحمالهم ويخرجون، فإذا النمل خرجت في الطلب، فلا تلحق شيئا إلا قطعته فتشبه بالريح من سرعتها، وربما شغلوهم باللحم يتخذ لها إذا لحقتهم يطرح لها في الطريق إن لحقتهم قطعتهم ودوابهم.

بيان: الرقة بلد على الفرات، والمراد بصاحبها هارون، لأنه كان في تلك الأيام فيها. والقلس حبل ضخم من ليف أو خوص أو غيرهما، وكأنه وصف المشبه به أي الكلاب المعلمة.

17 - الكافي : عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره قال: قيل للرضا عليه السلام: إنك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دما؟! فقال: إن لله واديا من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل فلو رامته البخاتي لم تصل إليه.

18 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص، والكلس، والجبسين، والزرانيخ والمرتك، والقوينا والزيبق، والنحاس، والرصاص، والفضة، والذهب، و الزبرجد، والياقوت، والزمرد، وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج منها من القار، والموميا، والكبريت، والنفط وغير ذلك مما يستعمله الناس في مأربهم. فهل يخفى على ذي عقل أن هذه كلها ذخائر ذخرت للانسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها؟ ثم قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك، فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر و يستفيض في العالم حتى تكثر الفضة والذهب، ويسقطا عند الناس، فلا يكون لهما

قيمة، ويبطل الانتفاع بهما في الشرى والبيع والمعاملات، ولا كان يجبي السلطان الأموال ولا يدخرهما أحد للأعقاب، وقد أعطي الناس مع هذا صنعة الشبه من النحاس والزجاج من الرمل، والفضة من الرصاص، والذهب من الفضة وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه. فانظر كيف أعطوا إرادتهم في مالا ضرر فيه، ومنعوا ذلك في ما كان ضارا لهم لو ناولوه. ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجرى منصلتا بماء غزير، لا يدرك غوره ولا حيلة في عبوره، ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة. تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم، فإنه أراد - جل ثناؤه - أن يرى العباد مقدرته وسعة خزائنه، ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل، لكن لاصلاح لهم في ذلك لأنه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلة انتفاعهم به. واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشئ الطريف مما يحدثه الناس من الأواني والأمتعة، فما دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن، فإذا فشى وكثر في أيدي الناس سقط عندهم وخست قيمته. ونفاسة الأشياء من عزتها.

بيان: الكلس - بالكسر -: الصاروج، والجبس - بالكسر -: الجص، و في أكثر النسح " الجبسين " ولم أجده في ما عندنا من كتب اللغة، لكن في لغة الطب كما في أكثر النسخ. والمرتك - كمقعد - المرداسنج، و " القوبنا " بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت، ولم أجدهما في كتب اللغة، لكن في القاموس: القونة القطعة من الحديد أو الصفر يرقع بها الاناء. وفي بعض النسخ " والتوتيا " وفي كتب اللغة أنه حجر يكتحل به. والقار: القير. وجبى الخراج جباية: جمعه. والايغال: المبالغة في الدخول والذهاب. وانصلت: مضى وسبق.

تتميم نفعه عميم اعلم أن الذي يستفاد من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة هو أن تأثيره سبحانه في الممكنات لا يتوقف على المواد والاستعدادات، وإنما أمره إذا أراد شيئا

أن يقول له كن فيكون. وهو سبحانه جعل للأشياء منافع وتأثيرات وخواص أودعها فيها، وتأثيراتها مشروطة بإذن الله تعالى وعدم تعلق إرادته القاهرة بخلافها، كما أنه أجرى عادته بخلق الانسان من اجتماع الذكر والأنثى وتولد النطفة منهما وقرارها في رحم الأنثى وتدرجها علقة ومضغة وهكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى، ومن غير أم أيضا كآدم وحواء، وكخفاش عيسى وطير إبراهيم وغير ذلك من المعجزات المتواترة عن الأنبياء في إحياء الموتى. وجعل الاحراق في النار، فلما أراد غير ذلك قال للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وجعل الثقيل يرسب في الماء وينحدر من الهواء، فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء ورفعهم إلى السماء وجعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتى تعبر بنو إسرائيل من البحر. ومع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شئ من

المعجزات اليقينية المتواترة عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. وكذا جرى عادته على انعقاد الجواهر في المعادن بأسباب من المؤثرات الأرضية والسماوية لبعض المصالح، فإذا أراد إظهار كمال قدرته ورفع شأن وليه يجعل الحصا في كفه دفعة جوهرا ثمينا، و الحديد في يد نبيه عجينا، ويخرج الأجساد البالية دفعة من التراب في يوم الحساب.

فهذه كلها وأمثالها لا تستقيم مع الاذعان بقواعدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة.

وقال بعضهم حذرا من التشهير والتفكير: إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة كما نطقت

به الشريعة ممكن غير مستحيل ولا استبعاد أيضا فيها ولا يلزم أن يكون حدوث لياقته واستعداده لتعلقها مما يحصل له شيئا فشيئا ككونه أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم طفلا إلى تمام الخلقة حسب ما يقتضيه التوالد والتناسل، فإن ذلك نحو خاص من الحدوث، والحدوث لا ينحصر للانسان في هذا النحو، لجواز أن يتكون دفعة تاما كاملا لأجل خصوصية بعض الأزمنة والأوقات، والأوضاع الفلكية ترجح إرادة الله

تعالى في إيجاد الناس وتكوين أجسادهم دفعة واحدة، ونفخ أرواحهم في أجسادهم المتكونة نفخة واحدة، بتوسط بعض ملائكته. فرد الله تعالى بواسطة واهب الصور تلك الصور إلى موادها لحصول المزاج الخاص مرة أخرى كما تتكون ألوف كثيرة من أصناف الحيوانات كالذباب وغيرها في الصيف من العفونات تكونا دفعيا، ولا يلزم أن يكون نحو التعلق واحدا في المبدء والإعادة، بل يجوز أن يكون التعلق الآخري إلى البدن على وجه لا يكون مانعا من حصول الأفعال الغريبة والآثار العجيبة، ومشاهدة أمور غيبية لم يكن من شأن النفس مشاهدتها إياها في النشأة الدنيوية، وكذا اقتدارها على إيجاد صور عجيبة غريبة حسنة أو قبيحة مناسبة لأوصافها وأخلاقها - انتهى - وأنت تعلم إذا تأملت في مجاري كلامه أنه مع إعمال التقية فيه لوح إلى مرامه.

ونقل بعض قدماء الأطباء عن جالينوس في بيان تشريح الأعضاء وفوائدها أنه قال: وشعر الحاجبين أيضا مما لم يقصر فيه ولم يتوان عنه، وهو والأشفار دون سائر الشعر جعل له مقدار يقف عنده فلا يطول أكثر منه، وأما شعر الرأس واللحية فإنه يطول كثيرا، والسبب في ذلك أن شعر الرأس واللحية له منفعتان: إحديهما تغطية ما تحته من الأعضاء وسترها، والأخرى إفناء الفضول الغليظة. ومنفعته من جهة التغطية والستر تختلف على وجوه شتى، وذلك لان حاجتنا إلى التغطية والستر تختلف بقدر اختلاف

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.