بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
31 باب الأرض وكيفيتها وما أعد الله للناس فيها وجوامع أحوال
ج ۵۷، ص ۷۷–۹۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
1 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق في ما سأل أبا عبد الله عليه السلام: فقال النهار قبل الليل؟ فقال: نعم، خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر، والأرض قبل السماء، ووضع الأرض على الحوت، والحوت في الماء والماء في صخرة مجوفة. والصخرة على عاتق ملك، والملك على الثرى، والثرى على الريح والريح على الهواء، والهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلا الهواء والظلمات، ولا وراء ذلك سعة ولا ضيق ولا شئ يتوهم، ثم خلق الكرسي فحشاه السماوات والأرض، والكرسي أكبر من كل شئ خلق، ثم خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي.
2 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن علي بن مهزيار، عن علا المكفوف عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الأرض على أي شئ هي؟
قال الحوت، فقيل له: فالحوت على أي شئ هو؟ قال: على الماء، فقيل له: فالماء على أي شئ هو؟ قال: على الثرى، قيل له: فالثرى على أي شئ هو؟ قال: عند ذلك انقضى علم العلماء.
3 - ومنه: عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبان بن تغلب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأرض على أي شئ هي؟ قال: على الحوت، قلت: فالحوت على أي شئ هو؟ قال: على الماء قلت:
فالماء على أي شئ هو؟ قال: على الصخرة، قلت: فالصخرة على أي شئ هي؟ قال:
على قرن ثور أملس، قلت: فعلى أي شئ الثور؟ قال: على الثرى، قلت: فعلى أي شئ الثرى؟ فقال: هيهات! عند ذلك ضل علم العلماء.
الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب مثله.
بيان: الأملس: الصحيح الظهر، ولعل المراد هنا أنه لم يلحقه من هذا الحمل دبر وجراحة في ظهره. وفي القاموس: الثرى: الندى، والتراب الندي أو الذي إذا بل لم يصر طينا، والخير (انتهى). " ضل علم العلماء " أي غير المعصومين أو المراد بالعلماء هم، والمعنى أنهم أمروا بكتمانه عن سائر الخلق فكأنه ضل علمهم عن الخلق وقد يقال: المراد بالثرى هنا الخير الكامل يعني القدرة، فإن استقرار جميع الأشياء على قدرة الله تعالى، وقيل: المراد بالثرى هنا ما هو منتهى الموجودات، ولما كان تعقل النفي الصرف صعبا على الافهام قال: عند ذلك ضل علم العلماء، لألف الناس بالابعاد القارة وجسم خلف جسم، ولذا ذهب بعض المتكلمين إلى أبعاد موهومة غير متناهية وقالوا بالخلا.
4 - التفسير: عن أبيه، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: أخبرني عن قول الله " والسماء ذات الجبك " فقال: هي محبوكة إلى الأرض - وشبك بين أصابعه - فقلت : كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول " رفع السماوات بغير عمد ترونها "؟ فقال: سبحان الله! أليس يقول " بغير عمد ترونها "؟ قلت: بلى فقال: فثم عمد ولكن لا ترونها. قلت: كيف ذلك جعلني الله فداك؟ قال: فبسط
كفه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها، فقال: هذه أرض الدنيا، والسماء الدنيا عليها فوقها قبة; والأرض الثانية فوق السماء الدنيا، والسماء الثانية فوقها قبة; والأرض الثالثة فوق السماء الثانية، والسماء الثالثة فوقها قبة، والأرض الرابعة فوق السماء الثالثة، والسماء الرابعة فوقها قبة; والأرض الخامسة فوق السماء الرابعة، والسماء الخامسة فوقها قبة; والأرض السادسة فوق السماء الخامسة، والسماء السادسة فوقها قبة; والأرض السابعة فوق السماء السادسة، والسماء السابعة فوقها قبة; وعرش الرحمان تبارك وتعالى فوق السماء السابعة وهو قول الله " الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن " فأما صاحب الامر فهو رسول الله صلى الله عليه وآله والوصي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قائم هو على وجه الأرض، فإنما ينزل الامر إليه من فوق السماء من بين السماوات والأرضين، قلت: فما تحتنا إلا أرض واحدة؟ فقال:
ما تحتنا إلا أرض واحدة، وإن الست لهن فوقنا.
العياشي: عن الحسين بن خالد مثله.
بيان: قال الفيروزآبادي: " الحبك " الشد والاحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب، يحبكه ويحبكه فهو حبيك ومحبوك، والحبك من السماء طرائق النجوم والتحبيك التوثيق والتخطيط (انتهى). فالمراد بكونها محبوكة: أنها متصلة بالأرض معتمدة عليها، وأن كل سماء على كل أرض كالقبة الموضوعة عليها، ولما كان هذا ظاهرا مخالفا للحس والعيان، فيمكن تأويله بوجهين: أولهما - وهو أقربهما وأوفقهما للشواهد العقلية - أن يكون المراد بالأرض ما سوى السماء من العناصر، ويكون المراد نفي توهم أن بين السماء والأرض خلا، بل هو مملو من سائر العناصر، والمراد بالأرضين السبع هذه الأرض وستة من السماوات التي فوقنا، فإن الأرض ما يستقر عليه
الحيوانات وسائر الأشياء، والسماء ما يظلهم ويكون فوقهم، فسطح هذه الأرض أرض لنا والسماء الأولى سماء لنا تظلنا، والسطح المحدب للسماء الأولى أرض للملائكة المستقرين عليها، والسماء الثانية سماء لهم، وهكذا محدب كل سماء أرض لما فوقها ومقعر السماء الذي فوقها سماء بالنسبة إليها إلى السماء السابعة، فإنها سماء وليست بأرض، والأرض التي نحن عليها أرض وليست بسماء، والسماوات الستة الباقية كل منها سماء من جهة وأرض من جهة. وثانيهما: أن يكون المعنى أن السماوات سبع كرات في جوف كل سماء أرض وليست السماوات بعضها في جوف بعض كما هو المشهور بل بعضها فوق بعض معتمدا بعضها على بعض، فالمراد بقوله " إلى الأرض " أي مع الأرض، أو إلى أن ينتهي إلى هذه الأرض التي نحن عليها. قوله عليه السلام " فأما صاحب الامر " أي الذي ينزل هذا الامر إليه.
5 - العيون والعلل: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن الأرض مم خلق؟ قال: من زبد الماء.
6 - العياشي: عن الخطاب الأعور، رفعه إلى أهل العلم والفقه من آل محمد عليهم السلام قال: " وفي الأرض قطع متجاورات " يعني هذه الأرض الطيبة يجاورها هذه المالحة وليست منها كما يجاور القوم القوم وليسوا منهم.
7 - الاختصاص: عن ابن عباس. سأل ابن سلام النبي صلى الله عليه وآله ما الستون؟
قال: الأرض لها ستون عرقا والناس خلقوا على ستين لونا.
8 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الأصبهاني عن سليمان بن داوود المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه نظر إلى المقابر فقال: يا حماد هذه كفات الأموات، ونظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء ثم تلا " ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ". وروي أنه دفن الشعر والظفر.
بيان: لعل المعنى أن دفن الشعر والظفر في الأرض لما كان مستحبا فهذا أيضا داخل في كفات الاحياء، أو في كفات الأموات لعدم حلول الحياة فيهما، و الأول أظهر.
9 - العيون: عن المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري عن آبائه عن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله عز وجل: " الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء " قال:
جعلها ملائمة لطبائعكم موافقة لأجسادكم، ولم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم و أبنيتكم وقبور موتاكم ولكنه عز وجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به [وتتماسكون] وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم فذلك " جعل الأرض فراشا " ثم قال: " والسماء بناء " سقفا محفوظا من فوقكم يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم. ثم قال عز وجل: " وأنزل من السماء ماء " يعني المطر ينزله من علي ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا لتنشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم، ثم قال عز وجل " فأخرج به من الثمرات رزقا لكم " يعني مما يخرجه من الأرض رزقا لكم " فلا تجعلوا لله أندادا " أي أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شئ " وأنتم تعلمون " أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم تبارك وتعالى.
الاحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد عليه السلام مثله.
تفسير الامام: عليه السلام مثله.
بيان: " فتصدع " على بناء التفعيل من الصداع. وأعطبه: أهلكه، والرذاذ - كسحاب -: المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار، والوابل: المطر الشديد الضخم، والهطل، المطر الضعيف الدائم، والطل: المطر الضعيف أو أخف المطر وأضعفه والندى أو فوقه ودون المطر، كل ذلك ذكره الفيروزآبادي.
10 - التوحيد: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم وغيره عن خلف بن حماد، عن الحسن بن زيد الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وبناته وكانت تبيع منهن العطر فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وهي عندهن فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله ، فقال: إذا بعت فاحشي ولا تغشي، فإنه أتقى وأبقى للمال، فقالت: ما جئت لشئ من بيعي وإنما جئتك أسألك عن عظمة الله، قال:
جل جلاله، سأحدثك عن بعض ذلك، ثم قال: إن هذه الأرض بمن فيها ومن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي، وهاتان ومن فيهما ومن عليهما عند التي تحتهما كحلقة في فلاة قي، والثالثة حتى انتهى إلى السابعة ثم تلا هذه الآية: " خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " والسبع ومن فيهن ومن عليهن على ظهر الديك كحلقة في فلاة قي، والديك له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ورجلاه في التخوم، والسبع والديك بمن فيه ومن عليه على الصخرة كحلقة في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة بمن فيها ومن عليها على ظهر الحوت كحلقة في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة والحوت عند البحر المظلم كحلقة في فلاة
قي، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم عند الهواء كحلقة في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء عند الثرى كحلقة في فلاة قي ثم تلا هذه الآية: " له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى " ثم انقطع الخبر والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الأولى كحلقة في فلاة قي، وهذا و السماء الدنيا ومن فيها ومن عليها عند التي فوقها كحلقة في فلاة قي، وهذا و هاتان السماوان عند الثالثة كحلقة في فلاة قي، وهذا وهذه الثلاث عند الرابعة بمن فيهن ومن عليهن كحلقة في فلاة قي حتى انتهى إلى السابعة، وهذه السبع و من فيهن ومن عليهن عند البحر المكفوف عن أهل الأرض كحلقة في فلاة قي، و السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية: " و ينزل من السماء من جبال فيها من برد " وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهو سبعون ألف حجاب يذهب نورها بالابصار، وهذا والسبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء والحجب عند الهواء الذي تحار قيه القلوب كحلقة في فلاة قي، والسبع والبحر المكفوف وجبال البرد و الهواء والحجب في الكرسي كحلقة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية: " وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم " وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء والحجب والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة قي
ثم تلا هذه الآية: " الرحمان على العرش استوى " ما تحمله الاملاك إلا بقول لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم (2)].
الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمان بن أبي نجران عن صفوان، عن خلف بن حماد مثله.
بيان: " فإنه أتقى " أي أقرب إلى التقوى وأنسب بها، أو أحفظ لصاحبه عن مفاسد الدنيا والآخرة. وقال الجوهري: الفلاة المفازة. وقال: القي بالكسر والتشديد " فعل " من القواء وهي الأرض القفر الخالية. وقال: التخم منتهى كل قرية أو أرض يقال: فلان على تخم من الأرض، والجمع تخوم. قوله عليه السلام " ثم انقطع الخبر " وفي الكافي " عند الثرى " والمعنى أنا لم نخبر به أو لم نؤمر بالاخبار به. قوله " المكفوف عن أهل الأرض " أي ممنوع عنهم لا ينزل منه ماء إليهم، وفي الكافي بعد قوله: " من جبال فيها من برد " هكذا: وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي - إلى قوله -: وتلا هذه الآية:
" الرحمان على العرش استوى " ثم قال: وفي رواية الحسن: الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب، أي كانت الرواية في كتاب الحسن بن محبوب هكذا موافقا لما نقله الصدوق.
ثم اعلم أن الخبر يدل على أن الأرضين طبقات بعضها فوق بعض، وقد يستشكل فيما اشتمل عليه هذا الخبر من أن الأرضين السبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى عند السماء الأولى كحلقة في فلاة قي، فيدل على أن جميع ذلك ليس لها قدر محسوس عند فلك القمر، مع أن الأرض وحدها لها قدر محسوس
عنده بدلالة الخسوف واختلاف المنظر وغير ذلك مما علم في الابعاد والاجرام. وقد يجاب عن ذلك بأنه لما لم يمكن أن تحمل النسب التي ذكرت بين هذه الموجودات في هذا الحديث على النسب المقدارية التي اعتبر مثلها بين الحلقة والفلاة اللتين هما المشبه بهما في جميع المراتب فإنه خلاف ما دل عليه العقول الصحيحة السليمة بعد التأمل في البراهين الهندسية والحسابية التي لا يحوم حولها الشك أصلا ولا تعتريها الشبهة قطعا، فيمكن أن يأول ويحمل على أن المعنى أن نسبة الحكم والمصالح المرعية في خلق كل من تلك المراتب إلى ما روعي فيما ذكر بعده كنسبة مقدار الحلقة إلى الفلاة ليدل على أن ما يمكننا أن نشاهد أو ندرك من آثار صنعه وعجائب حكمته في الشواهد ليس له نسبة محسوسة إلى أدنى ما هو محجوب عنا فكيف إلى ما فوقه. وأجاب آخرون:
بأن المعنى ارتفاع ثقل كل من تلك الموجودات عما اتصل به، فالطبقة الأولى من الأرض رفع الله ثقلها عن الطبقة الثانية فليس ثقلها عليها إلا كثقل حلقة على فلاة سواء كانت أكبر منها حجما أو أصغر. وأقول: على ما احتملنا سابقا من كون جميع الأفلاك أجزاء من السماء الدنيا داخلة فيها كما هو ظاهر الآية الكريمة يمكن حمل هذا التشبيه على ظاهره من غير تأويل، والله يعلم حقائق الموجودات.
11 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل فيما خلق الله عز وجل عليه هذه الجواهر الأربعة ليتسع ما يحتاج إليه منها فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها، فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيمة غناؤها، ولعل من ينكر هذه الفلوات الخالية والقفار الموحشة يقول: ما المنفعة فيها؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومرعاها، ثم فيها بعد متنفس ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم، وكم بيداؤكم فدفد حالت قصورا وجنانا بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد
مندوحة عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطره إلى الانتقال عنه. ثم فكر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة، فيكون موطنا مستقرا للأشياء فيتمكن الناس من السعي عليها في مأربهم، والجلوس عليها لراحتهم، والنوم لهدوئهم، والاتقان لأعمالهم، فإنها لو كانت رجراجة متكفئة لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك، بل كانوا لا يتهنؤون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلة مكثها حتى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها. فإن قال قائل: فلم صارت هذه الأرض تزلزل؟ قيل له: إن الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب بها الناس ليرعوا عن المعاصي، وكذلك ما ينزل بهم من البلاء في أبدانهم وأموالهم يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم ويدخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله شئ من أمور الدنيا، وربما عجل ذلك في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحا للعامة والخاصة.
ثم إن الأرض في طباعها الذي طبعها الله عليه باردة يابسة وكذلك الحجارة، و إنما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة، أفرأيت لو أن اليبس أفرط على الأرض قليلا حتى تكون حجرا صلدا أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان وكان يمكن بها حرث أو بناء؟ أفلا ترى كيف نقصت عن يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من اللين والرخاوة وليتهيأ للاعتماد، ومن تدبير الحكيم - جل وعلا - في خلقة الأرض أن مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب، فلم يجعل الله عز وجل كذلك إلا لتنحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها وترويها ثم يفيض آخر ذلك إلى البحر، فكما يرفع أحد جانبي السطح ويخفض الآخر لينحدر الماء عنه ولا تقوم عليه كذلك جعل مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها، ولولا ذلك لبقي الماء متحيرا على وجه الأرض فكان يمنع الناس من أعمالها ويقطع الطرق والمسالك.
ثم الماء لولا كثرته وتدفقه في العيون والأودية والأنهار لضاق عما يحتاج الناس
إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم، و شرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء، وفيه منافع اخر أنت بها عارف، وعن عظم موقعها غافل، فإنه سوى الامر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج بالأشربة فتلين وتطيب لشاربها، وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الذي يغشاها، وبه يبل التراب فيصلح للاعتمال، وبه نكف عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه وبه يستحم المتعب الكال فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها. فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت: ما الإرب فيه؟ فاعلم أنه مكتنف ومضطرب مالا يحصى من أصناف السمك ودواب البحر ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر وأصناف شتى تستخرج من البحر وفي سواحله منابت العود اليلنجوج وضروب من الطيب والعقاقير، ثم هو بعد مركب الناس ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق، ومن العراق إلى العراق، فإن هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها، لان أجر حملها كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها، وكان يجتمع في ذلك أمران: أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها، والآخر: انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها. و هكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار التي يتحير فيه ويعجز عما يخول إلى السحاب والضباب أولا أولا، وقد تقدم من صفته ما فيه كفاية.
والنار أيضا كذلك، فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين لغنائها في كثير من المصالح، فجعلت كالمخزونة في الأخشاب تلتمس عند الحاجة إليها وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبوا، فلا هي تمسك بالمادة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كلما هي فيه، بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها
والسلامة من ضررها. ثم فيها خلة أخرى وهي أنها مما خص به الانسان دون جميع الحيوان لماله فيها من المصلحة، فإنه لو فقد النار لعظم يدخل عليه من الضرر في معاشه، فأما البهائم فلا تستعمل النار ولا تستمتع بها، ولما قدر الله عز وجل أن يكون هذا هكذا خلق للانسان كفا وأصابع مهيأة لقدح النار واستعمالها، ولم يعط البهائم مثل ذلك، لكنها أغنيت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش لكيلا ينالها في فقد النار ما ينال الانسان. وأنبئك من منافع النار على خلة صغيرة عظيم موقعها، وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخلة لكان الناس تصرف أعمارهم بمنزلة من في القبور، فمن كان يستطيع أن يكتب أو يحفظ أو ينسج في ظلمة الليل؟ وكيف كانت حال من عرض له وجع في وقت من أوقات الليل فاحتاج إلى أن يعالج ضمادا أو سفوفا أو شيئا يستشفى به؟ فأما منافعها في نضج الأطعمة ودفأ الأبدان وتجفيف أشياء وتحليل أشياء وأشباه ذلك فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
تبيان: العقاقير أصول الأدوية، والغناء - بالفتح -: المنفعة، والخاوية:
الخالية، والفدفد: الفلاة والمكان الصلب الغليظ والمرتفع والأرض المستوية، والفسحة - بالضم -: السعة، ويقال: لي عن هذا الامر مندوحة ومنتدح أي سعة، وحزبه أمر أي أصابه، والراتبة: الثابتة، والراكنة: الساكنة، وهدأ هدء وهدوء: سكن، و قوله عليه السلام: رجراجة: أي متزلزلة متحركة، والتكفي: الانقلاب والتمايل والتحريك والارتجاج: الاضطراب، والارعواء: الرجوع عن الجهل والكف عن القبيح، و الصلد - ويكسر -: الصلب الأملس. قوله عليه السلام " إن مهب الشمال أرفع " أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب، ولذا ترى أكثر الأنهار - كدجلة والفرات وغيرهما - تجري من الشمال إلى الجنوب، ولما كان الماء الساكن في جوف الأرض تابعا للأرض في ارتفاعه وانخفاضه فلذا صارت العيون المنفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب حتى
تجري على وجه الأرض، ولذا حكموا بفوقية الشمال على الجنوب في حكم اجتماع البئر والبالوعة وإذا تأملت فيما ذكرنا يظهر لك ما بينه عليه السلام من الحكم في ذلك وأنه لا ينافي كروية الأرض. والتدفق: التصبب. قوله عليه السلام " فإنه سوى الامر الجليل " الضمير راجع إلى الماء وهو اسم " إن " و " يمزج " خبره، أي للماء سوى النفع الجليل المعروف - وهو كونه سببا لحياة كل شئ - منافع أخرى: منها أنه يمزج مع الأشربة. وقال الجوهري: الحميم: الماء الحلو، وقد استحممت: إذا اغتسلت به ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان (انتهى). والوصب - محركة -: المرض والمكتنف - بفتح النون من الكنف بمعنى الحفظ والإحاطة، واكتنفه أي أحاط به ويظهر منه أن نوعا من الياقوت يتكون في البحر، وقيل: أطلق على المرجان مجازا ويحتمل أن يكون المراد ما يستخرج منه بالغوص وإن لم يتكون فيه. واليلنجوج:
عود البخور، و " من العراق " أي البصرة " إلى العراق " أي الكوفة، أو بالعكس.
قوله عليه السلام " ويعجز " أي لولا كثرة الهواء لعجز الهواء عما يستحيل الهواء إليه من السحاب والضباب التي تتكون من الهواء " أولا أولا " أي تدريجا، أي كان الهواء لا يفي بذلك أو لا يتسع لذلك، والضباب - بالفتح - ندى كالغيم، أو سحاب رقيق كالدخان. والأحايين جمع أحيان وهو جمع حين بمعنى الدهر والزمان. قوله عليه السلام " فلا هي تمسك بالمادة والحطب " أي دائما بحيث إذا انطفت لم يمكن إعادتها، و المادة: الزيادة المتصلة والمراد هنا الدهر ومثله. ودفاء الأبدان - بالكسر - دفع البرد عنها.
12 - الدر المنثور: سئل عن ابن عباس: هل تحت الأرض خلق؟ قال:
نعم ألا ترى إلى قوله تعالى " خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن ".
13 - وعن قتادة في قوله " سبع سماوات ومن الأرض مثلهن قال: في كل سماء وكل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه.
14 - وعن مجاهد في قوله: " يتنزل الامر بينهن " قال: من السماء السابعة إلى الأرض السابعة ملفوفة.
15 - وعن الحسن في الآية قال: بين كل سماء وأرض خلق وأمر.
16 - وعن ابن جريح قال: بلغني أن عرض كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وأن بين كل أرضين مسيرة خمسمأة سنة؟ وأخبرت أن الريح بين الأرض الثانية والثالثة; والأرض السابعة فوق الثرى واسمها تخوم; وأن أرواح الكفار فيها، فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى برهوت، والثرى فوق الصخرة التي قال الله: " في صخرة " والصخرة على الثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الأرض كلها يوم القيامة، و الثور على الحوت وذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الأرض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش، ويقال، الأرض السفلى عمد بين قرني الثور، ويقال: بل على ظهره واسمها يهموت، وأخبرت أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وآله: على ما الحوت؟ قال: على ماء أسود، وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار، وحدثت أن إبليس يغلغل إلى الحوت فيعظم له نفسه وقال: ليس خلق بأعظم منك عزا ولا أقوى منك، فوجد الحوت في نفسه فتحرك
فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك، فبعث الله حوتا صغيرا فأسكنه في اذنه فإذا ذهب يتحرك تحرك الذي في اذنه فيسكن.
17 - وعن ابن عباس في قوله " ومن الأرض مثلهن " قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى.
18 - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد ملك، والثانية مسجن الريح فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا يهلك عادا، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور؟ فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم " والثالثة فيها حجارة جهنم. والرابعة فيها كبريت جهنم، فقالوا: يا رسول الله أللنار كبريت؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت. والخامسة فيها حياة جهنم، إن أفواهها كالأودية تلسع الكافر اللسعة فلا يبقى منه لحم على وضم. والسادسة فيها عقارب جهنم، إن أدنى عقربة منها كالبغال المؤكفة تضرب الكافر ضربة ينسيه ضربها حر جهنم. والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه.
19 - وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كنف الأرض مسيرة خمسمائة عام، والثانية مثل ذلك، وما بين كل أرض أرضين مثل ذلك.
20 - وعن ابن عباس قال: سيد السماوات السماء التي فيها العرش، وسيد
الأرضين الأرض التي نحن فيها 21 - وعن كعب قال: الأرضون السبع على صخرة، والصخرة في كف ملك والملك على جناح الحوت، والحوت في الماء على الريح، والريح على الهواء ريح عقيم لا تلقح، وإن قرونها معلقة بالعرش.
22 - وعن أبي مالك قال: الصخرة التي تحت الأرض منتهى الخلق، على أرجائها أربعة أملاك رؤوسهم تحت العرش.
23 - وعنه قال: الصخرة تحت الأرضين على حوت، والسلسلة في اذن الحوت.
24 - وعن ابن عباس قال: إن أول شئ خلقه الله القلم فقال له: اكتب، قال:
يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر يجري من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السماوات، ثم خلق النون فبسطت عليه الأرض، والأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس " ن والقلم وما يسطرون ".
25 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما خلق الله القلم والحوت، وقال ما أكتب؟ قال: كل شئ كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ " ن والقلم " فالنون الحوت.
26 - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النون السمكة التي عليها قرار الأرضين والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضرره " وما يسطرون " قال: الكرام الكاتبون.
بيان: في القاموس: ماع الشئ يميع: جرى على وجه الأرض منبسطا في هينة
والسمن: ذاب. وقال: الوضم - محركة -: ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير. وقال: إكاف الحمار ككتاب وغراب ووكافه: برذعته، وآكف الحمار إيكافا وأكفه تأكيفا: شده عليه.
27 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: أقبل رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أحدهما لصاحبه: اجلس على اسم الله تعالى والبركة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس على استك فأقبل يضرب الأرض بعصا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تضربها فإنها أمكم وهي بكم برة.
28 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تمسحوا بالأرض فإنها أمكم وهي بكم برة.
بيان: قال في النهاية: في الحديث " تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة " أي مشفقة عليكم كالوالدة البرة بأولادها، يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم وإليها بعد الموت معادكم، والتمسح أراد به التيمم، وقيل: أراد مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير حائل (انتهى).
وأقول: يحتمل أن يراد به ما يشمل الجلوس على الأرض بغير حائل، والأكل على الأرض من غير مائدة بقرينة الخبر الأول.
29 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: العلة في أن الأرض لا تقبل الدم أنه لما قتل قابيل أخاه هابيل غضب آدم على الأرض فلا تقبل الدم لهذه العلة.
30 - العلل: عن علي بن أحمد الدقاق، عن الكليني، عن علان بإسناده رفعه قال: أتى علي بن أبي طالب يهودي فسأله عن مسائل فكان فيما سأله: أخبرني عن قرار هذه الأرض على ما هو؟ فقال عليه السلام: قرار هذه الأرض لا يكون إلا على عاتق ملك وقدما ذلك الملك على صخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور قوائمه علي ظهر الحوت في اليم الأسفل، واليم على الظلمة، والظلمة على العقيم، والعقيم على الثرى وما يعلم تحت الثرى إلا الله عز وجل (الخبر).
31 - النهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة التوحيد: لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان.
بيان: قال بعض شراح النهج في قوله عليه السلام " ولتجزأ كنهه " إشارة إلى نفي الجوهر الفرد; وقال: قوله عليه السلام " ولكان له وراء إذ كان له أمام " يؤكد ذلك لان من أثبته يقول يصح أن تحله الحركة ولا يكون أحد وجهيه غير الآخر.
فائدة اعلم أن الطبيعيين والرياضيين اتفقوا على أن الأرض كروية بحسب الحس وكذا الماء المحيط بها، وصارا بمنزلة كرة واحدة، فالماء ليس بتام الاستدارة بل هو على هيئة كرة مجوفة قطع بعض منها وملئت الأرض على وجه صارت الأرض مع الماء بمنزلة كرة واحدة، ومع ذلك ليس شئ من سطحيه صحيح الاستدارة، أما المحدب فلما فيه من الأمواج، وأما المقعر فللتضاريس فيه من الأرض. وقد أخرج الله تعالى قريبا من الربع من الأرض من الماء بمحض عنايته الكاملة، أو لبعض الأسباب المتقدمة لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة وغيرها من المركبات المحوجة إلى غلبة العنصر اليابس الصلب لحفظ الصور والاشكال وربط الأعضاء والأوصال. ومما يدل على كروية الأرض ما أومأنا إليه سابقا من طلوع الكواكب وغروبها في البقاع الشرقية قبل طلوعها وغروبها في الغربية بقدر ما تقتضيه أبعاد تلك البقاع في الجهتين على ما علم من ارصاد كسوفات بعينها لا سيما القمرية في بقاع مختلفة، فإن ذلك ليس في ساعات متساوية البعد من نصف النهار على الوجه المذكور، وكون الاختلاف متقدرا بقدر الابعاد دليل على الاستدارة المتشابهة السائرة بحدبتها المواضع التي يتلو بعضها بعضا على قياس واحد بين الخافقين، وازدياد ارتفاع القطب والكواكب الشمالية وانحطاط الجنوبية للسائرين
إلى الشمال وبالعكس للسائرين إلى الجنوب بحسب سيرهما دليل على استدارتها بين الجنوب والشمال، وتركب الاختلافين يعطي الاستدارة في جميع الامتدادات. ويؤيده مشاهدة استدارة أطراف المنكسف من القمر الدالة على أن الفصل المشترك بين المستضئ من الأرض وما ينبعث منه الظل دائرة، وكذلك اختلاف ساعات النهر الطوال والقصار في مساكن متفقة الطول إلى غير ذلك. ولو كانت أسطوانية قاعدتاها نحو القطبين لم يكن لساكني الاستدارة كوكب أبدي الظهور، بل إما الجميع طالعة غاربة أو كانت كواكب يكون من كل واحد من القطبين على بعد تستره القاعدتان أبدية الخفاء والباقية طالعة غاربة وليس كذلك، وأيضا فالسائر إلى الشمال قد يغيب عنه دائما كواكب كانت تظهر له، وتظهر له كواكب كانت تغيب عنه بقدر إمعانه في السير، وذلك يدل على استدارتها في هاتين الجهتين أيضا. ومما يدل على استدارة سطح الماء الواقف طلوع رؤوس الجبال الشامخة على السائرين في البحر أولا ثم ما يلي رؤوسها شيئا بعد شئ في جميع الجهات. وقالوا: التضاريس التي على وجه الأرض من جهة الجبال و الأغوار لا تقدح في كرويتها الحسية، إذ ارتفاع أعظم الجبال وأرفعها على ما وجدوه فرسخان وثلث فرسخ، ونسبتها إلى جرم الأرض كنسبة جرم سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بل أقل من ذلك. ويظهر من كلام أكثر المتأخرين: أن عدم قدح تلك الأمور في كرويتها الحسية معناه أنها لا تخل بشكل جملتها كالبيضة ألزقت بها حبات شعير لم يقدح ذلك في شكل جملتها، واعترض عليه: بأن كون الأرض أو البيضة حينئذ على الشكل الكروي أو البيضي عند الحس ممنوع، وكيف يمكن دعوى ذلك مع ما يرى على كل منهما ما يخرج به الشكل مما اعتبروا فيه وعرفوه به؟ و ربما يوجه بوجه آخر وهو أن الجبال والوهاد الواقعة على سطح الأرض غير محسوسة عادة عند الإحساس بجملة كرة الأرض على ما هي عليه في الواقع. بيانه: أن رؤية الأشياء تختلف بالقرب والبعد، فيرى القريب أعظم مما هو الواقع والبعيد أصغر منه وهو ظاهر، وقد أطبق القائلون بالانطباع وبخروج الشعاع كلهم على أن هذا الاختلاف
في رؤية المرئي بسبب القرب والبعد إنما هو تابع لاختلاف الزاوية الحاصلة عند مركز الجليدية في رأس المخروط الشعاعي بحسب التوهم أو بحسب الواقع عند انطباق قاعدته على سطح المرئي، فكلما قرب المرئي عظمت تلك الزاوية، وكلما بعد صغرت. وقد تقرر أيضا بين محققيهم أن رؤية الشئ على ما هو عليه إنما هو في حالة يكون البعد بين الرائي والمرئي على قدر يقتضي أن تكون الزاوية المذكورة قائمة. فبناء على ذلك إذا فرضت الزاوية المذكورة بالنسبة إلى مرئي قائمة يجب أن يكون البعد بين رأس المخروط وقاعدته المحيطة بالمرئي بقدر نصف قطر قاعدته على ما تقرر في الأصول. فلما كان قطر الأرض أزيد من ألفي فرسخ بلا شبهة لا تكون مرئية على ما هي عليه من دون ألف فرسخ، ومعلوم أن الجبال والوهاد المذكورة غير محسوسة عادة عند هذا البعد من المسافة فلا يكون لها قدر محسوس عند الأرض بالمعنى الذي مهدنا.
ثم إنهم استعلموا بزعمهم مساحة الأرض وأجزاءها ودوائرها في زمان المأمون وقبله فوجدوا مقدار محيط الدائرة العظمى من الأرض ثمانية آلاف فرسخ، وقصرها ألفين وخمسمائة وخمسة وأربعين فرسخا ونصف فرسخ تقريبا، ومضروب القطر في المحيط مساحة سطح الأرض وهي عشرون ألف ألف وثلاثمائة وستون ألف فرسخ وربع ذلك مساحة الربع المسكون من الأرض. وأما القدر المعمور من الربع المسكون وهو ما بين خط الاستواء والموضع الذي عرضه بقدر تمام الميل الكلي فمساحته ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة وخمسة وستين ألفا وأربعمائة وعشرين فرسخا وهو قريب من سدس سطح جميع الأرض وسدس عشره. والفرسخ ثلاثة أميال بالاتفاق، وكل ميل أربعة آلاف ذراع عند المحدثين، وثلاثة آلاف عند القدماء ، وكل ذراع أربع و عشرون إصبعا عند المحدثين، واثنان وثلاثون عند القدماء، وكل إصبع بالاتفاق مقدار ست شعيرات مضمومة بطون بعضها إلى ظهور بعض من الشعيرات المعتدلة.
وذكروا أن للأرض ثلاث طبقات: الأولى: الأرض الصرفة المحيطة بالمركز
الثانية: الطبقة الطينية وهي المجاورة للماء; الثالثة. الطبقة المنكشفة من الماء وهي التي تحتبس فيها الأبخرة والأدخنة وتتولد منها المعادن والنباتات والحيوانات.
وزعموا أن البسائط كلها شفافة لا تحجب عن إبصار ما ورائها ما عدا الكواكب، وأن الأرض الصرفة المتجاورة للمركز أيضا شفافة، والطبقتان الأخريان ليستا بسيطتين فهما كثيفتان. فالأرض جعل الله الطبقة الظاهرة منها ملونة كثيفة غبراء لتقبل الضياء وخلق ما فوقها من العناصر مشفة لطيفة بالطباع لينفذ فيها ويصل إلى غيرها ساطع الشعاع، فإن الكواكب وسيما الشمس والقمر أكثر تأثيراتها في العوالم السفلى بوسيلة أشعتها المستقيمة والمنعطفة والمنعكسة بإذن الله تعالى. وقالوا: الأرض في وسط السماء كالمركز في الكرة فينطبق مركز حجمها على مركز العالم، وذلك لتساوي ارتفاع الكواكب وانحطاطها مدة ظهورها وظهور النصف من الفلك دائما وتطابق أظلال الشمس في وقتي طلوعها وغروبها عند كونها على المدار الذي يتساوى فيه زمان ظهورها وخفائها على خط مستقيم، أو عند كونها في جزئين متقابلين من الدائرة التي يقطعها بسيرها الخاص بها، وانخساف القمر في مقاطراته الحقيقية للشمس، فإن الأول يمنع ميلها إلى أحد الخافقين، والثاني إلى أحد السمتين: الرأس والقدم، و الثالث إلى أحد القطبين، والرابع إلى شئ منها أو من غيرها من الجهات كما لا يخفى.
وكما أن مركز حجمها منطبق على مركز العالم فكذا مركز ثقلها، وذلك لان الثقال تميل بطبعها إلى الوسط كما دلت عليه التجربة، فهي إذن لا تتحرك عن الوسط، بل هي ساكنة فيه متدافعة بأجزائها من جميع الجوانب إلى المركز تدافعا متساويا، فلا محالة ينطبق مركز ثقلها الحقيقي المتحد بمركز حجمها التقريبي على مركز العالم ومستقرها عند وسط العالم لتكافؤ القوى بلا تزلزل واضطراب يحدث فيها لثباتها بالسبب المذكور، ولكون الأثقال المنتقلة من جانب منها إلى الآخر في غاية الصغر بالقياس إليها لا يوجب انتقال مركز ثقلها من نقطة إلى أخرى بحركة شئ منها، وكذا الاجزاء
المبائنة لها تهوي إليها وهي تقبلها من جميع نواحيها من دون اضطراب. هذا ما ذكروه في هذا المقام، ولا نعرف من ذلك إلا كون الجميع بقدرة القادر العليم وإرادة المدبر الحكيم كما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال الشيخ المفيد - قدس سره - في كتاب المقالات: أقول: إن العالم هو السماء والأرض وما بينهما وفيهما من الجواهر والاعراض، ولست أعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك. أقول: لعل مراده - قدس سره - بالسماوات ما يشمل العرش والكرسي والحجب، وغرضه نفي الجواهر المجردة التي تقول بها الحكماء. ثم قال - رحمه الله - وأقول: إن الفلك هو المحيط بالأرض الدائر عليها وفيه الشمس والقمر وسائر النجوم، والأرض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط الدائرة، وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وجماعة كثيرة من أهل التوحيد، ومذهب أكثر القدماء والمنجمين وقد خالف فيه جماعة من بصرية المعتزلة وغيرهم من أهل النحل. وأقول: إن المتحرك من الفلك إنما يتحرك حركة دورية كما يتحرك الدائر على الكرة، وإلى هذا ذهب البلخي وجماعة من أهل التوحيد، والأرض على هيئة الكرة في وسط الفلك وهي ساكنة لا تتحرك، وعلة سكونها أنها في المركز، وهو مذهب أبي القاسم وأكثر القدماء والمنجمين، وقد خالف فيه الجبائي وابنه وجماعة غيرهما من أهل الآراء والمذاهب من المقلدة والمتكلمين. - ثم قال -: وأقول: إن العالم مملوءة من الجواهر وإنه لا خلأ فيه، ولو كان فيه خلا لما صح فرق بين المجتمع والمتفرق من الجواهر والأجسام وهو مذهب أبي القاسم خاصة من البغداديين، ومذهب أكثر القدماء من المتكلمين وخالف فيه الجبائي وابنه وجماعة متكلمي أهل الحشو والجبر والتشبيه. - ثم قال -: وأقول: إن المكان هو ما أحاط بالشئ من جميع جهاته، ولا يصح تحرك الجواهر إلا في الأماكن; والوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشئ وليس بحادث مخصوص والزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت ولا زمان، وعلى هذا القول سائر الموحدين.
وسئل السيد المرتضى - رحمه الله -: الفراغ له نهاية؟ والقديم تعالى يعلم
منتهى نهايته؟ وهذا الفراغ أي شئ هو؟ وكذلك الطبقة الثامنة من الأرض والثامنة من السماء نقطع أن هناك فراغا أم لا؟ فإن قلت: لا، طالبتك بما وراء الملا، القديم تعالى يعلم أن هناك نهاية، فإن قلت: نعم، طالبتك أي شئ وراء النهاية؟
فأجاب - رحمه الله -: إن الفراغ لا يوصف بأنه منته، ولا أنه غير منته على وجه الحقيقة، وإنما يوصف بذلك مجازا واتساعا، وأما قوله: وهذا الفراغ أي شئ هو؟ فقد علمنا أنه لا جوهر ولا عرض ولا قديم ولا محدث ولا هو ذات ولا هو معلوم كالمعلومات. وأما الطبقة الثامنة من الأرض فما نعرفها، والذي نطق به القرآن: " سبع سماوات طباقا ومن الأرض مثلهن " فأما غير ذلك فلا سبيل للقطع به من عقل ولا شرع (انتهى).
وأقول: بسط الكلام في هذه الأمور خروج عن مقصود الكتاب، ومحله علم الكلام.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.