پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

31 باب الأرض وكيفيتها وما أعد الله للناس فيها وجوامع أحوال

ج ۵۷، ص ۵۰–۷۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

البقرة: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون.

الرعد: وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.

إبراهيم: الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتيكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار.

الحجر: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين.

النحل: هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون

ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون - إلى قوله تعالى - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم.

الكهف: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا.

طه: له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وقال تعالى: الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.

الأنبياء: وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون.

الشعراء: أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.

وقال تعالى. أتتركون فيما ههنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين.

النمل: أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون.

لقمان: خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين.

فاطر: ألم تر أن الله أنزل من السما ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور.

يس: وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون.

المؤمن: الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء.

السجدة: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير.

حمعسق: ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على

جمعهم إذا يشاء قدير.

الزخرف: الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون.

الجاثية: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

ق: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.

الذاريات: والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون.

الرحمن: والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان.

الحديد: اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون.

الطلاق: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما.

الملك: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور.

نوح: والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا.

المرسلات: ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين.

النبأ: ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا.

الطارق: والأرض ذات الصدع .

الغاشية: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت.

الشمس: والأرض وما طحيها.

تفسير: " الذي خلقكم " قيل: إنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل اثنين من الأنفس، وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق: بجعل الأرض فراشا، والسماء بناء، والأمور الحاصلة من مجموعهما، وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر، لان أقرب الأشياء إلى الانسان نفسه، ثم مأمنه ومنشأه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي كالقبة المضروبة والخيمة المبنية على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والاخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان ألوان الغذاء

وأنواع الثمار رزقا لبني آدم. وأيضا خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع. وأيضا كل ما كان في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الانسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.

والفراش: اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحا مستويا كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك وعلى شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها، ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لان الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الأرض في ما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لان ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها، وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ".

ومما من الله على عباده في خلق الأرض أن لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها، ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار. ومنها أن لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتتسخن منها فيمكن جوازها.

ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها - وهو قريب من ربعها - أن لم تخلق صحيحة الاستدارة، بل خلقت هي والماء بمنزلة كرة واحدة، يدل على ذلك في ما بين الخافقين

تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على طلوعها وغروبها للمغربيين، وفي ما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين، إلى غير ذلك من الاعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر و راكب البحر، وهذه الجبال وإن شمخت لا تخرجها عن أصل الاستدارة، لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.

ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها، ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الحاجات والأغراض " وفي الأرض قطع متجاورات " ومنها اختلاف ألوانها " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ".

ومنها انصداعها بالنبات " والأرض ذات الصدع ". ومنها جذبها للماء المنزل من السماء " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ". ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها " والأرض مددناها " ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة، تأخذ واحدة وترد سبعمائة " كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة " ومنها حياتها وموتها " وآية لهم الأرض الميتة أحييناها " ومنها الدواب المختلفة " وبث فيها من كل دابة " ومنها النباتات المتنوعة " وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر ومنها قوت البهائم " كلوا وارعوا أنعامكم " ومنها الطعام، ومنها الادام، ومنها الدواء ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود، ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير، وقلة النفع بهذا الخطير، ومنها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة.

ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة، والصنائع الجليلة، واستخرجوا

السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، وعجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة، والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة، والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة، فلذلك ضرب الله دونهما بابا مسدودا، ومن ههنا اشتهر في الألسنة: من طلب المال بالكيمياء أفلس.

ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف والحطب، وما اشتد إليه الحاجة في الخبز والطبخ، ولعل ما تركناه من الفوائد أكثر مما عددناه، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويبصر ويعتبر.

واما منافع السماء: فان الله تعالى زينها بمصابيح " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " وبالقمر " وجعل القمر فيهن نورا " وبالشمس " وجعل الشمس سراجا " وبالعرش " رب العرش العظيم " وبالكرسي " وسع كرسيه السماوات والأرض " وباللوح " في لوح محفوظ " وبالقلم " ن والقلم وما يسطرون ". وسماها سقفا محفوظا وسبعا طباقا، وسبعا شدادا، وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة، وغايات صحيحة " ربنا ما خلقت هذا باطلا " " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا " وجعلها مصعد الاعمال ومهبط الأنوار، وقبلة الدعاء، ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الاشكال وهو المستدير ونجومها رجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعا وسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروبا يصلح معه الهدء والقرار في الأكناف، لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء. و أيضا لولا الطلوع لانجمدت المياه، وغلبت البرودة والكثافة، وأفضت إلى جمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة السراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا، فصار النور والظلمة مع تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض.

وأما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويستكثف الهواء فيكثر السحاب والمطر. وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن، وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء وينور الشجر، ويهيج الحيوان للسفاد. وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، و تتحلل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة. وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار، وتستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء.

وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها، وبه يعلم عدد السنين والحساب، وتضبط المواقيت الشرعية، ومنه يحصل النماء والرواء، وقد جعل الله في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة. يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر وقال: إن الله صورك ونورك، وعلى البروج دورك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كورك، فلا أعلم مزيدا أسأله لك، فإن أهديت إلي سرورا فقد أهدى الله إليك نورا. ثم أنشأ في ذلك أبياتا.

وقال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح والانسان كما لك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية.

ثم إنهم اختلفوا في أن السماء أفضل أم الأرض، قال بعضهم: السماء أفضل لأنها معبد الملائكة، وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم بالمعصية اهبط من الجنة وقال الله: لا يسكن في جواري من عصاني! وقال تعالى " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " وقال " تبارك الذي جعل في السماء بروجا " وورد في الأكثر ذكر السماء مقدما على ذكر الأرض. والسماوات مؤثرة والأرضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر.

وقال آخرون: بل الأرض أفضل، لأنه تعالى وصف بقاعا من الأرض بالبركة " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا " " في البقعة المباركة " " إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا حولها " يعنى أرض الشام، ووصف جملة الأرض بالبركة " وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ".

فإن قيل: أي بركه في المفاوز المهلكة؟ قلت: إنها مساكن الوحوش ومراعيها ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى. فلهذه البركات قال " وفي الأرض آيات للموقنين " تشريفا لهم، لأنهم هم المنتفعون بها كما قال " هدى للمتقين " وخلق الأنبياء منها " منها خلقناكم " وأودعهم فيها " وفيها نعيدكم " وأكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجدا وطهورا.

ومعنى اخراج الثمرات بالماء - وإنما خرجت بقدرته ومشيته - أنه جعل الماء سببا في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد، وهو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب ومواد، كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في هذا التدريج والتسبيب حكما يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن لها من يعتبر.

" ومن " في " من الثمرات " للتبعيض، كما أنه قصد بتنكير " ماء " و " رزقا " معنى البعضية، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم. ويجوز أن يكون للبيان، كقولك: أنفقت من الدراهم ألفا والند: المثل المناوي. " وأنتم تعلمون " حال من ضمير " فلا تجعلوا " ومفعول " تعلمون " مطروح، أي حالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي، فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات، منفرد بوجود الذات، متعال عن مشابهة المخلوقات. أو منوي، وهو: أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله.

" وهو الذي مد الأرض " قال الرازي: أي جعل الأرض بذلك المقدار المعين الحاصل لا أزيد ولا أنقص، والدليل عليه هو أن كون الأرض أزيد مقدارا مما هو الآن أو أنقص منه أمر جائز، فاختصاصه بذلك المقدار المعين لابد وأن يكون

بتخصيص مخصص، وبتقدير مقدر. وقال أبو بكر الأصم: المد البسط إلى ما يدرك منتهاه، أي جعل حجمها عظيما وإلا لما كمل الانتفاع بها. وقال قوم: كانت الأرض مدورة فمدها ودحاها من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا. وهذا إنما يتم إذا كانت الأرض مسطحة لا كرة، وهو خلاف ما ثبت بالدليل. ومد الأرض لا ينافي كونها كرة، ولان الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح.

" وجعل فيها رواسي " أي جبالا ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أمكنتها.

والاستدلال بها على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه: الأول أن طبيعة الأرض طبيعة واحدة، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لابد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم. قال الفلاسفة: هذه الجبال إنما تولدت لان البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكان يتولد من البحر طين لزج. ثم يقوى تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما نشاهد في كوز الفقاع. ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال. قالوا: وإنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لان أوج الشمس وحضيضها متحركان، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال، والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى، وشدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال، والآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب، فبقيت هذه الجبال في الشمال هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه:

الأول: أن حصول الطين في البحر أمر عام، فلم حصل الجبل في بعض الجوانب دون بعض (3)؟.

الثاني: هو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا

فسافا، كأن البناء بناه من لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض، ويبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه.

الثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان، فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريبا من تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير إن الجبال كانت في هذه المدة الطويلة في التفتت، فوجب أن لا يبقى من الأحجار شئ، لكن ليس الامر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف.

والوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة، ومواضع الجواهر النفيسة، وقد يحصل منها معادن الزاجات والأملاح، وقد تحصل معادن النفط والقير والكبريت، فكون الأرض واحدة في الطبيعة وكون الجبل واحدا في الطبيعة وكون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل دلالة ظاهرة على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة الممكنات والمحدثات.

والوجه الثالث أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض، وذلك لان الحجر جسم صلب، فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك ولا يزال يتكامل الامر فيحصل تحت الجبال مياه كثيرة، ثم إنها لكثرتها وقوتها تنقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، ولهذا السبب في أكثر الامر أينما ذكر الله تعالى الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل هذه الآية ومثل قوله " وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ".

ثم استدل سبحانه بعجائب خلقة النبات بقوله " ومن كل الثمرات - الخ - فإن الحبة إذا وقعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت وكبرت، وبسبب

ذلك ينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة، ومن الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض. وهذا من العجائب ان طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد، ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء، ومن الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك كان بسبب تدبير المدبر الحكيم والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية.

ثم إن الشجرة النابتة في تلك الحبة بعضها يكون خشبة، وبعضها نورا، وبعضها ثمرة. ثم إن تلك الثمرة أيضا تحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور: القشر الأعلى، وتحته القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة باللب، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز واللوز رطبا. وأيضا فقد تحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة ، فالأترج قشره حار يابس، ولحمه حار رطب، وحماضه بارد يابس، وبذره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان، ولحمه وماؤه حار رطب، فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لابد وأن يكون لأجل الحكيم القديم.

والمراد بزوجين اثنين صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو و الحامض، أو الطبيعة كالحار والبارد، أو اللون كالأبيض والأسود. وفائدة قوله " اثنين " بيان أن كل نوع حصل من فردين كالانسان من آدم وحواء، وهكذا.

إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " إنما قال ذلك لان الفلاسفة يسندون الحوادث إلى اختلافات الاشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود، ودفعه بوجهين: الأول أنه إن سلمنا جوار ذلك فلا بد من استناد

الأفلاك وأوضاعها إلى واجب الوجود بالذات القادر الحكيم، والثاني ما يذكر في الآيات الآتية حيث قال " وفي الأرض قطع متجاورات - الآية - " وتقريره من وجهين: الأول أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة وهي مع ذلك متجاورة، فبعضها تكون سبخة وبعضها حرة، وبعضها صلبة وبعضها حجرية أو رملية وبعضها طينا لزجا ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع على السوية، ودل هذا على اختلافها في صفاتها بتقدير المقدر العليم.

والثاني أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد يكون تأثير الشمس فيها متشابها ، ثم إن تلك الثمار تجيئ مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقودا من العنب وتكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا الحبة الواحدة فإنها بقيت حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والأفلاك إلى الكل على السوية بل نقول ههنا ما يعد أعجب منه، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة والوجه الثاني في غاية السواد، مع أن ذلك الورد في غاية الرقة والنعومة، فيستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتقدير الفاعل المختار ، لا بسبب الاتصالات الفلكية، وهو المراد من قوله تعالى " يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل " فبهذا تمت الحجة، فإن هذه الحوادث السفلية لابد لها من مؤثر وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع، فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل مختار آخر سوى هذه الأشياء، فعند هذا يتم الدليل ولا يبقى بعده للتفكر مقام، فلهذا قال ههنا " إن في ذلك لقوم يعقلون " لان لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال إنها حدثت لا لمؤثر ولا يقوله عاقل. والجنة: البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع، والصنوان: جمع صنو، مثل قنوان وقنو، والصنو أن يكون الأصل واحدا وتنبت منه النخلتان والثلاثة وأكثر، فكل واحد صنو، وعن ابن الأعرابي: الصنو: المثل، أي متشابهة وغير متشابهة وعن الزجاج: الأكل: الثمر الذي

يؤكل، وعن غيره: الأكل: المهيأ للأكل.

و " الله الذي خلق السماوات والأرض " مبتدأ وخبر. " وسخر لكم الفلك " امتن على عباده بتسخير الفلك، لان انتفاع العباد يتوقف عليها، لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعمة، حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض أو بالعكس كثر الربح في التجارات، ولا يمكن هذا إلا بسفن البر وهي الجمال، أو بسفن البحر وهي الفلك. ونسبة التسخير إلى نفسه لأنه سبحانه خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن، ولولا خلقه الحديد وسائر الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتخذونه، ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها، ولولا أنه وسع الأنهار وجعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن، فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافته إليه. وأضاف التسخير إلى أمره لان الملك العظيم قل ما يوصف أنه فعل، وإنما يقال فيه: إنه أمر بكذا، تعظيما لشأنه.

" وسخر لكم الأنهار " لما كان ماء البحر قل ما ينتفع في الزراعات لعمقه و ملوحته ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون، حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع والنباتات، وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب. " وآتيكم من كل ما سألتموه " قيل: أي بلسان حالكم بحسب استعداداتكم وقابلياتكم " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " قال الرازي: اعلم أن الانسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع فعليه أن يتأمل في شئ واحد ليعرف عجز نفسه. ونحن نذكر منه مثالين:

المثال الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان: منها دماغية، ومنها

نخاعية، أما الدماغية فإنها سبعة، ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من تلك الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة، وكل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب دقيقة أدق من الشعر، ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء، ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية والكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية. ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جدا، ولكل واحد منها حكمة مخصوصة، فإذا نظر الانسان في هذا المعنى عرف أن لله بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه، وعرف قطعا أنه لا سبيل له إلى الوقوف عليها و الاطلاع على أحوالها، وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة في كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والانفعال، وأقسام هذا الباب بحر لا يساحل. وإذا اعتبرت هذا في بدن الانسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وفي روحه، فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد. ثم لما اعتبرت حال الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلا واحدا، ثم بذلك العقل يتأمل الانسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل!

فسبحانه وتقدس عن أوهام المتوهمين.

المثال الثاني: أنه إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وما بعدها، أما الأمور التي قبلها أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الأصوب، لان الحنطة لا بد منها، وإنها لا تنبت إلا بمعونة الفصول الأربعة وتركيب الطبائع وظهور الأرياح والأمطار، ولا يحصل شئ منها إلا بعد دوران الأفلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة

في الحركات، وفي كيفيتها في الجهة، وفي السرعة والبطء، ثم بعد تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال.

ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات، فتأمل أنها كيف تكونت على الاشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة - وهي الأرض والماء والهواء والنار - حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق.

فهذا هو النظر في ما تقدم على هذه اللقمة!

أما النظر في ما بعد حدوثها فتأمل في تركيب بدن الحيوان، وهو أنه تعالى كيف خلق هذه الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان في الأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية. فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة هذه الأمور، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث، فظهر بالبراهين الباهرة صحة قوله تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (انتهى كلامه).

وأقول: يمكن سلوك طريق آخر في ذلك أدق وأوسع مما ذكره، بأن يقال: بعد أن عرفت النعم التي على انسان واحد كزيد مثلا من السماوات والكواكب والعرش والكرسي وجميع الأرضيات فإن لها جميعا مدخلا في وجوده وبقائه و نموه فنقول: جميع هذه النعم متعلقة بعمرو أيضا لمدخليتها في وجوده وبقائه أيضا، وكل هذه أيضا نعمة لزيد لتوقف وجود زيد وبقائه على وجود عمرو لكون الانسان مدنيا بالنوع، وكذا بالنسبة إلى بكر وخالد، وكذا كل نعمة لله على كل حيوان من الحيوانات التي لها مدخل في نظام أحوال الانسان فهي نعمة على زيد مرة

بذاته، ومرة باعتبار كونها نعمة على كل واحد واحد من أفراد البشر، لمدخلية وجودهم في وجوده ونظام أحواله، فيضرب عدد تلك النعم في عدد الاشخاص والحيوانات مرات لا تتناهى.

ثم لما كان وجود زيد موقوفا على وجود أبويه فكل نعمة على كل من أبويه وعلى كل من كان في عصر أبويه نعمة عليه، وكذا كل نعمة على والدي بكر وخالد نعمة عليه لتوقف وجوده وبقائه ونظام أحواله على وجود بكر، ووجوده متوقف على وجود والديه ووجودهما وبقاؤهما وسائر أمورهما متوقفة على جميع النعم على أهل عصرهما، فمن هذه الجهة أيضا جميعها نعمة عليه، فيضرب جميع هذه الاعداد الغير المتناهية في جميع تلك الاعداد الغير المتناهية مرات غير متناهية! ثم ننقل الكلام في كل عصر من الاعصار وآباء كل منهم إلى أن ينتهي إلى آدم وحواء عليهما السلام ويضرب كل من تلك المراتب في ما حصل من المراتب السابقة، وهذا حساب لا يحيط به علم البشر، ولو اجتمع جميع المحاسبين من الثقلين وأرادوا استيفاء حساب مرتبة من هذا المراتب لا يقدرون عليه، مع أن كل قطرة من قطرات البحار وكل ذرة من ذرات الجو والأرض نعمة على كل شخص من الاشخاص. فسبحان من لا يقدر على إحصاء شعبة واحدة من شعب نعمه الغير المتناهية إلا هو! وله الحمد بعدد كل نعمة له علينا وعلى كل خلق من مخلوقاته.

" إن الانسان لظلوم " يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان " كفار " شديد الكفران، وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.

" من كل شئ موزون " قيل: أي بميزان الحكمة، ومقدر بقدر الحاجة وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب. وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة، وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها. وقيل: أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة، يقال كلام موزون أي متناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

" وجعلنا لكم فيها " أي في الأرض، أو في الجبال، أو في تلك الموزونات " معايش " ما يتوصل به إلى المعيشة " ومن لستم له برازقين " عطف على محل " لكم " أو على " معايش " أي وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء والسادات والمخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول من الانعام والدواب والوحوش والطير، كقوله " و ما من دابة إلا على الله رزقها ".

" ينبت لكم به الزرع " الذي هو الغذاء الأصلي " والزيتون " الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن " والنخيل والأعناب " اللتين هما أشرف الفواكه، ثم أشار إلى سائر الثمرات بقوله " ومن كل الثمرات " قال الزمخشري:

إنما لم يقل: وكل الثمرات، لان كلها لا تكون إلا في الجنة. وقيل: قدم الغذاء الحيواني في قوله سبحانه " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون " على الغذاء النباتي لان النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبها ببدن الانسان، وفي ذكر الغذاء النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الانسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق، وهو أن يكون اهتمام الانسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه.

" وما ذرأ لكم في الأرض " أي خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك " مختلفا ألوانه " فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والاشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها آية على وجود الصانع تعالى شأنه.

" رواسي " أي جبالا ثوابت " أن تميد بكم " أي كراهة أن تميد بكم وتضطرب " وأنهارا " أي وجعل فيها أنهارا، لان " ألقى " فيه معناه " وسبلا لعلكم تهتدون " لمقاصدكم أو إلى معرفة الله " وعلامات " أي معالم تستدل بها السابلة من جبل ومنهل وريح ونحو ذلك " وبالنجم هم يهتدون " بالليل في البراري والبحار " إن الله لغفور " حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها " رحيم " لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم

بالعقوبة على كفرانها.

" إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها " قيل: ما على الأرض، المواليد الثلاثة:

المعادن والنباتات والحيوانات، وأشرفها الانسان، وقيل: لا يدخل المكلف فيه، لان ما على الأرض ليس زينة لها على الحقيقة، وإنما هو لأهلها لغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجا عن الزينة " لنبلوهم أيهم أحسن عملا " في تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بالكفاف.

" له ما في السماوات " قال الرازي: مالك لما في السماوات من ملك ونجم وغيرهما ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات، ومالك لما بينهما من الهواء، ومالك لما تحت الثرى. فإن قيل: الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شئ فكيف يكون الله تعالى مالكا له؟ قلنا: الثرى في اللغة هو التراب الندي، فيحتمل أن تكون تحته شئ، فهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات (انتهى).

وقال الطبرسي - ره -: الثرى التراب الندي، يعني: وما وارى الثرى من كل شئ، وقيل: يعنى ما في ضمن الأرض من الكنوز والأموات.

" الذي جعل لكم الأرض مهدا " أي كالمهد تتمهدونها " وسلك لكم فيها سبلا " أي وحصل لكم فيها سبلا بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. " وأنزل من السماء ماء " أي مطرا " فأخرجنا به " قيل: عدل من لفظ الغيبة إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة بمشيته.

" أزواجا " أي أصنافا " من نبات " بيان وصفة ل‍ " أزواجا " وكذلك " شتى " ويحتمل أن يكون صفة للنبات، فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع وهو جمع " شتيت " كمريض ومرضى، أي متفرقات في الصور والاعراض والمنافع

يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم، فلذلك قال " كلوا وارعوا أنعامكم " وهو حال من ضمير " فأخرجنا " على إرادة القول، أي أخرجنا أصناف النبات قائلين: كلوا وارعوا [أنعامكم] والمعنى: معديها لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه " لأولي النهى " أي لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح، جمع نهية، وعن الصادق عليه السلام: نحن أولوا النهى. وعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خياركم أولوا النهى، قيل: يا رسول الله! ومن أولوا النهى؟ قال: هم أولوا الأخلاق الحسنة والأحلام الرزينة، وصلة الأرحام، والبررة بالأمهات والآباء والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون.

" منها خلقناكم " فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم، وأول مواد أبدانكم وسيأتي وجه آخر في الخبر إن شاء الله. " وفيها نعيدكم " بالموت وتفكيك الاجزاء " ومنها نخرجكم تارة أخرى " بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح فيها.

" وجعلنا فيها " أي في الأرض، أو في الرواسي " فجاجا سبلا " مسالك واسعة، و إنما قدم " فجاجا " وهو وصف له ليصير حالا يدل على أنه حين خلقها كذلك، أو ليبدل منها " سبلا " فيدل ضمنا على أنه خلقها ووسعها للسابلة، مع ما يكون فيه من التأكيد " لعلهم يهتدون " إلى مصالحهم.

" أولم يروا إلى الأرض " أي أولم ينظروا في عجائبها؟ " من كل زوج كريم " أي محمود كثير المنفعة، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى. قيل: وههنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة، وأن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا وله فائدة إما وحده أو مع غيره. و " كل " لإحاطة الأزواج، و " كم " لكثرتها.

" إن في ذلك " أي في إثبات تلك الأصناف، أو في كل واحد " لآية " على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة.

" أتتركون " إنكار لان يتركوا كذلك، أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم و أسباب تنعمهم آمنين، ثم فسر بقوله " في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم " أي لطيف لين، للطف التمر، أو لان النخل أنثى وطلع إناث النخل ألطف وهو يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، أو متدل منكسر من كثرة الحمل " فارهين " أي حاذقين، أو بطرين. " حدائق ذات بهجة " أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه ولم يقل: ذوات بهجة، لأنه أراد تأنيث الجماعة، ولو أراد تأنيث الأعيان لقال:

ذوات... " قوم يعدلون " أي يشركون بالله غيره " قرارا " أي مستقرا لا تميل ولا تميد بأهلها " وجعل خلالها " أي في وسط الأرض وفي مسالكها ونواحيها " أنهارا " جارية ينبت بها الزرع ويحيى به الخلق " وجعل لها رواسي " أي ثوابت أثبتت بها الأرض " وجعل بين البحرين حاجزا " أي مانعا من قدرته بين العذب والمالح، فلا يختلط أحدهما بالآخر " مختلفة ألوانها " قيل: أي أجناسها، أو أوصافها على أن كلا منها لها أصناف مختلفة أو هيآتها من الصفرة والخضرة ونحوهما. " من الجبال جدد " أي ذو جدد وخطوط وطرائق، يقال: جدة الحمار، للخطة السوداء على ظهره " مختلف ألوانها " بالشدة والضعف " وغرابيب سود " عطف على " بيض " أو على " جدد " كأنه قيل: ومن الجبال ذو جدد مختلف اللون، ومنها غرابيب متحدة اللون، وهو تأكيد مضمر يفسره، فإن الغربيب تأكيد للأسود وحق التأكيد أن يتبع المؤكد. " مختلف ألوانه كذلك " أي كاختلاف الثمار والجبال. " إنما يخشى الله من عباده العلماء " إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه " إن الله عزيز غفور " تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه.

" وأخرجنا منها حبا " المراد جنس الحب " فمنه يأكلون " قيل: قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به " من نخيل وأعناب " أي من أنواع النخل والعنب " من العيون " أي شيئا من العيون، و " من " مزيدة عند الأخفش " من ثمره " أي من ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل: الضمير لله عليه طريقة الالتفات، و

الإضافة إليه لان الثمر مخلوقه " وما عملته أيديهم " عطف على الثمر، والمراد ما يتخذ منه العصير والدبس ونحوهما، وقيل: " ما " نافية، والمراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم " أفلا يشكرون " أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه. " خلق الأزواج كلها " أي الأنواع والأصناف " مما تنبت الأرض " من النبات والشجر " ومن أنفسهم " الذكر والأنثى " ومما لا يعلمون " أي وأزواجا مما لم يطلعهم الله عليه ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته.

" ترى الأرض خاشعة " أي يابسة متطأمنة، مستعار من الخشوع بمعنى التذلل " اهتزت " أي تحركت بالنبات " وربت " أي انتفخت وارتفعت قبل أن تنبت، وقيل اهتزت بالنبات وربت بكثرة ريعها. " وما بث " عطف على السماوات أو الخلق " من دابة " قيل: أي من حي على إطلاق اسم السبب على المسبب، أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة " إذا يشاء " أي في أي وقت يشاء " قدير " متمكن منه.

" وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا " بأن خلقها نافعة لكم " منه " حال من " ما " أي سخر هذه الأشياء كائنة منه، أو خبر لمحذوف أي هي جميعا منه، أو لما في السماوات و " سخر لكم " تكرير للتأكيد، أو لما في الأرض. " من كل زوج بهيج " أي من كل صنف حسن " لكل عبد منيب " أي راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه.

" والأرض فرشناها " أي مهدناها ليستقروا عليها " فنعم الماهدون " أي نحن " ومن كل خلقنا زوجين " أي نوعين " لعلكم تذكرون " فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل الانقسام والتعدد. وروي عن الرضا عليه السلام في خطبة طويلة قد تقدم في كتاب التوحيد مشروحا: وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة واليبس بالبلل، والخشن باللين، والصرد بالحرور، مؤلفا بين متعادياتها، مفرقا بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله " ومن كل

شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ".

" والأرض وضعها " أي حفظها مدحوة " للأنام " للخلق، وقيل: الأنام كل ذي روح " فيها فاكهة " أي ضروب مما يتفكه به " والنخل ذات الأكمام " هي أوعية التمر جمع " كم " أو كل ما يكم أي يغطى من ليف وسعف وكفري فإنه ينتفع به كالمكموم وكالجذع. " والحب " كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به " ذو العصف " هو ورق النبات اليابس كالتين " والريحان " يعني المشموم، أو الرزق من قولهم: خرجت أطلب ريحان الله وعن الرضا عليه السلام " والأرض وضعها للأنام " قال: للناس " فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام " قال: يكبر ثمر النخل في القمع ثم يطلع منه. قوله " والحب ذو العصف والريحان " قال: الحب الحنطة والشعير والحبوب، والعصف التين، و الريحان ما يؤكل منه. " فبأي آلاء ربكما تكذبان " المخاطبة للثقلين، وفي الحديث أنه في الباطن مخاطبة للأولين، والمعنى: فبأي النعمتين تكفران بمحمد أم بعلي؟

وفي خبر آخر: بالنبي أم بالوصي؟.

" ومن الأرض مثلهن " قال الطبرسي - ره -: وفي الأرض خلق مثلهن في العدد لا في الكيفية، لان كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض، وليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية، ولا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء، وأما الأرضون فقال قوم: إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات، لأنها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة، وفي كل أرض خلق خلقهم الله تعالى كيف شاء، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينهن البحار، وتظل جميعهن السماء والله سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه واشتبه على خلقه. وقد روى العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: بسط كفيه ثم وضع اليمنى عليها فقال: هذه الأرض الدنيا والسماء

الدنيا عليها قبة، والأرض الثانية فوق سماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة، و الأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبة، حتى ذكر الرابعة و الخامسة والسادسة فقال: والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبة، وعرش الرحمن فوق السماء السابعة، وهو قوله " سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن " وإنما صاحب الامر النبي صلى الله عليه وآله وهو على وجه الأرض وإنما ينزل الامر من فوق من بين السماوات والأرضين، فعلى هذا يكون المعنى:

تتنزل الملائكة بأوامره إلى الأنبياء، وقيل: معناه ينزل الامر بين السماوات و الأرضين من الله سبحانه بحيوة بعض وموت بعض، وسلامة حي وهلاك آخر، وغنى انسان وفقر آخر، وتصريف الأمور على الحكمة (انتهى).

وقال الرازي: قال الكلبي: خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض مثل القبة " ومن الأرض مثلهن " في كونها طبقات متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات: طبقة أرضية محضة، وطبقة طينية وهي غير محضة، وطبقة منكشفة بعضها في البر وبعضها في البحر وهي المعمورة. ولا يبعد من قوله " ومن الأرض مثلهن " كونها سبعة أقاليم على سبع سماوات وسبعة كواكب فيها وهي السيارة، فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل أقاليم الأرض، فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل، وما عداها من الوجوه المنقولة من أهل التفسير فمما يأباه العقل مثل ما يقال: السماوات السبع أولها موج مكفوف وثانيها صخر، وثالثها حديد، ورابعها نحاس، وخامسها فضة، وسادسها ذهب، و سابعها ياقوت، وقول من قال: بين كل واحدة منها وبين الأخرى مائة عام وغلظ

كل واحد منها كذلك، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق ويمكن أن يكون أكثر من ذلك، والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو (انتهى).

وأقول: وقد مر بعض الوجوه في الأرضين السبع في باب الهواء.

" لتعلموا " علة الخلق، أو يتنزل أو يعمها، فإن كلا منهما يدل على كمال قدرته وعلمه.

" ذلولا " قيل: أي لينة فسهل لكم السلوك فيها " فامشوا في مناكبها " أي في جوانبها وجبالها، وهو مثل لفرط التذليل، فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شئ لم يتذلل. " وكلوا من رزقه " أي والتمسوا من نعم الله " وإليه النشور " أي المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم. " بساطا " أي مبسوطة ليمكنكم المشي عليها والاستقرار فيها. " سبلا فجاجا " أي طرقا واسعة، وقيل: طرقا مختلفة، عن ابن عباس، وقيل:

سبلا في الصحاري، وفجاجا في الجبال.

" كفاتا " قال الطبرسي - ره -: كفت الشئ يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه، و منه الحديث " اكفتوا صبيانكم " أي ضموهم إلى أنفسكم، ويقال للوعاء كفت وكفيت قال أبو عبيد: كفاتا أي أوعية. والمعنى: جعلنا الأرض كفاتا للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتا في بطنها أي تحوزهم وتضمهم. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه نظر إلى الجبانة فقال: هذه كفات الأموات، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء. وقوله " أحياء وأمواتا " أي منها ما ينبت و منها مالا ينبت، فعلى هذا يكون أحياء وأمواتا نصبا على الحال، وعلى القول الأول على المفعول به. " رواسي شامخات " أي جبالا ثابتة عالية " وأسقيناكم ماء فراتا " أي

وجعلنا لكم سقيا من الماء العذب، عن ابن عباس. " ويل يومئذ للمكذبين " بهذه النعم وأنها من جهة الله.

" مهادا " أي وطاء وقرارا ومهيأ للتصرف فيه من غير أذية، والمصدر بمعنى المفعول، أو الحمل على المبالغة، أو المعنى ذات مهاد. " وخلقناكم أزواجا " أي أشكالا كل واحد شكل للآخر، أو ذكرانا وإناثا حتى يصح منكم التناسل ويتمتع بعضكم ببعض، أو أصنافا أبيض وأسود، وصغيرا وكبيرا، إلى غير ذلك. " وجعلنا نومكم سباتا " أي راحة ودعة لأجسادكم، أو قطعا لاعمالكم وتصرفكم أي سباتا ليس بموت على الحقيقة ولا مخرج عن الحياة والادراك " وجعلنا الليل لباسا " أي غطاء وسترة يستر كل شئ بظلمته وسواده. " وجعلنا النهار معاشا " أي مطلب معاش، أو وقت معاشكم. وبنينا فوقكم سبعا شدادا " أي سبع سماوات محكمة أحكمنا صنعها وأوثقنا بناءها. " وجعلنا سراجا وهاجا " يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلألئا بالنور يستضيئون بها. وقيل: الوهج مجمع النور والحر. " و أنزلنا من المعصرات " أي من الرياح ذات الأعاصير، وذلك أن الريح يستدر المطر.

وقيل: المعصرات السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولهم أحصد الزرع، أي حان له أن يحصد " ماء ثجاجا " أي منصبا بكثرة " لنخرج به حبا ونباتا " فالحب كل ما تضمنه كمام الزرع الذي يحصد، والنبات الكلأ من الحشيش والزروع ونحوها، قيل: حبا يأكله الناس، ونباتا تنبته الأرض مما تأكله الانعام " وجنات ألفافا " أي بساتين ملتفة بالشجر، أو بعضها ببعض، وإنما سميت جنة لان الشجر تجنها أي تسترها.

" ذات الصدع " أي ما يتصدع عنه الأرض من النبات، أو الشق بالنبات والعيون.

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " خلقا دالا على كمال قدرته وحسن

تدبيره، حيث خلقها لجر الثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة، باركة للحمل ناهضة به، منقادة لمن اقتادها، طوال الأعنان لتنوء بالأوقار، ترعى كل نابت، وتحمل العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتى لها قطع البراري والمفاوز مع مالها من منافع اخر فلذا خصت بالذكر، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع. وقيل: المراد بها السحاب على الاستعارة. " وإلى السماء كيف رفعت " بلا عمد " وإلى الجبال كيف نصبت " فهي راسخة لا تميل " وإلى الأرض كيف سطحت " أي بسطت حتى صارت مهادا. " وما طحيها " أي ومن طحيها، أو مصدرية، وطحوها تسطيحها وبسطها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.