پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

30 باب الماء وأنواعه والبحار وغرائبها وما ينعقد فيها، وعلة

ج ۵۷، ص ۲۲–۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

إبراهيم: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار.

النحل: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا.

الفرقان: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا.

النمل: وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا.

فاطر: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج و من كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.

حمعسق: ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير

ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص.

الجاثية: الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.

الطور: والبحر المسجور.

الرحمن: مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوار المنشآت في البحر كالاعلام.

الملك: قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين.

المرسلات: وأسقيناكم ماء فراتا.

تفسير: " وسخر لكم الفلك " إنما نسب إليه سبحانه مع أنه من أعمال العباد لأنه لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن، ولولا خلقة الحديد وسائر الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتخذونها، ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة فيه، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها، ولولا أنه وسع الأنهار وجعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها; لما وقع الانتفاع بالسفن، فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافته إليه، وقيل: لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له. " بأمره " أي بقدرته وإرادته.

" وسخر لكم الأنهار " لما كان ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع والنبات. وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب والصالح لهذا مياه الأنهار.

" وهو الذي سخر البحر " أي جعلها بحيث يتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. " لتأكلوا منه لحما طريا " هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ولاظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق. " حلية تلبسونها " كاللؤلؤ والمرجان. " وترى الفلك " أي السفن " مواخر فيه " أي جواري فيه يشقه بخرومها من المخر وهو شق الماء، وقيل: صوت جري الفلك. " ولتبتغوا من فضله " أي من سعة رزقه بركوبها للتجارة " ولعلكم تشكرون " أي تعرفون نعم الله فتقومون بحقها.

" وهو الذي مرج البحرين " قال البيضاوي: خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته إذا خلاها. " هذا عذب فرات " قامع للعطش من فرط عذوبته " وهذا ملح أجاج " بليغ الملاحة " وجعل بينهما برزخا " حاجزا من قدرته " وحجرا محجورا " وتنافرا بليغا كأن كلا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ عليه، وقيل: حدا محدودا، وذلك كدجلة يدخل البحر فيشقه فيجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمهما. وقيل: المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل، و بالبحر الملح البحر الكبير، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض، فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة، مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت و تشابهت في الكيفية (انتهى) ويقال: إن نهر آمل تدخل بحر الخزر ويبقى على عذوبته ولا يختلط بالمالح، ويأخذون منه الماء العذب في وسط البحر، فيمكن على تقدير صحته أن يكون داخلا تحت الآية أيضا.

" وما يستوي البحران " ضرب مثل للمؤمن والكافر، والفرات: الذي يكسر العطش، والسائع: الذي يسهل انحداره، والأجاج: الذي يحرق بملوحته " ومن كل تأكلون " استطراد في صفة البحرين وما فيهما، أو تمام التمثيل، والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان في ما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته لا يساوي المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما في ما هو الخاصية العظمى وبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر، أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك العذب من المنافع، والمراد بالحلية اللآلي واليواقيت.

" ومن آياته الجوار في البحر " قرأ نافع وأبو عمرو " الجواري " بياء في الوصل والوقف، والباقون بحذفها على التخفيف " كالاعلام " أي كالجبال، فهذه السفن العظيمة التي تكون كأنها الجبال تجري على وجه الماء عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه وعند سكونها تقف، ففيه دلالة على وجود الصانع المسبب لتلك الأسباب وقدرته الكاملة وحكمته التامة، لأنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع من الأمتعة وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة. " فيظللن رواكد " أي فيبقين ثوابت " على ظهره " أي ظهر البحر.

" لكل صبار " أي لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه، أو لكل مؤمن كامل، فإنه روي أن الايمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. " أو يوبقهن " أي يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرفة، والمراد إهلاك أهلها لقوله " بما كسبوا " وأصله: أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم " يسكن الريح " فاقتصر فيه على المقصود، كما في قوله " ويعف عن كثير " إذ المعنى: أو يرسلها عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم وينجي ناسا على العفو منهم، وقرئ " يعفو " على الاستئناف.

" ويعلم الذين يجادلون في آياتنا " عطف على علة مقدرة، مثل: لينتقم منهم ويعلم...

أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جوابا للأشياء الستة لأنه أيضا غير واجب، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف، وقرئ بالجزم عطفا على " يعف " فيكون

المعنى: أو يجمع بين إهلاك وإنجاء قوم وتحذير آخرين. " مالهم من محيص " من محيد من العذاب.

" الله الذي سخر لكم البحر " بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه " لتجري الفلك فيه بأمره " أي بتسخيره وأنتم راكبوها " ولتبتغوا من فضله " بالتجارة والغوص والصيد وغيرها " وأنتم تشكرون " هذه النعم.

" والبحر المسجور " أي المملو وهو المحيط، أو الموقد من قوله " وإذا البحار سجرت " كما روي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار نارا يسجر بها جهنم، أو المختلط، من السجير وهو الخليط، وقيل: هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان.

" مرج البحرين " أي أرسلهما، والمعنى: أرسل البحر الملح والبحر العذب " يلتقيان " أي يتجاوران وتتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه " بينهما برزخ " أي حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض " لا يبغيان " أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية أو لا يتجاوزان حديهما، أو بإغراق ما بينهما. وقال الطبرسي - ره -: قيل: المراد بالبحرين بحر السماء وبحر الأرض، فإن في السماء بحرا يمسكه الله بقدرته ينزل منه المطر فيلتقيان في كل سنة، وبينهما حاجز يمنع بحر السماء من النزول وبحر الأرض من الصعود، عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنهما بحر فارس وبحر الروم فإن آخر طرف هذا يتصل بآخر طرف ذلك والبرزخ بينهما الجزائر، وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند التقائهما من غير أن يختلط جملتهما " لا يبغيان " أي لا يطلبان أن يختلطا.

" يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " أي كبار الدر وصغاره، وقيل: المرجان الخرر

الأحمر، وإن صح أن الدر يخرج من المالح فعلى الأول إنما قال " منهما " لأنه يخرج من مجتمع المالح والعذب، أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشئ الواحد وكان المخرج من أحدهما كالمخرج منها، ذكره البيضاوي. وقال الرازي: اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال " منهما "؟ نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول ظاهر كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس الذي لا يوثق بقوله، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب؟ غاية علمكم أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح، و لكن لم قلتم إن الصدف لا يخرج اللؤلؤ بأمر الله من الماء العذب إلى الماء المالح ؟

وكيف يمكن الجزم به، والأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا يخفى عليهم ما في قعور البحور؟ الثاني أن نقول: إن صح قولهم أنه لا يخرج إلا من الماء المالح فنقول فيه وجوه: أحدها أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من ماء المطر وهو بحر السماء، ثانيها أنه يتولد في ملتقاهما ثم يدخل الصدف في البحر المالح عند انعقاد الدر فيه لحال الملوحة، كالمتوخمة التي تشتهي في أوائل الحمل فتثقل هناك فلا يمكنه الدخول في العذب. ثم ذكر بعض الوجوه المتقدمة.

وقال الطبرسي - ره -: قيل: يخرج منهما أي من ماء السماء وماء البحر، فإن القطر إذا جاء من السماء تفتحت الأصداف فكان من ذلك القطر اللؤلؤ، عن ابن عباس ولذلك حمل البحرين على بحر السماء وبحر الأرض، وقيل: إن العذب والملح يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج اللؤلؤ إلا من الموضع الذي يلتقي

فيه العذب والملح، وذلك معروف عند الملاحين (انتهى).

أقول: " وله الجوار " أي السفن جمع جارية " المنشآت " أي المرفوعات الشرع أو المصنوعات. وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج أو السير " كالاعلام " جمع علم وهو الجبل الطويل " فبأي آلاء ربكما تكذبان " من خلق مواد السفن والارشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره تعالى.

" إن أصبح ماؤكم غورا " أي غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء، مصدر وصف به " بماء معين " أي جار، أو ظاهر سهل المأخذ. " وأسقيناكم ماء فراتا " بخلق الأنهار والمنافع فيها.

1 - العلل والعيون: عن محمد بن عمرو بن علي البصري، عن محمد بن عبد الله ابن أحمد الواعظ، عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: سأل رجل من أهل الشام أمير المؤمنين عليه السلام عن المد والجزر ما هما؟ فقال: ملك موكل بالبحار يقال له " رومان " فإذا وضع قدميه في البحر فاض ، وإذا أخرجهما غاض.

2 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس، أنه سئل عن المد والجزر فقال: إن الله عز وجل وكل ملكا بقاموس البحر، فإذا وضح رجليه فيه فاض وإذا أخرجهما غاض.

بيان: قال الجزري: قاموس البحر وسطه ومعظمه، ومنه حديث ابن عباس وسئل عن المد والجزر - وذكر الخبر - ثم قال: أي زاد ونقص وهو فاعول من القمس (انتهى) وأقول: اختلف الحكماء في سبب المد والجزر على أقوال شتى، وليس شئ منها مما يسمن أو يغني من جوع أو يروي من عطش. وما ذكر في الخبر أظهرها وأصحها عقلا أيضا، وقد سمعت من بعض الثقات أنه قال: إني رأيت شيئا عظيما يمتد من الجو إلى البحر فيمتد ماؤه ثم إذا ذهب ذلك شرع في الجزر. وأما ما ذكره الحكماء في ذلك ففي رسائل إخوان الصفا: أما علة هيجان البحار وارتفاع مياهها ومدودها على سواحلها وشدة تلاطم أمواجها وهبوب الرياح في وقت هيجانها إلى الجهات في أوقات مختلفة من الشتاء والصيف والربيع والخريف وأوائل الشهور وأواخرها وساعات الليل والنهار فهي من أجل أن مياهها إذا حميت من قرارها وسكنت ولطفت وتخلخلت وطلبت مكانا أوسع مما كان فيه، فتدافعت بعض أجزائها بعضا إلى الجهات الخمس فوقا وشرقا وغربا وجنوبا وشمالا للاتساع فيكون في الوقت الواحد على سواحلها أمواج مختلفة في جهات مختلفة، وأما علة هيجانها في وقت دون وقت فهو بحسب تشكل الفلك والكواكب ومطارح شعاعاتها على سطوح تلك البحار في الآفاق والأوتاد الأربعة واتصالات القمر بها عند حلوله في منازله الثمانية و العشرين كما هو المذكور في كتب أحكام النجوم، وأما علة مدود بعض البحار في وقت طلوعات القمر ومغيبه دون غيرها من البحار فهو من أجل أن تلك البحار

في قرارها صخور صلبة وأحجار صلدة، فإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح شعاعاته إلى تلك الصخور والأحجار التي في قرارها، ثم انعكست من هناك راجعة، فسخنت تلك المياه وحمت ولطفت وطلبت مكانا أوسع وارتفع إلى فوق ودفع بعضها بعضا إلى فوق، وتموجت إلى سواحلها، وفاضت عل سطوحها، ورجعت مياه تلك الأنهار التي كانت تنصب إليها إلى خلف راجعة، فلا يزال ذلك دأبها ما دام القمر مرتفعا إلى وتد سمائه، فإذا انتهى إلى هناك وأخذ ينحط سكن عند ذلك غليان تلك المياه وبردت وانضمت تلك الأجزاء وغلظت فرجعت إلى قرارها وجرت الأنهار على عادتها، فلا يزال ذلك دأبها إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي من تلك البحار ثم يبتدئ المد على عادته وهو في الأفق الشرقي، فلا يزال ذلك دأبه حتى يبلغ القمر إلى وتد الأرض، فينتهي المد من الرأس، ثم إذا زال القمر من وتد الأرض أخذ المد راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى أفقه الشرقي من الرأس. فإن قيل: لم لا يكون المد والجزر عند طلوعات الشمس واشرافاتها على سطح هذه البحار؟ فقد بينا علل ذلك في رسالة العلل والمعلولات (انتهى).

وقال المسعودي في مروج الذهب: المد هو مضي الماء بسجيته وسنن جريه والجزر هو رجوع الماء على ضد سنن مضيه وانعكاس ما يمضي عليه في نهجه وهما يكونان في البحر الحبشي الذي هو الصيني والهندي وبحر البصرة وفارس، وذلك أن البحار على ثلاثة أصناف: منها ما يأتي فيه الجزر والمد ويظهر ظهورا بينا، ومنها مالا يتبين فيه الجزر والمد ويكون خفيا مستترا، ومنها مالا يجزر ولا يمد، وقد تنازع الناس في علتهما، فمنهم من ذهب إلى أن علة ذلك القمر، لأنه مجانس للماء وهو يسخنه فيبسط، وشبهوا ذلك بالنار إذا سخنت ما في القدر وأغلته، وأن الماء يكون فيها على قدر النصف أو الثلثين، فإذا غلى الماء انبسط في القدر وارتفع وتدافع حتى يفور فتتضاعف كميته في الحس لان من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام، ومن شرط

البرودة أن تضغطها وذلك أن قعور البحار تحمى فتتولد في أرضها عذوبة وتستحيل وتحمي كما يعرض ذلك في البلاليع والآبار، فإذا حمى ذلك الماء انبسط، وإذا انبسط زاد، وإذا زاد دفع كل جزء منه صاحبه فطفر عن سطحه وبان عن قعره واحتاج إلى أكثر من وهدته، وأن القمر إذا امتلأ أحمى الجو حميا شديدا فظهر زيادة الماء فسمي ذلك المد الشهري. وقالت طائفة أخرى: لو كان الجزر والمد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القدر وبسطته فيطلب أوسع منه فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الأرض بطبعه فيرجع اضطرارا بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرجل والقمقم إذا فاض لكان بالشمس أشد سخونة، ولو كانت الشمس علة مده لكان بدؤه مع بدء طلوع الشمس والجزر عند غيبوبتها. وزعم هؤلاء أن علة المد والجزر الأبخرة التي تتولد في بطن الأرض، فإنها لا تزال تتولد وتكثف وتكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها، فلا تزال على ذلك حتى تنقص موادها من أسفل، فإذا انقطعت موادها من أسفل تراجع الماء حينئذ إلى قعور البحر، وكان الجزر من أجل ذلك والمد ليلا ونهارا وشتاء وصيفا وفي غيبوبة القمر وطلوعه وفي غيبوبة الشمس وطلوعها. قالوا: وهذا يدرك بحس البصر لأنه ليس يستكمل الجزر آخره حتى يبدو أول المد، ولا يفنى آخر المد حتى يبدو أول الجرز، لأنه لا يفتر تولد تلك البخارات حتى إذا خرجت تولد مكانها غيرها وذلك أن البحر إذا غارت مياهه ورجعت إلى قعره تولدت تلك الأبخرة لمكان ما يتصل منها من الأرض بمائه، فكلما عاد تولدت وكلما فاض تنفست.

وذهب آخرون من أهل الديانات: أن كل ما لا يعلم له في الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فله فعل إلهي يدل على توحيد الله عز وجل وحكمته وليس للمد والجزر علة في الطبيعة البتة ولا قياس. وقال آخرون: ما هيجان ماء البحر إلا كهيجان بعض الطبائع، فإنك ترى صاحب الصفراء وصاحب الدم وغيرهما تهتاج طبيعته وتسكن ولذلك مواد تمدها حالا بعد حال، فإذا قويت هاجت ثم تسكن قليلا قليلا حتى تعود. وذهب طائفة إلى إبطال سائر ما وصفنا من القول وزعموا أن الهواء المطل على البحر يستحيل دائما، فإذا استحال عظم ماء البحر وفار عند ذلك، فإذا فار فاض وإذا فاض فهو المد، فعند ذلك يستحيل ماؤه ويتفشى واستحال هواء فعاد إلى ما كان عليه وهو الجزر وهو دائم لا يفتر، متصل مترادف متعاقب، لأن الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء، وقد يجوز أن يكون ذلك عند امتلاء القمر أكثر لان القمر إذا امتلأ استحال ماء أكثر مما كان يستحيل قبل ذلك وإنما القمر علة لكثرة المد لا للمد نفسه، لأنه قد يكون والقمر في محاقه والمد والجزر في بحر فارس يكون على مطالع الفجر في أغلب الأوقات. وقد ذهب أكثر من أرباب السفن ممن يقطع هذا البحر ويختلف إلى جزائره أن المد والجزر لا يكون في معظم هذا البحر إلا مرتين في السنة، مرة يمد في شهور الصيف شرقا بالشمال ستة أشهر، فإذا كان ذلك طما الماء في مشارق البحر والصين وما والى ذلك الصقع، ومرة يمد في شهور الشتاء غربا بالجنوب ستة أشهر، وإذا كان ذلك طما الماء في مغارب البحر والجزر بالصين، وقد يتحرك البحر بتحريك الرياح فإن الشمس إذا كانت في الجهة الشمالية تحرك الهواء إلى الجهة الجنوبية، فلذلك تكون البحار في جهة الجنوب في الصيف لهبوب الشمال طامية عالية، وتقل المياه في جهة البحور الشمالية وكذلك إذا كانت الشمس في الجنوب وسار الهواء من الجنوب إلى جهة الشمال فسال معه ماء البحر من الجهة الجنوبية إلى الجهة الشمالية

قلت المياه في الجهة الجنوبية، وتنقل ماء البحر في هذين الميلين أعني في جهة الشمال والجنوب يسمى جزرا ومدا، وذلك أن مد الجنوب جزر الشمال ومد الشمال جزر الجنوب، فإن وافق القمر بعض الكواكب السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان وقوي الحر واشتد لذلك انقلاب ماء البحر إلى الجهة المخالفة للجهة التي فيها الشمس، وهذا رأي الكندي وأحمد بن الخصيب السرخسي في ما حكي عنهما أن البحر يتحرك بتحرك الرياح (انتهى).

وجملة القول فيه أن نهر البصرة والأنهار المقاربة له يمد في كل يوم وليلة مرتين ويدور ذلك في اليوم والليلة ولا يخص وقتا كطلوع الشمس وغروبها وارتفاعها وانخفاضها، ويسمى ذلك بالمد اليومي، ويكون المد عند زيادة نور القمر أشد ويسمى ذلك بالمد الشهري وهذا المد يمكن استناده إلى القمر لكونه تابعا له في الغالب، بمعنى أنه يحصل في أيام زيادة نور القمر، لكن الظاهر أنه لو كانت العلة زيادة نوره لكان هذا المد مقارنا لها أو بعدها بزمان يتم فيه فعل القمر وتأثيره في البحر والظاهر أنه ليس تابعا له بهذا المعنى، وعلى تقدير صحة استناده إليه فلا ريب في بطلان ما جعله القائل الأول مناطا له من سخونة البحر بنور القمر لأنه مجانس للماء وكذا سخونة الجو به، بل ربما يدعى أن نور القمر يبرد الجو والأجسام كما هو المجرب، نعم ربما يجوز العقل تأثير القمر في المد لنوع من المناسبة والارتباط بين نوره وبين الماء وإن لم نعلمها بخصوصها، لكن يقدح فيه ما ذكرناه من عدم انضباط المقارنة والتأخر على الوجه المذكور. وأما المد اليومي فبطلان استناده إلى القمر واضح واستناده

إلى الكواكب على انفرادها أو بمشاركة القمر بعيد غاية البعد، وكون الكواكب عللا له من حيث الحرارة ظاهر الفساد. وما ذكره الطائفة الثانية من أنه للأبخرة الحادثة في باطن الأرض فيرد عليه أن الأبخرة الكثيرة الكثيفة التي تفور البحر مع عظمته لخروجها لو اجتمعت واحتبست في باطن الأرض ثم خرجت دفعة كما هو الظاهر من كلامه لزم انشقاق الأرض منها انشقاقا فاحشا ثم التئامها في كل يوم وليلة، لعله مما لا يرتاب أحد في أنه خلاف الواقع ولا يظهر للعقل سبب لالتئام الأرض بعد الانشقاق، وكون كل التئام مستندا إلى انشقاق حادث في موضع آخر من الأرض قريب من موضع الأول في غاية البعد، ولو خرجت تدريجا لاستلزمت غليانا وفورانا في البحر دائما لا هذا النوع من الحركة والامتلاء وهو واضح. وما ذكره الطائفة الثالثة من أنه كهيجان الطبائع فيرد عليه أنه لو كان المراد أنه والطبائع تهيج بلا سبب فباطل، ولو قيل بأن ذلك مقتضى الطبيعة فذلك مما لم يقل به أحد، ولو أريد أنه بسبب ولو لم يكن معلوما لنا، فذلك مما لا ثمرة له إذ الكلام في خصوص السبب وما ذكره الطائفة الرابعة من أنه للانقلاب فلا يظهر له وجه ولا ينطبق على تلك الخصوصيات. فالأوجه أن يقال: إنها بقدرة الله وتدبيره وحكمته إما بتوسط الملك إن صح الخبر، أو بما رأى المصلحة فيه من العلل والأسباب، فإنه تعالى المسبب لها والمقدر لأوقاتها، ولم نكلف بالخوض في عللها وإن أمكنت مدخلية بعض تلك الوجوه التي تقدم ذكرها، والعالم بها هو المدبر لها، ويكفينا ما ظهر لنا من منافعها وفوائدها.

1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن هلال، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة أنهار من الجنة: الفرات والنيل وسيحان وجيحان، فالفرات الماء في الدنيا والآخرة

والنيل العسل، وسيحان الخمر، وجيحان اللبن.

بيان: الفرات أفضل الأنهار بحسب الاخبار، وقد أوردتها في كتاب المزار والنيل بمصر معروف، وسيحان وجيحان قال في النهاية: هما نهران بالعواصم عند المصيصة والطرسوس. وفي القاموس: سيحان نهر بالشام وآخر بالبصرة، وسيحون نهر بما وراء النهر ونهر بالهند، وقال: جيحون نهر خوارزم وجيحان نهر بالشام والروم معرب " جهان " (انتهى). وذكر المولى عبد العلي البرجندي في بعض رسائله: إن نهر الفرات يخرج من جبال " أرزن الروم " ثم يسيل نحو المشرق إلى " ملطية " ثم إلى " سميساط " حتى ينتهي إلى الكوفة ثم تمر حتى ينصب في البطائح. وقال:

النيل أفضل الأنهار لبعد منبعه ومروره على الأحجار والحصيات، وليس فيه وحل ولا يخضر الحجر فيه كغيره، ويمر من الجنوب إلى الشمال وهو سريع الجري، وزيادته في أيام نقص سائر المياه، ومنبعه مواضع غير معمورة في جنوب خط الاستواء، ولذا لم يعلم منبعه على التحقيق. ونقل عن بعض حكماء اليونان: أن ماءه يجتمع من عشرة أنهار، بين كل نهرين منها اثنان وعشرون فرسخا، فتنصب تلك الأنهار في بحيرة ثم منها يخرج نهر مصر متوجها إلى الشمال حتى ينتهي إلى مصر، فإذا جازها وبلغ " شنطوف " انقسم قسمين ينصبان في البحر. وقال: سيحان منبعه من موضع طوله ثمان وخمسون درجة وعرضه أربع وأربعون درجة، ويمر في بلاد الروم من الشمال إلى الجنوب إلى بلاد أرمن، ثم إلى قرب " مصيصة " ثم يجتمع مع جيحان وينصبان في بحر الروم فيما بين أياس وطرسوس، ونهر جيحان منبعه من موضع طوله ثمان و خمسون درجه، وعرضه ست وأربعون درجة وهو قريب من نهر الفرات في العظمة ويمر من الشمال إلى الجنوب بين جبال في حدود الروم إلى أن يمر إلى شمال مصيصة وينصب في البحر (انتهى).

ثم اعلم أن هذه الرواية مروية في طرق المخالفين أيضا، إلا أنه ليس فيها

" فالفرات " إلى آخر الخبر، واختلفوا في تأويله: قال الطيبي في شرح المشكاة في شرح هذا الخبر: سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون، وهما نهران عظيمان جدا وخص الأربعة لعذوبة مائها وكثرة منافعها كأنها من أنهار الجنة، أو يراد أنها أربعة أنهار هي أصول أنهار الجنة سماها بأسامي الأنهار العظام من أعذب أنهار الدنيا وأفيدها على التشبيه، فإن ما في الدنيا من المنافع فنموذات لما في الآخرة، وكذا مضارها. وقال القاضي: معنى كونها من أنهار الجنة: أن الايمان يعم بلادها وأن شاربيها صائرة إليها، والأصح أنه على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة. وفي معالم التنزيل: أنزلها الله تعالى من الجنة واستودعها الجبال لقوله تعالى " فأسكناه ".

أقول: المشبه في الوجه الأول أنهار الدنيا، ووجه الشبه العذوبة والهضم والبركة.

وفي الثاني: أنهار الجنة، ووجهه الشهرة والفائدة والعذوبة. وفي الثالث وجهه المجاورة والانتفاع (انتهى).

وأقول: ظاهر الخبر مع التتمة التي في الخصال اشتراك الاسم، وإنما سميت بأسماء أنهار الجنة لفضلها وبركتها وكثرة الانتفاع بها، ويحتمل أن يكون المعنى أن أصل هذه الأنهار ومادتها من الجنة، فلما صارت في الدنيا انقلبت ماء، ولا ينافي ذلك معلومية منابعها إذ يمكن أن يكون أول حدوثها بسبب ماء الجنة، أو يصب فيها بحيث لا نعلم، أو يكون المراد بالجنة جنة الدنيا كما مر في كتاب المعاد وتجري من تحت الأرض إلى تلك المنابع ثم يظهر منها. ويؤيد تلك الوجوه في الجملة ما رواه الكليني بسند كالموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يدفق في الفرات في كل يوم دفقات من الجنة، وبسند آخر رفعه إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: نهركم هذا - يعني ماء الفرات - يصب فيه ميزابان من ميازيب الجنة. وعن علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال: إن ملكا يهبط من السماء في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل مسك من مسك الجنة فيطرحها في الفرات، وما من نهر في شرق الأرض ولا غربها أعظم بركة

منه. وأما التأويل بكون أهلها وشاربيها صائرين إلى الجنة فهو في خصوص الفرات ظاهر، إذ أكثر القرى والبلاد الواقعة عليه وبقربه من الامامية والمحبين لأهل البيت عليهم السلام كما تشهد به التجربة، وقد روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما إخال أحدا يحنك بماء الفرات إلا أحبنا أهل البيت. وقال عليه السلام: ما سقي أهل الكوفة ماء الفرات إلا لامر ما، وقال: يصب فيه ميزابان من الجنة أقول:

قوله عليه السلام " لامر ما " أي لرسوخ ولاية أهل البيت عليهم السلام في قلوب أهلها. وعن أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - قال: أما إن أهل الكوفة لو حنكوا أولادهم بماء الفرات لكانوا لنا شيعة. وأما الأنهار الثلاثة الأخرى فلم أر لها في غير هذا الخبر فضلا، بل روى الكليني عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ماء نيل مصر يميت القلب.

2 - الدر المنثور: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند ، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبرائيل فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعلها منافع للناس في أصناف معائشهم، فذلك قوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ". فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبرئيل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: " وإنا على ذهاب به لقادرون " فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة.

3 - شرح النهج لابن ميثم: قال لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال: يا أهل البصرة -! يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة! - وساق الخطبة كما مر في كتاب الفتن وسيأتي إلى قوله عليه السلام - سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم والبحر سببا لكثرة أموالكم.

بيان: قوله عليه السلام: " الماء يغدو عليكم ويروح " إشارة إلى المد والجزر.

وقوله " صلاحا لمعاشكم " إلى فائدتهما، إذ لو كان الماء دائما على حد النقصان ولم يصل إلى حد المد لما سقي زروعهم ونخيلهم، ولو كان دائما على حد الزيادة لغرقت أراضيهم بأنهارهم، وفي نقص الأنهار بعد زيادتها فائدة أخرى، هي غسل الأقذار وإزالة الخبائث عن شطوطها، وربما كان فيهما فوائد أخرى كتأثيرهما في حركة السفن و نحو ذلك.

4 - إعلام الورى: بإسناده عن الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله ابن القاسم. عن حيان السراج، عن داود بن سليمان الكسائي، عن أبي الطفيل قال: سأل في أول خلافة عمر يهودي من أولاد هارون أمير المؤمنين عليه السلام عن أول قطرة قطرت على وجه الأرض، وأول عين فاضت على وجه الأرض، وأول شجر اهتز على وجه الأرض. فقال عليه السلام يا هاروني أما أنتم فتقولون: أول قطرة قطرت على وجه الأرض حيث قتل أحد ابني آدم صاحبه وليس كذلك ولكنه حيث طمثت حواء وذلك قبل أن تلد ابنيها، وأما أنتم فتقولون أول عين فاضت على وجه الأرض العين التي ببيت المقدس، وليس هو كذلك ولكنها

عين الحياة التي وقف عليها موسى وفتاه ومعهما النون المالح فسقط فيها فحيي، وهذا الماء لا يصيب ميتا إلا حيي. وأما أنتم فتقولون: أول شجر اهتز على وجه الأرض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح، وليس كذلك ولكنها النخلة التي هبطت من الجنة وهي العجوة، ومنها تفرع كل ما ترى من أنواع النخل، فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد هذا في كتب أبي هارون عليه السلام كتابة يده وأملا عمي موسى عليه السلام.

5 - اكمال الدين: عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، ومحمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ويعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم جميعا عن الحسن بن علي بن فضال، عن أيمن ابن محرز، عن محمد بن سماعة، عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، إلا أنه قال:

قال اليهودي: أخبرني عن أول شجرة نبتت على وجه الأرض، وعن أول عين نبعت على وجه الأرض وعن أول حجر وضع على وجه الأرض، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما أول شجرة نبتت على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا، وإنما هي النخلة من العجوة هبط بها آدم عليه السلام معه من الجنة فغرسها وأصل النخلة كلة منها. وأما أول عين نبعت على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنها العين التي ببيت المقدس وتحت الحجر وكذبوا، هي عين الحياة التي ما انتهى إليها أحد إلا حيي، وكان الخضر على مقدمة ذي القرنين فطلب عين الحياة فوجدها الخضر عليه السلام وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين. وأما أول حجر وضع على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنه الحجر الذي ببيت المقدس وكذبوا، إنما هو الحجر الأسود هبط به آدم عليه السلام معه من الجنة فوضعه في الركن، والناس يستلمونه وكان أشد بياضا من الثلج فاسود من خطايا بني آدم.

أقول: الخبران طويلان أوردتهما بأسانيدهما في باب نص أمير المؤمنين عليه السلام على الاثني عشر عليهم السلام في المجلد التاسع.

كتاب الأقاليم والبلدان والأنهار: للفرات فضائل كثيرة:

6 - روي أن أربعة من أنهار الجنة: سيحون وجيحون والنيل والفرات.

7 - وعن علي عليه السلام قال: يا أهل الكوفة نهركم هذا ينصب إليه ميزابان من الجنة.

8 - وروي عن جعفر الصادق عليه السلام أنه شرب من ماء الفرات ثم استزاد وحمد الله تعالى، قال: ما أعظم بركته لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب ما انغمس فيه ذو عاهة إلا برئ.

وعن السدي أن الفرات مد في زمن عمر فألقى رمانة عظيمة منها كرمان الحب فأمر المسلمين أن يقسموها بينهم، فكانوا يزعمون أنها من الجنة.

9 - وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يخرج لوجدتم من ورقها.

وقال في وصف بعض البحار نقلا عن صاحب كتاب عجائب الاخبار: هذا البحر فيه طائر مكرم لأبويه، فإنهما إذا كبرا وعجزا عن القيام بأمر أنفسهما، يجتمع عليهما فرخان من فراخهما فيحملانهما على ظهورهما إلى مكان حصين، ويبنيان لهما عشا ويتعاهدانهما الزاد والماء إلى أن يموتا، فإن مات الفرخان قبلهما يأتي إليهما فرخان آخران من فراخهما ويفعلان بهما كما فعل الفرخان الأولان، وهلم جرا وهذا دأبهما.

10 - قرب الإسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا أمطرت ففتحت الأصداف أفواهها في البحر، فيقع فيها من ماء المطر

فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة.

11 - كامل الزيارة: عن أبيه ، عن الحسن بن متيل، عن عمران بن موسى عن الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نهران مؤمنان، ونهران كافران، نهران كافران نهر بلخ ودجلة، و المؤمنان نيل مصر والفرات، فحنكوا أولادكم بماء الفرات.

بيان: قال الجزري في النهاية: فيه " نهران مؤمنان ونهران كافران، أما المؤمنان فالنيل والفرات، وأما الكافران فدجلة ونهر بلخ " جعلهما مؤمنين على التشبيه لأنهما يفيضان على الأرض فيسقيان الحرث بلا مؤنة، وجعل الآخرين كافرين لأنهما لا يسقيان ولا ينتفع بهما إلا بمؤنة وكلفة، فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين، وهذان في قلة النفع كالكافرين (انتهى). وأقول: ربما يومئ التفريع بقوله " فحنكوا " إلى أن المراد أن للأولين مدخلا في الايمان وللآخرين في الكفر وهو في الفرات ظاهر كما عرفت، وأما في النيل فلعل شقاوة أهله لسوء تربة مصر كما ورد في الاخبار فلو جرى في غيره لم يكن كذلك، ونهر بلغ هو نهر جيحون. وقال البرجندي: ويخرج عموده من حدود " بدخشان " من موضع طوله أربع وتسعون درجة وعرضه سبع وثلاثون درجة ثم يجتمع معه أنهار كثيرة ويذهب إلى جهة المغرب والشمال إلى حدود بلخ ثم يجاوزه إلى " ترمد " ثم يذهب إلى المغرب والجنوب إلى ولاية " زم " وطوله تسع وثمانون درجة وعرضه سبع وثلاثون، ثم يمر إلى المغرب والشمال إلى موضع

طوله ثمان وثمانون درجة وعرضه تسع وثلاثون، ثم يمر إلى أن ينصب في بحيرة خوارزم. ونهر دجلة مشهور ويخرج من بلاد الروم من شمال " ميارقين " من تحت حصار ذي القرنين، ويذهب من جهة الشمال والمغرب إلى جهة الجنوب والمشرق ويمر بمدينة " آمد " والموصل وسر من رأى وبغداد ثم إلى " واسط " ثم ينصب في بحر فارس.

12 - العياشي: عن إبراهيم بن أبي العلا، عن غير واحد، عن أحدهما عليهما السلام قال: لما قال الله " يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي " قال الأرض: إنما أمرت أن أبلع مائي أنا فقط، ولم أؤمر أن أبلع ماء السماء، قال : فبلعت الأرض ماءها وبقي ماء السماء فصير بحرا حول الدنيا.

13 - الكافي: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان وعلي بن إبراهيم عن أبيه، جميعا عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

إن جبرئيل عليه السلام كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللامام. والبحر المطيف بالدنيا.

بيان: قال البرجندي: نهر مهران هو نهر السند يمر أولا في ناحية " ملتان " ثم يميل إلى الجنوب ويمر بالمنصورة ثم يمر حتى ينصب في بحر " ديبل " من جانب المشرق، وهو نهر عظيم وماؤه في غاية العذوبة وشبيه بنيل مصر ويكون فيه التمساح كالنيل، وقيل: إذا وصل إلى موضع طوله مئة وسبع درجات وعرضه ثلاث وعشرون درجة ينقسم إلى شعبتين، ينصب إحداهما في بحر الهند والأخرى تمر وتنصب فيه بعد مسافة أيضا. " فما سقت " أي بأنفسها " أو سقي منها " أي سقى الناس منها. وهذا الخبر رواه في الفقيه بسند صحيح عن أبي البختري وزاد في آخره

" وهو أفسبكون " ولعله من الصدوق فصار سببا للاشكال، لان " أفسبكون " معرب " آبسكون " وهو بحر الخزر، ويقال له: بحر جرجان وبحر طبرستان وبحر مازندران، و طوله ثمانمأة ميل وعرضه ستمائة ميل، وينصب فيه أنهار كثيرة منها نهر آتل وهذا البحر غير محيط بالدنيا بل محاط بالأرض من جميع الجوانب ولا يتصل بالمحيط، و لعله إنما تكلف ذلك لأنه لا يحصل من المحيط شئ وهو غير مسلم. وقرأ بعض الأفاضل المطيف - بضم الميم وسكون الطاء وفتح الياء - اسم مفعول أو اسم مكان من الطواف ولا يخفى ضعفه فإن اسم المفعول منه مطاف بالضم أو مطوف، واسم المكان كالأول أو مطاف بالفتح، وربما يقرأ " مطيف " بتشديد الياء المفتوحة، وهو أيضا غير مستقيم لأنه بالمعنى المشهور واوي فالمفعول من باب التفعيل مطوف، وأيضا كان ينبغي أن يقال: المطيف به الدنيا، نعم قال في القاموس: طيف تطييفا وطوف: أكثر الطواف (انتهى) لكن حمله على هذا أيضا يحتاج إلى تكلف شديد، وما في الكافي أظهر وأصوب والمعنى: أن البحر المحيط بالدنيا أيضا للإمام عليه السلام.

14 - نوادر الراوندي: بإسناده عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شر اليهود يهود بيسان، وشر النصارى نصارى نجران، وخير ماء نبع على وجه الأرض ماء زمزم، وشر ماء نبع على وجه الأرض ماء برهوت، واد بحضرموت يرد عليه هام الكفار وصداهم.

بيان: في القاموس: بيسان قرية بالشام، وقرية بمرو، وموضع باليمامة. ولعل الأول هنا أظهر، ونجران موضع باليمن. وفي النهاية: فيه " لا عدوى ولا هامة " الهامة الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث وذلك أنهم كانوا يتشأمون بها وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول: أسقوني! أسقوني! فإذا أدرك بثأره طارت. و قيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة فتطير ويسمونه " الصدى " فنفاه الاسلام ونهاهم عنه. وفي القاموس: الصدى الجسد من الآدمي بعد موته، و

طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهلية.

15 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: رفعه عن الأصبغ بن نباته قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن أول شئ ضج على الأرض، قال: واد باليمن هو أول واد فار منه الماء.

16 - كتاب النوادر لعلي بن أسباط: عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: قال عليه السلام: لو عدل في الفرات لسقي ما على الأرض كله.

بيان: يحتمل أن يكون المراد بها الأراضي التي على شطه وبالقرب منه.

17 - الدر المنثور: عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ماء زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله.

قال الحكيم الترمذي: وحدثني أبي قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار وذلك أيام الحاج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتبلعت منه فذهب عني إلى الصباح.

18 - ومنه: عن ابن عباس " مرج البحرين " قال: أرسل البحرين " بينهما برزخ " قال: حاجز " لا يبغيان " قال: لا يختلطان، وروي أيضا عنه قال: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام. " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، قال: إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ.

19 - وعن ابن جبير قال: إذا نزل القطر من السماء تفتحت له الأصداف فكان لؤلؤا.

20 - وعن علي بن أبي طالب قال: المرجان عظام اللؤلؤ. وعن ابن عباس مثله.

21 - وفي رواية أخرى عنه: المرجان اللؤلؤ الصغار.

22 - وعن ابن مسعود: المرجان الخزر الأحمر.

23 - وعن عمير بن سعد قال: كنا مع علي على شط الفرات فمرت سفينة فقرأ هذه الآية: " وله الجوار المنشئات في البحر كالاعلام ".

24 - مجمع البيان: روى مقاتل عن عكرمة وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معائشهم وذلك قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ".

25 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن أحمد عن علي بن النعمان، عن صالح بن حمزة، عن أبان بن مصعب، عن يونس بن ظبيان أو المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: مالكم من هذه الأنهار (5)؟ فتبسم وقال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض منها: سيحان، وجيحان وهو نهر بلخ، والخشوع وهو نحر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر، ودجلة، والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع مما بين ذه إلى ذه - يعني بين السماء والأرض - ثم تلا هذه الآية " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا " المغصوبين عليها " خالصة " لهم " يوم القيامة " بلا غصب.

توضيح: لعل التبسم لأجل " من " التبعيضية " يخرق " كينصر ويضرب أي

يشق ويحفر، ومنهم من حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الأنهار ونحوها مستندة إلى قدرة الله تعالى ردا على الفلاسفة الذين يسندونها إلى الطبائع، وفي أكثر النسخ هنا " جيحان " بالألف وفي بعضها بالواو، وهو أصوب لما عرفت أن نهر بلخ بالواو، وعلى الأول إن كان التفسير من بعض الرواة فيمكن أن يكون اشتباها منه، و لو كان من الإمام عليه السلام وصح الضبط كان الاشتباه من اللغويين. و " الشاش " بلد بما وراء النهر كما في القاموس ونهره على ما ذكره البرجندي بقدر ثلثي الجيحون، ومنبعه من بلاد الترك من موضع عرضه اثنتان وأربعون درجة وطوله إحدى وسبعون درجة ويمر إلى المغرب مائلا إلى الجنوب إلى خجند ثم إلى فاراب ثم ينصب في بحيرة خوارزم، وتسميته بالخشوع غير مذكور فيما رأينا من كتب اللغة وغيرها " فما سقت " أي سقته من الأشجار والأراضي والزروع " أو استقت " أي منه، أي أخذت الأنهار منه وهو بحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء، فالمقصود أن أصلها وفرعها لنا، أو ضمير " استقت " راجع إلى " ما " باعتبار تأنيث معناه، والتقدير: استقت منها، وضمير " منها " المقدر للأنهار، فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير عمل، وبما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب وشبهه، ونسبة الاستسقاء إليها على المجاز، كذا خطر بالبال وهو أظهر. وقيل: ضمير " استقت " راجع إلى الأنهار على الاسناد المجازي لان الاستقاء فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر والدولاب. يقال: استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها. وبالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في السقي من الكسب والمبالغة في الاعتمال " إلا ما غصب عليه " على بناء المعلوم والضمير للعدو أي غصبنا عليه أو على بناء المجهول أي إلا شئ صار مغصوبا عليه، يقال غصبه على الشئ أي قهره، و الاستثناء منقطع إن كان اللام للاستحقاق، وإن كان للانتفاع فالاستثناء متصل و " ذه " إشارة إلى المؤنث أصلها ذي قلبت الياء هاء " المغصوبين عليها " الحاصل أن " خالصة " حال مقدرة من قبيل قولهم: جاءني زيد صائدا صقره غدا. قال في مجمع البيان: قال ابن عباس يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا ثم يخلص الله

الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شئ (انتهى).

ثم اعلم أنه عليه السلام ذكر في الأول ثمانية وإنما ذكر في التفصيل سبعة، فيحتمل أن يكون ترك واحدا منها لأنه لم يكن في مقام تفصيل الجميع بل قال: منها سيحان - الخبر - وقيل: لما كان سيحان اسما لنهرين: نهر بالشام، ونهر بالبصرة، أراد هنا كليهما، من قبيل استعمال المشترك في معنييه، وهو بعيد، ولعله سقط واحد منها من الرواة، وكأنه كان " جيحان وجيحون " فظن بعض النساخ والرواة زيادة أحدهما فأسقطه وحينئذ يستقيم التفسير أيضا.

فائدة: قال: النيسابوري في تفسير قوله تعالى " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ": قد سلف أن الماء المحيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط، وقد دخل في ذلك الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط الشرقي ومنقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خليجات: الأول إذا ابتدأ من المغرب الخليج البربري لكونه في حدود بربر من أرض الحبشة، طوله من الجنوب إلى الشمال مئة وستون فرسخا وعرضه خمسة وثلاثون فرسخا، وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة. والثاني الخليج الأحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخا، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرق النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بعض بلاد البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول صلى الله عليه وآله لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز ثم سواحل اليمن ثم عدن على الذوابة الشرقية منه. الثالث: خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا، وعرضه قريب من مائة وثمانين فرسخا، وعلى سواحل ضلعه الغربي بلاد عمان، ولهذا ينسب البحر هناك إليها، وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا

البحر والشرقي من الخليج الأحمر، فلهذا سميت العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة - زادها الله شرفا - وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس، ثم هرموز ثم مكران، ثم سواحل السند. الرابع الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال، ضلعه الشرقي بلاد فارس، ثم هرموز، ثم مكران متصل بالمحيط الشرقي وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريبا وعلى سواحل هذا الضلع ولايات الصين، ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الغربية إلي زاوية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولايتهم على سواحله. وأيضا فقد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد الروس والجلالقة والصقالبة إلى بلاد الروم [والشام] ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي " بلغار " يسمى بحر " ورنك " طوله المعلوم مائة فرسخ وعرضه ثلاث وثلاثون وإذا جاوز تلك النواحي امتد نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأرض غير مسكونة، وتتشعب منه أيضا شعبة يسمى بحر طرابزون. فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط، وأما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الأبواب والخزر وأبسيكون، لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مأتين وخمسين فرسخا، ومن الجنوب إلى الشمال بقرب من مأتين. ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الاعظام والأنواع والأصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها، فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة ألف وثلاثمأة وسبعون منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق، وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرانديب دورها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر، وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن

وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة " كله " التي يجلب منها الرصاص القلعي وجزيرة " سريرة " التي يجلب منها الكافور، وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج. وسئل بعض العقلاء: ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه.

تتمة: قالت الحكماء في سبب انفجار العيون من الأرض: إن البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها من ثقب وفرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية، فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض وانفجرت منها العيون، أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها، أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء وفاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء ويفيض وهكذا استتبع كل جزء منه جزء آخر. وأما العيون الراكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من كثرة موادها وقوتها أن يحصل منها معاونة شديدة، أو يدفع اللاحق السابق. وأما مياه القنى والآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن يشق الأرض، فإذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة، فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر، وإن جعل فهو القناة، ونسبة القنى إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة، ويمكن أن تكون هذه المياه متولدة - كما قاله أبو - البركات البغدادي - من أجزاء مائية متولدة من أجزاء متفرقة في ثقب أعماق الأرض ومنافذها إذا اجتمعت، بل هذا أولى لكون مياه العيون والآبار والقنوات تزيد بزيادة الثلوج والأمطار. قال الشيخ في النجاة: وهذه الأبخرة إذا انبعثت عيونا أمدت البحار بصب الأنهار إليها، ثم ارتفع من البحار والبطائح والأنهار وبطون الجبال خاصة أبخرة أخرى ثم قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلل منها على الدور دائما.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.