بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
32 باب آخر في قسمة الأرض إلى الأقاليم وذكر جبل قاف وسائر الجبال
ج ۵۷، ص ۹۹–۱۲۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
النحل: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم.
الكهف: حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما - إلى قوله - وكان وعد ربي حقا.
الأنبياء: وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم
يهتدون.
وقال تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون.
لقمان: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم.
فاطر: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود.
ص: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق.
ق: وألقينا فيها رواسي.
الطور: والطور - وقال تعالى - وتسير الجبال سيرا.
المرسلات: وجعلنا فيها رواسي شامخات.
النبأ: ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا.
الغاشية: وإلى الجبال كيف نصبت.
التين: والتين والزيتون وطور سينين.
تفسير: " أن تميد بكم " قال المبرد: أي منع الأرض أن تميد، وقيل: لئلا تميد، وقيل: أي كراهة أن تميد، وقال بعض المفسرين: الميد الاضطراب في الجهات الثلاث، وقيل: إن الأرض كانت تميد وترجف رجوف السقف بالوطء فثقلها الله بالجبال الرواسي ليمنع من رجوفها، ورووا عن ابن عباس أنه قال: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة فأرساها الله تعالى بالجبال. ثم إنهم
اختلفوا في أنه لما صارت الجبال سببا لسكون الأرض على أقوال، وذكروا لذلك وجوها ولنذكر بعضها:
الأول: ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره: أن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب فإذا وقعت الاجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء، فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال ووتدها بها فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال. ثم قال: لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه:
الأول أن هذا المعلل إما أن يقول بأن حركات الأجسام بطباعها أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها، فعلى التقدير الأول نقول: لاشك أن الأرض أثقل من الماء، والأثقل يغوص في الماء ولا يبقى طافيا عليه فامتنع أن يقال: إنها كانت تميد وتضطرب بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات غير مملوءة فلذلك تميد وتضطرب على وجه الماء، فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق. وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال ليس للأرض والماء طبائع توجب الثقل والرسوب، والأرض إنما تنزل لان الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك، وإنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة ليس ههنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة، فنقول: على هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هو أن الله تعالى يخلق فيها الحركة، فيفسد القول بأن الله تعالى خلق الجبال لتبقى الأرض، ساكنة فثبت أن التعليل مشكل على كلا التقديرين.
الاشكال الثاني: أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب، وهذا إنما يعقل إذا كان الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا. فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز
المخصوص؟ فإن قلت: إن طبيعته توجب وقوفه في ذلك الحيز المعين فحينئذ يفسد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى أرساها بالجبال. وإن قلت: إن المقتضي لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى أسكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فنقول: فلم لا تقول مثله في سكون الأرض؟ وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضا.
الاشكال الثالث: أن مجموع الأرض جسم واحد فبتقدير أن يميل بكليته ويضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس. فإن قيل: أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل وتظهر تلك الحركات للناس؟
قلنا البخارات احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة ظهرت تلك الحركة، فإن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة يجري مجرى اختلاج عضو من بدن الانسان، أما لو تحركت كلية الأرض تظهر، ألا ترى أن الساكن في سفينة لا يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت على أسرع الوجوه وأقواها (انتهى كلامه).
ويمكن أن يجاب عنها: أما عن الاشكال الأول فبأن يختار أنها طالبة بطبعها للمركز لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحركها بأمواجه حركة قسرية ويزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة، فكانت تميد وتضطرب بأهلها وتغوص قطعة منها وتخرج قطعة منها، ولما أرساها الله تعالى بالجبال وأثقلها قاومت الماء وأمواجه بثقلها فكانت كالأوتاد مثبتة لها. ومنه يظهر الجواب عن الاشكال الثاني، على أن توقف إرساء الأرض بالجبال على سكون الماء في حيز معين ممنوع. وأما عن الاشكال الثالث فبأن يقال: ليس الامتنان بمجرد عدم ظهور حركة الأرض حتى يقال: إنه على تقدير حركتها بكليتها لا يظهر للناس بل بخروج البقاع من الماء وعدم غرقها بحركة الأرض وميدانها بأهلها، على أن الظاهر أن الحركة التي لا تحس إنما هي إذا كانت في جهة مخصوصة وعلى وضع واحد كحركة وضعية مستمرة أو حركة أينية على جهة
واحدة كحركة السفينة إذا كانت سائرة من غير اضطراب، وأما إذا تحركت في جهات مختلفة واضطربت فيحس بها كحركة السفينة عند تلاطم البحر واضطرابه، وهذا هو الفرق بين حالة الزلزلة وبين حركة الأرض في الظهور وعدمه، فأنا لو فرضنا قطعة منها سائرة غير مضطربة في سيرها لما أحس بها كما لا يحس بحركة كلها بل باضطراب الحركة وكونها في جهات مختلفة تحس الحركة، سواء كان محلها كل الأرض أو بعضها.
الوجه الثاني: ما ذكره الفاضل المقدم ذكره أيضا في تفسيره واختاره حيث قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: إنه ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة وأن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات وتضريسات تحصل على وجه هذه الكرة. إذا ثبت هذا فنقول: إذا فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصله بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن هذه الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب، لان الجرم البسيط المستدير وإن لم يجب كونه متحركا بالاستدارة عقلا، إلا أنه بأدنى سبب تتحرك على هذا الوجه، أما إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة، فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم، وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة، وكانت مانعة للأرض عن الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة، فهذا ما وصل إليه خاطري في هذا الباب والله أعلم (انتهى).
واعترض عليه بأن كلامه لا يخلو عن تشويش واضطراب، والذي يظهر من أوائل كلامه هو أنه جعل المناط في استقرار الأرض الخشونات والتضريسات من حيث إنها خشونات وتضريسات، وذلك إما لممانعة الاجزاء المائية الملاصقة لتلك التضريسات
لاستلزام حركة الأرض زوالها عن مواضعها، وحينئذ يكون علة السكون هي الجبال الموجودة في الماء لا ما خلقت في الربع المكشوف من الأرض، ولعله خلاف الظاهر في معرض الامتنان بخلق الجبال وهو خلاف الظاهر من قوله تعالى " وجعل فيها رواسي من فوقها " والقول بأن ما في الماء أيضا فوقها فلعل المراد تلك الجبال لا يخلوا عن بعد مع أنها ربما كانت معاونة لحركة الأرض، كما إذا تحركت كرة الماء بتموجها بأجمعها أو تموج أبعاضها المقاربة لتلك الخشونات، وإنما يمانعها عن الحركة أحيانا عند حركة أبعاضها، وإما لممانعة الاجزاء الهوائية المقارنة للجبال الكائنة على الربع الظاهر فكانت الأوتاد مثبتة لها في الهواء مانعة عن تحريك الماء بتموجه إياها كما يمانع الجبال المخلوقة في الماء عن تحريك الرياح إياها، وحينئذ يكون وجود الجبال في كل منهما معاونا لحركة الأرض في بعض الصور معاوقا عنها في بعضها، ولا مدخل حينئذ لثقل الجبال وتركبها في سكون الأرض واستقرارها، والذي يظهر من قوله " لان الجرم البسيط - الخ - " أن البساطة توجب حركة الأرض، إما بانفرادها أو بمشاركة عدم الخشونة ولعله استند في ذلك إلى أن البسيط تتساوى نسبة أجزائه إلى أجزاء المكان وإنما الطبيعة تقتضي انطباق مركز الثقل من الأرض على مركز العالم على أي وضع كان، والماء لا يقوى على اخراج الكرة عن مكانها نعم يحركها بالحركة المستديرة، بخلاف المركب فإنه ربما كان بعض أجزائه مقتضيا لوضع خاص كمحاذاة أحد القطبين مثلا حتى تكون الفائدة تحصل بتركب بعض أجزاء الأرض وإن لم يكن هناك جبل وارتفاع، فلا يكون الامتنان بخلق الجبل من حيث أنه جبل، بل من حيث أنه مركب، إلا على تقدير كون المراد أن المقتضي للسكون هو الحالة المركبة من التركب والتضريس، و الظاهر من وصف الجبال بالشامخات في الآية مدخلية ارتفاعها في هذا المعنى، إلا أن يكون الوصف لترتب فوائد اخر عليها، وحينئذ لا مدخل لثقل الجبال في سكون الأرض كما يظهر من قوله أخيرا، فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم، وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، ومع ذلك لا ينفع في نفي
الحركة المشرقية والمغربية بل يؤيدها، ويمكن أن يكون مراده أن العلة هي المجموع من الأمور الثلاثة، ولعله جعل الطبيعية الأرضية كافية في استقرارها في مكانها، وإنما احتاج إلى المانع عن حركتها بالاستدارة حركة وضعية، ولذا قال أخيرا: وكانت مانعة للأرض عن الميد والاضطراب، بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة.
الوجه الثالث: ما يخطر بالبال وهو أن يكون مدخلية الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها واتصال بعضها ببعض في أعماق الأرض بحيث تمنعها عن تفتت أجزائها وتفرقها، فهي بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة في الأبواب المركبة من قطع الخشب الكثيرة بحيث تصير سببا لالتصاق بعضها ببعض وعدم تفرقها، وهذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار في الأرض فإنها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الأحجار الصلبة، و أنت ترى أكثر قطع الأرض واقعة بين جبال محيطة بها، فكأنها مع ما يتصل بها من القطعة الحجرية المتصلة بها من تحت تلك القطعات كالظرف لها تمنعها عن التفتت والتفرق والاضطراب عند عروض الأسباب الداعية إلى ذلك.
الوجه الرابع: ما ذكره بعض المتعسفين من أنه لما كانت فائدة الوتد أن يحفظ الموتود في بعض المواضع عن الحركة والاضطراب حتى يكون قارا ساكنا، وكان من لوازم ذلك السكون في بعض الأشياء صحة الاستقرار على ذلك والتصرف عليه، وكان من فائدة وجود الجبال والتضريسات الموجودة في وجه الأرض أن لا تكون مغمورة بالماء ليحصل للحيوان الاستقرار والتصرف عليها، لا جرم كان بين الأوتاد والجبال الخارجة من الماء في الأرض اشتراك في كونهما مستلزمين لصحة استقراره مانعين من عدمه، لا جرم حسنت نسبة الايتاد إلى الصخور والجبال. وأما إشعاره بالميدان فلان الحيوان كما يكون صادقا عليه أنه غير مستقر على الأرض بسبب انغمارها في الماء لو لم يوجد الجبال كذلك يصدق على الأرض أنها غير مستقرة تحته ومضطربة بالنسبة إليه، فثبت حينئذ أنه لولا وجود الجبال في سطح الأرض لكانت مضطربة ومائدة بالنسبة إلى الحيوان، لعدم تمكنه من الاستقرار عليها.
الوجه الخامس: أن يكون المراد بالجبال الرواسي الأنبياء والأولياء والعلماء، وبالأرض الدنيا. أما وجه التجوز بالجبال عن الأنبياء والعلماء فلان الجبال لما كانت على غاية من الثبات والاستقرار مانعة لما يكون تحتها من الحركة والاضطراب عاصمة لما يلتجئ إليها من الحيوان عما يوجب له الهرب فيسكن بذلك اضطرابه وقلقلته أشبهت الأوتاد من بعض هذه الجهات. ثم لما كانت الأنبياء والعلماء هم السبب في انتظام أمور الدنيا وعدم اضطراب أحوال أهلها كانوا كالأوتاد للأرض، فلا جرم صحت استعارة لفظ الجبال لهم، ولذلك صح في العرف أن يقال: فلان جبل منيع يأوي إليه كل ملهوف إذا كان يرجع إليه في المهمات والحوائج، والعلماء أوتاد الله في الأرض.
الوجه السادس: أن يكون المقصود من جعل الجبال كالأوتاد في الأرض أن يهتدى بها إلى طرقها والمقاصد فيها، فلا تميد جهاتها المشتبهة بأهلها ولا تميل بهم فيتيهون فيها عن طرقهم ومقاصدهم. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها بعض المتعسفين، و هذا دأبه في أكثر الآيات والاخبار حيث يؤولها بلا ضرورة داعية وعلة مانعة عن القول بظاهرها، وهل هذا إلا افتراء على مالك يوم الدين، وافتراء على حجج رب العالمين؟!.
الوجه السابع: أن يقال: المراد بالأرض قطعاتها وبقاعها لا مجموع كرة الأرض وبكون الجبال أوتادا لها أنها حافظة لها عن الميدان والاضطراب بالزلزلة ونحوها إما لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن الله تعالى، أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها ومنشئها. وهذا وجه قريب ويؤيده ما سيأتي في باب الزلزلة من حديث ذي القرنين.
أقول: وأما حديث ذي القرنين والسد وغيره من أحواله فقد مضى في المجلد الخامس في باب أحواله، ولنذكر هنا بعض ما مضى برواية أخرى:
قال الثعلبي في العرائس: روى وهب بن منبه وغيره من أهل الكتب قالوا:
كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه " اسكندروس " ويقال: كان اسمه " عياش " وكان عبدا صالحا، فلما استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله إليه: يا ذا القرنين! إني بعثتك إلى جميع الخلق ما بين الخافقين وجعلتك حجتي عليهم، وهذا تأويل رؤياك وإني باعثك إلى أمم الأرض كلهم وهم سبع أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما عرض الأرض، وأمتان بينهما طول الأرض، وثلاث أمم في وسط الأرض، وهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج.
فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند المغرب يقال لها " ناسك " وأمة أخرى بحيالها عند مطلع الشمس يقال لها " منسك " وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها " هاويل " وأمة في قطر الأرض الأيسر يقال لها " قاويل " فلما قال الله سبحانه ذلك قال ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني إلى أمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن الأمم التي بعثتني إليها بأي قوة أكاثرهم؟ أو بأي جمع وحيلة أكابرهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفهم لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟
وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي قلب وحكمة أدبر أمورهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟
وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أستطيل عليهم؟ وبأي رجل أطأهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟
وبأي رفق أتألفهم؟ وليس عندي يا إلهي شئ مما ذكرت يقوم لهم ويقوى عليهم و أنت الرؤف الرحيم الذي لا تكلف نفسا إلا وسعها ولا تكلفها إلا طاقتها. فقال الله عز وجل: إني سأطوقك ما حملتك: أشرح لك سمعك فتسمع كل شئ وتعي كل شئ وأشرح لك فهمك فنفقه كل شئ، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شئ، وأفتح لك بصرك فتنفذ كل شئ، وأحصي لك فلا يفوتك شئ، وأشد لك عضدك فلا يهولك شئ وأشد لك ركنك فلا يغلبك شئ، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شئ، وأشد لك يدك فتسطو فوق كل شئ وأشد لك وطأتك فتهد على كل شئ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شئ، وأسخر الظلمة من ورائك. فلما قيل له ذلك حدث نفسه بالمسير وألح
عليه قومه بالمقام فلم يفعل وقال: لا بد من طاعة الله تعالى.
ثم أمرهم أن يبنوا له مسجدا وأن يجعلوا طول المسجد أربعمأة ذراع، وأمرهم أن لا ينصبوا فيه السواري. قالوا كيف نصنع؟ قال: إذا فرغتم من بنيان الحائط فاكبسوها بالتراب حتى يستوي الكبس مع حيطان المسجد، فإذا فرغتم فرضتم من الذهب على الموسر قدره وعلى المقتر قدره، ثم قطعتموه مثل قلامة الظفر، ثم خلطتموه بذلك الكبس وجعلتم خشبا من نحاس، ووتدا من نحاس، وصفائح من نحاس تذيبون ذلك وأنتم تمكنون من العمل كيف شئتم على أرض مستوية. وجعلتم طول كل خشبة مأتي ذراع وأربعة وعشرين ذراعا: مأتا ذراع في ما بين الحائطين لكل حائط اثنا عشر ذراعا ثم تدعون المساكين لنقل التراب فيتسارعون إليه لأجل ما فيه من الذهب والفضة فمن حمل شيئا فهو له. ففعلوا ذلك، فأخرج المساكين التراب واستقر السقف بما عليه و استغنى المساكين، فجندهم أربعين ألفا، وجعلهم أربعة أجناد في كل جند عشرة آلاف ثم عرضهم فوجدهم في ما قيل ألف ألف وأربعمأة ألف رجل منهم من جنده ثمانمأة ألف ومن جند دارا ستمأة ألف ومن المساكين أربعين ألفا. ثم انطلق يؤم الأمة التي عند مغرب الشمس، فذلك قوله تعالى " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة " أي ذات حمأة. ومن قرأ " حامية " بالألف من غير همز فمعناها: حارة.
فلما بلغ مغرب الشمس وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلا الله تعالى وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله عز وجل " ورأي ألسنة مختلفة وأهواء متشتة وذلك قول الله تعالى " ووجد عندها قوما " يعني ناسا كثيرة يقال لها " ناسك " فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد، ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى الله عز وجل وعبادته " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأحداقهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن كل جانب منهم، فهاجوا فيه وتحيروا، فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد
فكشفها عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا في دعوته. فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من خلفهم والنور أمامهم يقوده ويدله وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها " هاويل " وسخر الله له قلبه ويده ورأيه وعقله ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا هي أتت إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار، أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود فإذا هي قطع الأنهار والبحار فتقها. ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلم يكرثه حمله فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى " هاويل " فعمل فيها كفعله في " ناسك " فلما فرغ منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتى انتهى إلى " منسك " عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند جنودا كفعله في الأمتين قبلهما، ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية [الأرض] اليسرى وهو يريد " قاويل " وهي الأمة التي بحيال " هاويل " وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كله، فلما بلغها عمل فيها وجند فيها كفعله في ما قبلها، فذلك قوله تعالى " حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " يعني:
مسكنا.
قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء فكانوا إذا طلعت عليهم الشمس هووا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما تتراعى البهائم. و قال ابن جريح: وجاءهم جيش مرة وقال لهم أهلها لا يطلع عليكم الشمس وأنتم بها!
فقالوا: ما؟؟؟؟ تطلع الشمس فنراها، فماتوا. وقيل: فذهبوا بها هاربين في الأرض. وقال؟؟؟: هم أمة يقال لها منسك حفاة عماة عن الحق. قال: وحدثنا عمرو بن مالك؟؟ قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدث الناس وهم يجتمعون حوله فسألت بعض من سمع فأخبرني أنه حدثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس.
قال: قال: خرجت حتى إذا جاوزت الصين، ثم سألت عنهم، فقيل: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليله، فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش اذنه ويلبس الأخرى وان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم، وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علي فأفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء فإذا هو يغلي كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط. فلما ارتفعت أدخلوني في سرب لهم أنا وصاحبي. فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه بالشمس فينضج.
ثم قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار القدماء: لما فرغ ذو القرنين من أمر الأمم الذين هم بأطراف الأرض وطاف الشرق والغرب عطف فيها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الانس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الانس وهم مشابه البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع، ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض، وليست لله تعالى خلق ينمو نماءهم. ولا يزداد كزيادتهم! فإن أتت مدة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها ويفسدون فيها، وليست تمر بنا سنة مذ جاوزناهم إلا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أو لهم من بين هذين الجبلين " فهل نجعل لك خرجا " أي جعلا وأجرا " على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " حاجزا فلا يصلون إلينا؟ فقال لهم ذو القرنين " ما مكني فيه ربي خير " أي ما قواني عليه خير من خرجكم " ولكن أعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما " أي حاجزا كالحائط. قالوا: وما تلك القوة؟ قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل وآلة. قالوا: وما تلك الآلة؟ " قال آتوني زبر الحديد " يعني قطعا - واحدتها
زبرة - وآتوني بالنحاس. فقالوا: ومن أين لنا الحديد والنحاس ما يسع هذا العمل؟
قال: سأريكم على معادن الحديد والنحاس، فضرب لهم في جبلين حتى فلقهما ثم استخرج منهما معدنين من الحديد والنحاس. قالوا: بأي قوة نقطع الحديد والنحاس؟
فاستخرج لهم معدنا آخر من تحت الأرض يقال له " السامور " وهو أشد ما خلق الله تعالى بياضا، وهو الذي قطع به سليمان أساطين بيت المقدس وصخوره وجواهره، ثم قاس ما بين الجبلين ثم أوقد على جمع من الحديد والنحاس النار، فصنع منه زبرا أمثال الصخور العظام، ثم أذاب النحاس فجعله كالطين والملاط لتلك الصخور من الحديد ثم بنى. وكيفية بنائه على ما ذكر أهل السير هو أنه لما قاس ما بين الجبلين وجد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له الأساس حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا، ثم وضع الحطب بين الجبلين ثم نسج عليه الحديد ثم نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد " حتى ساوى بين الصدفين " وهما الجبلان، ثم أمر بالنار فأرسلت فيه ثم " قال انفخوا حتى جعله نارا " ثم جعل يفرغ القطر عليه وهو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب فيصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس، فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد وغبرته، فصار سدا طويلا عظيما حصينا كما قال تعالى " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ". وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: أنعته لي. قال كالبرد الحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد رأيته. ويقال: إن موضع السد وراء " ملاذجرد " بقرب مشرق الصيف بينه وبين الخزرة مسيرة اثنين وسبعين يوما.
وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كان ذو القرنين قد ملك ما بين المشرق والمغرب وكان له خليل من الملائكة اسمه " رفائيل " يأتيه ويزوره، فبينما هما ذات يوم يتحدثان إذ قال ذو القرنين: يا رفائيل! حدثني عن عبادتكم في السماء
فبكى وقال: يا ذا القرنين! وما عبادتكم عند عبادتنا؟! إن في السماء من الملائكة من هو قائم أبدا لا يجلس، ومنهم الساجد لا يرفع رأسه أبدا، ومنهم الراكع لا يستوي قائما أبدا، يقول: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، ربنا ما عبدناك حق عبادتك. فبكى ذو القرنين بكاء شديدا ثم قال: إني لأحب أن أعيش فأبلغ من عبادة ربي حق طاعته! فقال رفائيل: أو تحب ذلك يا ذا القرنين؟ قال: نعم، فقال رفائيل: فإن لله تعالى عينا في الأرض تسمى " عين الحياة " فيها من الله عز وجل عزيمة أنه من شرب منها لم يمت أبدا حتى يكون هو الذي يسأل ربه الموت! فقال ذو القرنين هل تعلمون أنتم موضع تلك العين؟ فقال: لا، غير أنا نتحدث في السماء أن لله تعالى في الأرض ظلمة لا يطأها إنس ولا جان، فنحن نظن أن تلك العين في تلك الظلمة.
فجمع ذو القرنين علماء أهل الأرض وأهل دراسة الكتب وآثار النبوة فقال لهم:
أخبروني هل وجدتم في ما قرأتم من كتب الله تعالى وما جاءكم من أحاديث الأنبياء و من كان قبلكم من العلماء أن الله تعالى وضع في الأرض عينا سماها " عين الحياة "؟
فقالت العلماء: لا، فقال عالم من العلماء - واسمه " فتحيز " - إني قرأت وصية آدم فوجدت فيها أن الله خلق في الأرض ظلمة لم يطأها إنس ولا جان ووضع فيها عين الخلد. فقال ذو القرنين: صدقت. ثم حشد إليه الفقهاء والاشراف والملوك وسار يطلب مطلع الشمس، فسار اثني عشرة سنة إلى أن بلغ طرف الظلمة، فإذا ظلمة تفور مثل الدخان ليست بظلمة ليل، فعسكر هناك ثم جمع علماء عسكره فقال: إني أريد أن أسلك هذه الظلمة! فقال العلماء: أيها الملك إنه من كان قبلك من الأنبياء والملوك لم يطلبوا هذه الظلمة فلا تطلبها، فإنا نخاف أن ينفتق عليك أمر تكرهه ويكون فيه فساد أهل الأرض. فقال: لا بد من أن أسلكها. فقالوا: أيها الملك كف عن هذه الظلمة ولا تطلبها، فإنا لو نعلم أنك إن طلبتها ظفرت بما تريد ولم يسخط الله علينا لا تبعناك ولكنا نخاف العنت من الله تعالى وفسادا في الأرض ومن عليها. فقال
ذو القرنين: لا بد من أن أسلكها. فقالت العلماء: شأنك بها. فقال ذو القرنين: أي الدواب أبصر؟ قالوا: الخيل. قال: فأي الخيل أبصر؟ قالوا: الإناث. قال: فأي الإناث أبصر؟ قالوا: البكارة. فأرسل ذو القرنين فجمع له ستة آلاف فرس أنثى بكارة ثم انتخب من عسكره أهل الجلد والعقل ستة آلاف رجل، فدفع إليهم كل رجل فرسا، وعقد للخضر على مقدمته على ألفين وبقي ذو القرنين في أربعة آلاف. وقال ذو القرنين للناس: لا تبرحوا من معسكركم هذا اثني عشرة سنة فإن نحن رجعنا إليكم وإلا فارجعوا إلى بلادكم. فقال الخضر: أيها الملك، إنا نسلك ظلمة [هو] لا ندري كم السير فيها ولا يبصر بعضنا بعضا، فكيف نصنع بالضلال إذا أصابنا؟ فدفع ذو القرنين إلى الخضر خرزة حمراء فقال: حيث يصيبكم الضلال فاطرح هذه في الأرض فإذا صاحت فليرجع أهل الضلال إليها أين صاحت. فصار الخضر بين يدي ذي القرنين يرتحل الخضر وينزل ذو القرنين، فبينما الخضر يسير إذ عرض له واد فظن أن العين في الوادي والقي في قلبه ذلك، فقام على شفير الوادي وقال لأصحابه: قفوا ولا يبرحن رجل من موقفه! فرمى بالخرزة فمكث طويلا ثم أجابته الخرزة فطلب صوتها فانتهى إليها، فإذا هي على جانب العين، فنزع الخضر ثيابه ثم دخل العين فإذا ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من الشهد فشرب واغتسل وتوضأ ولبس ثيابه، ثم رمى بالخرزة نحو أصحابه فوقفت الخرزة فصاحت، فرجع الخضر إلى صوتها وإلى أصحابه ، فركب وقال لأصحابه: سيروا باسم الله.
ومر ذو القرنين فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوما وليلة، ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر ولا أرض حمراء ورملة خشخاشة - أي مصوتة - فإذا هو بقصر مبني في تلك الأرض طوله فرسخ في فرسخ عليه باب فنزل ذو القرنين بعسكره ثم خرج وحده حتى دخل القصر، فإذا حديدة قد وضعت طرفاها على جانب القصر من ههنا وههنا وإذا بطائر أسود شبيه بالخطاف مزموم بأنفه إلى الحديدة معلق بين السماء والأرض
فلما سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين. فقال الطائر:
يا ذا القرنين أما كفاك ما وراك حتى وصلت إلي؟! ثم قال الطائر: يا ذا القرنين حدثني فقال ذو القرنين: سل، فقال: هل كثر بناء الآجر والجص في الأرض؟ قال: نعم فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين هل كثرت المعازف؟ قال: نعم، فانتفض الطير وامتلأ حتى ملا من الحديدة ثلثيها، ثم قال:
هل كثرت شهادات الزور في الأرض؟ قال: نعم، فانتفض الطائر انتفاضة فملا الحديدة وسد ما بين جداري القصر، فخشي وخاف ذو القرنين وفرق فرقا شديدا، فقال الطائر:
يا ذا القرنين لا تخف! حدثني. قال: سل، قال هل يترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله قال: لا، قال: فانضم الطائر ثلثا، ثم قال: يا ذا القرنين هل ترك الناس الصلاة المفروضة [بعد]؟ قال: لا، قال: فانضم الطائر ثلثا، ثم قال: يا ذا القرنين هل ترك الناس غسل الجنابة بعد؟ قال: لا، قال فصار الطائر كما كان. ثم قال: اسلك يا ذا القرنين هذه الدرجة درجة إلى أعلى القصر، فسلكها ذو القرنين وهو خائف وجل لا يدري على م يهجم، حتى استوى على صدر الدرج، فإذا سطح ممدود عليه صورة رجل شاب قائم عليه ثياب بيض، رافعا وجهه إلى السماء واضعا يديه على فيه، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال: ما هذا؟ قال: أنا ذو القرنين. قال : يا ذا القرنين إن الساعة قد اقتربت، وأنا أنتظر أمر ربي يأمرني أن أنفخ فأنفخ. ثم أخذ صاحب الصور شيئا من بين يديه كأنه حجر فقال: خذها يا ذا القرنين! فإن شبع هذا شبعت وإن جاع هذا جعت. فأخذ ذو القرنين الحجر ونزل إلى أصحابه، فحدثهم بأمر الطائر وما قال له وما رد عليه وما قال صاحب الصور. ثم جمع علماء عسكره فقال: أخبروني عن هذا الحجر ما أمره؟ فقالوا: أيها الملك أخبرنا بما قال لك فيه صاحب الصور. فقال ذو القرنين: إنه قال لي: إن شبع هذا شبعت وإن جاع جعت. فوضعت العلماء ذلك الحجر في إحدى كفتي الميزان وأخذوا حجرا مثله فوضعوه في الكفة الأخرى ثم
رفعوا الميزان فإذا الذي جاء به ذو القرنين يميل، فوضعوا معه آخر ورفعوا الميزان فإذا هو يميل بهن فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فرفعوا الميزان فمال بالألف جميعا! فقالت العلماء: انقطع علمنا دون هذا لا ندري أسحر هذا أم علم ما لا نعلمه! فقال الخضر وكان قد وافاه: نعم، أنا أعلمه. فأخذ الخضر الميزان بيده، ثم أخذ الحجر الذي جاء به ذو القرنين فوضعه في إحدى الكفتين فأخذ حجرا من تلك الحجارة فوضعه في الكفة الأخرى ثم أخذ كفا من تراب فوضعه على الحجر الذي جاء به ذو القرنين، ثم رفع الميزان فاستوى! فخرت العلماء سجدا لله تعالى وقالوا: سبحان الله! هذا علم لا يبلغه علمنا، والله لقد وضعنا ألفا فما استقل به. فقال الخضر: أيها الملك، إن سلطان الله عز وجل قاهر لخلقه، وأمره نافذ فيهم، وحكمه جار عليهم، فان الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ببعض: فابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، والعالم بالجاهل، والجاهل بالعالم، وإنه ابتلاك بي وابتلاني بك. فقال ذو القرنين: صدقت، فأخبرنا عن هذا المثل. فقال الخضر: هذا مثل ضربه لك صاحب الصور: إن الله عز وجل مكن لك في البلاد وأعطاك منها ما لم يعط أحدا وأوطأك منها ما لم يوطئ أحدا فلم تشبع، فأبت نفسك شرها حتى بلغت من سلطان الله ما لم يطأه إنس ولا جان، فهذا مثل ضربه لك صاحب الصور إن ابن آدم لا يشبع أبدا دون أن يحثى عليه التراب، ولا ملا جوفه إلا التراب. فبكى ذو القرنين، ثم قال: صدقت يا خضر في ضرب هذا المثل، لا جرم لا أطلب أثرا في البلاد بعد مسيري هذا حتى أموت. ثم انصرف راجعا حتى إذا كان في وسط الظلمة وطأ الوادي الذي فيه الزبرجد، فقال من معه لما سمعوا خشخشة تحت أقدامهم وأقدام دوابهم: ما هذا تحتنا يا أيها الملك؟ فقال ذو القرنين: خذوا منه فإنه من أخذ ندم ومن ترك ندم، فمنهم من أخذ الشئ ومنهم من تركه، فلما خرجوا من الظلمة إذا هو الزبرجد، فندم الآخذ والتارك.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رحم الله أخي ذا القرنين، لو ظفر بوادي الزبرجد في مبتداه ما ترك منها شيئا حتى يخرجه إلى الناس لأنه كان راغبا في الدنيا ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة له فيها. ثم رجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف
ومات في طريقه بشهر روز. وقال علي بن أبي طالب - صلوات الله -: ثم إنه رجع إلى " دومة الجندل " وكان منزله فأقام بها حتى مات - انتهى -.
وقال الطبرسي - ره - في قوله تعالى " إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض " فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم ويأكلون لحومهم ودوابهم. وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابس إلا احتملوه، عن الكلبي - وقيل:
أراد أنهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم. وورد في الخبر عن حذيفة: قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن يأجوج ومأجوج، فقال: يأجوج أمة، ومأجوج أمة كل أمة أربعمأة أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الآزر: قلت:
يا رسول الله وما الآزر؟ قال : شجر بالشام طويل، ومنهم طوله وعرضه سواء، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه. من مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة " طبرية " قال وهب ومقاتل: إنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجته، وقال قتادة: إن ذا القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء والتراب يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وهذا بعيد.
" وهم من كل حدب ينسلون " قال - ره -: أي من كل نشز من الأرض يسرعون، يعني أنهم متفرقون في الأرض فلا ترى أكمة إلا وقوم منهم يهبطون منها
مسرعين. وقال - رحمه الله - في " ق " قيل: هو اسم الجبل المحيط بالأرض من زمردة خضراء خضرة السماء منها، عن الضحاك وعكرمة. وقال - رحمه الله -: في " والطور ": أقسم سبحانه بالجبل الذي كلم عليه موسى بالأرض المقدسة، وقيل: هو الجبل أقسم به لما أودع فيه من أنواع نعمه. وفي قوله تعالى " وإلى الجبال كيف نصبت ": أي أفلا يتفكرون في خلق الله سبحانه الجبال أوتادا للأرض ومسكنة لها، و أنه لولاها لمادت الأرض بأهلها.
1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، بإسناده رفعه إلى الصادق عليه السلام قال: الدنيا سبعة أقاليم، يأجوج ومأجوج والروم والصين والزنج وقوم موسى وأقاليم بابل.
بيان: لعل المراد هنا بيان أقاليم الدنيا باعتبار أصناف الناس واختلاف صورهم وألوانهم وطبائعهم، والغرض إما حصرهم فيها فأقاليم بابل المراد بها ما يشمل أشباههم من العرب والعجم، والصين يشمل جميع الترك، والزنج يشمل الهنود، أو بيان غرائب الأصناف من الخلق وهو أظهر. والمراد بقوم أهل جابلقا وجابرسا كما مر.
2 - الخصال: عن القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه السراج، عن علي بن الحسن بن سعيد البزاز، عن حميد بن زنجويه، عن عبد الله بن يوسف، عن خالد بن يزيد بن صبيح، عن طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطا، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من الجبال التي تطايرت يوم موسى عليه السلام سبعة أجبل، فلحقت بالحجاز واليمن، منها بالمدينة: أحد، وورقان، وبمكة: ثور، وثبير وحرى، و
باليمن: صبر، وحضور توضيح: قال الفيروزآبادي: " ورقان " بكسر الراء جبل أسود بين العرج والرويثة بيمين المصعد من المدينة إلى مكة - حرسهما الله تعالى - وقال: " ثور " جبل بمكة. وقال: ثبير والأثبرة وثبير الخضراء والنصع والزنج والأعرج والأحدب وغنياء جبال بظاهر مكة. وقال: حراء - ككتاب وكعلى عن عياض يؤنث ويمنع -:
جبل بمكة فيه غار تحنث فيه النبي صلى الله عليه وسلم أي تعبد واعتزل. وقال: الصبر - ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة شعر - جبل مطل على تعز. وقال: تعز - كتقل - قاعدة اليمن. وقال: حضور كصبور جبل وبلد باليمن.
3 - الخصال: عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس ومحمد ابن يحيى العطار معا، عن محمد بن أحمد الأشعري، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن علي، عن زيد بن مهران، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسين بن زيد، قال: بلغني أن الله عز وجل خلق الجبل من أربعة أشياء: من البحر الأعظم المحدق بالدنيا، و من النار، ومن دموع ملك يقال له إبراهيم، ومن بئر طيبة. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
بيان: " خلق الجبل " كذا في بعض النسخ بالجيم والباء الموحدة، وفي أكثر النسخ بالخاء المعجمة والياء المثناة التحتانية. وعلى التقديرين لعل فيه تجوزا واستعارة، مع أن الخبر موقوف لم يسند إلى إمام وكأن في " البئر " أيضا تحريفا.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: " ق والقرآن المجيد " قال: ق جبل محيط بالدنيا وراء يأجوج ومأجوج، وهو قسم.
5 - ومنه : عن أحمد بن علي وأحمد بن إدريس معا، عن محمد بن أحمد العلوي عن العمركي، عن محمد بن الجمهور، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم
عن يحيى بن ميسرة الخثعمي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: " عسق " عداد سني القائم و " ق " جبل محيط بالدنيا من زمرد أخضر، فخضرة السماء من ذلك الجبل وعلم علي كله في " عسق ".
6 - العيون والعلل: في خبر الشامي: سأل أمير المؤمنين عليه السلام مما خلقت الجبال؟ قال: من الأمواج.
7 - البصائر: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن عليا عليه السلام ملك ما في الأرض وما تحتها، فعرضت له السحابان: الصعب، والذلول، فاختار الصعب، فكان في الصعب ملك ما تحت الأرض وفي الذلول ملك ما فوق الأرض، واختار الصعب على الذلول فدارت به سبع أرضين فوجد ثلاث خراب وأربع عوامر.
8 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن أبي خالد وأبي سلام، عن سورة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أما إن ذا القرنين قد خير بين السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قال: قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه. أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع والأرضين السبع: خمس عوامر، واثنتان خرابان.
بيان: لعل الخامسة عمارتها قليلة فعدت في الخبر السابق من الخراب لذلك.
9 - البصائر للصفار ومنتخب البصائر لسعد بن عبد الله عن سلمة، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سليمان، عن يقطين الجواليقي، عن قلقلة عن أبي جعفر
عليه السلام قال: إن الله خلق جبلا محيطا بالدنيا من زبرجد أخضر، وإنما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل، وخلق خلقا لم يفترض عليهم شيئا مما افترض على خلقه من صلاة وزكاة، وكلهم يلعن رجلين من هذه الأمة وسماهما.
10 - جامع الأخبار: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن القاف وما خلفه، قال: خلفه سبعون أرضا من ذهب، وسبعون أرضا من فضة، وسبعون أرضا من مسك، خلفه سبعون أرضا سكانها الملائكة لا يكون فيها حر ولا برد، وطول كل أرض مسيرة عشرة ألف سنة. قيل: وما خلف الملائكة؟ قال: حجاب من ظلمة، قيل: وما خلفه؟ قال:
حجاب من ريح، قيل: وما خلفه؟ قال: حجاب من نار، قيل: وما خلفه؟ قال: حية محيطة بالدنيا كلها تسبح الله إلى يوم القيامة وهي ملك الحيات كلها. قيل: وما خلفه؟ قال: حجاب من نور. قيل: وما خلفه؟ قال: علم الله وقضاؤه. وسئل صلى الله عليه وآله عن عرض قاف وطوله واستدارته، فقال: عرضه مسيرة ألف سنة من ياقوت أحمر قضيبه من فضة بيضاء وزجه ومن زمردة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور: ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب، والأخرى في وسط السماء عليها مكتوب ثلاثة أسطر: الأول بسم الله الرحمن الرحيم، الثاني الحمد لله رب العالمين، الثالث لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
11 - الدر المنثور عن كعب، في قوله " حتى توارت بالحجاب " قال: حجاب من ياقوت أخضر محيط بالخلائق، فمنه اخضرت السماء التي يقال لها: السماء الخضراء واخضر البحر من السماء فمن ثم يقال: البحر الأخضر.
وعن ابن مسعود أيضا مثله.
بيان: الاخبار المنقولة من الكتابين ضعيفة عامية وقد مر أشباهها وبعض القول فيها في باب العوالم.
12 - كتاب الأقاليم والبلدان: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون - إلى - وكذلك تخرجون " كتب له من الحسنات بعدد كل ورقة ثلج على جبل سيلان. وما السيلان يا رسول الله؟ قال: جبل بأرمنية وآذربيجان عليه عين من عيون الجنة وفيه قبر من قبور الأنبياء.
قال أبو حامد الأندلسي: على رأس هذا الجبل عين عظيمة مع غاية ارتفاعه، ماؤه أبرد من ماء الثلج كأنما يشبه بالعسل لشدة عذوبته، وبجوف هذا الجبل ماء يخرج من عين يصلق البيض لحرارته يقصدها الناس لمصالحهم، وبحضيض هذا الجبل شجر كثير ومراع وشئ من حشيش لا يتناوله انسان ولا حيوان إلا مات لساعته.
قال القزويني: ولقد رأيت الخيل والدواب ترعى في هذا الجبل فإذا قربت من ذلك الحشيش نفرت وولت منهزمة كالمطرودة، وقال: قال القزويني: في قرية من قرى قزوين جبل حدثني من صعده أن عليه صورة كل حيوان من الحيوان على اختلاف أجناسها وصور الآدميين على أنواع أشكالها عدد لا تحصى وقد مسخوا حجارة وفيه الراعي متكئا على عصاه، والماشية حوله كلها حجارة، وامرأة تحلب بقرة وقد تحجر، والرجل يجامع امرأته وقد تحجر، وامرأة ترضع ولدها وهلم جرا هكذا.
13 - وقال: حكي أنه دخل على جعفر الصادق عليه السلام رجل من همدان، فقال له جعفر الصادق عليه السلام: من أين أنت؟ قال: من همدان، فقال له: أتعرف جبلها " راوند " قال له الرجل: جعلت فداك إنه " أروند " قال: نعم، إن فيه عينا من عيون الجنة.
بيان: كان الجبل مسمى بكلا الاسمين، والصحيح من اسمه " راوند " وإنما صدقه لأنه هكذا أعرف عندهم.
وقال: جبل قاف محيط بالأرض كإحاطة بياض العين بسوادها، وما وراء جبل قاف فهو من حكم الآخرة لا من حكم الدنيا. وقال بعض المفسرين: إن لله سبحانه وتعالى من وراء جبل قاف أرضا بيضاء كالفضة المجلوة طولها مسيرة أربعين يوما للشمس وبها ملائكة شاخصون إلى العرش لا يعرف الملك منهم من إلى جانبه من هيبة الله تعالى
ولا يعرفون ما آدم وما إبليس، هكذا إلى يوم القيامة. وقيل: إن يوم القيامة تبدل أرضنا هذه بتلك الأرض والله أعلم.
وقال: السرنديب هو جبل بأعلى الصين في بحر الهند وهو الجبل الذي اهبط عليه آدم عليه السلام وعليه أثر قدمه غائص في الصخرة طوله سبعون شبرا، وعلى هذا الجبل ضوء كالبرق ولا يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا بد لكل يوم فيه من المطر فيغسل قدم آدم عليه السلام. وحوله من أنواع اليواقيت والأحجار النفيسة وأصناف العطر والأدوية ما لا يوصف، فإن آدم خطا من هذا الجبل إلى ساحل البحر خطوة واحدة وهو مسيرة يومين .
وقال: حكي عن عبادة بن الصامت قال: أرسلني أبو بكر إلى ملك الروم رسولا لأدعوه إلى الاسلام، فسرت حتى دخلت بلاد الروم، فلاح لنا جبل يعرف بأهل الكهف فوصلنا إلى دير فيه وسألنا أهل الدير عنهم، فأوقفونا على سرب في الجبل فوهبنا لهم شيئا وقلنا نريد أن ننظر إليهم، فدخلوا ودخلنا معهم، وكان عليهم باب من حديد ففتحوه لنا فانتهينا إلى بيت عظيم محفور في الجبل فيه ثلاثة عشر رجلا مضطجعين على ظهورهم كأنهم رقود وعلى كل واحد منهم جبة غبراء وكساء أغبر قد غطوا بها من رؤسهم إلى أقدامهم، فلم ندر ما ثيابهم من صوف أو وبر إلا أنها كانت أصلب من الديباج فلمسناها فإذا هي تتقعقع من الصفاقة، وعلى أرجلهم الخفاف إلى أنصاف سوقهم مستنعلين بنعال مخصوفة وخفافهم ونعالهم في جودة الخز ولين لجلود ما لم ير مثله. قال:
فكشفنا عن وجوههم رجلا رجلا فإذا هم في وضاءة الوجوه وصفاء الألوان وحسن التخطيط، وهم كالاحياء بعضهم في نضارة الشباب، وبعضهم قد خطه الشيب، وبعضهم شعورهم مظفورة، وبعضهم شعورهم مضمومة وعلى زي المسلمين، فانتهينا إلى آخرهم فإذا فيهم مضروب على وجهه بسيف كأنما ضرب في يومه! فسألنا عن حالهم وما يعلمون من أمورهم، فذكروا أنهم يدخلون عليهم في كل عام يوما، ويجتمع أهل تلك الناحية على الباب فيدخل عليهم من ينفض التراب عن وجوههم وأكسيتهم، ويقلم أظفارهم
ويقص شواربهم ويتركهم على هيئتهم هذه. قلنا لهم: هل تعرفون من هم وكم مدة هم ههنا؟ فذكروا أنهم يجدون في كتبهم أنهم كانوا أنبياء بعثوا إلى هذه البلاد في زمان واحد قيل المسيح بأربعمائة سنة. وعن ابن عباس أن أصحاب الكهف سبعة.
14 - نوادر علي بن أسباط: عن إبراهيم بن علي المحمودي، عن أبيه، عن عبد الله بن موسى، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن محمد بن علي عليهم السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم ونحن في مسجده فقال : من ههنا؟ قلت: أنا يا رسول الله وسلمان الفارسي. فقال: يا سلمان ادع لي مولاك عليا، فقد جاءتني فيه عزيمة من رب العالمين. قال جابر: فذهب سلمان فاستخرج عليا من منزله، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله خلا به فأطال مناجاته، كل ذلك يسر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سرا خفيا عنا ووجه رسول الله صلى الله عليه وآله يقطر عرقا كنظم الدر يتهلل حسنا، ثم قال له لما انصرف من مناجاته: قد سمعت ووعيت فاحفظ يا علي. ثم قال: يا جابر ادع عمر وأبا بكر. قال جابر: فذهبت إليهما فدعوتهما، فلما حضراه قال: يا جابر ادع لي عبد الرحمن بن عوف. قال جابر: فدعوته، فلما أتاه قال: يا سلمان اذهب إلى بيت أم سلمة فأتني بالبساط الخيبري. قال جابر: فما لبثنا أن جاءنا سلمان بالبساط فأمره أن يبسط، ثم أمر القوم فجلس كل واحد منهم على ركن من أركانه وكانوا ثلاثة، ثم خلا رسول الله صلى الله عليه وآله فأطال مناجاته وأسر إليه سرا خفيا ثم أمره أن يجلس على الركن الرابع من البساط. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي اجلس متوسطا وقل ما أمرتك به فإنك لو قلته على الجبال لسارت، أو قلته على الأرض لتقطعت من ورائك، ولطويت كل من بين يديك، ولو كلمت به الموتى لأجابوك بإذن الله. فقال له بعض القوم: يا رسول الله هذا لعلي خاصة؟ قال: نعم، فاعرفوا ذلك له. قال جابر:
فلما أخذ كل واحد مجلسه اختلج البساط فلم أره إلا ما بين السماء والأرض. فلما رجع سلمان خبرني أنهم ساروا ما بين السماء والأرض لا يدرون أشرقا أم غربا حتى انقض بهم البساط على كهف عظيم عليه باب من حجر واحد. قال سلمان: فقمت بالذي أمرني به رسول الله صلى الله عليه وآله. قال جابر: فقلت لسلمان: ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال:
أمرني إذا استقر البساط مكانه من الأرض وصرنا عند الكهف أن آمر أبا بكر بالسلام على أهل ذلك الكهف وعلى الجميع، فأمرته، فسلم عليهم بأعلى صوته فلم يردوا عليه شيئا، ثم سلم أخرى فلم يجب، فشهد أصحابه على ذلك وشهدت عليه. ثم أمرت عمر فسلم عليهم بأعلى صوته فلم يردوا عليه شيئا، ثم سلم أخرى فلم يجب، فشهد أصحابه على ذلك وشهدت عليه، ثم أمرت عبد الرحمن بن عوف فسلم عليهم فلم يجب فشهدوا أصحابه على ذلك وشهدت عليه. ثم قمت أنا فأسمعت الحجارة والأودية صوتي فلم أجب، فقلت لعلي: فداك أبي وأمي، أنت بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نرجع لك ولك السمع والطاعة، وقد أمرني أن آمرك بالسلام على أهل هذا الكهف آخر القوم، وذلك لما يريد الله لك وبك الشرف من شرف الدرجات. فقام علي فسلم بصوت خفي فانفتح الباب فسمعنا له صريرا شديدا، ونظرنا إلى داخل الغار يتوقد نارا، فملئنا رعبا وولى القوم فرارا، فقلت لهم: مكانكم! حتى نسمع ما يقال، وإنه لا بأس عليكم. فرجعوا، فأعاد علي عليه السلام فقال: السلام عليكم أيها الفتية الذين آمنوا بربهم.
فقالوا: وعليك السلام يا علي ورحمة الله وبركاته وعلى من أرسلك، بآبائنا وأمهاتنا أنت يا وصي محمد خاتم النبيين وقائد المرسلين ونذير العالمين وبشير المؤمنين، أقرئه منا السلام ورحمة الله يا إمام المتقين. قد شهدنا لابن عمك بالنبوة ولك بالولاية و الإمامة والسلام على محمد يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. قال: ثم أعاد علي عليه السلام فقال: السلام عليكم أيها الفتية الذين آمنوا بربهم وزدناهم هدى. فقالوا:
عليك السلام ورحمة الله وبركاته يا مولانا وإمامنا. الحمد لله الذي أرانا ولايتك وأخذ ميثاقنا بذلك وزادنا إيمانا وتثبيتا على التقوى، قد سمع من بحضرتك أن الولاية لك دونهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال سلمان: فلما سمعوا ذلك أقبلوا على علي عليه السلام وقالوا: شهدنا وسمعنا فاشفع لنا إلى نبينا ليرضى عنا برضاك. ثم تكلم علي عليه السلام بما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله ما درينا أشرقا أم غربا حتى نزلنا كالطير الذي يهوي من مكان بعيد وإذا نحن على باب المسجد، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: كيف رأيتم؟ فقال القوم: نشهد كما شهد أهل الكهف ونؤمن كما آمنوا. فقال:
إن تفعلوا تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين، فإن لم تفعلوا تختلفوا فمن وافى وافى الله له، ومن نكص فعلى عقبيه ينقلب، أفبعد المعرفة والحجة؟! والذي نفسي بيده لقد أمرت أن آمركم ببيعته وطاعته، فبايعوه وأطيعوه، فقد نزل الوحي بذلك: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ".
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.