بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 10 الطينة والميثاق الآيات، الأعراف 7 وإذ أخذ ربك من
ج ۵، ص ۲۵۰–۲۷۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
أرى الرجل من أصحابنا ممن يقول بقولنا خبيث اللسان، خبيث الخلطة، قليل الوفاء بالميعاد، فيغمني غما شديدا! وأرى الرجل من المخالفين علينا حسن السمت، حسن الهدي، وفيا بالميعاد، فأغتم غما! فقال: أو تدري لم ذاك؟ قلت : لا، قال:
إن الله خلق الطينتين فعركهما - وقال بيده هكذا راحتيه جميعا واحدة على الأخرى. ثم فلقهما فقال: هذه إلى الجنة، وهذه إلى النار ولا أبالي، فالذي رأيت من خبث اللسان والبذاء وسوء الخلطة وقلة الوفاء بالميعاد من الرجل الذي هو من أصحابكم، يقول بقولكم فبما التطخ بهذه من الطينة الخبيثة وهو عائد إلى طينته; والذي رأيت من حسن الهدي وحسن السمت وحسن الخلطة والوفاء بالميعاد من الرجال من المخالفين فبما التطخ به من الطينة. فقلت: فرجت عني فرج الله عنك. " ص
137 - 138 "
47 - المحاسن: يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جده، عن رجل من أصحابه يقال له: عمران أنه خرج في عمرة زمن الحجاج فقلت له: هل لقيت أبا جعفر عليه السلام قال: نعم، قلت: فما قال لك؟ قال: قال لي: يا عمران ما خبر الناس؟ فقلت:
تركت الحجاج يشتم أباك على المنبر - أعني علي بن أبي طالب صلوات الله عليه - فقال:
أعداء الله يبدهون سبنا! أما إنهم لو استطاعوا أن يكونوا من شيعتنا لكانوا، ولكنهم لا يستطيعون; إن الله أخذ ميثاقنا وميثاق شيعتنا ونحن وهم أظلة، فلو جهد الناس أن يزيدوا فيه رجلا أو ينقصوا منه رجلا ما قدروا على ذلك. " ص
135 - 136 " بيان: يبدهون بالباء أي يأتون به بديهة وفجأة بلا روية، وفي بعض النسخ بالنون، يقال: ندهت الإبل أي سقتها مجتمعة، والندهة بالضم والفتح: الكثرة من المال.
48 - المحاسن: علي بن الحكم، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
لو علم الناس كيف كان ابتداء الخلق لما اختلف اثنان. فقال: إن الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماءا عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي. وقال: كن ماءا ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا والكافر مؤمنا، ثم أخذ طين آدم من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا
هم في الذر يدبون، فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب النار:
إلى النار ولا أبالي، ثم أمر نارا فأسعرت فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها، فدخلوها: فقال كوني بردا وسلاما فكانت بردا وسلاما; فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا، فقال: قد أقلتكم فادخلوها، فذهبوا فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والمعصية، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء. " ص 282 " بيان: قوله عليه السلام: لما اختلف اثنان أي في مسألة القضاء والقدر، أو لما تنازع اثنان في أمر الدين.
49 - المحاسن: عبد الله بن محمد النهيكي، عن حسان، عن أبيه، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: كان في بدء خلق الله أن خلق أرضا وطينة وفجر منها ماءها، وأجرى ذلك الماء على الأرض سبعة أيام ولياليها، ثم نضب الماء عنها، ثم أخذ من صفوة تلك الطينة وهي طينة الأئمة، ثم أخذ قبضة أخرى من أسفل تلك الطينة وهي طينة ذرية الأئمة وشيعتهم، فلو تركت طينتكم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم ونحن شيئا واحدا، قلت: فما صنع بطينتنا؟ قال: إن الله عز وجل خلق أرضا سبخة، ثم أجرى عليها ماءا أجاجا، أجراها سبعة أيام ولياليها، ثم نضب عنها الماء، ثم أخذ من صفوة تلك الطينة وهي طينة أئمة الكفر فلو تركت طينة عدونا كما أخذها لم يشهدوا الشهادتين: أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولم يكونوا يحجون البيت، ولا يعتمرون، ولا يؤتون الزكاة، ولا يصدقون، ولا يعملون شيئا من أعمال البر. ثم قال: أخذ الله طينة شيعتنا وطينة عدونا فخلطهما وعركهما عرك الأديم، ثم مزجهما بالماء، ثم جذب هذه من هذه، وقال: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي، فما رأيت في المؤمن من زعارة وسوء الخلق واكتساب سيئات فمن تلك
السبخة التي مازجته من الناصب، وما رأيت من حسن خلق الناصب وطلاقة وجهه وحسن بشره وصومه وصلاته فمن تلك السبخة التي أصابته من المؤمن. " ص
282 - 283 "
50 - نهج البلاغة: من كلام له روى اليمامي، عن أحمد بن قتيبة، عن عبد الله بن يزيد، عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين علي عليه السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس:
إنما فرق بينهم مبادي طينتهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزن تربة وسهلها، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون، فتام الرواء ناقص العقل، وماد القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، وتائه القلب متفرق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان.
بيان: قوله عليه السلام: إنما فرق بينهم قال ابن ميثم: أي تقاربهم في الصور والأخلاق تابع لتقارب طينهم وتقارب مباديه وهي السهل والحزن، والسبخ والعذب; وتفاوتهم فيها لتفاوت طينهم ومباديه المذكورة. وقال أهل التأويل: الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم، كناية عن الاجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة، والسبخ كناية عن الحار اليابس، والعذب عن الحار الرطب، والسهل عن البارد الرطب والحزن عن البارد اليابس. والفلقة: القطعة والشق من الشئ، والرواء: المنظر الحسن، وقريب القعر أي قصير. بعيد السبر أي داهية يبعد اختبار باطنه يقال: سبرت الرجل أسبره أي اختبرت باطنه وغوره. والضريبة الخلق والطبيعة. والجليبة: ما يجلبه الانسان ويتكلفه أي خلقه حسن يتكلف فعل القبيح، وحمله ابن ميثم على العكس، وقال:
متفرق اللب أي يتبع كل ناعق. ثم قال: الخمسة الأول ظاهرهم مخالف لباطنهم، والأخيرتان ليستا على تلك الوتيرة، ذكرتا لتتميم الاقسام.
51 - تفسير العياشي: عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت حين أخذ الله الميثاق
على الذر في صلب آدم فعرضهم على نفسه كانت معاينة منهم له؟ قال: نعم يا زرارة وهم ذر بين يديه، وأخذ عليهم بذلك الميثاق بالربوبية له، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ثم كفل لهم بالأرزاق، وأنساهم رؤيته، وأثبت في قلوبهم معرفته، فلابد من أن يخرج الله إلى الدنيا كل من أخذ عليه الميثاق، فمن جحد ما أخذ عليه الميثاق لمحمد صلى الله عليه وآله لم ينفعه إقراره لربه بالميثاق، ومن لم يجحد ميثاق محمد نفعه الميثاق لربه.
52 - تفسير العياشي: عن عمار بن أبي الأحوص، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك و تعالى خلق في مبتدأ الخلق بحرين: أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج، ثم خلق تربة آدم من البحر العذب الفرات ثم أجراه على البحر الأجاج فجعله حمأ مسنونا وهو خلق آدم، ثم قبض قبضة من كتف آدم الأيمن فذرأها في صلب آدم، فقال:
هؤلاء في الجنة ولا أبالي، ثم قبض قبضة من كتف آدم الأيسر فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي ولا أسأل عما أفعل، ولي في هؤلاء البداء بعد، وفي هؤلاء وهؤلاء سيبتلون; قال أبو عبد الله عليه السلام: فاحتج يومئذ أصحاب الشمال وهم ذر على خالقهم فقالوا: يا ربنا بم أوجبت لنا النار - وأنت الحكم العدل - من قبل أن تحتج علينا، وتبلونا بالرسل، وتعلم طاعتنا لك ومعصيتنا؟ فقال الله تبارك وتعالى:
فأنا أخبركم بالحجة عليكم الآن في الطاعة والمعصية، والاعذار بعد الاخبار. قال أبو عبد الله عليه السلام: فأوحى الله إلى مالك خازن النار: أن مر النار تشهق، ثم تخرج عنقا منها فخرجت لهم، ثم قال الله لهم: ادخلوها طائعين، فقالوا: لا ندخلها طائعين!
ثم قال: ادخلوها طائعين، أو لأعذبنكم بها كارهين، قالوا: إنا هربنا إليك منها، وحاججناك فيها حيث أوجبتها علينا، وصيرتنا من أصحاب الشمال، فكيف ندخلها
طائعين؟ ولكن أبدا أصحاب اليمين في دخولها، كي تكون قد عدلت فينا وفيهم; قال أبو عبد الله عليه السلام: فأمر أصحاب اليمين وهم ذر بين يديه فقال: ادخلوا هذه النار طائعين قال: فطفقوا يتبادرون في دخولها فولجوا فيها جميعا فصيرها الله عليهم بردا وسلاما، ثم أخرجهم منها ثم إن الله تبارك وتعالى نادى في أصحاب اليمين وأصحاب الشمال:
ألست بربكم؟ فقال أصحاب اليمين: بلى يا ربنا نحن بريتك وخلقك مقرين طائعين، وقال أصحاب الشمال: بلى يا ربنا نحن بريتك وخلقك كارهين! وذلك قول الله: " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون " قال: توحيدهم لله.
53 - تفسير العياشي: عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابه، عنه قال: إن الله قال لماء: كن عذبا فراتا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال لماء: كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، فأجرى المائين على الطين، ثم قبض قبضة بهذه - وهي يمين - فخلقهم خلقا كالذر، ثم أشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم وعليكم طاعتي؟
قالوا: بلى، فقال للنار: كوني نارا، فإذا نار تأجج، وقال لهم قعوا فيها، فمنهم من أسرع، ومنه من أبطأ في السعي، ومنهم من لم يرم مجلسه، فلما وجدوا حرها رجعوا فلم يدخلها منهم أحد، ثم قبض قبضة بهذه فخلقهم خلقا مثل الذر، مثل أولئك، ثم أشهدهم على أنفسهم مثل ما أشهد الآخرين، ثم قال لهم: قعوا في هذه النار، فمنهم من أبطأ، ومنهم من أسرع، ومنهم من مر بطرف العين، فوقعوا فيها كلهم، فقال: أخرجوا منها سالمين، فخرجوا لم يصبهم شئ; وقال الآخرون: يا ربنا أقلنا نفعل كما فعلوا، قال:
قد أقلتكم، فمنهم من أسرع في السعي، ومنهم من أبطأ، ومنهم من لم يرم مجلسه، مثل ما صنعوا في المرة الأولى; فذلك قوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.
بيان: يقال: رام يريم: إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي.
54 - تفسير العياشي: خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، إنهم ملعونون في الأصل.
55 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام
عن قول الله: " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " إلى آخر الآية: أما قوله: " كما لم يؤمنوا به أول مرة " فإنه حين أخذ عليهم الميثاق.
56 - تفسير العياشي: عن رفاعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قال: نعم أخذ الله الحجة على جميع خلقه يوم الميثاق هكذا - وقبض يده -.
57 - تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف أجابوا وهم ذر؟
قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه - يعني في الميثاق -.
بيان: أي تعلقت الأرواح بتلك الذر وجعل فيهم العقل وآلة السمع وآلة النطق حتى فهموا الخطاب وأجابوا وهم ذر.
58 - تفسير العياشي: عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزو جل: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " إلى " قالوا بلى " قال: كان محمد عليه وآله السلام أول من قال: بلى; قلت: كانت رؤية معاينة؟ قال: ثبتت المعرفة في قلوبهم وأنسوا ذلك الميثاق وسيذكرونه بعد، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من يرزقه.
95 - تفسير العياشي: عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " فقال - وأبوه يسمع -: حدثني أبي أن الله تعالى قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم، فصب عليها الماء العذب الفرات، فتركها أربعين صباحا، ثم صب عليها الماء المالح الأجاج فتركها أربعين صباحا، فلما اختمرت الطينة أخذها تبارك وتعالى فعركها عركا شديدا، ثم هكذا - حكى بسط كفيه - فخرجوا كالذر من يمينه وشماله فأمرهم جميعا أن يقعوا في النار، فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم بردا وسلاما، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها.
بيان: قوله عليه السلام: من يمينه وشماله أي من يمين الملك المأمور بهذا الامر و شماله، أو من يمين العرش وشماله، أو استعار اليمين للجهة التي فيها اليمن والبركة وكذا الشمال بعكس ذلك.
60 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " ألست بربكم قالوا بلى ": قلت: قالوا بألسنتهم؟ قال: نعم وقالوا بقلوبهم; فقلت: وأي شئ كانوا يومئذ؟
قال: صنع منهم ما اكتفى به.
61 - تفسير العياشي: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم " إلى " أنفسهم " قال: أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذر، فعرفهم نفسه، وأراهم نفسه، ولولا ذلك ما عرف أحد ربه، وذلك قوله:
" ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ".
62 - تفسير العياشي: عن الأصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام قال: أتاه ابن الكواء فقال:
يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟
فقال علي: قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم وردوا عليه الجواب. فثقل ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له:
أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى "؟ فقد أسمعكم كلامه، و ردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله - يا بن الكواء - " قالوا بلى " فقال لهم:
إني أنا الله لا إله إلا أنا، وأنا الرحمن، فأقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والأنبياء والأوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقروا بذلك في الميثاق، فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك: شهدنا عليكم يا بني آدم ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.
63 - قال أبو بصير: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أخبرني عن الذر وحيث أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وأسر بعضهم خلاف ما أظهر، قلت: كيف علموا
القول حيث قيل لهم: ألست بربكم؟ قال: إن الله جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه.
64 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إن الله خلق الخلق وهي أظلة، فأرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وآله فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه، ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن به في الأظلة وجحده من جحد به يومئذ، فقال: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.
65 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم " إلى " بما كذبوا به من قبل " قال: بعث الله الرسل إلى الخلق وهم في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فمن صدق حينئذ صدق بعد ذلك، ومن كذب حينئذ كذب بعد ذلك.
66 - تفسير العياشي: عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى هبط إلى الأرض في ظلل من الملائكة على آدم وهو بواد يقال له: الروحاء وهو واد بين الطائف ومكة، قال: فمسح على ظهر آدم ثم صرخ بذريته وهم ذر، قال: فخرجوا كما يخرج النحل من كورها. فاجتمعوا على شفير الوادي فقال الله لآدم: انظر ماذا ترى فقال آدم: أرى ذرا كثيرا على شفير الوادي، فقال الله: يا آدم هؤلاء ذريتك، أخرجتهم من ظهرك لآخذ عليهم الميثاق لي بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، كما آخذه عليهم في السماء; قال: آدم: يا رب وكيف وسعتهم ظهري؟ قال الله: يا آدم بلطف صنيعي ونافذ قدرتي; قال آدم: يا رب فما تريد منهم في الميثاق؟ قال الله: أن لا يشركوا بي شيئا، قال آدم: فمن أطاعك منهم يا رب فما جزاؤه؟ قال: اسكنه جنتي; قال آدم: فمن عصاك فما جزاؤه؟ قال: أسكنه ناري، قال آدم: يا رب لقد عدلت فيهم، وليعصينك أكثرهم إن لم تعصمهم.
بيان: هبط إلى الأرض أي هبط ونزل أمره ووحيه مع طوائف كثيرة من الملائكة شبههم بالظلل في وفورهم وكثرتهم وتراكمهم، والظلل جمع الظلة وهي ما أظلك من
سحاب ونحوه، وهذا مثل قوله تعالى: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " والمسح: كناية عن شمول اللطف والرحمة.
67 - كشف الغمة: من كتاب دلائل الحميري، عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فسأله محمد بن صالح الأرمني عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " قال أبو محمد عليه السلام ثبتت المعرفة ونسوا ذلك الموقف وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه; قال أبو هاشم: فجعلت أتعجب في نفسي من عظيم ما أعطى الله وليه وجزيل ما حمله، فأقبل أبو محمد علي فقال: الامر أعجب مما عجبت منه يا أبا هاشم و أعظم! ما ظنك بقوم من عرفهم عرف الله، ومن أنكرهم أنكر الله؟ فلا مؤمن إلا وهو بهم مصدق وبمعرفتهم موقن. " ص 306 " بيان اعلم أن أخبار هذا الباب من متشابهات الاخبار، ومعضلات الآثار، و لأصحابنا رضي الله عنهم فيها مسالك.
منها ما ذهب إليه الأخباريون، وهو أنا نؤمن بها مجملا، ونعترف بالجهل عن حقيقة معناها، وعن أنها من أي جهة صدرت، ونرد علمه إلى الأئمة عليهم السلام.
ومنها أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة ولما ذهبت إليه الأشاعرة وهم جلهم، ولمخالفتها ظاهرا لما مر من أخبار الاختيار والاستطاعة.
ومنها أنها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون، فإنه تعالى لما خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنه خلقهم من طينات مختلفة، ومنها أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم، وهذا أمر بين لا يمكن إنكاره، فإنه لا شبهة في أن النبي صلى الله عليه وآله وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابلية، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف " فإن الله تعالى كلف النبي صلى الله عليه وآله حسب ما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات، وكلف أبا جهل حسب ما أعطاه من ذلك ولم يكلفه ما ليس في وسعه، ولم يجبره على شئ من الشر والفساد.
ومنها أنه لما كلف الله تعالى الأرواح أولا في الذر وأخذ ميثاقهم فاختاروا الخير والشر باختيارهم في ذلك الوقت، وتفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دل عليه بعض الأخبار السابقة فلا فساد في ذلك.
ولا يخفى ما فيه وفي كثير من الوجوه السابقة، وترك الخوض في أمثال تلك المسائل الغامضة التي تعجز عقولنا عن الإحاطة بكنهها أولى، لا سيما في تلك المسألة التي نهى أئمتنا عن الخوض فيها، ولنذكر بعض ما ذكره في ذلك علماؤنا رضوان الله عليهم ومخالفوهم.
فمنها ما ذكره الشيخ المفيد قدس الله روحه في جواب المسائل السروية حيث سئل: ما قوله - أدام الله تأييده - في معنى الاخبار المروية عن الأئمة الهادية عليهم السلام في الأشباح وخلق الله تعالى الأرواح قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام، وإخراج الذرية من صلبه على صور الذر، ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟.
الجواب: - وبالله التوفيق - أن الاخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها، وتتباين معانيها، وقد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيره، وصنفوا فيها كتبا لغوا فيها، وهزؤوا فيما أثبتوه منه في معانيها، وأضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة من شيوخ أهل الحق و تخرصوا الباطل بإضافتها إليهم، من جملتها كتاب سموه كتاب (الأشباح والأظلة) نسبوه في تأليفه إلى محمد بن سنان، ولسنا نعلم صحة ما ذكروه في هذا الباب عنه وإن كان صحيحا فإن ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو، فإن صدقوا في إضافة هذا الكتاب إليه فهو ضلال لضال عن الحق، وإن كذبوا فقد تحملوا أوزار ذلك، والصحيح من حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقاة بأن آدم عليه السلام رأى على العرش أشباحا يلمع نورها، فسأل الله تعالى عنها، فأوحى إليه أنها أشباح رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والحسن، والحسين، وفاطمة صلوات الله عليهم; وأعلمه أنه لولا الأشباح التي رآها ما خلقه ولا خلق سماءا ولا أرضا. والوجه فيما
أظهره الله تعالى من الأشباح والصور لآدم أن دله على تعظيمهم وتبجيلهم، وجعل ذلك إجلالا لهم، ومقدمة لما يفترضه من طاعتهم، ودليلا على أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم ولم يكونوا في تلك الحال صورا مجيبة، ولا أرواحا ناطقة لكنها كانت على مثل صورهم في البشرية، يدل على ما يكونوا عليه في المستقبل في الهيئة، والنور الذي جعله عليهم يدل على نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم; وقد روي أن أسماءهم كانت مكتوبة إذ ذاك على العرش، وأن آدم عليه السلام لما تاب إلى الله عز وجل وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه، وهذا غير منكر في العقول، ولا مضاد للشرع المنقول، وقد رواه الصالحون الثقاة المأمونون، وسلم لروايته طائفة الحق، ولا طريق إلى انكاره، والله ولي التوفيق.
فصل: ومثل ما بشر الله به آدم عليه السلام من تأهيله نبيه صلى الله عليه وآله لما أهله له، و تأهيل أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام لما أهلهم له، وفرض عليه تعظيمهم وإجلالهم كما بشر به في الكتب الأولى من بعثته لنبينا صلى الله عليه وآله فقال في محكم كتابه: " النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليه الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " وقوله تعالى مخبرا عن المسيح عليه السلام: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " وقوله سبحانه: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله، فحصلت البشائر به من الأنبياء وأممهم قبل إخراجه إلى العالم بالوجود، وإنما أراد جل اسمه بذلك إجلاله وإعظامه، وأن يأخذ العهد له على الأنبياء والأمم كلها، فلذلك أظهر لآدم عليه السلام صورة شخصه، وأشخاص أهل بيته عليهم السلام، وأثبت أسماءهم له ليخبره بعاقبتهم، وبين له عن محلهم عنده ومنزلتهم لديه، ولم يكونوا
في تلك الحال أحياءا ناطقين ولا أرواحا مكلفين، وإنما كانت أشباحهم دالة عليهم حسب ما ذكرناه.
فصل: وقد بشر الله عز وجل بالنبي والأئمة عليهم السلام في الكتب الأولى، فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائه عليهم السلام، وأهل الكتب يقرؤونه، واليهود يعرفونه:
إنه ناجى إبراهيم الخليل عليه السلام في مناجاته: إني قد عظمتك وباركت عليك وعلى إسماعيل، وجعلت منه اثنى عشر عظيما، وكبرتهم جدا جدا، وجعلت منهم شعبا عظيما لامة عظيمة; وأشباه ذلك كثير في كتب الله تعالى الأولى.
فصل: فأما الحديث في إخراج الذرية من صلب آدم عليه السلام على صورة الذر فقد جاء الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه ومعانيه; والصحيح أنه أخرج الذرية من ظهره كالذر فملأ بهم الأفق، وجعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة، وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور، وعلى بعضهم نورا وظلمة; فلما رآهم آدم عليه السلام عجب من كثرتهم وما عليهم من النور والظلمة، فقال: يا رب ما هؤلاء؟ قال الله عز وجل له: هؤلاء ذريتك - يريد تعريفه كثرتهم، وامتلاء الآفاق بهم، وأن نسله يكون في الكثرة كالذر الذي رآه ليعرفه قدرته، ويبشره بإفضال نسله وكثرتهم - فقال عليه السلام: يا رب مالي أرى على بعضهم نورا لا ظلمة فيه؟ وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور؟ وعلى بعضهم ظلمة ونورا؟ فقال تبارك وتعالى: أما الذين عليهم النور منهم بلا ظلمة فهم أصفيائي من ولدك الذي يطيعوني ولا يعصوني في شئ من أمري فأولئك سكان الجنة، وأما الذين عليهم ظلمة ولا يشوبها نور فهم الكفار من ولدك الذين يعصوني ولا يطيعوني، فأما الذين عليهم نور وظلمة فأولئك الذين يطيعوني من ولدك ويعصوني فيخلطون أعمالهم السيئة بأعمال حسنة، فهؤلاء أمرهم إلي، إن شئت عذبتهم فبعد لي وإن شئت عفوت عنهم فبفضلي، فأنبأه الله تعالى بما يكون من ولده، وشبههم بالذر الذي أخرجهم من ظهره، وجعله علامة على كثرة ولده. ويحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره وجعل أجسام ذريته دون أرواحهم، وإنما فعل الله تعالى ذلك ليدل آدم عليه السلام على العاقبة منه، ويظهر له من قدرته وسلطانه وعجائب صنعته، وأعلمه
بالكائن قبل كونه، وليزداد آدم عليه السلام يقينا بربه، ويدعوه ذلك إلى التوفر على طاعته، والتمسك بأوامره، والاجتناب لزواجره. فأما الاخبار التي جاءت بأن ذرية آدم عليه السلام استنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقروا فهي من أخبار التناسخية، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحق بالباطل، والمعتمد من إخراج الذرية ما ذكرناه دون ما عداه مما استمر القول به على الأدلة العقلية والحجج السمعية، وإنما هو تخليط لا يثبت به أثر على ما وصفناه.
فصل: فإن تعلق متعلق بقوله تبارك اسمه: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين " فظن ظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرية وخطابهم وأنهم كانوا أحياءا ناطقين.
فالجواب عنه أن لهذه الآية من المجاز في اللغة كنظائرها مما هو مجاز واستعارة والمعنى فيها أن الله تبارك وتعالى أخذ من كل مكلف يخرج من ظهر آدم وظهور ذريته العهد عله بربوبيته، من حيث أكمل عقله، ودله بآثار الصنعة على حدثه، وأن له محدثا أحدثه لا يشبهه يستحق العبادة منه بنعمه عليه، فذلك هو أخذ العهد منهم، وآثار الصنعة فيهم، والاشهاد لهم على أنفسهم بأن الله تعالى ربهم، وقوله تعالى: " قالوا بلى " يريد به أنهم لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم، ودلائل حدثهم اللازمة لهم، وحجة العقل عليهم في إثبات صانعهم، فكأنه سبحانه لما ألزمهم الحجة بعقولهم على حدثهم ووجود محدثهم قال لهم: " ألست بربكم "؟ فلما لم يقدروا على الامتناع من لزوم دلائل الحدث لهم كانوا كقائلين: " بلى شهدنا " وقوله تعالى:
" أن يقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " ألا ترى أنه احتج عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة أن يتأولوا في إنكاره ولا يستطيعون، وقد قال سبحانه: " والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه
العذاب " ولم يرد أن المذكور يسجد كسجود البشر في الصلاة، وإنما أراد به غير ممتنع من فعل الله فهو كالمطيع لله وهو معبر عنه بالساجد، قال الشاعر:
بجمع تظل البلق في حجراته * ترى الأكم فيها سجدا للحوافر يريد أن الحوافر تذل الأكم بوطيها عليها وقوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " وهو سبحانه لم يخاطب السماء بكلام; ولا السماء قالت قولا مسموعا، وإنما أراد أنه عمد إلى السماء فخلقها ولم يتعذر عليه صنعتها، فكأنه لما خلقها قال لها وللأرض: ائتيا طوعا أو كرها، فلما تعلقت بقدرته كانتا كالقائل: أتينا طائعين وكمثل قوله تعالى: " يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد " والله تعالى يجل عن خطاب النار وهي مما لا يعقل ولا يتكلم، وإنما الخبر عن سعتها و أنها لا تضيق بمن يحلها من المعاقبين، وذلك كله على مذهب أهل اللغة وعادتهم في المجاز، ألا ترى إلى قول الشاعر:
وقالت له العينان سمعا وطاعة * وأسبلتا كالدر ما لم يثقب والعينان لم تقولا قولا مسموعا، ولكنه أراد منهما البكاء، فكانت كما أراد من غير تعذر عليه. ومثله قول عنترة:
فازور من وقع القنا بلبانه * وشكى إلي بعبرة وتحمم
والفرس لا يشتكي قولا، لكنه ظهر منه علامة الخوف والجزع، فسمى ذلك قولا. ومنه قول الآخر:
وشكى إلي جملي طول السرى. والجمل لا يتكلم، لكنه لما ظهر منه النصب والوصب لطول السرى عبر عن هذه العلامة بالشكوى التي تكون كالنطق والكلام، ومنه قولهم أيضا:
امتلأ الحوض وقال قطني * حسبك مني قد ملأت بطني.
والحوض لم يقل قطني، لكنه لما امتلأ بالماء عبر عنه بأنه قال: حسبي، ولذلك أمثال كثيرة في منثور كلام العرب ومنظومه، وهو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويل الآية والله تعالى نسأل التوفيق.
فصل: فأما الخبر أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد، وقد روته العامة كما روته الخاصة، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته، وإنما نقله رواته لحسن الظن به، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد، واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه، والخلق لها بالاحداث والاختراع بعد خلق الأشسام، والصور التي تدبرها الأرواح، ولولا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها، ولا تحتاج إلى آلات يعتملها، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد، كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد، وهذا محال لا خفاء بفساده.
وأما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف، وما تناكر منها
بمباينة في الرأي والهوى اختلف، وهذه موجود حسا ومشاهد، وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف - كما يذهب إليه الحشوية - كما بيناه من أنه لا علم للانسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم، ولو ذكر بكل شئ ما ذكر ذلك، فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه، والله الموفق للصواب انتهى أقول: طرح ظواهر الآيات والأخبار المستفيضة بأمثال تلك الدلائل الضعيفة والوجوه السخيفة جرأة على الله وعلى أئمة الدين، ولو تأملت فيما يدعوهم إلى ذلك من دلائلهم وما يرد عليها من الاعتراضات الواردة لعرفت أن بأمثالها لا يمكن الاجتراء على طرح خبر واحد، فكيف يمكن طرح تلك الأخبار الكثيرة الموافقة لظاهر الآية الكريمة بها وبأمثالها، وسيأتي الأخبار الدالة على تقدم خلق الأرواح على الأجساد في كتاب السماء والعالم، وسنتكلم عليها.
ومنها ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في قوله تعالى: " وإذ أخذ ربك " الآية حيث قال: وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية:
أن الله سبحانه استخرج من ظهر آدم عليه السلام جميع ذريته - وهم في خلق الذر - فقررهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم، وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لان الله تعالى قال: " وإذ أخذ ربك من بني آدم " ولم يقل:
" من آدم " وقال: من " ظهورهم " ولم يقل: " من ظهوره " وقال: " ذريتهم " ولم يقل:
" ذريته " ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة أنهم كانوا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم وأنهم نشؤوا على دينهم وسنتهم، وهذا يقتضي أن الآية لم تتناول ولد آدم عليه السلام لصلبه، وأنها إنما تناولت من كان له آباء مشركون وهذا يدل على اختصاصها ببعض ذرية بني آدم، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم; فأما شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام و خوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقول، مستوفية بشروط التكلف، أولا تكون كذلك، فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال وما قرروا به واستشهدوا عليه، لان العاقل
لا ينسى ما جرى هذا المجرى وإن بعد العهد وطال الزمان، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم و سائر أحواله. وليس أيضا لتخلل الموت بين الحالين تأثير لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم والسكر والجنون والاغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم; لان سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجري الموت في هذا الباب، وليس لهم أن يقولوا: إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولية جاز ما ذكرنا، وذلك أنا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم وهم كاملو العقل، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه، على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية، و ذلك أن الله تعالى أخبر بأنه إنما قررهم وأشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، وسقوط الحجة عنهم فيه، فإذا جاز نسيانهم له عاد الامر إلى سقوط الحجة عنهم وزواله.
وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العلم وشرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم وإشهادهم، وصار ذلك عبثا قبيحا يتعالى الله عنه.
فإن قيل: قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصحيح عندكم؟
قلنا: في الآية وجهان: أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى بها جماعة من ذرية بني آدم خلقهم وبلغهم وأكمل عقولهم وقررهم على ألسن رسله عليهم السلام بمعرفته وما يجب من طاعته، فأقروا بذلك وأشهدهم على أنفسهم به، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم، وإنما أتي من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذرية لا يقع إلا على من لم يكن كاملا عاقلا، وليس الامر كما ظن لأنا نسمي جميع البشر بأنهم ذرية آدم، وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال الله تعالى: " ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم و أزواجهم وذرياتهم " ولفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا، فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلفين فهذا جوابهم.
الجواب الثاني: أنه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيبا يدل على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته وأراهم العبر والآيات والدلائل في غيرهم وفي أنفسهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم، وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى، وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقر المعترف، وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهما جواب. ولا مثله قوله تعالى: " شاهدين على أنفسهم بالكفر " ونحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم، وإن ذلك لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به. ومثل هذا قولهم:
جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك.
وما روي عن بعض الحكماء من قوله: سل الأرض من شق أنهارك؟ وغرس أشجارك؟ وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك جؤارا أجابتك اعتبارا. وهذا باب كبير وله نظائر كثيرة في النظم والنثر، يغني عن ذكر جميعها القدر الذي ذكرناه منها.
ومنها ما ذكره الرازي في تفسير تلك الآية حيث قال: في تفسير تلك الآية قولان مشهوران:
الأول وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عنها، فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما خلق الله آدم
مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة.
وقال مقاتل: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سود كهيئة الذر; فقال:
يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: " ألست بربكم قالوا بلى " فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة; ثم أعادهم جميعا في صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول: " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعكرمة، والكلبي.
وأما المعتزلة فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذه الوجه واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه:
الأول: أنه قال: " من بني آدم من ظهورهم " فقوله: " من ظهورهم " بدل من قوله:
" بني آدم " فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر آدم شيئا.
الثاني: أنه لو كان كذلك لما قال: " من ظهورهم " ولا " من ذريتهم " بل قال:
من ظهره وذريته.
الثالث: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وهذا الكلام لا يليق بأولاد آدم لأنه عليه السلام ما كان مشركا.
الرابع: أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك لكانوا عقلاء، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم لان الانسان إذا وقعت له واقعة عظمية مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها
شيئا لا بالقليل ولا بالكثير، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ، فأنا نقول: لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في أجساد أخرى، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلا فإذا كان اعتقادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل، وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة وجب القول بمقتضاه.
الخامس: أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عليه السلام عدد عظيم وكثرة كثيرة فالمجموع الحاصل من تلك الذرات تبلغ مبلغا في الحجمية والمقدار وصلب آدم عليه السلام على صغره يبعد أن يتسع لهذا المجموع.
السادس: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن تكون عاقلا فاهما مصنفا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة، وفتح هذا الباب يقضي إلى التزام الجهالات، وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون فاهما عاقلا إلا إذا حصلت له قدرة من البنية والجثة، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر فناء الدنيا لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال: إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام؟.
السابع: قالوا: هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا، والأول باطل لانعقاد الاجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب، والمدح والذم، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير حجة عليهم في التمسك بالايمان؟.
الثامن: قال الكعبي: إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، فلما لم يمكن توجيه التكليف على الطفل فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذر؟.
وأجاب الزجاج عنه وقال: لما لم يبعد أن يؤتي الله النمل العقل كما قال: " قالت نملة يا أيها النمل " وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال: " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن " وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول صلى الله عليه وآله، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا.
التاسع: أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال، ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكيف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر، ولزم التسلسل وهو محال.
وأما الثاني وهو أن يقال: إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم.
العاشرة: قوله تعالى: " فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق " ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق، ولا معنى للانسان إلا ذلك الشئ، فحينئذ لا يكون الانسان مخلوقا من الماء الدافق، وذلك رد لنص القرآن.
فإن قالوا:: لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق، ثم أزال عقله وفهمه وقدرته، ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الام، و وأخرجه إلى هذه الحياة؟
قلنا: هذا باطل، لأنه لو كان الامر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على سبيل الابتداء، بل كان يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة، وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل.
الحادي عشر هي أن تلك الذرات إما أن يقال: إنه عين هؤلاء الناس أو غيرهم،
والقول الثاني باطل بالاجماع، وفي القول الأول فنقول: إما أن يقال: إنهم بقوا فهماء، عقلاء، قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة، أو ما بقوا كذلك، والأول باطل ببديهة العقل. والثاني يقتضي أن يقال: الانسان حصل له الحياة أربع مرات; أولها وقت الميثاق، وثانيها في الدنيا، وثالثها في القبر، ورابعها في القيامة، وأنه حصل له الموت ثلاث مرات: موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول، وموت في الدنيا، وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ". الثاني عشر قوله تعالى: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الانسان، لأنه هو المكلف المخاطب، المثاب المعاقب، وذلك باطل لان الذر غير مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة، ونص الكتاب دليل على أن الانسان مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة، وهو قوله: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " وقوله: " قتل الانسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره " فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف.
والقول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات أنه أخرج الذر وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الاخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات، وجعلها علقة، ثم مضغة، ثم جعلهم بشرا سويا، وخلقا كاملا، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه و غرائب صنعه، فبالاشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى وإن لم يكن هناك قول باللسان لذلك نظائر .
منها قوله تعالى: " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ".
ومنها قوله تعالى: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ".
وقول العرب: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، فإن الذي ورائي ما خلاني ورأيي. وقال الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني.
فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهورة في الكلام فوجب حمل الكلام عليه، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين، وهذا القول الثاني لا طعن فيه البتة، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول، إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا؟.
فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه؟ قلنا: ههنا مقامان: أحدهما أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر؟ والثاني أن بتقدير أن يصح القول به فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية؟
أما المقام الأول فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها و قررناها.
ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع.
أما الوجه الأول من الوجوه العقلية المذكورة وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن.
قلنا: خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية، والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها.
فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا فجوزوا أن يقال: إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ، وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان.
قلنا: الفرق بين الامرين ظاهر، وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق لان الانسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساها، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساها فظهر الفرق.
وأما الوجه الثاني وهو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في
ظهر آدم عليه السلام! قلنا: عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة والجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزى قابل للحياة والعقل، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا فلم قلتم: إن ظهر آدم لا يتسع لمجموعها; إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا:
الانسان جوهر فرد وجزء لا يتجزى في البدن على ما هو مذهب بعض القدماء، وأما إذا قلنا: الانسان هو النفس الناطقة وأنه جوهر غير متحيز ولا حال في متحيز فالسؤال زائل.
وأما الوجه الثالث وهو قوله: فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت، أو في الحياة الدنيا، فجوابنا أن نقول: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضا أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الاعمال وإنطاق الجوارح قالوا:
لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف فكذا ههنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة من تميز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف. وقيل أيضا: إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة; وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين.
وأما المقام الثاني وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية فنقول: الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك، لان قوله: " أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " فقد بينا أن المراد منه:
وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم; وأيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال:
من ظهره ذريته ولم يقل: " من ظهورهم ذريتهم " أجاب الناصرون لذلك القول بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه، والطعن في تفسير رسول الله صلى الله عليه وآله غير ممكن، فنقول: ظاهر الآية تدل على أنه تعالى أخرج ذرا من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان، ومن ذلك الفلان فلان آخر، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ آية ما يدل على ثبوته، وليس في الآية أيضا ما يدل علي بطلانه، إلا أن الخبر قد دل عليه فثبت
إخراج الذرية من ظهور بني آدم في القرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، وعلى هذا التقدير فلا منافاة بين الامرين ولا مدافعة، فوجب المصير إليهما معا صونا للآية والخبر عن الطعن بقدر الامكان، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام انتهى.
ولنكتف بنقل ما نقلناه من عير تعرض لجرح وتعديل، فإن من له بصيرة نافذة إذا أحاط بما نقلنا من الاخبار وكلام من تكلم في ذلك يتضح له طريق الوصول إلى ما هو الحق في ذلك بفضله تعالى. ثم اعلم أنه سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب علة استلام الحجر من كتاب الحج، وباب خلق الأئمة وباب أخذ ميثاقهم عليهم السلام من كتاب الإمامة وأبواب أحوال آدم عليه السلام من كتاب النبوة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.