پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

28 باب السحاب والمطر والشهاب والبروق والصواعق والقوس

ج ۵۶، ص ۳۷۱–۳۹۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۶

2 - العلل: عن أبيه، عن الحميري، عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر ابن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: كان علي عليه السلام يقوم في المطر أول مطر يمطر حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه، فيقال له: يا أمير المؤمنين، الكن! الكن! فيقول: إن هذا ماء قريب العهد بالعرش. ثم أنشأ يحدث فقال: إن تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت به أرزاق الحيوان، وإذا أراد الله تعالى أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه أوحى الله عز وجل فمطر منه ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى السماء الدنيا فتلقيه إلى السحاب، والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحي الله عز وجل أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا وعبابا وغير عباب، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به، فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك [حتى] يضعها موضعها، ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بقدر معدود ووزن معلوم إلا ما كان يوم الطوفان على عهد نوح عليه السلام فإنه نزل منها ماء منهمر بلا عدد ولا وزن.

القرب: عن هارون، عن ابن صدقة مثله.

3 - التفسير: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " فهي الأنهار والعيون والآبار.

وقال علي بن إبراهيم في قوله تعالى " ألم تر أن الله يزجي سحابا " أي يثيره من الأرض " ثم يؤلف بينه " فإذا غلظ بعث الله ريحا فتعصره فينزل منه الماء، وهو قوله " فترى الودق يخرج من خلاله " أي المطر.

4 - ومنه: عن أبيه، عن العرزمي، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن حارث الأعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سئل عن السحاب أين يكون؟ قال: يكون على شجر كثيف على ساحل البحر يأوي إليها، فإذا أراد الله أن يرسله أرسل ريحا فأثاره.

5 - قرب الإسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: السحاب غربال المطر، ولولا ذلك لأفسد كل شئ يقع عليه.

6 - وقال عليه السلام في قوله تعالى " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها في البحر فيقع فيها من ماء المطر، فيخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة.

بيان: هذا أحد الوجوه في تأويل الآية الكريمة، ورواه المفسرون عن ابن عباس، ويؤيده أن البحر العذب لا يخرج منه اللؤلؤ على المشهور، ولعل الخلق من القطرتين معناه أن لهما مدخلا في خلقهما لا أنهما مادتهما، وسيأتي تمام القول في ذلك في محله.

6 - معاني الأخبار: عن الحاكم عبد الحميد بن عبد الرحمان النيسابوري عن أبيه، عن عبيد الله بن محمد بن سليمان، عن أبي عمرو الضرير، عن عباد بن عباد المهلبي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فنشأت سحابة، فقالوا: يا رسول الله هذه سحابة ناشئة، فقال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسنها وأشد تمكنها! قال: كيف ترون بواسقها؟

قالوا: يا رسول الله ما أحسنها وأشد تراكمها! قال: كيف ترون جونها؟ قالوا:

يا رسول الله ما أحسنه وأشد سواده! قال: كيف ترون رحاها؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسنها وأشد استدارتها! قال: فكيف ترون برقها؟ أخفوا أم وميضا أم يشق شقا؟ قالوا: يا رسول الله بل يشق شقا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحيا.

فقالوا: يا رسول الله ما أفصحك! وما رأينا الذي هو أفصح منك. فقال: وما يمنعني من ذلك وبلساني نزل القرآن " بلسان عربي مبين "؟

ثم قال: حدثنا الحاكم، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو علي الرياحي، عن أبي عمرو الضرير بهذا الحديث. وقال: أخبرني محمد بن هارون الزنجاني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد قال: القواعد هي أصولها المعترضة في آفاق السماء، وأحسبها تشبه بقواعد البيت وهي حيطانه والواحدة قاعدة، قال الله عز وجل " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت

وإسماعيل " وأما البواسق ففروعها المستطيلة التي في وسط السماء إلى الأفق الآخر، وكذلك كل طويل فهو باسق، قال الله عز وجل " والنخل باسقات لها طلع نضيد " والجون هو الأسود اليحمومي، وجمعه " جون " وأما قوله " فكيف ترون رحاها " فإن رحاها استدارة السحابة في السماء، ولهذا قيل: " رحا الحرب " وهو الموضع الذي يستدار فيه لها، والخفو: الاعتراض من البرق في نواحي الغيم، وفيه لغتان: يقال: خفا البرق يخفو خفوا ويخفي خفيا.

والوميض أن يلمع قليلا ثم يسكن وليس له اعتراض، وأما الذي شق شقا فاستطالته في الجو إلى وسط السماء من غير أن يأخذ يمينا ولا شمالا. قال الصدوق:

الحيا المطر.

بيان: قال الزمخشري في الفائق: سأل النبي صلى الله عليه وآله عن سحائب مرت فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها ورحاها أجون أم غير ذلك؟

ثم سأل عن البرق فقال: أخفوا أم وميضا أم يشق شقا؟ قالوا: يشق شقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءكم الحيا. أراد بالقواعد ما اعترض منها كقواعد البنيان، و بالبواسق ما استطال من فروعها، وبالرحى ما استدار منها. الجون في الجون كالورد في الورد، والخفو والخفي اعتراض البرق في نواحي الغيم. قال أبو عمرو:

هو أن يلمع من غير أن يستطير وأنشد:

يبيت إذا ما لاح من نحو أرضه * سنا البرق يكلأ خفيه ويراقبه والوميض لمعه ثم سكونه، ومنه أومض إذا أومأ، والشق استطالته إلى وسط السماء من غير أن يأخذ يمينا وشمالا، أراد: أيخفو خفوا أم يميض وميضا

ولذلك عطف عليه " يشق شقا " وإظهار الفعل هنا بعد إضماره في ما قبله نظير المجئ بالواو في قوله عز وجل: " وثامنهم كلبهم " بعد تركها في ما قبلها (انتهى).

وأقول: قد مر بعض القول فيه في المجلد السادس.

7 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الصاعقة لا تصيب المؤمن. فقال له رجل: فإنا قد رأينا فلانا يصلي في المسجد الحرام فأصابته، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنه كان يرمي حمام الحرم.

8 - وبهذا الاسناد: قال: الصاعقة تصيب المؤمن والكافر، ولا تصيب ذاكرا.

بيان: لعل المراد بالمؤمن أولا الكامل في الايمان، وثانيا مطلق المؤمن بقرينة أن رمي حمام الحرم لا يخرج عن مطلق الايمان، ويحتمل أن يكون الرامي مخالفا وأسند الإصابة إلى الرمي تقية.

9 - التفسير: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر المعراج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى السماء الدنيا وعليها ملك يقال له " إسماعيل " وهو صاحب الخطفة التي قال الله عز وجل " إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " وتحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك - الخبر -.

10 - ومنه: " وحفظا من كل شيطان مارد " قال: المارد الخبيث " لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا " يعني الكواكب التي يرمون بها " ولهم عذاب واصب " أي واجب " إلا من خطف الخطفة " يعني يسمعون الكلمة

فيحفظونها " فأتبعه شهاب ثاقب " وهو ما يرمون به فيحرقون، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: عذاب واصب أي دائم وجع قد خلص إلى قلوبهم. وقوله " شهاب ثاقب " مضي إذا أصابهم بقوة.

11 - العيون ومعاني الأخبار: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن أبي عقدة عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، قال: قال الرضا عليه السلام في قول الله عز وجل " هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا " قال: خوف للمسافر وطمع للمقيم.

12 - الاحتجاج والخصال: في ما أجاب الحسن بن علي عليهما السلام من أسئلة ملك الروم وقال السائل: ما قوس قزح؟ قال: ويحك! لا تقل قوس قزح، فإن قزح اسم شيطان، وهو قوس الله، وعلامة الخصب، وأمان لأهل الأرض من الغرق.

13 - الاحتجاج: عن الأصبغ قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن قوس قزح. قال: ثكلتك أمك [يا ابن الكواء]! لا تقل قوس قزح فإن قزح اسم الشيطان، ولكن قل: قوس الله إذا بدت يبدو الخصب والريف.

14 - العلل: عن محمد بن شاذان بن أحمد البرواذي، عن محمد بن محمد بن الحرث السمرقندي، عن صالح بن سعيد الترمذي، عن عبد المنعم بن إدريس عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: أهل الكتابين يقولون: لما هبط نوح من السفينة أوحى الله عز وجل إليه: يا نوح! إنني خلقت خلقي لعبادتي وأمرتهم بطاعتي، فقد عصوني وعبدوا غيري واستوجبوا بذلك غضبي فغرقتهم، وإني قد جعلت قوسي أمانا لعبادي و

بلادي وموثقا بيني وبين خلقي يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق، ومن أوفى بعهده مني؟ ففرح نوح عليه السلام بذلك وتباشر، وكانت القوس فيها سهم ووتر، فنزع الله عز وجل السهم والوتر من القوس وجعلها أمانا لعباده وبلاده من الغرق.

بيان: هذه الأخبار تدل على أنه ما دام يظهر القوس في الجو لا تصيبهم الطوفان والغرق.

15 - قصص الراوندي: بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام ان قوما من بني إسرائيل قالوا لنبي لهم: ادع لنا ربك يمطر علينا السماء إذا أردنا فسأل ربه ذلك فوعده أن يفعل، فأمطر السماء عليهم كلما أرادوا، فزرعوا فنمت زروعهم وحسنت، فلما حصدوا لم يجدوا شيئا، فقالوا: إنما سألنا المطر للمنفعة فأوحى الله تعالى أنهم لم يرضوا بتدبيري لهم، أو نحو هذا.

16 - المحاسن: عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن الوشاء، عن أبان الأحمر عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لولا أن الله حبس الريح على أهل الدنيا لأخوت الأرض، ولولا السحاب لخربت الأرض فما أنبتت شيئا، ولكن الله يأمر السحاب فيغربل الماء فينزل قطرا، وإنه أرسل على قوم نوح بغير حساب.

بيان: " لأخوت الأرض " أي خلت من الناس أو من الخير أو خربت وانهدمت قال الفيروزآبادي: خوت الدار: تهدمت ، وخوت وخويت: خلت من أهلها وأرض خاوية: خالية من أهلها، وخوى - كرمى -: تابع عليه الجوع، و الزند: لم يور، كأخوى، والنجوم خيا: أمحلت فلم تمطر، كأخوت وخوت.

17 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن اليقطيني، عن القاسم

ابن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عز وجل ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولا خرجت الأرض نباتها.

18 - تفسير الامام: في قوله تعالى " وأنزل من السماء ماء " يعني المطر ينزل مع كل قطرة ملكا يضعها في موضعها الذي يأمره به ربه عز وجل.

19 - العياشي: عن يونس بن عبد الرحمن، أن داود قال: كنا عنده فارتعدت السماء فقال: سبحان من يسبح له الرعد بحمده والملائكة من خيفته.

فقال له أبو بصير: جعلت فداك، إن للرعد كلاما؟ فقال: يا أبا محمد سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك.

بيان: يدل على أن التفكر في حقائق المخلوقات وأمثالها مما لم يؤمر الخلق به، بل لا فائدة لهم فيه.

20 - العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرعد أي شئ يقول؟ قال: إنه بمنزلة الرجل يكون في الإبل فيزجرها " هاي، هاي " كهيئة ذلك، قلت: فما البرق؟ قال لي: تلك مخاريق الملائكة تضرب السحاب فتسوقه إلى الموضع الذي قضى الله فيه المطر.

الفقيه: عن أبي بصير مثله.

21 - قال: وروي أن الرعد صوت ملك أكبر من الذباب وأصغر من الزنبور.

22 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن محمد بن الفضيل، عن الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يموت المؤمن بكل ميتة إلا الصاعقة لا تأخذه وهو يذكر الله عز وجل.

23 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الصاعقة لا تصيب ذاكرا .

24 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يقوم في المطر أول ما يمطر حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه، فقيل له: يا أمير المؤمنين الكن! الكن! فقال: إن هذا ماء قريب العهد بالعرش، ثم أنشأ يحدث فقال: إن تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت أرزاق الحيوانات، فإذا أراد الله عز ذكره أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه لهم أوحى الله إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى سماء الدنيا - فيما أظن - فيلقيه إلى السحاب، والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحي إلى الريح أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الماء ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا فأمطري عليهم فيكون كذا وكذا عبابا وغير ذلك، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك حتى يضعها موضعها، ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بعدد معدود ووزن معلوم إلا ما كان من يوم الطوفان على عهد

نوح عليه السلام فإنه نزل من ماء منهمر بلا وزن ولا عدد.

25 - قال: وحدثني أبو عبد الله عليه السلام قال: قال لي أبي عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل جعل السحاب غرابيل للمطر هي تذيب البرد حتى يصير ماء لكي لا يضر شيئا يصيبه، والذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله عز وجل يصيب بها من يشاء من عباده. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تشيروا إلى المطر ولا إلى الهلال فإن الله يكره ذلك.

العلل: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن هارون بن مسلم مثله إلى قوله " فإنه نزل منها ماء منهمر بلا عدد ولا وزن [وقد مر في ما تقدم (3)].

قرب الإسناد: عن هارون مثله إلى آخر الخبر.

بيان: " أول ما يمطر " أي أول كل مطر، أو المطر الذي يمطر أول السنة. وفي العلل. " أول مطر يمطر " وهو يؤيد الثاني. ولكن بالنصب على الاغراء أي اطلبه أو ادخله، وهو بالكسر ما يستتر به من بناء ونحوه. " في ما أظن " ليس هذه في العلل وقرب الإسناد، وعلى تقديره هو كلام الراوي، أي أظن أن الصادق عليه السلام ذكر السماء الدنيا. " ثم يوحي إلى الريح " في الكتابين " ثم يوحي الله إلى السحاب أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء " وهذا ظاهر وآخر الخبر صريحا يدل على أن ما ينزل من السماء برد، فإذا أراد أن يصيره مطرا أمر الريح أو السحاب أن يطحنه ويذيبه، والآية أيضا تحتمل ذلك، بل هو أظهر فيها إذ الظاهر أن مفعول ينزل هو الودق، لكن ذكر البحر في أول الخبر لا يلائم ذلك، إلا أن يقال: الجبال في ذلك البحر، أو يكون مرور ذلك الماء على تلك الجبال فبذلك ينجمد، أو يحتمل من ذلك البرد فينزل، وعلى ما فتحه المتفلسفون

من أبواب التأويل فالامر هين.

" ماء منهمر " أي منصب سائل من غير تقاطر أو كثير من غير أن يعلم وزنها وعددها الملائكة. " لا تشيروا إلى المطر... " لعل المراد به الإشارة إليهما على سبيل المدح كأن يقول: ما أحسن هذا الهلال وما أجود هذا المطر! أو أنه ينبغي عند رؤيتهما الاشتغال بالدعاء لا الإشارة إليهما كما يفعله السفهاء، أو لا ينبغي عند رؤيتهما التوجه إليهما عند الدعاء والتوسل بهما، كما أن بعض الناس يظنون أن للهلال وأمثاله مدخلا في نظام العالم فيتوسلون به ويتوجهون إليه، وهذا أظهر بالنسبة إلى الهلال، ويؤيده ما روي في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال:

إذا رأيت هلال شهر رمضان فلا تشر إليه، ولكن استقبل القبلة وارفع يديك إلى الله عز وجل وخاطب الهلال - الخبر - وقيل: المراد بالإشارة الإشارة المعنوية والقول بأنهما مؤثران في العالم، وقيل: هو نهي عن الإشارة إلى كيفية حدوثهما فإن ذلك يضر باعتقاد العامة، كما قيل نظيره في قوله تعالى " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ".

26 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العرزمي، رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام وسئل عن السحاب أين تكون؟

قال: تكون على شجر على كثيب على شاطئ البحر يأوي إليه، فإذا أراد الله عز وجل أن يرسله أرسل ريحا فأثارته، ووكل به ملائكة يضربونه بالمخاريق وهو البرق فيرتفع، ثم قرأ هذه الآية " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت - الآية - " والملك اسمه الرعد.

تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن العرزمي، عن أبيه، عن أبي إسحاق

عن الحارث الأعور عنه عليه السلام مثله [إلى قوله " فيرتفع "].

بيان: " تكون على شجر " يحتمل أن يكون نوع من السحاب كذلك، أو يكون كناية عن انبعاثه عن البحر وما قرب منه، وقيل " على شجر " أي على أنواع منها ما يكون على الكثيب وهو اسم موضع على ساحل البحر اليمن يأتي السحاب إلى مكة منها. وفي النهاية: في حديث علي عليه السلام " البرق مخاريق الملائكة " هي جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، أراد أنها آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، ويفسره حديث ابن عباس: البرق سوط من نور تزجر بها الملائكة السحاب.

27 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال:

قال علي عليه السلام: المطر الذي منه أرزاق الحيوان من بحر تحت العرش، فمن ثم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستمطر أول مطر، ويقوم حتى يبتل رأسه ولحيته، ثم يقول:

إن هذا [ماء] قريب عهد بالعرش، وإذا أراد الله تعالى أن يمطر أنزله من ذلك إلى سماء بعد سماء حتى يقع على الأرض. ويقال: المزن ذلك البحر، وتهب ريح من تحت ساق عرش الله تعالى تلقح السحاب، ثم ينزل من المزن الماء، ومع كل قطرة ملك حتى تقع على الأرض في موضعها.

28 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيد الله الغضائري، عن التلعكبري عن محمد بن همام، عن عبد الله الحميري، عن الطيالسي، عن زريق الخلقاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما برقت قط في ظلمة ليل ولا ضوء نهار إلا وهي ماطرة.

الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير عن زريق، عن أبي العباس، عنه عليه السلام مثله.

بيان: قال الفيروزآبادي: برقت السماء بروقا، لمعت أو جاءت ببرق، و

البرق: بدا، والرجل: تهدد وتوعد كأبرق (انتهى) والحاصل أن البرق يلزمه المطر وإن لم يمطر في كل موضع يلوح فيه البرق.

29 - دعوات الراوندي: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أصابه المطر مسح به صلعته وقال: بركة من السماء لم يصبها يد ولا سقاء.

30 - كتاب الغارات: لإبراهيم الثقفي بإسناده، قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى " والذاريات ذروا " قال: الرياح، ويلك! قال:

فما الحاملات وقرا؟ قال: السحاب، ويلك! قال: فما الجاريات يسرا؟ قال:

السفن، ويلك! قال: فما المقسمات أمرا؟ قال: الملائكة، ويلك؟ قال: فما قوس قزح؟ قال: ويلك! لا تقل قوس قزح فإن قزحا الشيطان، ولكنها القوس، و أمان أهل الأرض، فلا غرق بعد قوم نوح.

31 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الصاعقة لا تصيب ذاكرا لله [تعالى].

32 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " فهي الأنهار والعيون والآبار. وقال علي بن إبراهيم في قوله " ألم تر أن الله يزجي سحابا ": أي يثيره من الأرض " ثم يؤلف بينه " فإذا غلظ بعث الله رياحا فتعصره فينزل منه الماء وهو قوله " فترى الودق يخرج من خلاله " أي المطر.

33 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يموت المؤمن بكل ميتة إلا الصاعقة لا تأخذه وهو يذكر الله.

34 - ومنه: عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن

أذينة، عن بريد العجلي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أن الصواعق لا تصيب ذاكرا، قلت: وما الذاكر؟ قال: من قرأ مائة آية.

35 - ومنه: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهب ابن حفص، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ميتة المؤمن، قال:

يموت المؤمن بكل ميتة، يموت غرقا، ويموت بالهدم، ويبتلي بالسبع، ويموت بالصاعقة، ولا تصيب ذاكرا لله عز وجل.

36 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده، ألا ترى أن الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر، واسترخت أبدان الحيوان، وخصر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض، وفسدت الطرق والمسالك. وإن الصحو إذا دام جفت الأرض، واحترق النبات، وغيض ماء العيون والأودية، فأضر ذلك بالناس، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض؟ فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء، ودفع كل واحد منهما عادية الأخرى، فصلحت الأشياء واستقامت.

فإن قال قائل: ولم لا يكون في شئ من ذلك مضرة البتة؟ قيل له: ليمض ذلك الانسان ويؤلمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي، فكما أن الانسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرة البشعة ليقوم طباعه ويصلح ما فسد منه، كذلك إذا طغى وأشر احتاج إلى ما يعضه ويؤلمه ليرعوي ويقصر عن مساوية، ويتنبه على ما فيه حظه ورشده.

ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت؟ فأين هذا من مطرة رواء إذ يعمر به البلاد

ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلها؟ أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون؟! و ربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة، وقلة معرفة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها.

تأمل نزوله على الأرض وتدبر في ذلك، فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ وارتفع منها فيرويه، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا المواضع المشرفة منها ولقل ما يزرع في الأرض، ألا ترى أن الذي يزرع سيحا أقل من ذلك؟ فالأمطار هي التي تطبق الأرض، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم، حتى يستأثر بالماء ذو العزة والقوة ويحرمه الضعفاء.

ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الأرض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في قعر الأرض فيرويها ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها، ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها، فصار ينزل نزولا رقيقا فينبت الحب والمزروع ويحيي الأرض والزرع القائم، وفي نزوله أيضا مصالح أخرى، فإنه يلين الأبدان، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذلك ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الداء المسمى " اليرقان " إلى أشباه هذا من المنافع.

فإن قال قائل: أوليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير لشدة ما يقع منه، أو برد يكون فيه تحطم الغلات وبخورة يحدثها في الهواء فيتولد كثير من الأمراض في الأبدان، والآفات في الغلات؟ قيل: بلى، قد يكون ذلك الفرط لما فيه من صلاح الانسان وكفه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها فيكون المنفعة فيها يصلح له من دينه أرجح مما عسى أن يرزأ في ماله.

بيان: " يعتقبان " أي يأتي كل منهما عقيب صاحبه، و " خصر الهواء "

بكسر الصاد المهملة، يقال خصر يومنا أي اشتد برده، وماء خاصر: بارد، وفي أكثر النسخ بالحاء المهملة والسين من حسر أي كل، وهو لا يستقيم إلا بتكلف وتجوز، وفي بعضها بالخاء المعجمة والثاء المثلثة من قولهم خثر إذا غلظ. والبشع:

الكريه المطعم الذي يأخذ بالحلق. والقنطار معيار، ويروى أنه ألف ومائتا أوقية، ويقال: هو مائة وعشرون رطلا، ويقال: هو ملء مسك الثور ذهبا.

قوله عليه السلام " ويذهب له به الصوت " أي يملأ صيت كرمه وجوده الآفاق. والذمر:

الملامة والتهدد، والحطم: الكسر، والاندفاق: الانصباب، واليرقان آفة للزرع وقوله " مما عسى أن يرزأ " من الرزء المصيبة.

37 - الدر المنثور: عن ابن عباس، قال: السحاب الأسود فيه المطر، و الأبيض فيه الندى، وهو الذي ينضج الثمار.

38 - وعن ابن عباس، قال: ما من عام بأقل مطرا من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية " ولقد صرفنا بينهم ليذكروا - الآية " -.

39 - وعن عمر مولى عفرة، قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبرئيل، فقال: إني أحب أن أعلم أمر السحاب، فقال جبرئيل: هذا ملك السحاب فاسأله، فقال:

تأتينا صكاك مختمة: اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة.

40 - وعن ابن عباس، قال: إذا رمي الشهاب لم يخط من رمي به، وتلا " فأتبعه شهاب ثاقب ".

41 - وفي رواية أخرى عنه، قال: لا يقتلون بالشهاب ولا يموتون، ولكنها تخرق وتخرج من غير قتل.

42 - وعن ابن عباس، قال: ما أرسل الله شيئا من ريح أو ماء إلا بمكيال

إلا يوم نوح ويوم عاد، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ " إنا لما طغى الماء " وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ " بريح صرصر عاتية ". وعن علي عليه السلام مثله إلا أنه قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بمكيال على يد ملك.

43 - وعن الزهري: عن علي بن الحسين عليهما السلام، عن ابن عباس، قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه فرمي بنجم فاستنار، قال: ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم قال: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته. ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه. قال معمر: قلت للزهري:

أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، قال: أرأيت " إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

* (تتميم) * اعلم أن الفلاسفة أثبتوا عناصر أربعة: النار، والهواء، والماء، والأرض وقالوا: النار حار يابس، والهواء حار رطب، والماء بارد رطب، والأرض بارد يابس، وكرة النار عندهم ملاصقة لكرة فلك القمر متحركة بحركتها بالتبع و

لها كرة واحدة، وتحتها الهواء وله أربع طبقات: الأولى ما يمتزج منه مع النار وهي التي تتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة من السفل، وتتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب وما يشبهها من النيازك والأعمدة وغيرها. الثانية الهواء الصرفة أو القريب من الصرافة، وتضمحل فيها الأدخنة اللطيفة، ويحصل منها الشهب. الثالثة الهواء الباردة بما يخالطه من الأبخرة الباقي على برودته لعدم وصول أثر الشعاع المنعكس من وجه الأرض إليه. الرابعة الهواء الكثيف المجاور للأرض والماء الغير الباقي على صرافة برودته المكتسبة لمكان الأشعة المنعكسة.

ثم كرة الماء، وهي غير تامة، محيطة بثلاثة أرباع الأرض تقريبا. ثم الأرض وهي كرة مصمتة وقد أحاط بقريب من ثلاثة أرباعها الماء، فالماء على هيئة كرة مجوفة غير تامة قد قطع بعض جوانبها وملئت من الأرض، فالآن مجموع الماء والأرض بمنزلة كرة واحدة تامة الهيئة. وللماء طبقة واحدة هي البحر المحيط بالأرض، ولم يبق على صرافته لنفوذ آثار الأشعة فيه ومخالطته بالاجزاء الأرضية وليس له ما يميز بين أبعاضه بحيث تختلف في الاحكام اختلافا يعتد به، والأرض ساكنة في الوسط بحيث ينطبق مركز حجمها على مركز العالم هذا هو المشهور بينهم وزعم بعض الأوائل منهم أن الأرض متحركة حركة وضعية دورية من المغرب إلى المشرق وأن شروق الكواكب وغروبها بسبب ذلك لا بسبب حركة الفلك وهذا قول ضعيف متروك عندهم.

وللأرض ثلاث طبقات الأولى الأرض الصرفة المحيطة بالمركز الثانية الطبقة الطينية وهي المجاورة للماء الثالثة الطبقة المنكشفة من الماء، وهي التي تحتبس فيها الأبخرة والأدخنة، وتتولد فيها المعادن والنباتات والحيوانات، وتنقسم إلى البراري والجبال، وهي المعروفة بالربع المسكون المنقسم إلى الأقاليم السبعة.

وأما السبب في انكشافها فقد قيل: هو انجذاب الماء إلى ناحية الجنوب لغلبة الحرارة فيها بسبب قرب الشمس، لكون حضيض الشمس في البروج الجنوبية، وكونها في القرب أشد شعاعا من كونها في البعد، وكون الحرارة اللازمة من الشعاع

الأشد أقوى لا محالة، وشأن الحرارة جذب الرطوبات، وعلى هذا يمكن أن تنتقل العمارة من الشمال إلى الجنوب ثم من الجنوب إلى الشمال وهكذا بسبب انتقال الأوج من أحدهما إلى الآخر، وتكون العمارة دائما [إلى] حيث أوج الشمس لئلا يجتمع في الصيف قرب الشمس من سمت الرأس وقربها من الأرض فتبلغ الحرارة إلى حد النكاية والاحراق، ولا البعدان في الشتاء فيبلغ البرد إلى حد النكاية و التفجيع، وقيل: سببه كثرة الوهاد والأغوار في ناحية الشمال باتفاق من الأسباب الخارجة، فتنحدر المياه إليها بالطبع وتبقى المواضع المرتفعة مكشوفة، وقيل:

ليس له سبب معلوم غير العناية الإلهية ليصير مستقرا للانسان وغيره من الحيوانات ومادة لما يحتاج إليه من المعادن والنباتات.

ثم إنهم يقولون بأن كلا من تلك العناصر الأربعة قابل للكون والفساد أي ينقلب بعضها إلى بعض بلا توسط أو بتوسط واحد أو أكثر، كالماء ينقلب حجر المرمر، فإنه يحصل من مياه صافية جارية مشروبة تجتمع في وهاد تتحجر حجرا قريب الحجم من حجمها في زمان قليل كما ينقل من بعض محال مراغة من بلاد آذربايجان، وقيل: الحق أن ذلك إنما هو بخاصية في بعض المواضع من الأرض خلق الله فيها قوة معدنية شديدة التأثير في التحجير إذا صادفتها المياه تحجرت، وربما كانت في باطن الأرض فظهرت بالزلازل، ومن هذا القبيل ما نقل من انقلاب بعض الناس حجرا، وقد شوهدت في بعض البلاد أشباح حجرية على هيئة أشخاص إنسية من رجال ونساء وولدان لا يعوزها من التشكيل والتخطيط شئ، وأشخاص بهيمية وسائر أمور تتعلق بالإنسان على حالات مخصوصة وأوضاع يغلب على الظن أنها كانت قوالب إنسية وما يتعلق بها، فلا يبعد ظهور [مثل] هذه القوة على قوم غضب الله عليهم (انتهى).

وقالوا: الحجر ينحل بالحيل الإكسيرية ماء سيالا، والهواء ينقلب ماء كما يشاهد في قلل الجبال وغيرها أن الهواء بسبب البرد يغلظ ويصير سحابا متقاطرا وكما يشاهد من ركوب القطرات على الطاس المكبوب على الجمد، والماء ينقلب

هواء بالحر الحاصل من تسخين الشمس أو النار كما يشاهد من البخار الصاعد من الماء المسخن، فإن البخار أجزاء هوائية متكونة من الماء مستصحبة لاجزاء مائية لطيفة مختلطة بها، والهواء ينقلب نارا كما في كور الحدادين إذا ألح النفخ عليها وسد الطرق التي يدخل منها الهواء الجديد يحدث فيه نار من انقلاب الهواء إليها، ومن هذا القبيل الهواء الحار الذي منه السموم المحرقة، والنار أيضا تنقلب هواء كما يشاهد في شعلة المصباح، فإنها لو بقيت على النارية لتحركت إلى مكانها الطبيعي على خط مستقيم فاحترقت ما حاذاها وليس كذلك.

ثم إنهم قالوا: إذا تصغرت تلك العناصر وامتزجت وتماست وفعل بعضها في بعض بقواها المتضادة تحصل منها كيفية متوسطة هي المزاج، والتركيب قد يكون تاما يحصل به مزاج ويستعد بذلك لإفاضة صورة نوعية تحفظ التركيب زمانا طويلا، وقد يكون ناقصا لا يبقى مدة مديدة بل تنحل بأدنى سبب مثل كائنات الجو.

قال صاحب المقاصد: المركبات التي لا مزاج لها ثلاثة أنواع، لان حدوثه إما فوق الأرض أعني في الهواء، وإما على وجه الأرض، وإما في الأرض فالنوع الأول منه ما يتكون من البخار، ومنه ما يتكون من الدخان وكلاهما بالحرارة فإنها تحلل من الرطب أجزاء هوائية ومائية وهي البخار، ومن اليابس أجزاء أرضية تخالطها أجزاء نارية وقلما يخلو عن هوائية وهي الدخان، فالبخار المتصاعد قد يلطف بتحليل الحرارة أجزاؤه المائية فيصير هواء، وقد يبلغ الطبقة الزمهريرية فيتكاثف فيجتمع سحابا ويتقاطر قطرا إن لم يكن البرد شديدا، وإن أصابه برد شديد يجمد السحاب قبل تشكله بشكل القطرات نزل ثلجا، أو بعد تشكله بذلك نزل بردا صغيرا مستديرا إن كان من سحاب بعيد لذوبان الزوايا بالحركة والاصطكاك، وإلا فكبيرا غير مستدير في الغالب، وإنما يكون البرد في هواء ربيعي أو خريفي لفرط التحليل في الصيفي والجمود في الشتوي، وقد لا يبلغ البخار المتصاعد الطبقة الزمهريرية، فإن كثر صار ضبابا، وإن قل وتكاثف ببرد

الليل فإن انجمد نزل صقيعا، وإلا فطلا، فنسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. وقد يكون السحاب الماطر من بخار كثير تكاثف بالبرد من غير أن يتصعد إلى الزمهريرية لمانع مثل هبوب الرياح المانعة للأبخرة من التصاعد، أو الضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح وثقل الجزء المتقدم وبطء حركته.

وقد يكون مع البخار المتصاعد دخان، فإذا ارتفعا معا إلى الهواء البارد وقد انعقد البخار سحابا واحتبس الدخان فيه فإن بقي الدخان على حرارته قصد الصعود، وإن برد قصد النزول، وكيف كان فإنه يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث من تمزيقه ومصاكته صوت هو الرعد، ونارية لطيفة هي البرق، أو كثيفة هي الصاعقة.

وقد يشتعل الدخان الغليظ بالوصول إلى كرة النار كما يشاهد عند وصول دخان سراج منطفئ إلى سراج مشتعل فيرى فيه الاشتعال فيرى كأنه كوكب انقض وهو الشهاب، وقد يكون لغلظه لا يشتعل بل يحترق ويدوم فيه الاحتراق فيبقى على هيئة ذؤابة أو ذنب أو حية أو حيوان له قرون، وربما يقف تحت كوكب ويدور مع النار بدوران الفلك إياها، وربما تظهر فيه علامات هائلة حمر وسود بحسب زيادة غلظ الدخان. وإذا لم ينقطع اتصال الدخان من الأرض ونزل اشتعاله إلى الأرض يرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الأرض وهو الحريق (انتهى).

وقال في المواقف: وأما الدخان فربما يخالط السحاب فيحرقه، إما في صعوده بالطبع أو عند هبوطه للتكاثف بالبرد، فيحدث من خرقه له ومصاكته إياه صوت هو الرعد، وقد يشتعل بقوة التسخين الحاصل من الحركة والمصاكة فلطيفه ينطفئ سريعا وهو البرق، وكثيفه لا ينطفئ حتى يصل إلى الأرض وهي الصاعقة.

وقال شارحه: وإذا وصل إليها فربما صار لطيفا ينفذ في المتخلخل ولا يحرقه ويذيب الأجسام المندمجة، فيذيب الذهب والفضة في الصرة مثلا ولا يحرقها إلا

ما احترق من الذوب، وقد أخبرنا أهل التواتر بأن الصاعقة وقعت بشيراز على قبة الشيخ الكبير أبي عبد الله بن حفيف، فأذاب قنديلا فيها ولم يحرق شيئا منها. و ربما كان كثيفا غليظا جدا فيحرق كل شئ أصابه، وكثيرا ما تقع على الجبل فتدكه دكا. ويحكى أن صبيا كان في صحراء فأصاب ساقيه صاعقة فسقط رجلاه ولم يخرج منه دم لحصول الكي بحرارتها.

وقال الرازي في المباحث المشرقية: إذا ارتفع بخار دخاني لزج دهني وتصاعد حتى وصل إلى حيز النار من غير أن ينقطع اتصاله عن الأرض اشتعلت النار فيه نازلة، فيرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الأرض، فإذا وصلت إلى الأرض احترقت تلك المادة بالكلية وما يقرب منها، وسبيل ذلك سبيل السراج المنطفئ إذا وضع تحت السراج المشتعل فاتصل الدخان من الأول إلى الثاني فانحدر اللهب إلى فتيلته.

وقال في شرح المواقف في سبب الهالة والقوس: قد تحدث في الجو أجزاء رطبة رشية صقيلة كدائرة تحيط تلك الأجزاء بغيم رقيق لطيف لا تحجب ما وراءه عن الابصار، فينعكس منها أي من تلك الأجزاء الواقعة على ذلك الوضع ضوء البصر لصقالتها إلى القمر، فيرى في تلك الأجزاء ضوؤه دون شكله. فإن الصقيل الذي ينعكس منه شعاع البصر إذا صغر جدا بحيث لا ينقسم في الحس أدى الضوء واللون دون الشكل والتخطيط كما في المرآة الصغيرة. وتلك الأجزاء الرشية مرايا صغار متراصة على هيئة الدائرة، فيرى جميع تلك الدائرة كأنها منورة بنور ضعيف وتسمى الهالة، وإنا لا نرى الجزء الأول الذي يقابل القمر من ذلك الغيم، لان قوة الشعاع تخفي حجم السحاب الذي لا يستره، فلا يرى فيه خيال القمر، كيف والشئ إنما يرى على الاستقامة نفسه لا شبحه بخلاف أجزائه التي لا تقابله فإنها تؤدي خيال ضوئه كما عرفت. قيل: وأكثر ما تتولد الهالة عند عدم الريح، فإن تمزقت من جميع الجهات دلت على الصحو، وإن ثخن

السحاب حتى بطلت دلت على المطر، لان الاجزاء المائية قد كثرت، وإن انخرقت من جهة دلت على ريح تأتي من تلك الجهة، و [إن] اتفق أن توجد سحابتان على الصفة المذكورة إحداهما تحت الأخرى حدثت هناك هالة تحت هالة، وتكون التحتانية أعظم لأنها أقرب إلينا، وزعم بعضهم أنه رأى سبع هالات معا.

واعلم أن هالة الشمس وتسمى " الطفاوة " نادرة جدا، لان الشمس تحلل السحب الرقيقة، ومع ذلك فقد زعم ابن سينا أنه رأى حول الشمس هالة تامة في ألوان قوس قزح، ورأي بعد ذلك هالة فيها قوسية قليلة، وإنما تنفرج هالة الشمس إذا كثف السحاب وأظلم. وحكى أيضا أنه رأى حول القمر هالة قوسية اللون، لان السحاب كان غليظا فشوش في أداء الضوء وعرض ما يعرض للقوس، وقد يحدث مثل ذلك الذي ذكرناه من الاجزاء الرشية الصقيلة على هيئة الاستدارة في جهة خلاف الشمس وهي قوس قزح وتفصيله أنه إذا وجد في خلاف جهة الشمس أجزاء رشية لطيفة صافية على تلك الهيئة وكان وراءها جسم كثيف إما جبل أو سحاب كدر وكانت الشمس قريبة من الأفق فإذا أدبر على الشمس ونظر إلى تلك الأجزاء انعكس شعاع البصر عنها إلى الشمس، ولما كانت صغيرة جدا لم يؤد الشكل بل اللون الذي يكون مركبا من ضوء الشمس في لون المرآة، وتختلف ألوانها بحسب اختلاف أجزاء السحاب في ألوانها، وبحسب ألوان ما وراءها من الجبال، وألوان ما ينعكس منها الضوء من الاجرام الكثيفة.

وفي المباحث المشرقية: زعم بعضهم أن السبب في حدوث أمثال هذه الحوادث اتصالات فلكية وقوى روحانية اقتضت وجودها، وحينئذ لا تكون من قبيل الخيالات، وهو أن يرى صورة شئ [مع صورة شئ] آخر مظهر له كالمرآة، فيظن أن الصورة الأولى حاصلة في الشئ الثاني ولا يكون فيه بحسب نفس الامر.

قال الامام: هذا الذي ذكره لا ينافي ما ذكرناه، فإن الصحة والمرض قد يستندان إلى أسباب عنصرية تارة، وإلى اتصالات فلكية وتأثيرات نفسانية

أخرى، لكن هذا الوجه يؤيده أن أصحاب التجارب شهدوا بأن أمثال هذه الحوادث في الجو تدل على حدوث حوادث في الأرض، فلولا أنها موجودات مستندة إلى تلك الاتصالات والأوضاع لم يستمر هذا الاستدلال (انتهى).

وقال بعضهم: إن الله سبحانه إذا أراد أن يلطف بقوم أو يغضب عليهم بإحداث حدث في الأرض وتكوين كائن من إمطار مطر أو إرسال ريح وما أشبههما أمر الملائكة السماوية خصوصا الملكين الموكلين بالشمس أن يفعلوا في الأرض بتوسط الملائكة الموكلين بها، أفاعيل الملائكة أن يحركوا شيئا منها ويخلطوه حتى يحصل من اختلاطه ما يشاء، فإن كل ما يتكون في الجو والأرض إنما يحدث من اختلاط العناصر والأرضيات، فأول ما يحدث من ذلك قبل أن يمتزج امتزاجا تاما يحصل بسبب الكيفية الوحدانية المسماة بالمزاج هو البخار والدخان، وذلك لان الملائكة إذا هيجوا باسخان السماويات الحرارة بخروا من الأجسام المائية ودخنوا من الأجسام الأرضية، وأثاروا أجزاء إما هوائية ومائية مختلطين وهو البخار، وإما نارية وأرضية كذلك وهو الدخان، ثم حصل بتوسطهما موجودات شتى غير تامة المزاج من الغيم والمطر والثلج والبرد والضباب والطل والصقيع والرعد والبرق والصاعقة والقوس والهالات والشهب والرياح والزلازل وانفجارات العيون والقنوات والآبار والنزوز، كل ذلك بإذن الله سبحانه وتوسط ملائكته، كما قال سبحانه إشارة إلى بعض ذلك " ألم تر أن الله يزجي سحابا - الآية - " والتأمل في بناء الحمام وعوارضه نعم العون على إدراك ماهية الجو وكثير من حوادثه، بل التدبر في ما يرتفع من أرض معدة الانسان إلى زمهرير دماغه ثم ينزل منه في ثقب وجهه يعين على ذلك كسائر الأمور الأنفسية على الاحكام الآفاقية (انتهى).

وقال بعض المحققين في تحقيق ألوان القوس: توضيح المقام يستدعي مقدمتين الأولى: أن سائر الألوان المتوسطة بين الأسود والأبيض إنما تحدث عن اختلاط هذين اللونين، وبالجملة الأبيض إذا رؤي بتوسط الأسود أو بمخالطة

الأسود حدثت عن ذلك الألوان الأخر، فإن كان النير هو الغالب رؤي الأحمر وإن لم يكن غالبا رؤي الكراثي والأرجواني، وغلبته في الكراثي أكثر وفي الأرجواني أقل. الثانية أن اللون الأسود هو بمنزلة عدم الابصار، لأنا إذا لم نر الشمس والمضئ ظننا أنا نرى شيئا أسود، فالمكان من الغمام الذي يكون الأبيض فيه غالبا على الأسود نراه أحمر، والمكان الذي يكون فيه الأسود غالبا نراه أرجوانيا، والمكان الذي فيه الأسود بين الغالب والمغلوب نراه كراثيا.

فإذا تمهد هذا فنقول: إذا رأى البصر النير بتوسط الغمام على تلك الشرائط رأى القوس على الأكثر ذات ألوان ثلاثة: الأول منها وهو الدور الخارج الذي يلي السماء أحمر لقلة سواده وكثرة بياضه، والثاني وهو الذي دونه كراثي لتوسطه بين الأول والثالث في قلة السواد وكثرته وقلة البياض وكثرته، والدور الثالث مما يلي الأرض أرجواني لكثرة سواده وقلة بياضه، فأما الدور الأصفر الذي قد يرى أحيانا بين الدور الأحمر والكراثي فإنه ليس يحدث بنحو الانعكاس فإنما يرى بمجاورة الأحمر اللون الكراثي، والعلة في ذلك أن الأبيض إذا وقع على جنب الأسود رؤي أكثر بياضا، ولما كان الدور الأحمر فيه بياضا والكراثي مائلا إلى السواد رؤي طرف الأحمر لقربه من الكراثي أكثر بياضا من الأحمر [وما هو أكثر بياضا من الأحمر] هو الأصفر، فلهذا يرى طرف الدور الأحمر القريب من الكراثي أصفر. وقد يظهر أحيانا قوسان معا كل واحدة منهما ذات ثلاثة ألوان على النحو الذي ذكرناه في الواحدة، لكن وضع ألوان القوس الخارجة بالعكس من الداخلة، يعني دورها الخارج الذي يلي السماء أرجواني، و الذي يليه كراثي، والذي يتلو هذا أحمر، ولا يبعد أن يكون أحد القوسين عكسا للآخر (انتهى).

وأقول: هذا ما ذكره القوم في هذا المقام، وكلها مخالفة لما ورد في لسان الشريعة، ولم يكلف الانسان الخوض فيها والتفكر في حقائقها، ولو كان مما ينفع المكلف لم يهمل صاحب الشرع بيانها، وقد ورد في كثير من الاخبار النهي عن

تكلف ما لم يؤمر المرء بعلمه. قال صاحب المواقف وشارحه بعد إيراد هذه المباحث:

ما ذكرناه كله آراء الفلاسفة حيث نفوا القادر المختار، فأحالوا اختلاف الأجسام بالصور إلى استعداد في موادها، وأحالوا اختلاف آثارها إلى صورها المتبائنة و أمزجتها المتخالفة، وكل ذلك إلى حركات الأفلاك وأوضاعها. وأما المتكلمون فقالوا: الأجسام متجانسة بالذات لتركبها من الجواهر الفردة، وأنها متماثلة لا اختلاف فيها، وإنما يعرض الاختلاف للأجسام لا في ذواتها بل بما يحصل فيها من الاعراض بفعل القادر المختار (انتهى).

ثم اعلم أن ما يشاهد من انعقاد السحب في قلل الجبال وتقاطرها مع أن الواقف على قلة الجبل لا يرى سحابا ولا مطرا ولا ماء، والذين تحت السحاب ينزل عليهم المطر لا ينافي الظواهر الدالة على أن المطر من السماء بوجهين: أولهما أنه يمكن أن ينزل عليهم المطر من السماء إلى السحاب رشحا ضعيفا لا يحس به أو قبل انعقاد السحاب على الموضع الذي يرتفع منه. وثانيهما أن نقول بحصول الوجهين معا وانقسام المطر إلى القسمين، فمنه ما ينزل من السماء، ومنه ما يرتفع من بخار البحار والأراضي الندية. ويؤيده ما رواه شيخنا البهائي - قدس الله روحه - في كتاب " مفتاح الفلاح " حيث قال: نقل الخاص والعام أن المأمون ركب يوما للصيد فمر ببعض أزقة بغداد على جماعة من الأطفال، فخافوا وهربوا وتفرقوا، وبقي واحد منهم في مكانه، فتقدم إليه المأمون وقال له: كيف لم تهرب كما هرب أصحابك؟ فقال: لان الطريق ليس ضيقا فيتسع بذهابي، و لا بي عندك ذنب فأخافك لأجله، فلأي شئ أهرب؟! فأعجب كلامه المأمون فلما خرج إلى خارج بغداد أرسل صقره فارتفع في الهواء ولم يسقط على وجه الأرض حتى رجع وفي منقاره سمكة صغيرة، فتعجب المأمون من ذلك، فلما رجع تفرق الأطفال وهربوا إلا ذلك الطفل فإنه بقي في مكانه كما في المرة الأولى، فتقدم إليه المأمون وهو ضام كفه على السمكة وقال له: قل أي شئ في يدي؟ فقال:

إن الغيم حين أخذ من ماء البحر تداخله سمك صغار فتسقط منه فيصطادها الملوك

فيمتحنون بها سلالة النبوة. فأدهش ذلك المأمون فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد ابن علي الرضا - وكان ذلك بعد واقعة الرضا عليه السلام وكان عمره عليه السلام في ذلك الوقت إحدى عشر، وقيل عشر سنة - فنزل المأمون عن فرسه وقبل رأسه وتذلل له ثم زوجه ابنته.

أقول: وقد مر في أبواب تاريخه عليه السلام. وسئل السيد المرتضى: الرعد و البرق والغيم ما هو؟ وقوله تعالى " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " وهل هناك برد أم لا؟ فأجاب - قدس سره -: إن الغيم جسم كثيف وهو مشاهد لا شك فيه، وأما الرعد والبرق فقد روي أنهما ملكان، والذي نقوله هو أن الرعد صوت من اصطكاك أجرام السحاب. والبرق أيضا من تصادمهما. وقوله " من جبال " إلى آخره لا شبهة فيه أنه كلام الله، وأنه لا يمتنع أن تكون جبال البرد مخلوقة في حال ما ينزل البرد.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.