پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

28 باب السحاب والمطر والشهاب والبروق والصواعق والقوس

ج ۵۶، ص ۳۴۳–۳۷۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۶

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.

الانعام: وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ.

الأعراف: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون.

الرعد: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال.

إبراهيم: وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم.

الحجر: إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين. وقال تعالى: وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين.

النحل: وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. وقال تعالى: والله أنزل من السماء ماء فأحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون.

الحج: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. وقال تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير.

المؤمنون: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض، وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأ لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون.

النور: ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك

لعبرة لأولي الابصار.

الفرقان: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا.

النمل: وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله - إلى قوله تعالى - ومن يرزقكم من السماء والأرض.

العنكبوت: ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من بعد موتها ليقولن الله.

الروم: ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وقال تعالى: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباه إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شئ قدير ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون.

لقمان: وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم.

فاطر: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور.

الصافات: إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب.

الزمر: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب.

المؤمن: هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا.

حمعسق: هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد.

الزخرف: والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون.

الجاثية: واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون.

ق: ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج.

الذاريات: والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا.

القمر: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.

الواقعة: أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون.

الجن: وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا إلى - قوله تعالى - و أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا.

تفسير: " وأنزلنا من السماء ماء " قال البيضاوي: خروج الثمار بقدرة الله ومشيته ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في اخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممزوجة منهما أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة تتولد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد، كما أبدع نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في إنشائها مدرجا من حال إلى حال صنعا وحكما يجدد فيها لأولي الابصار عبرا وسكونا إلى عظم قدرته ليس في إيجادها دفعة، و " من " الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء، أو الفلك، فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر أو من أسباب سماوية تثير الاجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد سحابا ماطرا.

" إن في خلق السماوات والأرض " قيل: إنما جمع السماوات وأفرد الأرض لان السماوات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين " بما ينفع الناس " أي ينفعهم أو بالذي ينفعهم " وما أنزل الله من السماء من ماء " " من " الأولى

للابتداء، والثانية للبيان. وقال البيضاوي: السماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو. وقال الرازي: فإن قيل: أفتقولون إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الأرض فتخرج منها أبخرة متصاعدة، فإذا وصلت الجو بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز اتصلت، فتتولد من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر. قلنا: بل نقول: إنه ينزل من السماء كما ذكر الله تعالى وهو الصادق في خبره، وإذا كان قادرا على إمساك الماء في السحاب فأي بعد في أن يمسكه في السماء؟ وأما قول من يقول إنه من بخار الأرض فهذا ممكن في نفسه لكن القطع بأنه كذلك لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار وقدم العالم وذلك كفر، لأنا متى جوزنا أن الفاعل المختار قادر على خلق الجسم فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه؟ (انتهى).

" فأحيى به الأرض " أي بالنبات مجازا " وبث فيها من كل دابة " قال البيضاوي: عطف على " أنزل " كأنه استدل بنزول المطر وتكون النبات به و بث الحيوانات في الأرض، أو على " أحيى " فإن الداوب ينمون بالخصب و يعيشون بالحيا، والبث النشر والتفريق وقال الرازي في تصريف الرياح وجه الاستدلال أنها مخلوقة على وجه يقبل التصريف وهو الرقة واللطافة، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجوه يقع بها النفع العظيم في الانسان والحيوانات ثم ذلك من وجوه: أحدها أنها مادة النفس التي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شئ، وبعد الهواء الماء، لأن الماء لابد

فيه من تكلف الاغتراف بخلاف الهواء، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبدا ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة لكن دون الحاجة إلى الماء، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين والأدوية النادرة قليلة، فلا جرم عزت هذه الأشياء، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جدا، ولا جرم كانت في نهاية العزة فثبت أن كلما كان الاحتياج إليه أشد كان وجدانه أسهل، وكلما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب، وما ذلك إلا رحمة منه على العباد، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله أعظم الحاجات نرجو أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شئ.

وثانيها لولا تحرك الهواء لما جرت الفلك، وهذا مما لا يقدر عليه [أحد] إلا الله تعالى، فلو أراد كل [من في] العالم أن يقلب الريح من الشمال إلى الجنوب إذا كان الهواء ساكنا أن يحركه لتعذر.

" والسحاب المسخر بين السماء والأرض " سمي السحاب سحابا لانسحابه في الهواء، ومعنى التسخير التذليل، وإنما سماه مسخرا لوجوه: أحدها أن طبع الماء يقتضي النزول، فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع، فلا بد من قاهر يقسره على ذلك، ولذلك سماه بالمسخر. الثاني أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأمطار، ولو انقطع لعظم ضرره لأنه يفضي إلى القحط وعدم العشب. الثالث أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء، وذلك هو التسخير (انتهى).

" لآيات لقوم يعقلون " قال البيضاوي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، والكلام المجمل في دلالة هذه الآيات على وجود الاله ووحدته أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة. إذ كان من الجائز مثلا أن لا تتحرك السماوات أو بعضها كالأرض، وأن تتحرك بعكس حركتها

وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها، فلا بد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته، وتقتضيه مشيته، متعاليا عن معارضة غيره، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه [الآخر] فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن كان لأحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وعجز الآخر النافي لإلهيته، وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد، كما أشار إليه بقوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (انتهى).

وأقول: قد مر في كتاب التوحيد بسط القول في الاستدلال بحدوث تلك الأشياء وإمكانها على افتقارها إلى صانع قديم واجب بذاته، واشتمالها على الحكم المتناهية على قدرته - سبحانه - وعلمه وحكمته ولطفه، وبانتظامها وتلازمها على وحدة صانعها، فلا نعيد الكلام فيها.

" وهو الذي أنزل من السماء ماء " قال الرازي: اختلف الناس فيه، فقال الجبائي: إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض قال: لان ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء، والعدول عن الظاهر إلى التأويل إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره. وأما قول من يقول: إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء فينعقد الغيم منها ويتقاطر وذلك هو المطر فقد احتج الجبائي على فساده بوجوه: الأول أن البرد قد يوجد في وقت الحر [بل] في صميم الصيف، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد، وذلك يبطل قولهم. الثاني أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت وتفرقت لم يتولد منها قطرات الماء. الثالث لو كان تولد المطر من صعود البخارات فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار. فوجب أن يدوم هناك نزول المطر، وحيث لم يكن الامر كذلك علمنا

فساد قولهم. قال: فثبت بهذه الوجوه أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض.

ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة، وإذا كان الامر كذلك امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شئ عن مادة معينة. وأما المسلمون فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات فثبت أن ظاهر القرآن يدل على أن الماء إنما ينزل من السماء، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر، فوجب القول بحمله على ظاهره فثبت أن الحق سبحانه ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء، ثم ينزلها إلى السحاب ثم من السحاب إلى الأرض.

والقول الثاني: المراد: أنزل من جانب المساء ماء.

القول الثالث: أنزل من السحاب ماء، وسمى الله السحاب سماء لان العرب تسمي كل ما فوقك سماء، كسماء البيت.

ثم قال: نقل الواحدي في البسيط عن ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر.

أقول: ورجح في موضع آخر نزول المطر من السحاب، قال لان الانسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل، فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطرا عليهم، وإذا كان هذا الامر مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه باطلا، ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك. والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول (انتهى).

" وهو الذي يرسل الرياح بشرا " منهم من قرأ " نشرا " بضم النون والشين.

جمع نشور مثل رسل ورسول، أي رياحا منشرة مفرقة من كل جانب، وقرأ ابن عامر بضم النون وإسكان الشين بتخفيف العين، وقرأ حمزة بفتح النون وإسكان الشين مصدر نشرت الثوب ضد طويته، وهنا بمعنى المفعول، أو بمعنى الحياة فهو بمعنى الفاعل، وقرأ عاصم بالباء جمع بشير أي مبشرات بالمطر أو الرحمة " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " قال الرازي: يقال أقل فلان الشئ إذا حمله، أي حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما فيها من الماء، والمعنى أن السحاب المسيطر بالمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا، فيحصل منها فوائد: أحدها أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض و يتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر وثانيها أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الأجزاء المائية النزول، فلا جرم يبقى معلقا في الهواء وثالثها أن بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر، وهو الموضع الذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الأمطار وانتفاعهم بها. ورابعها أن حركة الرياح تارة تكون مفرقة لاجزاء السحاب مبطلة لها وخامسها أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزرع والأشجار مكملة لما فيها من النشوء والنماء، وهي الرياح اللواقح، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف وسادسها أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للأبدان، وتارة تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحرارة الشديدة كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح المهلكة جدا وسابعها أن تلك الرياح تارة تكون شرقية، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية، وهذا ضبط ذكره بعض الناس، وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم، ولا ضبط لها، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها وثامنها أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الأرض، فان من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل له غليان شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وتارة ينزل الريح من جهة الفوق، فاختلاف الرياح بسبب هذه

المعاني أيضا عجيب وعن السدي أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب، ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك، ورحمته هو المطر.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أن طبيعة الهواء واحدة وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة تدل على أن هذه الأحوال لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى " سقناه لبلد ميت " والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولا تنبت فيه خضرة، والسحاب لفظه مذكر، وهو جمع " سحابة " فيجوز فيه التذكير والتأنيث، فلذا أتى بهما في الآية، واللام في قوله " لبلد " إما بمعنى إلى، أو المعنى سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه حب نسقيه، والضمير في قوله " به " إما راجع إلى البلد، أو إلى السحاب، وفي قوله " أخرجنا به " عائد إلى الماء، وقيل: إلى البلد وعلى القول الأول فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء.

وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار غير متولدة من الماء، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب. وقال جمهور الحكماء: لا يمتنع أن يقال: إنه تعالى أودع في الماء قوة وطبيعة، ثم إن تلك القوة والطبيعة توجبان حدوث الأحوال المخصوصة. والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول بأن طبيعة الماء والتراب واحدة، ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد الأحوال المختلفة مثل العنب، فإن قشره بارد يابس، ولحمه وماؤه حار رطب، وعجمه بارد يابس، فتولد الأجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب يدل على أنها إنما حدثت بإحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصية (انتهى).

" خوفا وطمعا " قال الزمخشري: في انتصابهما وجوه: الأول أنه لا يصح أن يكونا مفعولا لهما، لأنهما ليسا بفاعل الفعل المعلل به إلا على تقدير حذف المضاف، أي إرادة خوف وطمع، أو على معنى: إخافة واطماعا الثاني يجوز أن

يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع، والتقدير:

ذا خوف وذا طمع الثالث أن يكون حالا من المخاطبين أي خائفين وطامعين.

وقال الرازي: في كونهما خوفا وطمعا وجوه: الأول: [ان] عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث الثاني أنه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له نفع الثالث: أن كل شئ يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه شر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان.

ثم اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله سبحانه، وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب من أجزاء مائية وأجزاء هوائية، ولا شك أن الغالب عليه الاجزاء المائية، والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس، فظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل، فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد.

فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق؟

فالجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول [وبيانه] من وجوه:

الأول: أنه لو كان الامر كذلك لوجب أن يقال أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب، ومعلوم أن ليس الامر كذلك، فإنه كثيرا ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد. الثاني أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد وعند حصول هذا المعارض القوي كيف تحدث النارية؟ بل نقول: النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها، والسحاب كله ماء، فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية؟

الثالث من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب، لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر؟

فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف، وأن حدوث النار الخالصة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم.

" وينشئ السحاب الثقال " السحاب اسم الجنس، والواحدة سحابة والثقال:

جمع ثقيلة، أي الثقال بالماء واعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأن هذه الاجزاء المائية إما يقال إنها حدثت في جو الهواء، أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها بإحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت ورجعت إلى الأرض فنقول: هذا باطل، وذلك لان الأمطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة، وتارة تكون متقاربة وأخرى تكون متباعدة تارة تدوم مدة نزول المطر زمانا طويلا وتارة قليلا، فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة وطبيعة الأشعة المسخنة للبخارات واحدة لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار. وأيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرا عظيما، ولذلك شرعت صلاة الاستسقاء، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة الخاصة (انتهى).

" ويسبح الرعد بحمده " قال الطبرسي - ره -: تسبيح الرعد دلالته على تنزيه الله تعالى ووجوب حمده، فكأنه هو المسبح، وقيل: إن الرعد هو الملك الذي يسوق السحاب ويزجره بصوته، فهو يسبح الله ويحمده. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن ربكم سبحانه يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد. وكان صلى الله عليه وآله إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده. وكان ابن عباس يقول: سبحان

الذي سبحت له. وروى سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، قال ابن عباس: من سمع الرعد فقال " سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شئ قدير " فإن أصابته صاعقة فعلي ذنبه.

" والملائكة من خيفته " أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته.

قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شئ. " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " ويصرفها عمن يشاء، إلا أنه حذف، ورووا عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أن الصواعق تصيب المسلم وغير المسلم، ولا تصيب ذاكرا (انتهى).

وقال الرازي: في قوله تعالى " ويسبح الرعد بحمده " أقوال: الأول أن الرعد اسم ملك من الملائكة، والصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل. عن ابن عباس أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال:

ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء الله تعالى. قالوا: فالصوت الذي يسمع؟ قال: زجرة السحاب. وعن الحسن أنه خلق من الله ليس بملك، فعلى هذا القول الرعد اسم للملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى، وذلك الصوت أيضا مسمى بالرعد، ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك، فنطقه الرعد، وضحكه البرق. واعلم أن هذا القول غير مستبعد، وذلك لان عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول الحياة، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له فكيف

يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندر يتولد في النار، والضفادع تتولد في السحاب والدودة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة؟ وأيضا إذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام ولا تسبيح الحصى في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يبعد تسبيح السحاب؟

وعلى هذا القول فهذا الشئ المسمى بالرعد ملك أوليس بملك فيه قولان:

أحدهما أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، والثاني أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وأفرد بالذكر على سبيل التشريف.

القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح لله تعالى، لان التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول النزاهة والتقديس لله تعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود [موجود] متعال عن النقص والامكان كان ذلك في الحقيقة تسبيحا وهو معنى قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ".

الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحا أن من سمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه.

الرابع: من كلمات الصوفية: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم.

ثم قال: واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وسائر [الآثار] العلوية. وهذا غير ما نقلنا أن الرعد اسم الملك.

ثم قال: أمر الصاعقة عجيب جدا، وذلك لأنها نار تتولد في السحاب.

فإذا نزلت من السحاب فربما غاضت البحر وأحرقت الحيتان تحت البحر! والحكماء بالغوا في وصف قوتها. ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة، وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن يكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران

الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الامر كذلك، فإنها أقوى [من] نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لابد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار.

" وهم يجادلون في الله " أي هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله، وهو يحتمل وجوها: أحدها أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال:

أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم حديد؟!... وثانيها أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر، وثالثها الرد عليهم في طلب سائر المعجزات ورابعها الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال.

" وهو شديد المحال " المشهور أن الميم أصلية وقيل زائدة، والمعنى:

شديد القوة، وقيل: شديد المكر، وقيل: شديد العقوبة، وقيل: شديد المغالبة وقيل: شديد الجدال.

" رزقا لكم " قال البيضاوي: أي تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول " أخرج " و " من الثمرات " بيان له أو حال عنه، ويحتمل عكس ذلك، و يجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة أو المصدر، لان " أخرج " في معنى " رزق ".

" إلا من استرق السمع " قال البيضاوي: بدل من كل شيطان، واستراق السمع اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عباس أنهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات. فلما ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم منعوا من كلها بالشهب، ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد، لجواز أن يكون لها أسباب أخر. وقيل: الاستثناء منقطع، أي ولكن من استرق السمع " فأتبعه شهاب " أي فتبعه ولحقه شهاب " مبين " ظاهر للمبصرين، و

الشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق (انتهى).

وقال الرازي: لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماوات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبارا من الغيوب عنهم ثم إنها تنزل و تلقي تلك الغيوب فعلى هذا التقدير يجب أن يخرج الاخبار عن المغيبات عن كونه معجزا دليلا على الصدق. ولا يقال: إن الله تعالى أخبر عن أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لأنا نقول: هذا المعجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولا، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الاخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذ يلزم الدور، وهو باطل محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولا بسائر المعجزات ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله عجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الاخبار عن الغيب معجزا وحينئذ يندفع الدور (انتهى).

وأقول: يمكن أن يقال: يجب في لطف الله وحكمته أن لا يمكن الكاذب في دعوى النبوة والإمامة من هذا، وإلا لزم الاغراء بالقبيح ولو بالنسبة إلى العوام ولذا قيل: لا تجري الشعبذة أيضا على يد المدعي الكاذب فتأمل.

" وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " قيل: أي وما من شئ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره، أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج اخراجها إلى كلفة واجتهاد " وما ننزله " من تلك الخزائن " إلا بقدر معلوم " اقتضته الحكمة وتعلقت به المشية فإن تخصيص بعضها بالايجاد في بعض الأوقات على بعض الصفات والحالات لابد له من مخصص حكيم. وقال علي بن إبراهيم: الخزانة الماء الذي ينزل من السماء

فينبت لكل ضرب من الحيوان ما قدر الله له من الغذاء.

وقال بعض المحققين: أقول: الأول كلام من خلا من التحصيل، والثاني تمثيل للتقريب من أفهام الجمهور وتفسير في الظاهر، وأما في الباطن والتأويل فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الأعلى أولا على الوجه الكلي في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل، الذي منه يجري ثانيا على الوجه الجزئي في لوح القدر الذي فيه المحو والاثبات تدرجا على التنزل، فإلى الأول أشير بقوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " وبقوله " وعنده أم الكتاب " وإلى الثاني بقوله " وما ننزله إلا بقدر معلوم " ومنه ينزل ويظهر في عالم الشهادة، وعن السجاد عليه السلام: إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البر والبحر، قال: وهذا تأويل قوله " وإن من شئ الآية " أراد عليه السلام به ما ذكرناه (انتهى).

" وأرسلنا الرياح لواقح " قيل: أي حوامل، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه مالا يكون كذلك بالعقيم، أو ملقحات للشجر والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله " ومختبط مما تطيح الطوائح ".

" فأسقيناكموه " أي فجعلناه لكم سقيا، يقال: سقيته حتى روي، وأسقيته نهرا، أي جعلته شرابا له. " وما أنتم له بخازنين " أي قادرين متمكنين من اخراجه نفى عنهم ما أثبته لنفسه، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار، وذلك أيضا يدل على المدبر الحكيم، كما يدل عليه حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حد لابد له من سبب مخصص. " لكم منه شراب " قيل: أي ما تشربونه، و " لكم " صلة " أنزل " أو خبر " شراب " و " من " تبعيضية متعلقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه، ولا بأس به، لان مياه العيون والآبار منه، لقوله " فسلكه ينابيع " وقوله " فأسكناه في الأرض ".

" ومنه شجر " أي ومنه يكون شجر، يعني الشجر الذي يرعاه المواشي، و قيل: كل ما ينبت على الأرض شجر " فيه تسيمون " أي ترعون مواشيكم، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصلها السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي علامات. " فأحيى به الأرض بعد موتها " أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها " لقوم يسمعون " أي سماع تدبر وإنصاف.

" وترى الأرض هامدة " أي ميتة يابسة، من همدت النار إذا صارت رمادا " اهتزت " أي تحركت بالنبات " وربت " أي انتفخت " وأنبتت " على المجاز لان المنبت هو الله تعالى " من كل زوج " أي من كل نوع من أنواع النبات " بهيج " البهجة: حسن الشئ ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج، قال المبرد:

هو الشئ المشرق الجميل.

" ألم تر " أي ألم تعلم، وقيل: المراد الرؤية بالبصر " فتصبح الأرض " إنما لم يقل أصبحت ليدل على بقاء [أثر] المطر زمانا بعد زمان، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام، لأنه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض، لان معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار " إن الله لطيف " يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق " خبير " بالتدابير الظاهرة والباطنة.

" وأنزلنا من السماء ماء " قال الرازي: من قال إن المراد بالسماء السحاب قال إن الله تعالى أصعد الاجزاء المائية من قعر الأرض ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكيف ثم ينزله الله على قدر الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض، ولا بماء البحر لملوحته، ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض، لان البحار هي الغاية في العمق. وهذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار، وأما من أقر به فلا حاجة له إلى شئ منها. " بقدر " أي بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون به إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب

وبمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم. " فأسكناه في الأرض " قيل: جعلناه ثابتا في الأرض، قال ابن عباس: أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار: سيحون وجيحون، ودجلة، والفرات، والنيل، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضا القرآن. " وإنا على ذهاب به لقادرون " أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على رفعه وإزالته. ولما نبه سبحانه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال: " فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب " وإنما خصهما لكثرة منافعهما، فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الادام ومقام الفاكهة رطبا ويابسا. وقوله " لكم فيها فواكه كثيرة " أي في الجنات، فكما أن فيها النخيل والأعناب فيها الفواكه الكثيرة، وقوله " ومنها تأكلون " قال الزمخشري يجوز أن يكون هذا من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن صنعة فعلها يعنون أنها طعمته وجهته التي يحصل منها رزقه، كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم منها تتعيشون.

" ألم تر " بعين عقلك ولم تعلم " أن الله يزجي سحابا " أي يسوقه، ومنه البضاعة المزجاة، فإنها يزجيها كل أحد " ثم يؤلف بينه " بأن يكون قزعا فيضم بعضها إلى بعض، وبهذا الاعتبار صح " بينه " إذ المعنى: بين أجزائه " ثم يجعله ركاما " أي متراكما بعضه على بعض " فترى الودق " أي المطر " يخرج من خلاله " أي من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل " وينزل من السماء " قيل: أي من الغمام وكل ما علاك فهو سماؤك " من جبال فيها من برد " قيل: أي قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها " من برد " بيان للجبال والمفعول محذوف أي ينزل حينئذ ماء من السماء من جبال، ويجوز أن تكون " من " الثانية والثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول، وقيل: المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر، وعليه ظواهر كثير من الاخبار ولم يدل دليل قاطع على نفيه.

قال الرازي: قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج

والبرد والطل والصقيع في أكثر الامر يكون من تكاثف البخار، وفي الأقل من تكاثف الهواء، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلا وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وأما إن كان البخار كثيرا ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ، فإن بلغت فإما أن يكون البرد قويا أو لا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار المجتمع هو السحاب والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم، وأما إن كان البرد شديدا فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الاجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها أو بعد صيرورتها كذلك، فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجا، وإن كان على الوجه الثاني نزل بردا، وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون قليلة أو تكون كثيرة، فإن كانت كثيرة فهي تنعقد سحابا ماطرا وقد لا تنعقد، أما الأول فذاك لاحد أسباب خاصة: أولها إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة وثانيها أن تكون الرياح ضاغطة لها إلى اجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح وثالثها أن تكون هناك رياح متقابلة متصادفة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ ورابعها أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته ثم تلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد وخامسها لشدة برد الهواء القريب من الأرض فقد يشاهد البخار يصعد في الجبال صعودا يسيرا حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة، والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس، أما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل وكثفها وعقدها ما يكون محسوسا ونزول نزولا متفرقا لا يحس به إلا عند اجتماع شئ يعتد به، فإن لم يجمد كان طلا وإن جمد كان صقيعا، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر.

وإما أن يكون [السحاب] من انقباض الهواء، وذلك عندما يبرد الهواء و

ينقبض، وحينئذ تحصل منه الأقسام المذكورة.

والجواب: أنا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه سبحانه قادرا مختارا يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه، لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه، وأيضا فهب أن الامر كما ذكرتم ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها ولابد لها من مؤثر ثم إنها متماثلة فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط و اللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لابد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبائع، وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال، وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحابا، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم تلك الأبخرة ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض، فهو سبحانه هو الذي جعله ركاما، فثبت أنه على جميع التقديرات وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين (انتهى).

" فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء " الضميران للبرد والإصابة بإهلاك الزرع والمال، وقد يهلك الأنفس أيضا " يكاد سنا برقه " أي يقرب ضوء برق السحاب أن " يذهب بالابصار " أبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة " يقلب الله الليل والنهار " بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور، أو ما يعم ذلك " إن في ذلك " أي في ما تقدم ذكره " لعبرة لأولي الابصار " أي لأولي البصائر والعقول: لدلالته على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيته وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة.

" بشرا " قرأ عاصم بالباء المضمومة، أي مبشرات جمع بشور، وابن عامر بالنون والسكون، أي ناشرات للسحاب، والكسائي بفتح النون مصدرا " بين

يدي رحمته " أي المطر كما مر.

" ماء طهورا " أي مطرا، وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود، وقيل:

بليغا في الطهارة " لنحيي به بلدة ميتا " بالنبات، والتذكير لان " البلدة في معنى البلد " وأناسي كثيرا " قيل: يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحياء، ولذلك نكر الانعام والأناسي، وتخصيصهم لان أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والمنابع، فبهم وبما حولهم من الانعام غنية عن سقي السماء.

" ولقد صرفناه بينهم " قال البيضاوي:: أي صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة، من وابل وطل وغيرهما وعن ابن عباس: ما عام أمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية. أو في الأنهار أو في المنابع " ليذكروا " أي ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم " فأبى أكثر الناس إلا كفورا " أي إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها أو جحودها بأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافرا، بخلاف من يرى أنها من خلق الله والأنواء وسائط أو أمارات يجعله الله تعالى.

" فأنبتنا: " عدل به عن الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، و التنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع المتباعدة الطبائع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره تعالى كما أشار إليه بقوله " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " أي شجر الحدائق - وهي البساتين - من الأحداق وهو الإحاطة " من السماء والأرض " أي بأسباب سماوية وأرضية.

" يريكم البرق " مقدر بأن، أو الفعل فيه منزل منزلة المصدر كقولهم " تسمع

بالمعيدي خير من أن تراه " أو صفة لمحذوف تقديره: آية يريكم بها البرق " خوفا " من الصاعقة وللمسافر " وطمعا " في الغيث وللمقيم " فيبسطه " أي متصلا تارة في السماء أو في سمتها " كيف يشاء " سائرا وواقفا، مطبقا وغير مطبق، من جانب دون جانب إلى غير ذلك " ويجعله كسفا " أي قطعا تارة أخرى " فترى الودق " أي المطر " يخرج من خلاله " في التارتين " فإذا أصاب به من يشاء من عباده " يعني بلادهم وأراضيهم " إذا هم يستبشرون " بمجئ الخصب " أن ينزل عليهم " أي المطر " من قبله " تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالبطر واستحكام يأسهم وقيل: الضمير للمطر أو السحاب أو الارسال " لمبلسين " أي لابسين قانطين. " فانظر إلى آثار رحمة الله " أي أثر الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار، ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص " إن ذلك " يعني الذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها " لمحيي الموتى " لقادر على إحيائهم " فرأوه مصفرا " أي فرأوا الأثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل: السحاب، لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، وقوله " لظلوا " [جواب] سد مسد الجزاء.

" من كل زوج " أي صنف " كريم " أي كثير المنفعة " فتثير سحابا " على حكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة، و لان المراد بيان إحداثها بهذه الخاصية ولذلك أسنده إليها، ويجوز أن يكون اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الامر " فأحيينا به الأرض " أي بالمطر النازل منه، وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب فإنه سبب السبب، أو الصائر مطرا " بعد موتها " أي بعد يبسها " كذلك النشور " أي مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس، وذلك لا مدخل له فيها، وقيل: في كيفية الاحياء فإنه تعالى يرسل ماء من تحت العرش ينبت منه أجساد الخلق.

" إلا من خطف الخطفة " الخطف الاختلاس، والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة، و " أتبع " بمعنى تبع، و " الشهاب " ما يرى كوكبا انقض، وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين إن صح لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك، ولا في قوله تعالى " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين " فإن كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث لما ذكر في بعض الأوقات رجما للشياطين يتصعد إلى قرب الفلك للتسمع، وما روي أن ذلك حدث بميلاد النبي صلى الله عليه وآله إن صح فلعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورا، واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحرق به لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون [عنه] رأسا. ولا يقال:

إن الشيطان من النار فلا يحترق، لأنه ليس من النار الصرف كما أن الانسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها.

" ثاقب " أي مضئ كأنه يثقب الجو بضوئه.

" أنزل من السماء ماء " قال الرازي: وهو المطر، وقيل : كل ماء كان في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه " فسلكه ينابيع في الأرض " أي فأدخله ونظمه ينابيع في الأرض عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام " ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه " من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفا أصنافه من بر وشعير وسمسم " ثم يهيج " وذلك لأنه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل من منابته وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت للتفرق " ثم يصير حطاما " فتاتا " إن في ذلك لذكرى: يعني أن من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والانسان كذلك، وأنه وإن طال عمره فلا بد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والاجزاء، ثم

عاقبته الموت فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات مذكرة حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته فحينئذ تعظم نفرته من الدنيا وطيباتها. قال الواحدي:

الينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع، وهو نصب بنزع الخافض كان التقدير:

فسلكه في ينابيع " ثم يهيج " أي يخضر، والحطام: ما تفتت وتكسر من النبت (انتهى).

" من السماء رزقا " أي أسباب رزق كالمطر " ينزل الغيث " قال البيضاوي:

أي المطر الذي يغيثهم من الجدب " ولذلك خص بالنافع منها " من بعد ما قنطوا " أيسوا منه " وينشر رحمته " في كل شئ من السهل والجبل والنبات والحيوان " وهو الولي " الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته " الحميد " المستحق للحمد على ذلك.

" ماء بقدر " أي بمقدار ينفع ولا يضر " فأحيينا به بلدة ميتا " مال عنه النماء " كذلك " مثل ذلك الانشاء " تخرجون " تنشرون من قبوركم. " من رزق " أي من مطر وسماه رزقا لأنه سببه " بعد موتها " بعد يبسها " وتصريف الرياح " باختلاف جهاتها وأحوالها. " ماء مباركا " أي كثير المنافع " فأنبتنا به جنات " أي أشجارا وثمارا " وحب الحصيد " أي حب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبر والشعير " والنخل باسقات " طوالا أو حوامل، من أبسقت الشاة إذا حملت، فيكون من أفعل فهو فاعل. وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها " لها طلع نضيد " أي منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من التمر " رزقا للعباد " علة لأنبتنا أو مصدر، فإن الانبات رزق " وأحيينا به بلدة ميتا " أي أرضا

جدبة لا نماء فيها " كذلك الخروج " كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.

" والذاريات ذروا " قال الطبرسي - ره -: روي أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب على المنبر فقال: ما الذاريات ذروا؟ قال: الرياح قال: فالحاملات وقرا؟ قال: السحاب، قال: فالجاريات يسرا؟ قال: السفن؟

قال: فالمقسمات أمرا؟ قال: الملائكة. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد فالذاريات: الرياح تذور التراب وهشيم النبت أي تفرقه، فالحاملات: السحاب تحمل ثقلا من الماء من بلد فتصير وموقرة به، والوقر - بالكسر -: ثقل الحمل على ظهر أو في بطن " فالجاريات يسرا " أي السفن تجري في الماء جريا سهلا إلى حيث سيرت، وقيل: هي السحاب تجري يسيرا إلى حيث سيرها الله من البقاع وقيل: هي النجوم السبعة السيارة " فالمقسمات أمرا " الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لكثرة ما فيها من المنافع للعباد ولما تضمنته من الدلالة على وحدانية الله تعالى وبدائع صنعه، وقيل: التقدير القسم برب هذه الأشياء (انتهى).

" بماء منهمر " أي منصب، قال الرازي: المراد من الفتح والأبواب والسماء إما حقائقها فنقول: للسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه، وهو على طريقة الاستعارة، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب، وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل: جرت ميازيب السماء، وفتح أفواه القرب، أي كأنه كان ذلك.

" أفرأيتم الماء الذي تشربون " قال البيضاوي: أي العذب الصالح للشرب.

" من المزن " أي من السحاب، وقيل: هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب. " أم نحن

المنزلون " بقدرتنا. " جعلناه أجاجا " أي مالحا " فلولا تشكرون " أمثال هذه النعم الضرورية. " لأسقيناهم ماء غدقا " أي لوسعنا عليهم الرزق، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة، وعزة وجوده بين العرب.

أقول: سيأتي تفسير باقي السورة في باب الجن، وفيه ما يناسب هذا الباب.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجا معه الأبرش الكلبي، فلقيا أبا عبد الله في المسجد الحرام، فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟ قال: لا، قال هذا الذي تزعم الشيعة أنه نبي من كثرة علمه فقال الأبرش: لأسألنه عن مسألة لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي. فقال هشام:

وددت أنك فعلت ذلك. فلقي الأبرش أبا عبد الله عليه السلام فقال: يا أبا عبد الله! أخبرني عن قول الله " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " فما كان رتقهما وما كان فتقهما؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبرش! هو كما وصف نفسه كان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يحد، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء يومئذ عذب فرات، فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الأرض من تحته، فقال الله تبارك وتعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا " ثم مكث الرب تبارك وتعالى ما شاء فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها، فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السماء، وجعل فيها

البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر، وأجراها في الفلك، وكانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر، وكانت الأرض غبراء على لون الماء العذب، وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب، ولم يكن للأرض أبواب وهو النبت، ولم تمطر السماء عليها فتنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات، وذلك قوله عز وجل " أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " فقال الأبرش:

والله ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط! أعد علي، فأعاد عليه، وكان الأبرش ملحدا فقال: وأنا أشهد أنك ابن نبي - ثلاث مرات.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.