بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
27 باب الهواء وطبقاته وما يحدث فيه من الصبح والشفق وغيرهما
ج ۵۶، ص ۳۳۲–۳۴۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
الانعام: فالق الإصباح.
المدثر: والصبح إذا أسفر.
التكوير: والصبح إذا تنفس.
الانشقاق: فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق.
الفجر: والفجر.
تفسير: " إذا تنفس " قال الرازي: إشارة إلى تكامل طلوع الصبح، وفي كيفية المجاز قولان: أحدهما أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز، والثاني أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي خنق بحيث لا يتحرك واجتمع الحزن في قلبه، وإذا تنفس وجد راحة فههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن، فعبر عنه بالتنفس، وهو استعارة لطيفة.
" فلا أقسم بالشفق " أي بالحمرة التي عند المغرب في الأفق، وقيل: البياض
" والليل وما وسق " أي وما جمع وما ضم مما كان منتشرا بالنهار، وقيل: وما ساق، لان ظلمة الليل تسوق كل شئ إلى مسكنه، وقيل: وما طرد من الكواكب فإنها تظهر بالليل وتخفى بالنهار " والقمر إذا اتسق " أي إذا استوى واجتمع و تكامل وتم " والفجر " أقسم بفجر النهار وهو انفجار الصبح كل يوم، وقيل:
أراد بالفجر النهار كله.
واعلم أن المذكور في كتب الحكماء والرياضيين هو أن الصبح والشفق الأحمر والأبيض إنما يظهر من وقوع ضوء الشمس على كرة البخار، قالوا:
المستضيئ بالشمس من كرة الأرض أكثر من نصفها دائما، لما بين في محله أن الكرة الصغرى إذا قبلت الضوء من الكبرى كان المستضيئ منها أعظم من نصفها، و ظل الأرض على هيئة مخروط يلازم رأسه مدار الشمس وينتهي في فلك الزهرة كما علم بالحساب، والنهار مدة كون المخروط تحت الأفق، والليل مدة كونه فوقه فإذا ازداد قرب الشمس من شرقي الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيه، ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به، وأول ما يرى منه هو الأقرب إلى موضع الناظر، لأنه صدق رؤيته، وهو موقع خط يخرج من بصره عمودا على الخط المماس للشمس والأرض، فيرى الضوء مرتفعا عن الأفق مستطيلا، وما بينه وبين الأفق مظلما لقربه من قاعدة المخروط الموجب لبعد الضوء هناك عن الناظر، وهو الصبح الكاذب. ثم إذا قربت الشمس جدا يرى الضوء معترضا وهو الصبح الصادق ثم يرى محمرا والشفق بعكس الصبح يبدو محمرا، ثم مبيضا معترضا، ثم مرتفعا مستطيلا، فالصبح والشفق متشابهان شكلا، ومتقابلان وضعا، لان هيئة آخر غروب الشمس مثل أول طلوع الفجر، ويختلفان لونا بسبب اختلاف كيفية الهواء المخلوط، فإن لون البخار في جانب المشرق مائل إلى الصفا والبياض، لاكتسابه الرطوبة من برودة الليل، وفي جانب المغرب مائل إلى الصفرة لغلبة الجزء الدخاني المكتسب بحرارة النهار، والجسم الكثيف كلما كثر صفاؤه وبياضه ازداد قبوله للضوء، وكان الشعاع المنعكس منه أقوى من المنعكس من غيره، وقد عرف بالآلات
الرصدية أن انحطاط الشمس من الأفق عند طلوع الصبح الأول وآخر غروب الشفق يكون ثمانية عشر درجة من دائرة الارتفاع المارة بمركز الشمس في جميع الآفاق، ولكن لاختلاف مطالع قوس الانحطاط تختلف الساعات التي بين طلوع الصبح والشمس، وكذا بين غروب الشمس والشفق.
قال العلامة - رحمه الله - في كتاب المنتهى: اعلم أن ضوء النهار من ضياء الشمس وإنما يستضيئ بها ما كان كذا في نفسه كثيفا في جوهره كالأرض والقمر وأجزاء الأرض المتصلة والمنفصلة، وكلما يستضيئ من جهة الشمس فإنه يقع له ظل من ورائه، وقد قدر الله تعالى بلطف حكمته دوران الشمس حول الأرض فإذا كانت تحتها وقع ظلها فوق الأرض على شكل مخروط، ويكون الهواء المستضيئ بضياء الشمس محيطا بجوانب ذلك المخروط، فتستضيئ نهايات الظل بذلك الهواء المضيئ، لكن ضوء الهواء ضعيف إذ هو مستعار، فلا ينفذ كثيرا في أجزاء المخروط بل كلما ازداد بعدا ازداد ضعفا، فإذن متى تكون في وسط المخروط تكون في أشد الظلام، فإذا قربت الشمس من الأفق الشرقي مال مخروط الظل عن سمت الرأس وقربت الأجزاء المستضيئة في حواشي الظل بضياء الهواء من البصر، وفيه أدنى قوة فيدركه البصر عند قرب الصباح، وعلى هذا كلما ازدادت الشمس قربا من الأفق ازداد ضوء نهايات الظل قربا من البصر إلى أن تطلع الشمس، وأول ما يظهر الضوء عند قرب الصباح يظهر مستدقا مستطيلا كالعمود، ويسمى الصبح الكاذب ويشبه بذنب السرحان لدقته واستطالته، ويسمى الأول لسبقه على الثاني، و الكاذب لكون الأفق مظلما، أي لو كان يصدق أنه نور الشمس لكان المنير مما يلي الشمس دون ما يبعد منه، ويكون ضعيفا دقيقا ويبقى وجه الأرض على ظلامه بظل الأرض، ثم يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولا وعرضا فينبسط في الأفق كنصف دائرة وهو الفجر الثاني الصادق لأنه صدقك عن الصبح وبينه لك.
1 - الكافي: عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن
محبوب، عن أبي ولاد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله خلق حجابا من ظلمة مما يلي المشرق، ووكل به ملكا، فإذا غابت الشمس اغترف ذلك الملك غرفة بيديه ثم استقبل بها المغرب يتبع الشفق، ويخرج من بين يديه قليلا قليلا ويمضي فيوافي المغرب عند سقوط الشفق، فيسرح في الظلمة ثم يعود إلى المشرق، فإذا طلع الفجر نشر جناحيه فاستاق الظلمة من المشرق إلى المغرب حتى يوافي بها المغرب عند طلوع الشمس.
بيان: هذا الخبر من معضلات الاخبار، ولعله من غوامض الاسرار، و " من " في قوله عليه السلام " من ظلمة " يحتمل البيان والتبعيض، والاستياق: السوق ولعل الكلام مبني على استعارة تمثيلية لبيان أن شيوع الظلمة واشتدادها تابعان لقلة الشفق وغيبوبته وكذا العكس، وأن جميع ذلك بتدبير المدبر الحكيم، و بتقدير العزيز العليم. وربما يؤول الخبر بأن المراد بالحجاب الظلماني ظل الأرض المخروطي من الشمس، وبالملك الموكل به روحانية الشمس المحركة لها الدائرة بها، وبإحدى يديه القوة المحركة لها بالذات التي هي سبب لنقل ضوئها من محل إلى آخر، وبالأخرى القوة المحركة لظل الأرض بالعرض بتبعية تحريك الشمس التي هي سبب لنقل الظلمة من محل إلى آخر، وعوده إلى المشرق إنما هو بعكس البدء بالإضافة إلى الضوء والظل وبالنسبة إلى فوق الأرض وتحتها ونشر جناحيه كأنه كناية عن نشر الضوء من جانب والظلمة من آخر.
وأقول: لعل السكوت عن أمثال ذلك ورد علمها إلى الإمام عليه السلام أحوط وأولى.
2 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا، قال: لان المشرق مطل
على المغرب هكذا - ورفع يمينه فوق يساره - فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا.
بيان: أطل عليه أي أشرف، وفي بعض النسخ بالظاء المعجمة، والمعنيان متقاربان، والمراد بالمشرق إما النصف الشرقي من السماء، أو ما قرب من الأفق الشرقي منها، والحاصل أن المغرب والمعتبر في دخول وقت الصلاة والافطار هو غيبوبة القرص وذهاب آثاره من جانب المشرق مطلقا، سواء كانت على الجدران والجبال أو على كرة البخار، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
3 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة ابن ميمون، عن عمران الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: متى تجب العتمة؟
فقال: إذا غاب الشفق، والشفق الحمرة. فقال عبيد الله: أصلحك الله إنه يبقى بعد ذهاب الحمرة ضوء شديد معترض، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الشفق إنما هو الحمرة، وليس الضوء من الشفق.
4 - ومنه : عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عن سليمان ابن حفص المروزي، عن أبي الحسن العسكري عليه السلام قال: إذا انتصف الليل ظهر بياض في وسط السماء شبه عمود من حديد تضئ له الدنيا، فيكون ساعة ثم يذهب ويظلم، فإذا بقي ثلث الليل ظهر بياض من قبل المشرق فأضاءت له الدنيا فيكون ساعة ثم يذهب، فيكون وقت صلاة الليل، ثم يظلم قبل الفجر [ثم يطلع الفجر] الصادق من قبل المشرق. وقال: ومن أراد أن يصلي صلاة الليل في نصف الليل فذاك له.
بيان: قوله " ويظلم " أي البياض مجازا، وفي بعض النسخ بالتاء، أي الدنيا ويمكن أن يكون المراد بالإضاءة ظهور الأنوار المعنوية للمقربين بسبب فتح أبواب سماء الرحمة، ونزول الملائكة لارشاد العباد وتنبيههم وندائهم إياهم من ملكوت السماوات، كما ورد في سائر الروايات، ويمكن أن تكون أنوارا ضعيفة تخفى على أكثر الناس في أكثر الأوقات وتظهر على أبصار العارفين الذين ينظرون بنور الله، كما أن الملائكة يراهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ولا يراهم غيرهم.
وقد يقال ظهور البياض كناية عن نزول الملك الذي ينزل نصف الليل إلى سماء الدنيا لينادي العباد فتضئ له الدنيا، أي يقوم الناس للعبادة فيظهر له نور من الأرض بسبب عبادتهم، كما ورد في الخبر أنهم يضيئون لأهل السماء. " ثم يذهب " لأنهم ينامون قليلا كما ورد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يقومون إذا بقي ثلث الليل.
وظهور البياض من قبل المشرق، لان الملك ينتقل إليه " ثم يظلم قبل الفجر " أي ينامون قليلا. وبالجملة الخبر من المتشابهات وعلمه عند من صدر عنه إن لم يكن من الموضوعات.
5 - الخرائج: روي عن صفوان الجمال، قال كنت بالحيرة مع أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل الربيع وقال: أجب أمير المؤمنين. فلم يلبث أن عاد، قلت:
أسرعت الانصراف، قال: إنه سألني عن شئ فاسأل الربيع عنه، فقال صفوان: و كان بيني وبين الربيع لطف، فخرجت إلى الربيع وسألته، فقال: أخبرك بالعجب إن الاعراب خرجوا يجتنون الكمأة فأصابوا في البر خلقا ملقى، فأتوني به فأدخلته على الخليفة، فلما رآه قال: نحه وادع جعفرا، فدعوته فقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن الهواء ما فيه؟ قال: في الهواء موج مكفوف، قال: ففيه سكان؟ قال: نعم، قال: وما سكانه؟ قال: خلق أبدانهم أبدان الحيتان، ورؤوسهم رؤوس الطير، ولهم أعرفة كأعرفة الديكة، ونغانغ كنغانغ الديكة، وأجنحة كأجنحة الطير من ألوان أشد بياضا من الفضة المجلوة. فقال الخليفة: هلم الطشت.
فجئت بها وفيها ذلك الخلق، وإذا هو والله كما وصفه جعفر، فلما خرج جعفر
قال: يا ربيع هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس.
بيان: قال الفيروزآبادي: الكمأ نبات معروف، والجمع أكمؤ وكمأة أو هي اسم للجمع، أو هي للواحد والكمأ للجمع. قال: النغنغ الفرج ذو الربلات وموضع بين اللهاة وشوارب الحنجور، واللحمة في الحلق عند اللحام، والذي يكون عند عنق البعير إذا اجتر تحرك. وقال: الديك - بالكسر -: معروف والجمع ديوك وأدياك وديكة كقردة. وقال: الشجا ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه (انتهى) ولما كان عليه السلام مستحقا للخلافة متصفا بشرائطها دونه ولم يمكنه دفعه شبهه بالشجا المعترض في الحلق الذي لا يمكن إساغته ولا دفعه. ولعل المراد بالموج المكفوف البحر المواج المكفوف عن السيلان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى البحر المحيط، ويكون هذا الحيوان مما ارتفع منه مع السحاب، لكن ظاهر هذا الخبر والخبر الآتي أنه بحر بين السماء والأرض غير المحيط.
6 - كشف الغمة: قال محمد بن طلحة: إن أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام لما توفي والده علي الرضا عليه السلام وقدم الخليفة إلى بغداد بعد وفاته بسنة اتفق أنه خرج إلى الصيد، فاجتاز بطرف البلد في طريقه والصبيان يلعبون ومحمد واقف معهم وكان عمره يومئذ إحدى عشر سنة فما حولها، فلما أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين ووقف [أبو جعفر] محمد عليه السلام فلم يبرح مكانه، فقرب منه الخليفة، فنظر إليه وكان الله عز وعلا قد ألقى عليه مسحة من قبول، فوقف الخليفة وقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟ فقال له محمد مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي، ولم يكن لي جريمة فأخشاها، وظني بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له. فوقف فأعجبه كلامه ووجهه، فقال له: ما اسمك؟ قال:
محمد، قال: ابن من أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا ابن علي الرضا، فترحم على أبيه وساق جواده إلى وجهته، وكان معه بزاة، فلما بعد عن العمارة أخذ بازيا
فأرسله على دراجة، فغاب عن عينه غيبة طويلة، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا الحياة، فعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، ثم أخذها في يده إلى داره في الطريق الذي أقبل منه، فلما وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم، فانصرفوا كما فعلوا أول مرة، وأبو جعفر لم ينصرف ووقف كما وقف أولا، فلما دنا منه الخليفة قال: يا محمد! قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ما في يدي؟ فألهمه الله عز وجل أن قال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق بمشيته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك والخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل النبوة! فلما سمع المأمون كلامه عجب منه وجعل يطيل نظره إليه، وقال: أنت ابن الرضا حقا! وضاعف إحسانه إليه.
قال علي بن عيسى: إني رأيت في كتاب لم يحضرني الآن اسمه أن البزاة عادت وفي أرجلها حياة خضر، وأنه سئل بعض الأئمة فقال قبل أن يفصح عن السؤال: إن بين السماء والأرض حياة خضر تصيدها بزاة شهب يمتحن بها أولاد الأنبياء وما هذا معناه - والله أعلم -.
7 - الدلائل للطبري: عن علي بن هبة الله، عن الصدوق، عن محمد بن موسى بن المتوكل عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد البرقي، عن أبيه عن محمد بن سنان، عن داوود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه لما خرج من عند المنصور نزل الحيرة، فبينا هو بها إذ أتاه الربيع فقال: أجب أمير المؤمنين فركب إليه وقد كان وجد في الصحراء صورة عجيبة لا تعرف خلقتها ذكر من وجدها أنه رآها وقد سقطت مع المطر، فلما دخل عليه قال له: يا أبا عبد الله أخبرني عن الهواء أي شئ فيه؟ قال: بحر مكفوف، قال له: فله سكان؟ قال: نعم قال: وما سكانه؟ قال: أبدانهم أبدان الحيتان، ورؤوسهم رؤوس الطير، ولهم
أعرفة كأعرفة الديكة، ونغانغ كنغانغ الديكة وأجنحة كأجنحة الطير، من ألوان أشد بياض من الفضة، فدعا المنصور بالطست فإذا الخلق فيها لا يزيد ولا ينقص، فأذن له فانصرف، ثم قال للربيع: ويلك يا ربيع! هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس.
8 - شرح النهج: لمحمد بن الحسين الكيدري ولابن ميثم - رحمة الله عليهما - قالا: روي أن زرارة وهشاما اختلفا في الهواء [أ] هو مخلوق أم لا؟ فرفع إلى الصادق عليه السلام بعض مواليه وقال: إني متحير، فإني أرى أصحابنا يختلفون فقال: ليس هذا بخلاف يؤدي إلى الكفر والضلال.
بيان: يدل على أن الخطأ في أمثال تلك الأمور التي لا تعلق لها بأصول الدين ولا فروعه لا يوجب ضلالا ووبالا، يل يومئ إلى أن العلم بها ليس مما يورث للانسان فضلا وكمالا. ثم إنه يحتمل أن يكون اختلافهما في وجود الهواء بمعنى الخلأ والبعد الذي هو مكان عند المتكلمين كما ذكره ابن ميثم، وقد تقدم كلامه في ذلك في الباب الأول، ويحتمل أن يراد به الهواء الذي هو أحد العناصر.
فائدة: اعلم أن في عدد طبقات الهواء مع طبقات سائر العناصر بين الحكماء خلافا، فقال نصير الملة والدين في التذكرة: طبقات العناصر ثمان: طبقة للنار الصرفة، ثم طبقة لما يمتزج من النار والهواء الحار التي تتلاشى فيه الأدخنة المرتفعة من السفل، وتتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والنيازك وما يشبههما من الأعمدة وذوات القرون ونحوها، وربما يوجد هذه الأمور المتكونة في هذه الطبقة متحركة بحركة الفلك الأعظم، ثم طبقة الهواء الغالب التي تحدث فيها الشهب ثم طبقة الزمهريرية الباردة التي هي منشأ السحب والرعد والبرق والصواعق ثم طبقة الهواء الحار الكثيف المجاور للأرض والماء، ثم طبقة الماء، وبعض هذه الطبقة منكشفة عن الأرض عناية من الحضرة الإلهية لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة ثم طبقة الأرض المخالطة لغيرها التي تتولد فيها الجبال والمعادن وكثير من النباتات والحيوانات، ثم طبقة الأرض الصرفة المحيطة بالمركز.
وقيل: إنها تسع ثامنها الطبقة الطينية التي يخلط فيها الأرض بالماء، و تاسعها طبقة الأرض الصرفة، وباقي الطبقات على النحو المذكور. وقيل: إنها سبع: الأولى طبقة النار الصرفة، ثم الطبقات الخمس التي تحت النار الصرفة على النحو المذكور، وسابع الطبقات هي طبقة الأرض. وقيل: إنها سبع الأولى طبقة للنار، وطبقة للماء، والطبقات الثلاث الأخيرة التي تعلقت بالأرض بحالها على النحو المذكور، والهواء ينقسم إلى طبقتين باعتبار مخالطة الأبخرة وعدمها:
إحداهما الهواء اللطيف الصافي من الأبخرة والأدخنة والهيئات المتصاعدة من كرتي الأرض والماء بسبب أشعة الشمس وغيرها من الكواكب، لان تلك الهيئات تنتهي في ارتفاعها إلى حد لا يتجاوزه، وهو من سطح الأرض وجميع نواحيها أحد وخمسون ميلا وكسر قريب من تسعة عشر فرسخا، فمن هذه النهاية إلى كرة الأثير هو الهواء الصافي، وهو شفاف لا يقبل النور والظلمة والألوان كالأفلاك.
وثانيتهما هي الهواء المتكاثف بما فيهما من الاجزاء الأرضية والمائية، وشكل هذا الهواء شكل كرة محيطة بالأرض والماء على مركزها وسطح مواز لسطحها لتساوي غاية ارتفاع الهيئات المذكورة عن مركز الأرض في جميع النواحي المستلزم لكرية هذه الطبقة، لكنها مختلفة القوام، لان الأقرب إلى الأرض أكثف من الأبعد لان الألطف يتصاعد أكثر من الأكثف، لكن لا يبلغ في التكاثف بحيث يحجب ما وراءه عن الابصار، وهذه الكرة تسمى كرة البخار، وعالم النسيم يعني مهب الرياح، لان ما فوقها من الهواء الصافي ساكن لا يضطرب، وتسمى كرة الليل والنهار، إذ هي القابلة للنور والظلمة بما فيها من الاجزاء الأرضية والمائية القابلة لهما دون ما عداهما من الهواء الصافي.
وقال بعض المحققين منهم: الأولى أن يقال: طبقات العنصريات سبع:
أوليها طبقة النار الصرفة، وثانيتها طبقة الهواء الصافي الذي يصل إليه الدخان، و ثالثتها طبقة الهواء الذي يصل الدخان إليه ولم يصل إليه البخار، ويتكون في الطرف الأعلى منه النيازك وشبهها، وفي الطرف الأدنى منه الشهب، ورابعتها طبقة الهواء
الذي يصل إليه البخار ويبقى على برودته الحاصلة، وهي الطبقة الزمهريرية التي تتكون فيها السحب والرعد والبرق والصواعق، وخامستها طبقة الهواء الكثيف المجاور للأرض والماء، وسادستها طبقة الماء، وسابعتها طبقة الأرض. وهو الترتيب المختار عند بعض في تفسير قوله تعالى " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " بأن يكون المراد بالأرض غير السماوات وما فيها. وقالوا: إن الزرقة التي يظن الناس أنها لون السماء فإنها تظهر في كرة البخار، لأنه لما كان الألطف منه أشد صعودا عن الأكثف كانت الاجزاء القريبة من سطح كرة البخار أقل قبولا للضوء، لكثرة البعد واللطافة من الاجزاء القريبة من الأرض، ولهذا تكون كالظلمة بالنسبة إلى هذه الاجزاء، فيرى الناظر في كرة البخار لونا متوسطا بين الظلام والضياء، لان الناظر إذا رأى شيئا مظلما من خلف شئ مضئ رأى لونا مخلوطا من الظلمة والضياء، أو لان كرة البخار مستضيئة دائما بأشعة الكواكب وما وراءها لعدم قبول الضوء كالمظلم بالنسبة إليها، فإذا نفذ نور البصر من الاجزاء المستنيرة بأشعة الكواكب ووصل إلى المظلم رأى الناظر ما فوقه من الجو المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الكوكبي لونا متوسطا بين الظلام والضياء وهو اللون اللاجوردي، كما إذا نظرنا من وراء جسم مشف أحمر مثلا إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمراء والخضرة، وهذا اللون اللاجوردي أشد الألوان مناسبة وتقوية بالنسبة إلى الابصار، فظهوره للابصار إنما هو من العناية الإلهية ليكون للناظرين المتأملين في السماوات لذة، وقوة للابصار في النظر، كما يكون لعقولهم لذة عقلية في التأمل فيها.
أقول: هذا ما قالوا في ذلك رجما بالغيب وأخذا بالظن، والله يعلم حقائق مخلوقاته وحججه الكرام عليهم السلام.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.