بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب النار وأقسامها
ج ۵۶، ص ۳۲۶–۳۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
يس: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون.
الواقعة: أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين.
تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله - في قوله " جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " أي جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار نارا محرقة. يعني بذلك المرخ والعفار، وهما شجران تتخذ الاعراب زنودها منهما، فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر [الأخضر] الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض فخرج منه النار وينقدح قدر على الإعادة، وتقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. و قال الكلبي: كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب.
" أفرأيتم النار التي تورون " أي تستخرجونها بزنادكم من الشجر " أأنتم أنشأتم شجرتها " التي تنقدح النار منها " أم نحن المنشئون " لها، فلا يمكن أحدا أن يقول أنه أنشأ تلك الشجرة غير الله تعالى. والعرب تقدح بالزند والزندة وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار " نحن جعلناها تذكرة " أي نحن جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى، فإذا رآها الرائي ذكر جهنم واستعاذ بالله منها، وقيل تذكرة لقدرة الله تعالى على المعاد " ومتاعا للمقوين " أي بلغة و منفعة للمسافرين، يعني الذين نزلوا الأرض القي وهو القفر، وقيل: للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين، والمعنى أن جميعهم يستضيؤون بها في الظلمة، ويصطلون في البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز، وعلى هذا فيكون المقوي من الأضداد، أي الذي صار ذا قوة من المال والنعمة، والذاهب ماله النازل بالقواء من الأرض، أي متاعا للأغنياء والفقراء (انتهى).
وقال الرازي في شجرة النار وجوه: أحدها أنها الشجرة التي توري النار منها بالزند والزندة. وثانيها الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب، فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار، لان النار لا تتعلق بكل شئ كما تتعلق بالحطب.
وثالثها أصول شعلها وفروعها شجرتها، ولولا أنها ذات شعب لما صلحت لانضاج الأشياء.
وقال البيضاوي " نحن جعلناها تذكرة " أي تبصرة في أمر البعث، أو في الظلام [أو تذكيرا] أو أنموذجا لنار جهنم " ومتاعا " أي منفعة " للمقوين " للذين ينزلون القوى وهي القفراء، وللذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها (انتهى).
وقال الجوهري: وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثرا منها كأنهما أخذا من النار ما هو جسمهما ويقال لأنهما يسرعان الوري فشبها بمن يكثر من العطاء طلبا للمجد. وقال المرخ شجر سريع الوري والعفار الزند وهو الأعلى والمرخ الزندة وهي الأسفل.
1 - الخصال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن يحيى الأشعري، عن صالح يرفعه بإسناده قال: أربعة القليل منها كثير، النار القليل منها كثير، والنوم القليل منه كثير، والمرض القليل منه كثير، والعداوة القليل منها كثير.
بيان: " النار " أي نار القيامة القليل منها كثير في الضرر، أو الأعم من نار الدنيا ونار الآخرة فالقليل منها كثير في النفع والضرر معا، فإن قليلا من النار يضيئ كثيرا من الأمكنة وينتفع بها في جميع الأمور، ويحرق قليل منها عالما، والنوم القليل منه كثير في المنفعة، والمرض والعداوة في الضرر فقط، وإن احتمل التعميم في الأول بل في الثاني أيضا على تكلف شديد.
2 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النيران، فقال: نار تأكل وتشرب، ونار تأكل ولا تشرب، و نار تشرب ولا تأكل، ونار لا تأكل ولا تشرب. فالنار التي تأكل وتشرب فنار ابن آدم وجميع الحيوان، والتي تأكل ولا تشرب فنار الوقود، والتي تشرب ولا تأكل فنار الشجرة، والتي لا تأكل ولا تشرب فنار القداحة والحباحب - الخبر -.
بيان: " فنار ابن آدم " أي الحرارة الغريزية في بدن الحيوانات، فإنها تحلل الرطوبات وتخرج الحيوان إلى الماء والغذاء معا، ونار الوقود النار التي
تتقد في الحطب وتشتعل، فإنها تأكل الحطب مجازا أي تكسره وتفنيه وتقلبه ولا تشرب ماء بل هو مضاد لها، ونار الشجرة هي الكامنة مادتها أو أصلها في الشجر الأخضر كما مر، فإنها تشرب الماء ظاهرا وتصير سببا لنمو شجرتها ولا تأكل ظاهرا، وإن كان للتراب أيضا مدخل في نموها، أو المعنى أن عند احتكاك الغصنين الرطبين يظهر الماء، فكان النار الظاهر منها يشربها. والقداحة والقداح الحجر الذي يوري النار ذكره الجوهري. وقال: الحباحب - بالضم - اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان، فضربوا بها المثال حتى قالوا نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها، وربما قالوا نار أبي حباحب وهو ذباب يطير بالليل كأنه نار وربما جعلوا الحباحب اسما لتلك النار. وقال الفيروزآبادي: الحباحب - بالضم - ذباب يطير بالليل له شعاع كالسراج ومنه نار الحباحب، أو هي ما اقتدح من شرر النار في الهواء من تصادم الحجارة، أو كان أبو حباحب من محارب وكان لا يوقد ناره إلا بالحطب الشخت لئلا ترى، أو هي من الحبحبة الضعف أو هي الشرر يسقط من الزناد (انتهى) والمراد بهذه النار ما كمن منها، أو من مادتها في الحجر والحديد فإنها لا تصل إليها ماء ولا غذاء، أو عند قدحها قبل اتقادها في قطن أو حطب لا تصادف ماء ولا شيئا آخر.
3 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الزنديق له: أخبرني عن السراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟ قال: يذهب ولا يعود، قال:
فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا (2)؟ قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما الآخر سطعت من بينهما نار تقتبس منها سراج له الضوء، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب - الخبر -.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: " الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " وهو المرخ والعفار يكون في ناحية بلاد العرب، فإذا أرادوا أن يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر ثم أخذوا عودا فحركوه فيه، فيستوقدوا منه النار.
فائدة: اعلم أن المشهور بين الحكماء والمتكلمين أن العناصر أربعة: النار والهواء، والماء، والأرض، كما تشهد به الشواهد الحسية والتجربية، والتأمل في أحوال التركيبات والتحليلات، ولقدماء الفلاسفة فيها اختلافات، فمنهم من جعل أصل العناصر واحدا والبواقي تحصل بالاستحالة، فقيل هو النار، وقيل الهواء، وقيل الماء، وقيل الأرض، وقيل البخار، ومنهم من جعله اثنين، فقيل النار والأرض، وقيل الماء والأرض، وقيل الهواء والأرض، ومنهم من جعله ثلاثة، فقيل النار والهواء والأرض، وإنما الماء هواء متكاثف، وقيل الهواء والماء و الأرض وإنما النار هواء شديد الحرارة، وهذه الأقوال عندهم ضعيفة، وقد مر في الاخبار ما يدل على كون أصل العناصر بل الأفلاك الماء، أو هو مع النار، أو هما مع الهواء، وبالجملة لا ريب في وجود تلك العناصر الأربعة تحت فلك القمر وإنما الاشكال في وجود كرة النار، وعلى تقدير وجودها هل كانت هواء انقلبت نارا بحركة الفلك، أو كانت في الأصل نارا، والمشهور أن هذه الأربعة عناصر المركبات التامة وأسطقساتها، ومنها تتركب وإليها تنحل. وقيل: النار غير موجودة في المركبات، لأنها لا تنزل عن الأثير إلا بالقسر، ولا قاسر هناك.
ثم المشهور أن صور البسائط باقية في المركبات، وقال الشيخ في الشفاء:
لكن قوما اخترعوا في قريب من زماننا هذا مذهبا غريبا، قالوا: إن البسائط إذا امتزجت وانفعل بعضها من بعض تأدى ذلك بها إلى أن يخلع صورها فلا تكون لواحد منها صورته الخاصة، وليست حينئذ صورة خاصة واحدة فيصير لها هيولي
واحدة وصورة واحدة، فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسطا بين صورها، ومنهم من جعلها صورة أخرى من النوعيات، واحتج على فساد هذا المذهب بوجوه تركناها.
وذهب أنكساغورس وأصحابه إلى الخلط والكمون والبروز، وأنكروا التغيير في الكيفية والصورة، وزعموا أن الأركان الأربعة لا يوجد شئ منها صرفا، بل هي تختلط من تلك الطبائع النوعية كاللحم والعظم والعصب والتمر والعسل والعنب وغير ذلك، وإنما سمي بالغالب الظاهر منها، ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز منها ما كان كامنا فيها فيغلب ويظهر للحس بعد ما كان مغلوبا غائبا عنه، لا على أنه حدث بل على أنه برز، ويكمن فيها ما كان بارزا فيصير مغلوبا وغائبا بعدما كان غالبا وظاهرا. وبإزائهم قوم زعموا أن الظاهر ليس على سبيل البروز: بل على سبيل النفوذ من غيره فيه، كالماء مثلا فإنه إنما يتسخن بنفوذ أجزاء نارية فيه من النار والمجاورة له وهذان القولان سخيفان، والمشهور عندهم أن العناصر تفعل بعضها في بعض، فيستحيل في كيفيتها وتحصل للجميع كيفية متوسطة متشابهة هي المزاج، فتستعد بذلك لإفاضة صورة مناسبة لها من المبدأ.
ثم المشهور بينهم أن النار التي تسطع عند ملاقاة الحجر والحديد أو عند احتكاك الخشبتين الرطبتين أو اليابستين إنما هي بانقلاب الهواء الذي بينهما نارا بسبب حرارة حدثت فيه من الاصطكاك والاحتكاك، لا بأن يخرج من الحجر أو الحديد أو الشجر نار، وظواهر الآيات والأخبار المتقدمة لا ينافي ذلك.
وأما قوله عليه السلام في حديث هشام " إن النار في الأجسام كامنة " فالمراد بها إما النار التي تركب الجسم منها ومن سائر العناصر أو المعنى أن ما هو سبب لاحداث النار حاصل في الأجسام وإن انطفت النيران المتولدة منها وانقلبت هواء، والأول أظهر. والحاصل أن قياسك الروح على نار الفتيلة وغيرها حيث لم يمكن إعادتها إلى الأجسام قياس مع الفارق، فإن الروح إما جسم أو جوهر مجرد ثابت محفوظ يمكن إعادته، والنار الذي ذكرت انقلبت هواء وذهبت، فعلى تقدير استحالة
إعادتها لا توجب إعادة الروح، بل ما يشبه الروح هو النار الكامن في الجسم الموجود فيه لا هذا الضوء الذاهب، وأما نار الشجرة فذات احتمالات أومأنا إليها سابقا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.