بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
25 باب عصمة الملائكة وقصة هاروت وماروت وفيه ذكر حقيقة
ج ۵۶، ص ۲۶۴–۲۹۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
البقرة: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون
ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق.
النساء: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون.
الأعراف: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون.
النحل: ولله يسجد ما في المساواة وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.
مريم: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا.
الأنبياء: ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
وقال تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين.
التحريم: عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
تفسير: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " أقول: هذه الآية مما يوهم نفي عصمة الملائكة، وللعلماء في تأويلها مسالك نشير إن بعضها وإن أفضى إلى الاطناب.
قال السيد المرتضى - رحمه الله - في كتاب الغرر والدرر: إن سأل سائل عن قوله عز وعلا " واتبعوا ما تتلوا الشياطين - إلى قوله تعالى - ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " فقال: كيف ينزل الله سبحانه السحر على الملائكة؟
أم كيف تعلم الملائكة الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنه بإذنه وهو تعالى قد نهى عنه وحذر من فعله؟
وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم بقوله " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ثم بقوله " لو كانوا يعلمون "؟
الجواب: قلنا: في الآية وجوه كل منها يزيل الشبهة الداخلة على من لم يمعن النظر فيها:
أولها: أن يكون " ما " في قوله تعالى " وما أنزل على الملكين " بمعنى الذي، فكأنه تعالى خبر عن طائفة من أهل الكتاب بأنهم اتبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان وتضيفه إليه من السحر، فبرأه الله عز وجل من قرفهم وأكذبهم في قولهم فقال تعالى " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " باستعمال السحر والتمويه على الناس، ثم قال " يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين " وأراد أنهم يعلمونهم السحر وما الذي أنزل على الملكين، وإنما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك و يعرفاه الناس فيجتنبوه ويحذروا منه، كما أنه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ووصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنواقعها، إلا أن الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه وأقدموا على فعله، وإن كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحارزه وانتفع باطلاعه على كيفيته. ثم قال " وما يعلمان من أحد " يعني الملكين، ومعنى " يعلمان " يعلمان، والعرب تستعمل لفظة " علمه " بمعنى أعلمه، قال القطامي:
تعلم أن بعد الغي رشدا * وأن لتانك الغمر انقشاعا وقال كعب بن زهير:
تعلم رسول الله أنك مدركي * وإن وعيدا منك كالأخذ باليد ومعنى " تعلم " في البيتين معنى " أعلم " والذي يدل على أنه ههنا الاعلام لا التعليم قوله " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " أي إنهما لا يعرفان صفات السحر وكيفيته إلا بعد أن يقولا إنما نحن محنة، لان الفتنة بمعنى المحنة، من حيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه وليتمتعوا من مواقعته، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك، فإنه إنما ألقي إليك واطلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله. ثم قال " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك، ولهذا قال " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم " لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يجتنبوه صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم.
وثانيها: أن يكون " ما أنزل " موضعه موضع جر، ويكون معطوفا بالواو على " ملك سليمان " أي: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين. ومعنى " ما أنزل على الملكين " أي معهما وعلى ألسنتهما كما قال تعالى " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " أي على ألسنتهم ومعهم، وليس بمنكر أن يكون " ما أنزل " معطوفا على ملك سليمان وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض، لان رد الشئ إلى نظيره وعطفه على ما هو أولى هو الواجب وإن اعترض بينهما ما ليس منهما، ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب كثيرة: قال الله تعالى " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما "
و " قيم " من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة " عوج " وإن تباعد ما بينهما، و مثله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام " فالمسجد الحرام ههنا معطوف على الشهر الحرام أي يسألونك عن الشهر وعن المسجد الحرام. وحكي عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال: العرب تلف الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسير هما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره كقوله عز وجل " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " وهذا واضح في مذهب العرب كثير النظائر.
ثم قال تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " والمعنى أنهما لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه، ويبلغ من نهيهما عنه وصدهما عن فعله واستعماله أن يقولا إنما نحن فتنة " فلا تكفر " باستعمال السحر والاقدام على فعله، وهذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له إنك إن فعلته أصابك كذا وكذا. وهذا هو نهاية البلاغة في الكلام، والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، لأنه أشعر بقوله تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " عن بسط الكلام الذي ذكرناه ولهذا نظائر في القرآن قال الله تعالى " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق " ومثل قوله تعالى " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " أي فيقال للذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم وأمثاله أكثر من أن نورد ثم قال تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين، وكيف يرجع إليهما وقد نفى تعالى عنهما التعليم؟ بل يرجع إلى
الكفر والسحر، وقد تقدم ذكر السحر وتقدم أيضا ذكر ما يدل على الكفر ويقتضيه في قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا " فدل " كفروا " على الكفر والعطف عليه مع السحر جائز، وإن كان التصريح وقع بذكر السحر دونه، و مثل ذلك قوله تعالى " سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى " أي يتجنب الذكرى الأشقى، ولم يتقدم تصريح بالذكرى لكن دل عليها قوله " سيذكر " ويجوز أيضا أن يكون معنى " فيتعلمون منهما " أي بدلا مما علمهم الملكان، ويكون المعنى أنهم يعدلون عما علمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلمه واستعماله، كما يقول القائل: ليت لنا من كذا وكذا [كذا] أي بدلا منه، كما قال الشاعر:
جمعت من الخيرات وطبا وعلبة * وصرا لأخلاف المزممة البزل ومن كل أخلاق الكرام تميمة * وسعيا على الجار المجاور بالبخل يريد: جمعت مكان الخيرات ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة. و قوله تعالى " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " فيه وجهان: أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الشرك بالله تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، ليفرق بينهما اختلاف النحلة والملة، والوجه الآخر أن يسعوا بين الزوجين بالنميمة والوشاية والاغراء والتمويه بالباطل حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة والمباينة.
وثالث الوجوه في الآية أن تحمل " ما " في قوله تعالى " وما أنزل على الملكين " على الجحد والنفي، فكأنه تعالى قال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر [سليمان] وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. ويكون قوله تعالى " ببابل هاروت وماروت " من المؤخر الذي معناه التقديم، فيكون على هذا التأويل هاروت وماروت رجلين من جملة هذان أسماهما، وإنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا
وتبيينا، ويكون الملكان المذكوران اللذان نفى تعالى عنهما السحر جبرئيل و ميكائيل، لان سحرة اليهود فيما ذكر كانت تدعي أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرئيل وميكائيل إلى سليمان، فأكذبهما الله تعالى بذلك، ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنه تعالى قال: ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا، ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله " وكنا لحكمهم شاهدين " يعني تعالى حكم داود وسليمان، ويكون قوله تعالى على هذا التأويل " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين أو من الانس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به، ومعنى قولهما " إنما نحن فتنة فلا تكفر " يكون على طريق الاستهزاء أو التماجن والتخالع كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا: هذا فعل من لا يفلح، و قول من لا ينجو، والله لا حصلت إلا على الخسران. وليس ذلك منه على سبيل النصيحة للناس وتحذيرهم من مثل فعل فعله، بل على جهة المجون والتهالك. و يجوز أيضا على هذا التأويل الذي تضمن الجحد والنفي أن يكون هاروت وماروت اسمين للملكين، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله تعالى " وما أنزل على الملكين " ويكون قوله تعالى " وما يعلمان من أحد " يرجع إلى قبيلتين من الجن أو إلى شياطين الجن والإنس فتحسن التثنية لهذا. وقد روي هذا التأويل في حمل " ما " على النفي عن ابن عباس وغيره من المفسرين، وحكي عنه أيضا أنه كان يقرأ " على الملكين " بكسر اللام، ويقول:
متى كان العلجان ملكين إنما كانا ملكين وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله تعالى " وما يعلمان من أحد " إليهما، ويمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر وهو أن لا يحمل قوله تعالى: " وما أنزل على الملكين " على الجحد والنفي، وهو أن لا يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتدعيه على ملك سليمان واتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر، ولا يكون الانزال مضافا إلى الله تعالى، وإن أطلق لأنه عز وجل لا ينزل السحر بل يكون منزله إليهما بعض الضلال والعصاة، وأن يكون معنى " أنزل " وإن كان من الأرض حمل إليهما لامن
السماء أنه أتى به عن نجود الأرض والبلاد وأعاليهما، فإن من هبط من نجد من البلاد إلى غورها يقال نزل وهبط وما جرى هذا المجرى.
فأما قوله تعالى " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " فيحتمل وجوها:
منها: أن يريد تعالى بالاذن العلم من قولهم " أذنت فلانا بكذا وكذا " إذا أعلمته و " أذنت بكذا وكذا " إذا أسمعته وعلمته، وقال الشاعر:
في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ماذي مشار ومنها: أن يكون " إلا " زائدة، ويكون المعنى: وما هم بضارين به من أحد إلا بأن يخلي الله تعالى بينهم وبينه، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر زائدا على منعهم بالنهي والزجر.
ومنها: أن يكون الضرر الذي عنى به أنه لا يكون إلا بإذنه، وأضافه إليه ما [هو] يلحق المسحور عن الأدوية والأغذية التي أطعمه إياه السحرة، ويدعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور، ومعلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة، لان الأغذية لا توجب ضررا ولا نفعا، وإن كان المعرض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم، وعليه يجب العوض.
ومنها: أن يكون الضرر المذكور إنما هو ما يحصل من التفريق بين الأزواج لأنه أقرب إليه في ترتيب الكلام، والمعنى أنهم إذا أغروا أحد الزوجين فكفر فبانت منه زوجته فاستضر بذلك كانوا ضارين له بما حسنوا له من الكفر، إلا أن الفرقة لم تكن إلا بإذن الله وحكمه، لأنه تعالى هو الذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفتين الأديان، فلهذا قوله تعالى " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " والمعنى أنه لولا حكم الله تعالى وإذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملة لم يكونوا بضارين له هذا الضرر من الضرر الحاصل عند الفرقة، ويقوي هذا الوجه ما روي أنه كان من دين سليمان أنه من سحر بانت منه امرأته.
وأما قوله تعالى " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ثم قوله تعالى " لو كانوا يعلمون " ففيه وجوه: أولها: أن يكون الذين علموا غير الذين
لم يعلموا، ويكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبر عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.
والذين لم يعلموا هم الذين عملوا السحر وشروا به أنفسهم. وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا، لأنهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره، فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من العقاب الذي لا نفاد له ولا انقطاع، وثالثها أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموه فكأنهم لم يعلموا، وهذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك لو كنت تعقل وتنظر في العواقب، وهو يعقل وينظر إلا أنه لم يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له مثل هذا القول. وقال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابان تبعاه ليصيبا من زاده:
إذا حضراني قلت لو يعلمانه * ألم تعلما أني من الزاد مرمل فنفى عنهما العلم ثم أثبته بقوله " ألم تعلما أني من الزاد مرمل " وإنما المعنى في نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علما، فكأنهما لم يعلما، ورابعها أن يكون المعنى أن هؤلاء القوم الذين قد علموا أن الآخرة لاحظ لهم فيها مع عملهم القبيح إلا أنهم ارتكبوه طمعا في طعام الدنيا وزخرفها، فقال تعالى " ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " أي الذي آثروه وجعلوه عوضا عن الآخرة لا يتم لهم ولا يبقى عليهم وأنه منقطع زائل، ومضمحل باطل، وأن المآل إلى المستحق في الآخرة، وكل ذلك واضح بحمد الله (انتهى).
وأقول: قال في الصحاح: والغمرة الشدة والجمع غمر. قال القطامي يصف سفينة نوح: وحان لتالك الغمر انحسار. وقال: الانحسار الانكشاف. وقال:
قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع وتقشع. وقال: الوطب سقاء اللبن خاصة. قال: العلبة محلب من جلد. وقال: صررت الناقة شددت عليها الصرار وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضعها ولدها. وقال: الخلف - بالكسر - حلمة ضرع الناقة. والمزممة من الزمام. والبزل: جمع البازل، وهو جمل أو ناقة كمل
لها تسع سنين. والماذي: العسل الأبيض. ويقال: شرت العسل أي اجتنيتها، و أشرت لغة ذكره الجوهري واستشهد بالبيت.
وقال الرازي في تفسير هذه الآية: أما قوله " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان " ففيه مسائل: المسألة الأولى قوله " واتبعوا " حكاية عما تقدم ذكره وهم اليهود، ثم فيه أقوال: أحدها أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وآله وثانيها أنهم الذين تقدموا من اليهود وثالثها أنهم الذين كانوا في زمن سليمان من السحرة، لان أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين منهم كانوا في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. ورابعها أنه يتناول الكل، وهذا أولى، لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص. وخامسها أنه عائد إلى من تقدم ذكره في قوله " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب " قال السدي: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وآله عارضوا بالتورية فخاصموه بها، فاتفقت التورية والقرآن، فنبذوا التورية وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم " ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحرة.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير " تتلوا " وجهين: أحدهما أن المراد منه التلاوة والاخبار وثانيهما قال أبو مسلم: " تتلوا " أي تكذب على ملك سليمان يقال تلا عليه إذا كذب، وتلا عنه إذا صدق، وإذا أبهم جاز الأمران، والأقرب هو الأول، لان التلاوة حقيقة في الخبر، إلا أن المخبر لا يقال في خبره إذا كان كذبا أنه يقول على فلان وأنه قد تلا على فلان، ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال على فلان بل يقال روى عن فلان وأخبر عن فلان، [وتلا عن
فلان] وذلك لا يليق إلا بالاخبار والتلاوة، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان ما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف.
المسألة الثالثة: اختلفوا في الشياطين، فقيل: المراد شياطين الجن، وهو قول الأكثرين، وقيل: شياطين الانس، وهو قول المتكلمين من المعتزلة، وقيل:
شياطين الإنس والجن معا، أما الذين حملوا على شياطين الجن فقالوا: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، فكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم، وبه سخر الجن والإنس والريح التي تجري بأمره، وأما الذين حملوه على شياطين الانس فقالوا: روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله بها تحت سرير ملكه حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها بقي ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء، فهذا معنى " ما تتلوا الشياطين " واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخفيا فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان. فإن قيل: إذا جوزتم ذلك على شياطين الانس فلم لا يجوز مثله من شياطين الجن قلنا الفرق أن الذي يفتعله الانسان لابد وأن يظهر من بعض الوجوه، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن يزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفيا فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان.
المسألة الرابعة: أما قوله " على ملك سليمان " فقيل: في ملك سليمان، عن
ابن جريح. وقيل: على عهد ملك سليمان، والأقرب أن يكون المراد: واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان، لأنهم كانوا يقرؤون من كتب السحر فيقولون: إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان - والله أعلم -.
المسألة الخامسة: اختلفوا في المراد بملك سليمان، فقال القاضي: إن ملك سليمان هو النبوة، أو يدخل فيها النبوة، وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة، فإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولا على ملكه في الحقيقة. والأصح عندي أن يقال: القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان - والله أعلم -. المسألة السادسة: السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان وجوه:
أحدها أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمره، وترغيبا للقوم في قبول ذلك منهم. وثانيها أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان، بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر. وثالثها: أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسرارا عجيبة. فغلب على الظنون أنه عليه السلام استفاد السحر منهم. أما قوله تعالى " وما كفر سليمان " فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر. وقيل فيه أشياء أحدها ما روي عن بعض أحبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا؟! فأنزل الله هذه الآية. وثانيها أن السحرة من اليهود، زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان، فنزهه الله منه. وثالثها أن قوما زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه، لأن كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاحق بغيره، فقال: ولكن الشياطين كفروا، يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى
سليمان ثم بين تعالى ما به كفروا، فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال تعالى " يعلمون الناس السحر ".
واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه: الأول في البحث عنه بحسب اللغة، فنقول: ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه، والسحر - بالفتح -: هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه. قال لبيد:
ونسحر بالطعام وبالشراب.
قيل فيه وجهان: أحدهما أنا نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع، والآخر نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء. وقال:
فإن تسألينا مم نحن؟ فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وهذا الوجه يحتمل من المعنى ما احتمله الأول، ويحتمل أيضا أن يريد بالمسحر أنه ذو السحر، والسحر هو الرئة، وما تعلق بالحلقوم. وهذا أيضا يرجع إلى معنى الخفاء، ومنه قول عائشة " توفي رسول الله بين سحري ونحري " وقوله تعالى " إنما أنت من المسحرين " يعني من المجوف الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم " ما أنت إلا بشر مثلنا " وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام إنه قال للسحرة " ما جئتم به السحر إن الله سيبطله " وقال: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم " فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة.
الوجه الثاني: اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر مخفي سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، و
متى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله، قال تعالى " سحروا أعين الناس " يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، وقال تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد، روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقال لعمرو: خبرني عن الزبرقان فقال: مطاع في ناديه، شديد العارض، مانع لما وراء ظهره، قال الزبرقان:
هو والله يعلم أني أفضل منه. فقال عمرو: إنه زمر المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما أرضاني فقلت أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوء ما علمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحرا، لان صاحبه يوضح الشئ المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته.
فان قيل: كيف يجوز أن يسمي ما يوضح الحق وينبئ عنه سحرا وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر، ولفظ السحر إنما يكون عند إخفاء الظاهر؟
قلنا: إنما سماه سحرا لوجهين: الأول أن ذلك العذر للطفه وحسنه استمال القلوب، فأشبه السحر الذي يستميل القلوب فمن هذا الوجه سمي سحرا لا من الوجه الذي ظننت. الثاني: أن المقتدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا وتقبيح ما يكون حسنا، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه في أقسام السحر.
واعلم أن السحر على أقسام: القسم الأول سحر الكلدانيين والكذابين الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، وهم الذين
بعث الله تعالى إبراهيم مبطلا لمقالتهم، ورادا عليهم في مذاهبهم.
وهؤلاء فرق ثلاث: الفريق الأول هم الذين زعموا أن هذه الأفلاك والكواكب واجبة الوجود في ذواتها، وأنه لا حاجة بهذية ذواتها وصفاتها إلى موجب ومدبر وخالق وعلة البتة. ثم إنها هي المدبرة لعالم الكون والفساد، وهؤلاء هم الصابئة الدهرية. والفريق الثاني الذين قالوا: الجسم يستحيل أن يكون واجبا لذاته، لان كل جسم مركب، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل جسم فهو مفتقر إلى غيره، فهو ممكن لذاته [وكل ممكن لذاته فهو مؤثر] فله مؤثر، وهذه الاجرام الفلكية و الكوكبية لابد لها من مؤثر. ثم قالوا: ذلك المؤثر إما أن يكون حادثا أو قديما، فإن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان قديما فإما أن يكون كل ما لابد منه في مؤثريته حاصلا في الأزل أوليس كذلك، ويدخل في هذا التقسيم قول من يقول إنه إنما خلق العالم في الحيز الذي خلقه فيه، لان خلقه في ذلك الحيز أصلح من خلقه في حيز آخر، أو لان خلقه كان موقوفا على انقضاء الأزل، أو لان خلقه كان موقوفا على حضور وقت معين إما مقدر أو محقق. فإن قلنا إن كل ما لابد منه في مؤثريته كان حاصلا في الأزل لزم أن يكون الأثر واجب الترتب عليه في الأزل، لان الأزل لو لم يكن واجب الترتب عليه فهو إما ممتنع الترتب عليه، فهو ليس بمؤثر البتة وقد فرضناه مؤثرا، هذا خلف، وإن كان ممكن الترتب عليه وممكن اللا ترتب عليه أيضا، فلنفرض تارة مصدرا للأثر بالفعل وأخرى غير مصدر له بالفعل، فامتياز الحيز الذي صار المؤثر فيه مصدرا للأثر بالفعل عن الحيز الذي لم يصر فيه كذلك إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لم يتوقف، فإن توقف لم يكن الحاصل قبل انضمام هذا القيد إليه كل ما لابد منه في المؤثرية وقد فرضناه كذلك، و هذا خلف، وإن لم يتوقف فقد ترجح الممكن من غير مرجح البتة، وتجويزه يسد باب الاستدلال بالممكن على وجود الصانع. وأما إن قلنا بأن كل ما لا بد
منه في المؤثرية ما كان حاصلا في الأزل، فإن استمر ذلك السلب وجب أن لا يصير البتة مؤثرا. لكنا [قد] فرضناه مؤثرا في الأزل، هذا خلف، وإن تغير فقد حدث بعض ما لا بد منه في المؤثرية، فإن كان حدوثه لا لامر فقد وقع الممكن لا عن مؤثر، وهو محال، وإن كان حدوثه لامر لم يكن الشئ الذي فرضناه حادثا أولا كذلك، لأنه حصل قبله حادث آخر وكنا فرضناه حادثا أولا، وهذا خلف. وأيضا فإنا ننقل الكلام إليه، ويلزم التسلسل وهو محال.
قالوا: وهذا يقتضي استناد الممكنات إلى مؤثر تام المؤثرية في الأزل، و متى كان كذلك وجب كون الآثار أزلية دائمة، فهذا يقتضي أن لا يحصل في العالم شئ من التغيرات البتة، لكن التغيرات مشاهدة قطعا، فلا بد من حيلة، فنقول ذلك المؤثر القديم الواجب لذاته، إلا أن كل حادث مسبوق بحادث آخر حتى يكون انقضاء المتقدم شرطا لحصول المتأخر عن ذلك المبدأ القديم وعلى هذا الطريق يصير المبدأ القديم مبدأ للحوادث المتغيرة، فإذن لا بد من توسط حركة دائمة يكون كل جزء منها مسبوقا بالآخر لا إلى أول، وهذه الحركة يمتنع أن تكون مستقيمة، وإلا لزم القول بأبعاد غير متناهية، وهو محال، فلا بد من جرم متحرك بالاستدارة وهو الفلك، فثبت أن حركات الأفلاك كالمبادئ القريبة للحوادث الحادثة في هذا العالم، والمدبرات الملاصقة بها، فلا جرم قالوا بإلهيتها، واشتغلوا بعبادتها وتعظيمها، واتخذوا لكل واحد منها هيكلا مخصوصا وصنما معينا فاشتغلوا بخدمتها، فهذا هو دين عبدة الأصنام والأوثان. ثم إن هؤلاء قالوا: إن المبدأ الفاعلي لا يكفي وجوده في حصول الفعل، بل لا بد من حضور المبدأ القابلي المنفعلي، ولا يكفي حضوره أيضا ما لم تكن الشرائط حاصلة والموانع زائلة، وربما حدث أمر مشكل غريب في العالم الأعلى يصلح لإفادة هيئة غريبة في مادة العالم الأسفل، فإذا لم تكن المادة السفلية متهيئة لقبول تلك الهيئة من الاشكال العلوية لم تحدث تلك الهيئة، ثم إن فوات تلك التهيؤ تارة تكون لأجل كون المادة ممنوة بالمعوقات المانعة عن قبول ذلك الأثر، وتارة لأجل فوات
بعض الشرائط لكن لو تهيأت لنا تقدمة المعرفة بطبيعة ذلك التشكل وبوقت حدوثه وبطبيعة الأمور المعتبرة في كون المادة السفلية قابلة لذلك الأثر لكان يمكننا تهيئة المادة لقبول ذلك الأثر وإماطة الموانع عنها، وتحصيل المعدات لها، حتى يتم ذلك الفيضان، ويسري في القابليات، لما تقرر أن الفاعل التام متى لقي المنفعل التام ظهر الفعل التام لا محالة، فإذا عرفت هذا فالساحر هو الذي يعرف القوى العالية الفعالة بسائطها ومركباتها، ويعرف ما يليق بكل واحد من العوالم السفلية، ويعرف المعدات ليعدها، والعوائق لينحيها، معرفة بحسب الطاقة البشرية، فحينئذ يكون الانسان متمكنا من استجذاب ما يخرق العادة، ومن دفع ما يدافعها، بتقريب المنفعل من الفاعل، وهذا معنى قول بطلميوس " علم النجوم منك ومنها " فهذا هو الإشارة إلى خلاصة قول الفلاسفة الصابئة في حقيقة السحر وماهيته.
الفريق الثالث: الذين أثبتوا لهذه الأفلاك والكواكب فاعلا مختارا خلقها وأوجدها بعد العدم، إلا أنهم قالوا: إنه سبحانه أعطاه قوة عالية نافذة في هذا العالم، وفوض تدبير هذا العالم إليهم. قالوا: الدليل على كون هذه الاجرام الفلكية أحياء وجهان: الأول أنه لا شك أن الحياة أشرف من الجمادية فكيف يحسن في الحكمة خلق الحياة في الأجسام الخسيسة نحو أبدان الديدان والخنافس، وإخلاء هذه الاجرام الشريفة النورانية الروحانية عن الحياة. الثاني أن هذه الأفلاك متحركة بالاستدارة، فحركتها إما أن تكون طبيعية، أو قسرية أو إرادية، لا جائز أن تكون طبيعية، لأن المهروب عنه بالطبع لا يكون بعينه مطلوبا بالطبع، وكل نقطة فرضنا الفلك متحركا عنه فإن حركته عنها هي عين حركته إليها فيستحيل كون تلك الحركة طبيعية، ولا جائز أن تكون قسرية لأن القسر هو الذي يكون على خلاف الطبيعة، فإذ قد بطلت الطبيعية، وجب بطلان كونها قسرية، ولما بطل القسمان ثبت كونها إرادية، فثبت أن الأفلاك والكواكب أجرام حية عاقلة. قالوا: إذا ثبت هذا فنقول: الوقوف على جميع
الطبائع العلوية والسفلية مما لا يفي به وسع البشر، وطاقة النفس الناطقة لوجوه أربعة: أولها أنه لا سبيل إلى إثبات الكواكب إلا بواسطة القوة الباصرة، ولا ارتياب أنها عن إدراك الصغير من البعيد قاصرة، فإن أصغر كوكب مما في القدر السابع من الفلك الثامن وهو الذي يمتحن به حدة البصر مثل كرة الأرض بضعة عشر مرة، وإن كرة الأرض أعظم من العطارد كذا ألف مرة، فلو تكوكب الفلك الأعظم بكواكب على قدر الكواكب الصغيرة المذكورة من الثوابت فلا شك أن الحس لا يدركه، والبصر لا يمتد عليه، فضلا عما يكون في مقدار عطارد أو أصغر منه. وعلى هذا التقدير لا يبعد أن يكون في السماوات كواكب كثيرة فعالة وإن كنا لا نعرف وجودها فضلا عن أن نعرف طبائعها، ولهذا نقل صاحب كتاب " تتكلوشا " عن رواياي البشر أنه بقي في الفلك وراء الكواكب المرصودة كواكب لم ترصد، إما لفرط صغرها أو لخفاء آثارها وأفعالها.
وثانيها: أن الكواكب التي نراها ليست بأسرها مرصودة، بل المرصودة منها ألف واثنان وعشرون، والبواقي غير مرصودة، ومما يحقق ذلك ما ثبت بالدلالة أن المجرة ليست إلا أجرام كوكبية صغيرة جدا مرتكزة في فلك الثوابت على هذا السمت المخصوص، وظاهر أن الوقوف على طبائعها متعذرة.
وثالثها : أن هذه الكواكب المرصودة مما لم يحصل الوقوف التام على طبائعها، لأن أقوال الاحكاميين ضعيفة قليلة الحاصل، لا سيما في طبائع الثوابت.
ورابعها: أنا بتقدير أن نعرف طبائع هذه الكواكب على بساطتها لكنه لا يمكننا الوقوف على طبائعها حال امتزاجها إلا على سبيل التقريب البعيد عن التحقيق.
ثم إنا نعلم أن الحوادث الحادثة في هذا العالم لا يصدر عن طبائعها البسيطة وإلا لدامت هذه الحوادث بدوام تلك الطبائع، بل إنما يحصل عن امتزاجاتها، و تلك الامتزاجات غير متناهية، فلا سبيل إلى الوقوف عليها على سبيل القياس، فقد ثبت
بهذه الوجوه الأربعة تعذر الوقوف على طبائعها الفعالة، وأما القوى المنفعلة فالوقوف التام عليها كالمتعذر، لان القبول التام لا يتحقق إلا مع شرائط مخصوصة في القابل من الكم والكيف والوضع والأين وسائر المقولات، والمواد السفلية غير ثابتة على حالة واحدة، بل هي أبدا في الاستحالة والتغير، وإن كان لا يظهر في الحس، فقد ظهر بما قررنا أن الوقوف التام على أحوال القوى الفعالة السماوية والقوى الأرضية المنفعلة غير حاصل للبشر، ولو حصل ذلك لاحد لوجب أن يكون ذلك الشخص عالما بجميع التفاصيل الحاصلة من الماضية والآتية، وأن يكون متمكنا من إحداث جميع الأمور التي لا نهاية لها.
ثم قالوا: فهذه المباحث والملامح مما يوهن العقل عن التمكن من هذه الصناعة، إلا أنه نعم ما قيل من أن مالا يدرك كله لا يترك كله فالقوى البشرية وإن قصرت عن اكتناه هذه القوى العالية الفعالة والسافلة المنفعلة ولكن يمكنها الاطلاع على بعض أحوالها، وإن كان ذلك القدر تافها حقيرا بالنسبة إلى ما في الوجود لكنه عظيم بالنسبة إلى قدرة الانسان وقوته، لان الاحكاميين من أهل النجوم قد وقفوا بسبب التجارب المتطاولة قرنا بعد قرن على كثير من أحوال السبعة السيارة وكثير من الثوابت، وعرفوا من أحوال البروج والحدود [والوجوه] والمثلثات ما يعظم الانتفاع بمعرفته لمن اطلع عليه وأحاط به، وليس يلزمنا أنه لما تعذر علينا تحصيل اليقين التام بها واسطة البراهين المنطبقة أن يترك الانتفاع بها مع ما تشاهد من صحة قوانينها الكلية، كما لا يلزم من عدم قيام الدلائل الطبيعية على طبائع الأغذية والأدوية البسيطة والمركبة أن لا ينتفع بها، بل هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب، وذلك لأنهما بعد اشتراكهما في عدم البراهين المنطبقة على مطالبها امتازت هذه الصناعة عن صناعة الطب بوصف نافع، وذلك أن الدواء المتناول لو لم ينفع يحصل من تناوله ضرر عظيم، وأما هذه الصناعة فلو لم تنفع لم تضر.
وأما ظن حصول النفع فهو قائم في الموضعين، وإذا كان كذلك كانت هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب.
فإن قال قائل: كيف السبيل إلى معرفة طبائع هذه الكواكب والبروج؟ و أما التجربة فهي متعذرة، وذلك لان أقل ما لا بد منه في التجربة أن يعود الامر مرتين، وعودة الفلك إلى شكله المعين ممتنع عند بعض الفلاسفة، ولو أمكن على بعده فإنما يقع لو عاد جميع الكواكب إلى الموضع الذي كان واقفا عليه في المرة الأولى وذلك مما لا يحصل إلا بعد المدة التي تسمى بعمر العالم، فأي عمر يفي بذلك؟ و أي عقل يصل إليه؟
الجواب أنه لا حاجة في هذه التجربة إلى عود الفلك إلى الشكل الأول من جميع الوجوه، بل لما رأينا كوكبا حصل في برج وصدر عنه أثر وشاهدنا هذا الأثر مع حصوله في ذلك البرج مدة بعد أخرى غلب على ظننا أن حصوله في ذلك البرج مستعقب لهذا الأثر. وهذا القدر كاف في حصول الظن. وأيضا قد تحصل معرفة طبائع هذه الكواكب على سبيل الالهام، يحكى عن جالينوس أنه عرف كثيرا من الأمور الطبية برؤيا رآها، وإذا كان ذلك ممكنا فلا سبيل إلى دفعه.
قالوا: إذا ثبت ذلك فإن التجارب التي مارسها الاحكاميون من المنجمين دلت على أن لكل اختصاصا بأشياء معينة في هذا العالم من الأمكنة والأزمنة والأيام والساعات والأغذية والروائح والاشكال التي يتعلق بها كوكب معين في وقت يكون الكوكب فيه قويا على ذلك الفعل الذي يطلب منه لم يبعد أن يحصل ذلك الأثر الخارق للعادة لا سيما إذا كان المتولي لمباشرة ذلك العمل القوي النفس صافي الروح، بحيث يكون روحه في الاستعلاء والاستيلاء من جوهر الأرواح السماوية، فهناك يتم الامر، ويحصل الغرض، فهذا مجموع أقوال الصابئة في تقرير هذا النوع من السحر.
أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله لا يقدر على خلق الجسم
والحياة واللون والطعم، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه، ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها:
أولها: وهو النكتة العقلية التي عليها يقولون أن كل ما سوى الله إما متحيز أو قائم بالمتحيز، فلو كان غير الله فاعلا للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزا وذلك المتحيز لابد وأن يكون قادرا بالقدرة، إذ لو كان قادرا لذاته لكان كل جسم كذلك - بناء على أن الأجسام متماثلة - لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة. ويدل عليه وجهان: الأول أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة، ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة، وإذا ثبت هذا وجب في من كان قادرا بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة الثاني: أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضا، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم يكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم لوجب في هذه القدرة التي يخالف بعضها بعضا أن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة.
وثانيها: أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لما جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكننا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الامناء صدرت عن الله تعالى، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه.
وثالثها: أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم و الحياة والألوان لقدر ذلك الانسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب لكنا نرى من يدعي السحر متوسلا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد فعلمنا كذبه، وبهذا الطريق يعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء. فانا نقول لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهبا لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة، أو لا يمكن إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك، لأنه أنفع لهم من فتح البلاد التي لا يتم إلا باخراج الأموال والكنوز، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول. قال القاضي: فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلا لشئ من ذلك.
واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جدا، أما الوجه الأول فنقول: ما الدليل على أن كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزا أو قائما بالمتحيز، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة، و زعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فما الدليل على فساد القول بها؟
فإن قالوا: لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلا لله تعالى:
قلنا: لا نسلم، وذلك لان الاشتراك في السلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته؟ قوله " الأجسام متساوية فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك " قلنا: ما الدليل على تماثل الأجسام؟
فان قالوا: إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات، الشاغل للأحياز، فلا تفاوت بينها في هذا المعنى.
قلنا الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها ولا بعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم، سلمنا أنه يجب أن يكون قادرا بالقدرة، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة؟ قوله " لان القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع، فهذا الامتناع حكم مشترك، فلا بد له من علة مشتركة، ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة " قلنا: هذه المقدمات بأسرها ممنوعة، فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل، وذلك لان الامتناع عدمي، والعدمي لا يعلل. سلمنا أنه أمر وجودي، ولكن من مذهبهم أن كثيرا من الاحكام لا يعلل، فلم لا يجوز أن يكون ههنا كذلك؟ سلمنا أنه معلل، فلم قلتم: إن الحكم المشترك لابد له من علة مشتركة، أليس أن القبح حصل في الظلم معللا بكونه ظلما وفي الكذب بكونه كذبا وفي الجهل بكونه جهلا؟ سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف، فما الدليل على أن الامر ليس كذلك؟
أما الوجه الثاني وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض هذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض، فنقول: هذا أضعف، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدرة، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر، وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر ونظير ما ذكروه أن يقال: ليست مخالفة الصوت للبياض أشد من مخالفة السواد للبياض، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفا للبياض أن يمتنع رؤيته، ولما كان هذا الكلام فاسدا فكذا ما قالوه والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية زيفها بهذه الأسئلة، ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في
إثبات النبوة، والرد على من أثبت متوسطا بين الله وبيننا.
أما الوجه الثالث وهو أن القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الأصل. فنقول: إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعا على فساد هذه القاعدة أو لا يكون، فإن كان الأول امتنع إفساد هذا الأصل بالبناء على صحة النبوات وإلا وقع الدور، وإن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية.
وأما الوجه الرابع فلقائل أن يقول: الكلام في الامكان غير، وفي الوقوع غير، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الاعصار المتباعدة، فكيف يلزمنا ما ذكرتموه. فهذا هو الكلام في النوع الأول من السحر.
* (النوع الثاني من السحر) * * (سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية) * قالوا: اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل انسان بقوله " أنا " ما هو؟ فمن الناس من يقول: إنه هو هذه البنية، ومنهم من يقول: إنه جسم سار في هذه البنية، ومنهم من يقول: إنه موجود ليس بجسم ولا جسماني أما إذا قلنا: إن الانسان هو هذه البنية فلا شك أن هذه البنية مركبة من الاخلاط الأربعة، فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الاعصار النادرة أن يكون مزاج من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم والعلم بالأمور الغائبة عنا؟ وهكذا الكلام إذا قلنا إن الانسان جسم سار في هذه البنية، أما إذا قلنا إن الانسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال: النفوس مختلفة، فيتفق في بعض النفوس أن تكون لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الاسرار الغائبة [عنا] فهذا الاحتمال مما لم يقم دلالة على فساده سوى الوجوه المتقدمة وقد بان بطلانها.
ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه: أولها أن الجذع الذي يتمكن الانسان
من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته، وما ذاك إلا لان تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وثانيها أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران، وما ذاك إلا لان النفوس خلقت مطيعة للأوهام وثالثها حكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرا بالديكة في الصوت وفي الجواب مع الديكة نبت على ساقيها مثل الشئ النابت على ساق الديك. ثم قال صاحب الشفاء: وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.
ورابعها أجمعت الأمم على أن الدعاء مظنة للإجابة وأجمعوا على أن الدعاء اللساني الخالي عن المطلب النفساني قليل البركة عديم الأثر، فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثارا، وهذا الاتفاق غير مختص بملة معينة، ونحلة مخصوصة. وخامسها أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادئ القريبة للأفعال الحيوانية ليست إلا التصورات النفسانية. لان القوة المحركة [المخلوقة المطبوعة] المغروزة في العضلات صالحة للفعل وتركه أو ضده، ولن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح وما ذاك إلا تصور كون الفعل جميلا أو لذيذا، أو تصور كونه قبيحا أو مؤلما فتلك التصورات هي المبادئ لصيرورة القوى العضلية مبادئ بالفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت كذلك بالقوة، وإذا كانت هذه التصورات هي المبادئ لمبادئ هذه الأفعال فأي استبعاد في كونها مبادئ للأفعال بأنفسها وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار. وسادسها التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادئ قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان، فإن الغضبان يشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيد سخونة قوية. يحكى عن بعض الملوك أنه عرض له فالج فأعيى الأطباء مزاولة علاجه، فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه، وشافهه بالشتم والقدح
في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام، فزالت تلك العلة المزمنة والمرضة المهلكة! وإذا جاز كون التصورات مبادئ لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادئ لحدوث الحوادث خارج البدن. وسابعها أن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليها العقلاء، وذلك أيضا يحقق إمكان ما قلناه.
إذا عرفت هذا فنقول: النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه، وتحقيقه أن النفس إذا كانت قوية مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات كانت كأنها روح من الأرواح السماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن، فإذا أراد هذا الانسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثيرها من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير، ووضعه عند الحس ليشتغل الحس به، فيتبعه الخيال عليه، وأقبلت النفس الناطقة عليه، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ولذلك اجتمعت الأمم على أنه لابد لمزاول هذه الاعمال من الانقطاع عن المألوفات والمشتهيات وتقليله الغذاء والانقطاع عن مخاطبة القلب، فكلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى، فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبة لهذا الامر نظرا إلى ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير. والسبب اللمي فيه أن النفس إذا اشتغلت بالجانب الواحد استعملت جميع قوتها في ذلك الفعل، وإذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها وتوزعت على تلك الأفعال، فتصل إلى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة، وجدول من ذلك النهر، ولذلك ترى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما بصناعة واحدة واشتغل الآخر بصناعتين، فإن ذا
الفن الواحد يكون أقوى من ذي الفنين، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره فيها لابد وأن يفرغ خاطره عما عداه فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر بكليته إليه، فيكون الفعل أسهل وأحسن، وإذا كان كذلك، فإذا كان الانسان مشغول الهم والهمة بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مستغرقة فيها، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذابا قويا، لا سيما وهنا آفة أخرى، وهي أن مثل هذه النفس اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره ولم تشتغل قط باستحداث هذه الأفعال الغريبة، فهي بالطبع حنون إلى الأول عزوف للثاني فإذا وجدت مطلوبها من النمط الأول فأنى تلتفت إلى الجانب الآخر؟ فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الاعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الأحوال الجسمانية وترك مخالطه الخلق والاقبال بالكلية على عالم الصفا والأرواح، وأما الرقي فإن كانت معلومة فالامر فيها ظاهر، لان الغرض منها أن حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضا بالأمور المناسبة لذلك الغرض، فإن الحواس متى تطابقت نحو التوجه إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى، وأما إذا كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ويحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، وجد عظيم، فيقوى التأثير النفساني، فيحصل الغرض.
وهكذا القول في الدخن، قالوا: فقد ثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل
بالتأثير، فإن انضم إليه النوع الأول من السحر وهو الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير. بل ههنا نوعان آخران: الأول أن النفوس التي فارقت الأبدان قد يكون فيها ما هو شديد المشابهة لهذه النفس في قوتها وفي تأثيراتها، فإذا صارت هذه النفوس صافية لم يبعد أن ينجذب إليها ما تشابهها من النفوس المفارقة، ويحصل لتلك النفوس نوع ما من التعلق بهذا البدن، فتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل، و إذا كملت القوة تزايدت قوى التأثير. الثاني أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية والنفوس الفلكية، فتتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح، فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة. فهذا شرح سحر أصحاب الأوهام والرقى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.