بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
25 باب عصمة الملائكة وقصة هاروت وماروت وفيه ذكر حقيقة
ج ۵۶، ص ۲۹۱–۳۱۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
* (النوع الثالث) * * (من السحر الاستعانة بالأرواح الأرضية) * واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به، إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية، وهي في أنفسها مختلفة، منها خيرة ومنها شريرة، فالخير منهم الجن والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم، ثم قال: خلق منهم هذه الأرواح جواهر قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا حالة في المتحيز، وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية، أما أن الاتصال أسهل فلأن المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الأرواح الأرضية أرسل، فإن المشابهة والمشاكلة بينها
أتم وأشد من المشاكلة بين نفوسنا وبين الأرواح السماوية، وأما أن القوة الحاصلة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى فلأن الأرواح السماوية بالنسبة إلى الأرواح الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة والبحر بالنسبة إلى القطرة والسلطان بالنسبة إلى الرعية قالوا: وهذه الأشياء وإن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال والامكان. ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقي والدخن والتجريد، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن.
* (النوع الرابع) * * (من السحر التخيلات والاخذ بالعيون) * فهذا النوع مبني على مقدمات أحدها أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركا، وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركا والمتحرك يرى ساكنا، والقطرة النازلة ترى خطا مستقيما، والزبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة، والقبة ترى في الماء كالإجاصة، والشخص الصغير يرى في الضباب عظيما، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما، فإذا فارقته وارتفعت صغرت، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيرا فظاهر، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشئ على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة.
وثانيها: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا ثم أدركت بعده محسوسا آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض، ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض، ولذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطا كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت فإن الحس يرى لونا واحدا كأنه
مركب من كل تلك الألوان.
وثالثها أن النفس إذا كانت مشغولة بشئ فربما حضر عند الحس شئ آخر فلا يشعر الحس به البتة، كما أن الانسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه انسان ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه، لما أن قلبه مشغول بشئ آخر وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما هو أكثر منها إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوأم لا فلا يرى شيئا مما في المرآة إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر، وذلك لان المشعبذ الحاذق يظهر عمل شئ يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استفز عنهم الشغل بذلك الشئ والتحديق نحوه عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل خفيا لتعلمون الشيئين أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول، والثاني سرعة الاتيان بهذا العمل الثاني، وحينئذ يظهر لهم شئ آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمل ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد اخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله. فهذا هو المراد من قولهم إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ بالعيون إلى غير الجهة التي يحتال، وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى سواء مقصوده أقوى كان أحذق في عمله، وكلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر نوعا من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضئ جدا، فإن الضوء الشديد يفيد البصر كلالا
واختلالا، وكذا الظلمة الشديدة، وكذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالا واختلالا، والألوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر.
* (النوع الخامس) * * (من السحر) * الاعمال العجيبة التي تطرأ من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى مثل فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر وكفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم وأهل الهند حتى لا يفرق الناظر بينها و بين الانسان حتى يصورونها ضاحكة وباكية وحتى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت، فهذه الوجوه من لطيف أمور التخائيل وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب. ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال، وهو أن يجر ثقيلا عظيما بآلة خفيفة وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر، لان لها أسبابا معلومة تعيينية من اطلع عليها قدر عليها، إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسرا شديدا لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر. ومن هذا الباب عمل ارجعانوس الموسيقات في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه
وذلك أنه اتفق له أن كان مجتازا بفلاة من الأرض، فوجد فيها فرخا من فراخ البراصل - والبراصل هو طائر عطوف - فكان يصفر صفيرا حزينا بخلاف صفير سائر البراصل، فكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده، فيأكل بعضها و يفضل بعضها عن حاجته، فوقف هذا الموسيقات هناك وتأمل حال هذا الفرخ و علم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضربا من التوجع والاستعطاف، حتى رقت له الطيور وجاءته بما يأكله، فتلطف لعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير، ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجئ إلى ذلك الفرخ، لأنها تظن أن هناك فرخا من جنسها، فلما صح له ما أراد أظهر النسك وعمد إلى هيكل أورشليم، وسأل عن الليلة التي دفن فيها " اسطرحن " الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل، فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب، فأخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة، ونصبها فوق ذلك الهيكل، وجعل فوق تلك الصورة قبة، وأمرهم بفتحها في أول آب، فكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة، وكانت البراصل تجئ بالزيتون حتى كانت تمتلئ القبة كل يوم من ذلك الزيتون ، والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون، ويدخل في هذا الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع.
النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية من أن يجعل في طعامه بعض الأدوية المبلدة المزيلة للعقل، والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا تناول الانسان تبلد عقله وقلت فطنته، واعمل أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد، إلا أن الناس قد أكثروا فيه، وخلطوا الصدق بالكذب، والباطل بالحق.
النوع السابع من السحر: تعليق القلب. وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التميز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما شاء، وإن من جرب الأمور وعرف أحوال العالم علم أن لتعلق القلب أثرا عظيما في تنفيذ الاعمال وإخفاء الاسرار.
النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس، فهذا جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه والله أعلم.
المسألة الحادية عشر: في أقوال المسلمين أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا؟ أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة، فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها، ولعلهم كفروا من قال بها وجوز وجودها. وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الانسان حمارا والحمار إنسانا، إلا أنهم قالوا إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره.
واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة أنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادرا، فإن الشئ الذي حكم العقل بأنه مقدوره إنما يصح أن يكون مقدورا له لكونه ممكنا، والامكان قدر مشترك بين كل الممكنات، فإذن كل الممكنات مقدور لله، ولو وجد شئ من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن
يكون ذلك السبب مزيلا لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور، فيكون الحادث سببا لعجز الله، وهو محال. فثبت أنه يستحيل وقوع شئ من الممكنات إلا بقدرة الله، وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة.
قالوا: إذا ثبت هذا النوع فندعي أنه لا يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة، فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه. وأما الاخبار فأحدها ما روي أنه عليه السلام سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال: إنه ليخيل إلي أني أقول الشئ وأفعله ولم أقله ولم أفعله. وإن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وآله ذلك العارض ونزلت المعوذتان بسببه.
وثانيها: أن امرأة أتت عائشة فقالت لها: إني ساحرة، فهل لي من توبة؟
فقالت: وما سحرك؟ فقالت: صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل أتعلم علم السحر، فقالا لي: يا أمة الله! لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت، فقالا لي: اذهبي فبولي على ذلك الرماد، فذهبت لأبول عليه، ففكرت في نفسي فقلت: لا فعلت، وجئت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا لي: ما رأيت لما فعلت، فقلت: ما رأيت شيئا، فقالا لي: أنت على رأس أمرك، فاتقي الله ولا تفعلي، فأبيت، فقالا لي: اذهبي فافعلي، فذهبت ففعلت، فرأيت: كأن فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء، فجئتهما فأخبرتهما، فقالا:
إيمانك قد خرج عنك، فقد أحسنت السحر. فقلت: وما هو؟ قالا: لا تريدين شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان، فصورت في نفسي حبا من حنطة، فإذا أنا بحب فقلت: انزرع، فانزرع، فخرج من ساعته سنبلا، فقلت: انطحن، فانطحن فقلت: انخبز، فانخبز، وأنا لا أريد شيئا أصوره في نفسي إلا حصل، فقالت عائشة ليست لك توبة.
وثالثها: ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب، وهي مشهورة.
أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه: أحدها: قوله تعالى " ولا يفلح الساحر حيث أتى " وثانيها قوله تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وآله " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا " ولو صار صلى الله عليه وآله مسحورا لما استحقوا الذم بسبب هذا القول.
وثالثها أنه لو جاز ذلك من الساحر فكيف يتميز المعجز من السحر؟ ثم قالوا:
هذه الدلائل يقينية، والاخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد، فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل.
المسألة الثانية عشر:
في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور.
اتفق المحققون على ذلك، لان العلم لذاته شريف، وأيضا لعموم قوله تعالى " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " ولان السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، و ما يكون واجبا كيف يصير حراما وقبيحا.
المسألة الثالثة عشر في أن الساحر هل يكفر أم لا؟ اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا؟ روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقهما بقول فقد كفر بما أنزل على محمد. واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن
من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم، وهي الخالقة لما فيه من الحوادث [والخيرات] والشرور فإنه يكون كافرا على الاطلاق، وهذا هو النوع الأول من السحر، وأما النوع الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الانسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل فالأظهر إجماع الأمة أيضا على تكفيره، أما النوع الثالث وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقي وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى في عقب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والقدرة و تغيير البنية والشكل، فهنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك، قالوا:
لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل، وهذا ركيك من القول، فإن لقائل أن يقول: إن الانسان لو ادعى النبوة وكان كاذبا في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة وظهرت هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس، لان المحق يتميز عن المبطل، بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة، وأما سائر الأنواع التي عددناه من السحر فلا شك أنه ليس بكفر.
فان قيل: إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان، قال الله تعالى تنزيها عنه " وما كفر سليمان " وهذا يدل على أن السحر على الاطلاق كفر، وأيضا قال:
" ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " وهذا أيضا يقتضي أن يكون السحر على الاطلاق كفرا. وحكى عن الملكين أنهما لا يعلمان أحدا السحر حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر، وهو يدل على أن السحر كفر على الاطلاق.
قلنا: حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة فنحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم.
ثم قال بعد إيراد المسألة الرابعة عشر في حكم قتل الساحر: فهذا هو
الكلام الكلي في السحر، ولنرجع إلى التفسير:
أما قوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون [الناس] السحر لان ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وتعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر أيضا كفر، ولمن منع ذلك أن يقول: لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، بل المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون السحر.
فان قيل: هذا مشكل لان الله أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان السحر فلو كان تعليم السحر كفرا لزم تكفير الملكين، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون، وأيضا فلأنكم دللتم على أنه ليس كلما يسمى سحرا فهو كفر.
قلنا: اللفظ المشترك لا يكون عاما في جميع مسمياته، فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر، وهو اعتقاد إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات، فهذا السحر كفر، والشياطين إنما كفروا بإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام، وأما الملكان فلا نسلم أنهما إنما علما هذا النوع من السحر، بل لعلهما يعلمان سائر الأنواع على ما قال تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " وأيضا فبتقدير أن يقال إنهما علما هذا النوع إنما يكون كفرا إذا قصد المعلم أن يعتقد المتعلم حقيته وكونه صوابا، فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفرا، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزا عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " وأما الشياطين الذين علموا السحر [الناس] فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء، فظهر الفرق.
المسألة الخامسة عشر: قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد " لكن " و " الشياطين " بالنصب، على أنه اسم لكن، والباقون " لكن " بالتخفيف
و " الشياطين " بالرفع، والمعنى واحد.
أما قوله تعالى " وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " ففيه مسائل الأولى ما في قوله " وما أنزل " فيه وجهان: الأول أنه بمعنى الذي، ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: أولها أنه عطف على السحر، أي يعلمون الناس السحر، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا. وثانيها أنه عطف على قوله " ما تتلوا الشياطين " أي واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، لان السحر منه ما هو كفر وهو الذي تتلوا الشياطين، ومنه ما تأثيره بالتفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين، فكأنه تعالى أخبر عن اليهود بأنهم اتبعوا كلا الامرين ولم يقتصروا على أحدهما. وثالثها أن موضعه جر عطفا على " ملك سليمان " وتقديره: ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين، وهو اختيار أبي مسلم. وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما، واحتج عليه بوجوه: الأول أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى وذلك غير جائز، لان السحر كفر وعبث ولا يليق بالله تعالى إنزال ذلك. الثاني أن قوله " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " يدل على أن تعليم السحر كفر، ولو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل. الثالث كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بالطريق الأولى. الرابع أن السحر لا يضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟! وهل السحر إلا الباطل المموه؟ وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله، كما قال في قصة موسى عليه السلام " ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ".
ثم إنه سلك في تفسير الآية مسلكا آخر يخالف قول أكثر المخالفين، فقال كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرءا عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر، مع أن المنزل عليهما كان مبرءا عن السحر، وذلك لان المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى
الخير وأنهما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما إنما نحن فتنة توكيدا لبعثهم على القبول والتمثل، فكانت طائفة تتمثل وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك " و يتعلمون منهما " أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه، و هذا تقرير مذهب أبي مسلم.
الوجه الثاني: أن يكون " ما " بمعنى الجحد، ويكون معطوفا على قوله " وما كفر سليمان " كأنه قال: لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لان السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، فرد الله عليهم في القولين. وقوله " وما يعلمان من أحد " جحد أيضا، أي لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه أشد النهي، وأما قوله " حتى يقولا إنما نحن فتنة " أي ابتلاء وامتحان " فلا تكفر " فهو كقولك ما أمرت فلانا بكذا حتى قلت له: إن فعلت كذا نالك كذا، أي ما أمرته به، بل حذرته عنه.
واعلم أن هذه الأقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها وذلك لان عطف قوله " وما أنزل " على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل. أما قوله لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى، قلنا: تعريف صفة الشئ قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود، وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه، كما قال الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه قوله ثانيا: إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " فالجواب أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة، وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق. قوله ثالثا: إنه لا يجوز بعثة الأنبياء لتعليم السحر فكذا الملائكة. قلنا: لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله. قوله رابعا: إنما يضاف السحر إلى الكفرة أو المردة فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه؟ قلنا: فرق بين العمل وبين
التعليم، فلم لا يجوز أن يكون العمل به منهيا عنه وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأمورا به.
المسألة الثانية: قرأ الحسن " الملكين " بكسر اللام، وهو مروي أيضا عن الضحاك وابن عباس. ثم اختلقوا، فقال الحسن: كانا عجلين أقلفين ببابل يعلمان الناس السحر، وقيل: كانا رجلين صالحين من الملوك، والقراءة المشهورة بفتح اللام، وهما كانا ملكين نزلا من السماء، وهاروت وماروت اسمان لهما. ثم قيل: هما جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، وقيل: غيرهما، أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه:
أحدها أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر. وثانيها كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله " ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون " وثالثها لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة رجلين أولا يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة رجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلا وتلبيسا وهو غير جائز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانا بل ملكا من الملائكة!
وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " والجواب عن الأول أنا سنبين وجه الحكمة وإنزال الملائكة لتعليم السحر وعن الثاني أن هذه الآية عامة، وقراءة الملكين بفتح اللام متواترة وخاصة، و الخاص يقدم على العام. وعن الثالث أن الله تعالى ينزلهما في صورة رجلين، وكان الواجب على المكلفين في زمان الأنبياء أن لا يقطعوا على من صورته صورة الانسان بكونه إنسانا، كما أن في زمان الرسول صلى الله عليه وآله كان الواجب على من شاهد دحية الكلي أن لا يقطع بكونه من البشر، بل الواجب التوقف فيه.
المسألة الثالثة: إذا قلنا بأنهما كانا من الملائكة فقد اختلفوا في سبب نزولهما، فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فأجابهم الله تعالى بقوله " إني أعلم مالا تعلمون " ثم إن الله وكل عليهم جمعا من الملائكة وهم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت الملائكة منهم، ومن تبقية الله إياهم مع ما يظهر منهم من القبائح، ثم أضافوا إليها
عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علما وزهدا وديانة لانزالهما إلى الأرض، فأختبرهما فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الانس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب، فنزلا فذهب إليهما امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت إلا بعد أن يعبدا الصنم وإلا بعد أن يشربا، فامتنعا أولا ثم غلبت الشهوة عليهما، فأطاعا في كل ذلك، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا فإن أردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل، فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله، فلما فرغا من القتل طلبا المرأة فلم يجداها. ثم إن الملكين عند ذلك ندما وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، وهما معذبات ببابل، معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر.
ثم لهم في الزهرة قولان: أحدهما أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له " الزهرة " وفلكها حتى هبط إلى الأرض إلى أن كان ما كان، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى موضعها من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما. والقول الثاني أن المرأة كانت فاجرة من أهل الأرض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم، ثم علماها الاسم الذي به كانا يعرجان إلى السماء، فتكلمت به وعرجت إلى السماء، وكان اسمها " بيدخت " فمسخها الله تعالى وجعلها هي الزهرة.
واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة، لأنه ليس في كتاب الله ما يدل عليها، بل فيه ما يبطلها من وجوه: الأول ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي. وثانيها: أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب، لان الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره فكيف يبخل عليهما بذلك. وثالثها: أن من أعجب الأمور قولهم إنهما يعلمان الناس السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان
إليه وهما يعاقبان.
ولما ظهر فساد هذا القول فنقول: السبب في إنزالهما وجوه: أحدها أن السحرة كثرت في ذلك الزمان، واستنبطت أبوابا غريبة، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها، فبعث الله تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذبا، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد.
وثانيها: أن العلم بكون المعجزة مخالفا للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة والناس كانوا جاهلين بماهية السحر فلا جرم تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض. وثالثها لا يمتنع أن يقال: السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أولياء الله كان مباحا عندهم أو مندوبا، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض. ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والألفة بين أعداء الله. ورابعها أن تحصيل العلم بكل شئ حسن ولما كان السحر منهيا عنه وجب أن يكون متصورا معلوما، لان الذي لا يكون متصورا امتنع النهي عنه. وخامسها لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الاتيان بمثلها، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على معارضة الجن. وسادسها يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة، فيستوجب به الثواب الزائد، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر.
المسألة الرابعة: قال بعضهم: هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام
لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين، لأنه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول من الملائكة إلى الانس - والله أعلم -.
المسألة الخامسة: " هاروت وماروت " عطف بيان لملكين، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا، وقرأ الزهري " هاروت وماروت " بالرفع: على: هما هاروت وماروت، وأما قوله تعالى " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة " فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال: وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به، وهو قولهما " إنما نحن فتنة " والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي، كقولهم " فتنت الذهب بالنار " إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب. وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر، فالمراد أنهما لا يعلمان أحدا السحر ولا يصفانه لاحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة، فيقولا له " إنما نحن فتنة " أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض فيه أن يتميز السحر من المعجز ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه، أو تتوصل به إلى شئ من الأغراض العاجلة.
أما قوله: " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " ففيه مسائل:
المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين: الأول أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرا وإذا صار كافرا بانت منه امرأته، فيحصل التفريق بينهما. الثاني يفرق بينهما بالتمويه والتخييل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة.
المسألة الثانية: أنه تعالى لم يذكر ذلك لان الذي يتعلمون منهما ليس
إلا هذا القدر لكن هذه الصورة تنبيها على سائر الصور، فإن استنامة المرء إلى زوجه وركونه إليها معروف زائد على كل مودة فنبه بذكر ذلك، على أن السحر إذا ما أمكن به هذا الامر على شدته فغيره به أولى.
أما قوله " وما هم بضارين به من أحد " فإنه يدل على ما ذكرناه، لأنه أطلق الضرر ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه أعلى مراتبه.
أما قوله " بإذن الله " فاعلم أن الاذن حقيقة في الامر، والله لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل، وفيه وجوه:
أحدها قال الحسن: المراد منه التخلية، يعني الساحر إذا سحر إنسانا فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر. وثانيها قال الأصم:
المراد: إلا بعلم الله ، وإنما سمي الأذان أذانا لأنه إعلام الناس وقت الصلاة وسمي الاذن إذنا لان بالحاسة القائمة بذلك يدرك الاذن، وكذلك قوله " و أذان من الله ورسوله إلى الناس " أي إعلام، وقوله " فأذنوا بحرب من الله " معناه فاعلموا، وقوله " فقل آذنتكم " يعني أعلمتكم. وثالثها أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " ورابعها أن يكون المراد بالاذن الامر، وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافرا، والكفر يقتضي التفريق فإن هذا حكم شرعي، وذلك لا يكون إلا بأمر الله.
أما قوله " ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق " ففيه مسائل:
المسألة الأولى إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه: أحدها
أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله. وثانيها أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا. وثالثها أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال، فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال.
المسألة الثانية قال الأكثرون: الخلاق النصيب، قال القفال، يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق معناه التقدير، ومنه خلق الأديم، ومنه يقال: قدر الرجل كذا درهما رزقا على عمل كذا. وقال الآخرون: الخلاق الخلاص، قال أمية بن أبي صلت:
يدعون بالويل فيها لأخ لاق لهم * إلا سرابيل قطران وأغلال بقي في الآية سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله " وقد علموا " ثم نفاه عنهم في قوله " لو كانوا يعلمون " والجواب من وجوه: أحدها: أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه، وهم الذين قال الله في حقهم " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون " وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون، وهذا جواب الأخفش وقطرب. وثانيها لو سلمنا أن القوم واحد [ولكنهم علموا أشياء وجهلوا أشياء أخر علموا أنه ليس لهم في الآخرة خلاق] ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها. وثالثها لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار صما وبكما
وعميا إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس ويقال للرجل في شئ يفعله لكنه لا يضعه موضعه:
صنعت ولم تصنع (انتهى).
وإنما أوردت أكثر كلامهم في هذا المقام مع طوله واشتماله على الزوائد الكثيرة لمناسبة لما سيأتي في بعض الأبواب الآتية، ولتطلع على مذاهبهم الواهية في تلك الأبواب، وسأل شيخنا البهائي - رحمه الله - بعض أخلائه عن قول البيضاوي في تفسير هذه الآية حيث قال " وما روي من أنهما مثلا بشرين وركبت فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها الزهرة فحملتها على المعاصي والشرك، ثم صعدت السماء بما تعلمت منهما، فمحكي عن اليهود، ولعله من رموز الأوائل، وحله لا يخفى على ذوي البصائر " بينوا حتى نصير من ذوي البصائر، فأجاب الشيخ - رحمه الله - بعد أن أورد هذه القصة نحوا مما رواه الرازي في هذه القصة: هي ما رواه قدماء المفسرين من العامة عن ابن عباس، ولم يرتض بهذه الرواية متأخروهم وأطنب الفخر الرازي وغيره في تزييفها، وقال: إنها فاسدة مردودة غير مقبولة لوجوه ثلاثة - إلى آخر ما نقلناه من الوجوه في عرض كلامه - ثم قال: وفي كل من هذه الوجوه نظر، أما الأول فلانه لم يثبت بقاؤهما على العصمة بعد أن مثلهما الله سبحانه بصورة البشر وركب فيهما قوتي الشهوة والغضب وجعلهما كسائر بني آدم كما يظهر من القصة. وأما الثاني فلان التخيير بين التوبة والعذاب وإن كان هو الأصلح بحالهما لكن فعل الأصلح مطلقا غير واجب عليه سبحانه على مذهب هذا المفسر، بل فعل الأصلح الذي من هذا القبيل غير واجب عندنا أيضا، فإنا لا نوجب عليه سبحانه كل ما هو أصلح بحال العبد كما ظنه مخالفونا، وشنعوا علينا بما شنعوا، بل إنما نوجب عليه سبحانه كل أصلح لو لم يفعله كان مناقضا لغرضه كما ذكرته في الحواشي التي علقتها على تفسير البيضاوي، ولعله سبحانه لم يلهمهما التوبة وأغفلهما عنها لمصلحة لا يعلمها إلا هو، فلا بخل منه سبحانه على هذا التقدير.
وأما الثالث فلان التعليم حال التعذيب غير ممتنع، وظني. أن تزييف الفخر
الرازي لهذه الرواية هو الباعث على عدول البيضاوي عن حمل هذه القصة على ظاهرها وتنزيلها على محض الرمز والذي سمعته من والدي - رحمه الله - في حله أنه إشارة إلى أن شخص العالم العامل الكامل المقرب من حظائر القدس قد يوكل إلى نفسه الغرارة ولا يلحقه التوفيق والعناية، فينبذ علمه وراء ظهره، ويقبل على مشتهيات نفسه الخبيثة الخسيسة، ويطوي كشحه عن اللذات الحقيقية، والمراتب العلية، فينحط إلى أسفل سافلين، والشخص الناقص الجاهل المنغمس في الأوزار قد يختلط بذلك الشخص العالم قاصدا بذلك الفساد والفحشاء، فيدركه بذلك التوفيق الإلهي فيستفيد من ذلك العلم ما يضرب بسببه صفحا عن أدناس دار الغرور، وأرجاس عالم الزور، ويرتفع ببركة ما يعلمه عن حضيض الجهل والخسران، إلى أوج العزة والعرفان، فيصير به المتعلم في أرفع درج العلاء، والمعلم في أسفل درك الشقاء. و رأيت في بعض التفاسير أن المراد بالملكين المذكورين الروح والقلب، فإنهما من العالم الروحاني أهبطا إلى العالم الجسماني لإقامة الحق، فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا، ووقعا في شبكة الشهوة، فشربا خمر الغفلة، وزنيا ببغي الدنيا، وعبدا صنم الهوى، وقتلا نفسهما بحرمانهما من النعيم الباقي، فاستحقا أليم النكال، وقطيع العذاب. هذا وهذه القصة كما رواها علماء العامة عن ابن عباس فقد رواها علماؤنا رضوان الله عليهم عن الامام أبي جعفر الباقر عليه السلام وذكرها الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في مجمع البيان لكن بين ما رواه العامة وما رواه أصحابنا اختلاف يسير فإن الرواية التي رواها أصحابنا ليس فيها أنهما يعلمان الناس السحر في وقت تعذيبهما، بل هي صريحة في أن التعليم كان قبل التعذيب، وكذلك ليس فيها أن تلك المرأة تعلمت منهما الاسم الأعظم وصعدت ببركته إلى السماء. والحاصل أن هذه القصة مروية من طرقنا ومن طرق العامة معا، وليس من جملة الحكايات الغير المسندة، كما يظهر من كلام الفاضل الدواني في شرح العقائد العضدية حيث قال:
إن هذه القصة ليست في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ما يدل على صدقها. ثم إنه
استدل على أنه من جملة الأكاذيب بأن تمكن تلك المرأة من الصعود إلى السماء بما تعلمته من الملكين أعني الاسم الأعظم وعدم تمكنهما من ذلك مع علمهما به غير معقول. ولا يخفى أن دليله هذا إنما يتم لو ثبت أنه - جل اسمه - لم ينسهما الاسم الأعظم بعد اقترافهما تلك الكبائر العظيمة، واستحقاقهما الطرد والخذلان ودون ثبوته خرط القتاد (انتهى كلامه رحمه الله).
" لن يستنكف " أي لم يأنف، ولم يمتنع المسيح " أن يكون " أي من أن يكون " عبدا لله، ولا الملائكة المقربون " أي ولاهم يستكبرون من الاقرار بعبودية الله سبحانه. قال الطبرسي - رحمه الله -: استدل بهذه الآية من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء، قالوا: إن تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لان العادة لم تجر بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ولا الحارس، بل يقدم الأدون ويؤخر الأعظم، فيقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا ولا السلطان. وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا: إنما أخر ذكر الملائكة لان جميع الملائكة أفضل وأكثر ثوابا من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كل واحد منهم أفضل منه وإنما الخلاف في ذلك، وأيضا فإنا وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة فإنا نقول مع قولنا بالتفاوت أنه لا تفاوت كثيرا في الفضل بينهما ومع التقارب والتداني يحسن أن يقدم ذكر الأفضل، ألا ترى أنه يحسن أن يقال :
ما يستنكف الأمير فلان ولا الأمير فلان، إذا كانا متساويين في المنزلة أو متقاربين وقال البيضاوي: لعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير لا باعتبار التكبير، كقولك أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس.
" إن الذين عند ربك " أي مطلق الملائكة أو المقربين منهم " وله يسجدون " أي يخضعون بالعبادة أو التذلل " ولا يشركون " به غيره.
" ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض " قال البيضاوي: أي ينقاد انقيادا يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا، ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض، وقوله " من دابة " بيان لهما، لان الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، والملائكة عطف على المبين به عطف جبرئيل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة، أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السماوات، وتعيين له إجلالا وتعظيما، والمراد بهما ملائكتهما من الحفظة و غيرهم، و " ما " لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق " من " تغليبا للعقلاء " وهم لا يستكبرون عن عبادته يخافون ربهم من فوقهم " يخافون أن يرسل عذابا من فوقهم أو يخافونه وهم فوقهم بالقهر وقوله " وهو القاهر فوق عباده " والجملة حال من الضمير في " لا يستكبرون " أو بيان له وتقرير، لان من خاف الله لم يستكبر عن عبادته " ويفعلون ما يؤمرون " من الطاعة والتدبير، وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. وقال في قوله " وما نتنزل إلا بأمر ربك " حكاية قول جبرئيل حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وآله لما سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما وقيل أربعين، حتى قال المشركون: ودعه ربه وقلاه، ثم نزل تبيان ذلك، والتنزل النزول على مهل، لأنه مطاوع نزل، وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل بمعنى أنزل والمعنى: وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته " له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك " وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا تنتقل من مكان إلى مكان أو لا تنزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيته
" وما كان ربك نسيا " أي تاركا لك، أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الامر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة رآها فيه " ولا يستحسرون " أي لا يعبؤون منها " لا يفترون " حال من الواو في يسبحون ".
" وقالوا اتخذ الرحمن ولدا " نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، تنزيه له عن ذلك " بل عباد " أي بل هم عباد من حيث هم مخلوقون، و ليسوا بأولاد " مكرمون " مقربون. " لا يسبقونه بالقول " لا يقولون شيئا حتى يقوله كما هو ديدن العبيد المقربين " وهم بأمره يعملون " ولا يعملون قط ما لم يأمرهم به " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، " لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا أو هو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده، فإنه لاحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم " وهم من خشيته " من عظمته ومهابته " مشفقون " مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء، والاشفاق خوف مع اعتناء فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس.
" ومن يقل منهم " أي من الملائكة أو من الخلائق " كذلك نجزي الظالمين " أي من ظلم بالاشراك وادعاء الربوبية، وعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الملائكة لا ينافي عصمتهم، فإن الفرض لا ينافي امتناع الوقوع، كقوله تعالى " لئن أشركت ليحبطن عملك ".
" عليها " أي على النار " ملائكة " يلي أمرها وهم الزبانية " غلاظ شداد " غلاظ الأقوال، شداد الأفعال، أو غلاظ الخلق، شداد الخلق، أقوياء على الأفعال الشديدة " لا يعصون الله ما أمرهم " فيما مضى " ويفعلون ما يؤمرون " فيما يستقبل أولا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها، ويؤدون ما يؤمرون به.
قال الطبرسي - رحمه الله -: في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه، وقال الجبائي: إنما عنى أنهم لا يعصونه ويفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا، لان الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء [المؤمنين] وإنما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرورهم ولذاتهم في الجنة (انتهى).
وأقول: كون الآخرة دار جزاء الملائكة غير معلوم، وإنما المعلوم أنها دار جزاء الانس، فلا ينافي كون الملائكة مكلفين فيها، بل يمكن أن يكون جزاؤهم مقارنا لأفعالهم من حصول اللذات الحقيقية، ورفع الدرجات الصورية والمعنوية، بل أصل خدماتهم وجزاؤهم كما ورد أن طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس. وقال الشيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب المقالات: أقول: إن الملائكة مكلفون وموعودون ومتوعدون، قال الله تبارك وتعالى " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " وأقول: إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار، وعلى هذا القول جمهور الامامية وسائر المعتزلة و أكثر المرجئة وجماعة من أصحاب الحديث، وقد أنكر قوم من الامامية أن تكون الملائكة مكلفين، وزعموا أنهم إلى الاعمال مضطرون، ووافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث.
1 - العلل: عن محمد بن علي بن بشار القزويني، عن المظفر بن أحمد القزويني قال: سمعت أبا الحسين محمد بن جعفر الأسدي الكوفي، يقول في سهيل والزهرة:
[إنهما] دابتان من دواب البحر المطيف بالدنيا في موضع لا تبلغه سفينة، ولا تعمل فيه حيلة، وهما المسخان المذكوران في أصناف المسوخ، ويغلط من يزعم أنهما
الكوكبان ولو كانا ملكين لعصما فلم يعصيا، وإنما سماهما الله عز وجل في كتابه ملكين بمعنى أنهما خلقا ليكونا ملكين، كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله " إنك ميت وإنهم ميتون " بمعنى ستكون ميتا ويكونون موتى.
بيان: المطيف بالدنيا على بناء الأفعال أي المحيط، يقال: فلان يرشح للوزارة أي يربى ويؤهل لها. ثم إن هذا الكلام إن كان قاله الأسدي من قبل نفسه فيرد عليه أن الملائكة ليست أمرا تحصل لذات بعد أن لم تكن، بل الظاهر أنها من الحقائق التي لا تنفك كالانسانية والحيوانية، إلا أن يكون مراده أنهما لم يكونا من الملائكة، بل كانا مما يصلحان ظاهرا أن يخلطا بالملائكة كالشيطان.
2 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن علي ابن رئاب، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأله عطا - ونحن بمكة - عن هاروت وماروت، فقال أبو جعفر عليه السلام: إن الملائكة كانوا ينزلون من السماء إلى الأرض في كل يوم وليلة، يحفظون أعمال أوساط أهل الأرض من ولد آدم و الجن، فيكتبون أعمالهم ويعرجون بها إلى السماء، قال: فضج أهل السماء من معاصي أهل أوساط الأرض، فتوامزوا فيما بينهم مما يسمعون ويرون من افترائهم الكذب على الله تبارك وتعالى وجرأتهم عليه ونزهوا الله مما يقول فيه خلقه ويصفون فقالت طائفة من الملائكة: يا ربنا ما تغضب مما يعمل خلقك في أرضك وما يصفون فيك الكذب ويقولون الزور ويرتكبون المعاصي وقد نهيتهم عنها، ثم أنت تحلم عنهم وهم في قبضتك وقدرتك وخلال عافيتك، قال أبو جعفر عليه السلام: فأحب الله أن يري الملائكة القدرة ونافذ أمره في جميع خلقه، ويعرف الملائكة ما من به عليهم
مما عدله عنهم من صنع خلقه، وما طبعهم عليه من الطاعة، وعصمهم به من الذنوب. قال: فأوحى الله إلى الملائكة أن انتدبوا منكم ملكين حتى أهبطهما إلى الأرض ثم أجعل فيهما من طبائع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والأمل مثل ما جعلته في ولد آدم، ثم أختبرهما في الطاعة لي قال: فندبوا لذلك هاروت وماروت، وكانا أشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم واستئثار غضب الله عليهم. قال: فأوحى الله إليهما أن اهبطا إلى الأرض، فقد جعلت فيكما من طبائع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والأمل مثل ما جعلت في ولد آدم. قال:
ثم أوحى الله إليهما انظرا أن لا تشركا بي شيئا، ولا تقتلا النفس التي حرم الله، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال: ثم كشط عن السماوات السبع ليريهما قدرته، ثم أهبطهما إلى الأرض في صورة البشر ولباسهم، فهبطا ناحية بابل، فرفع لهما بناء مشرف فأقبلا نحوه، فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء مزينة معطرة [مسفرة] مقبلة نحوهما، قال: فلما نظرا إليها وناطقاها وتأملاها وقعت في قلوبهما موقعا شديدا لموضع الشهوة التي جعلت فيهما، فرجعا إليها رجوع فتنة وخذلان وراوداها عن نفسها. فقالت لهما: إن لي دينا أدين به، وليس أقدر في ديني على أن أجيبكما إلى ما تريدان إلا أن تدخلا في ديني الذي أدين به، فقالا لها: وما دينك؟ قالت:
لي إله من عبده وسجد له كان لي السبيل إلى أن أجيبه إلى كل ما سألني، فقالا لها: وما إلهك؟ قالت: إلهي هذا الصنم، قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال:
هاتان خصلتان مما نهينا عنهما: الشرك، والزنا، لأنا إن سجدنا لهذا الصنم و عبدناه أشركنا بالله، وإنما نشرك بالله لنصل إلى الزنا، وهو ذا نحن نطلب الزنا فليس نعطى إلا بالشرك. قال: فائتمرا بينهما، فغلبتهما الشهوة التي جعلت فيهما
فقالا لها: نجيبك إلى ما سألت، فقالت: فدونكما، فاشربا هذه الخمر فإنه قربان لكما، وبه تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا: هذه ثلاث خصال مما نهانا ربنا عنها: الشرك، والزنا، وشرب الخمر، وإنما ندخل في شرب الخمر و الشرك حتى نصل إلى الزنا، فائتمرا بينهما، فقالا: ما أعظم البلية بك! قد أجبناك إلى ما سألت، قالت: فدونكما فاشربا من هذه الخمر، واعبدا هذا الصنم، واسجدا له فشربا الخمر، وعبدا الصنم، ثم راوداهما عن نفسها، فلما تهيأت لهما وتهيئا لها دخل عليهما سائل يسأل [هذه] فلما أن رآهما ورأياه ذعرا منه فقال لهما: إنكما نابان ذعران، قد خلوتما بهذه المرأة المعطرة الحسناء، إنكما لرجلا سوء، و خرج عنهما. فقالت لهما: لا وإلهي ما تصلان الآن إلي وقد اطلع هذا الرجل على حالكما وعرف مكانكما، ويخرج الآن ويخبر بخبركما، ولكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل أن يفضحكما ويفضحني ثم دونكما، فاقضيا حاجتكما و أنتما مطمئنان آمنان قال: فقاما إلى الرجل فأدركاه فقتلاه ثم رجعا إليها، فلم يرياها وبدت لهما سوآتهما ونزع عنهما رياشهما وأسقطا في أيديهما، قال: فأوحى الله إليهما أن أهبطتكما إلى الأرض مع خلقي ساعة من النهار فعصيتماني بأربع من معاصي كلها قد نهيتكما عنها وتقدمت إليكما فيها فلم تراقباني ولم تستحييا مني وقد كنتما أشد من نقم على أهل الأرض المعاصي واستجر أسفي وغضبي عليهم لما جعلت فيكما من طبع خلقي وعصمتي إياكما من المعاصي، فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما؟ اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقال أحدهما لصاحبه:
نتمتع من شهواتنا في الدنيا إذ صرنا إليها إلى أن نصير إلى عذاب الآخرة. فقال الآخر: إن عذاب الدنيا له مدة وانقطاع، وعذاب الآخرة دائم لا انقطاع له فلسنا نختار عذاب الآخرة الدائم الشديد على عذاب الدنيا المنقطع الفاني. قال:
فاختارا عذاب الدنيا، فكانا يعلمان الناس السحر في أرض بابل، ثم لما علما الناس
السحر رفعا من الأرض إلى الهواء، فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة.
العياشي: عن محمد بن قيس مثله.
بيان: " أن انتدبوا " في بعض النسخ " أن اندبوا " وهو أصوب، إذ الظاهر من كلام أكثر اللغويين أن الانتداب لازم، قال الجوهري: ندبه إلى الامر فانتدب أي دعاه فأجاب. ونحوه قال الفيروزآبادي، لكن قال في المصباح المنير انتدبته في الامر فانتدب يستعمل لازما ومتعديا، وقال: كشطت البعير كشطا من باب ضرب [مثل] سلخت الشاة إذا نحيت جلده، وكشطت الشئ كشطا نحيته وقال الفيروزآبادي: الكشط رفعك الشئ عن الشئ قد غشاه، وإذا السماء كشطت قلعت كما يقلع السقف، وكشط الجل عن الفرس كشفه. وفي النهاية:
فيه يراود عمه على الاسلام أي يراجعه ويراوده. وفي القاموس: سقط في يده و أسقط - مضمومتين - ذل وأخطأ، أو ندم وتحير. وقال: نكسه: قلبه على رأسه كنكسه (انتهى) وأقول: يمكن حمل الخبر على التقية بقرينة كون السائل من علماء العامة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.