بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
ج ۵۵، ص ۳۱–۳۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
بالكرسي والعرش هنا نوعان من علمه سبحانه، فالكرسي العلم المتعلق بأعيان الموجودات، ومنه يطلع ويظهر جميع الموجودات بحقائقها وأعيانها، والأمور البديعة في السماوات والأرض وما بينهما، والعرش العلم المتعلق بكيفيات الأشياء ومقاديرها وأحوالها وبدئها وعودها، ويمكن أن يكون أحدهما عبارة عن كتاب المحو والاثبات، والآخر عن اللوح المحفوظ. قوله عليه السلام (لان علم الكيفوفية) أي إنهما إنما صارا جارين مقرونين لان أحدهما عبارة عن العلم المتعلق بالأعيان والآخر عن العلم المتعلق بكيفيات تلك الأعيان فهما مقرونان، ومن تلك الجهة صح جعل كل منها ظرفا للآخر، لان الأعيان لما كانت محال للكيفيات فهي ظروفها وأوسع منها، ولما كانت الكيفيات محيطة بالأعيان فكأنها ظرفها وأوسع منها وبهذا الوجه يمكن الجمع بين الاخبار ولعله أشير إلى هذا بقوله (أحدهما جعل صاحبه في الظرف) بالظاء المعجمة أي بحسب الظرفية، وفي بعض النسخ بالمهملة أي حيث ينتهي طرف أحدهما بصاحبه إذا قرئ بالتحريك، وإذا قرئ بالسكون فالمراد نظر القلب. (وبمثل صرف العلماء) أي علماء أهل البيت عليهم السلام عبروا عن هذه الأمور بالعبارات المتصرفة المتنوعة على سبيل التمثيل والتشبيه، فتارة عبروا عن العلم بالعرش، وتارة بالكرسي، وتارة جعلوا العرش وعاء الكرسي، وتارة بالعكس، وتارة أرادوا بالعرش والكرسي الجسمين العظيمين، وإنما عبروا بالتمثيل ليستدلوا على صدق دعواهما، أي دعواهم لهما، وما ينسبون إليهما و يبينون من غرائبهما وأسرارهما، وفي أكثر النسخ (وليستدلوا) فهو عطف على مقدر أي لتفهيم أصناف الخلق وليستدلوا، ولعل الأظهر (دعواهم).
قوله عليه السلام (فمن اختلاف صفات العرش) أي معانيه قال في سورة الأنبياء (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) فالمراد بالعرش هنا عرش الوحدانية، إذ هي أنسب بمقام التنزيه عن الشريك، إذا المذكور قبل ذلك (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون * لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون، وقال سبحانه في سورة الزخرف (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين
سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون) والمناسب هنا عرش التقدس والتنزه عن الأشباه والأمثال والأولاد، فالعرش في كل مقام يراد به معنى يعلمه الراسخون في العلم. ثم إنه ظاهر الكلام يوهم أن الظرف في قوله (عما يصفون) متعلق بالعرش وهو بعيد، بل الظاهر تعلقه بسبحان، وعلى ما قررنا عرفت أنه لا حاجة إلى ارتكاب ذلك، ويدل الخبر على أن خطاب (وما أوتيتم) متوجه إلى السائلين عن الروح وأضرابهم لا إلى النبي صلى الله عليه وآله قوله عليه السلام (من ظاهر علمه) إنما خص بالظاهر لان باطن علمه لا يطيقه سائر الخلق سوى أوصيائه عليهم السلام.
واعلم أن هذا الخبر من المتشابهات، وغوامض المخبيات، والظاهر أنه وقع من الرواة والنساخ لعدم فهمهم معناه تصحيفات وتحريفات أيضا، فلذا أجملت الكلام فيه، وما ذكرته إنما هو على سبيل الاحتمال، والله يعلم وحججه حقائق كلامهم عليهم السلام.
52 - العياشي: عن الأصبغ، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله (وسع كرسيه السماوات والأرض) فقال: إن السماء والأرض وما فيهما من خلق مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله.
53 - تفسير العسكري: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله لما خلق العرش خلق له ثلاثمائة وستين ألف ركن، وخلق عند كل ركن ثلاثمائة وستين ألف ملك، لو أذن الله تعالى لأصغرهم فالتقم السماوات السبع والأرضين السبع ما كان ذلك بين لهواته إلا كالرملة في المفازة الفضفاضة! فقال لهم الله: يا عبادي احتملوا عرشي هذا، فتعاطوه فلم يطيقوا حمله ولا تحريكه، فخلق الله عز وجل مع كل واحد منهم واحدا فلم يقدروا أن يزعزعوه، فخلق الله مع كل واحد منهم عشرة فلم يقدروا أن يحركوه، فخلق الله بعدد كل واحد منهم مثل جماعتهم فلم يقدروا أن يحركوه، فقال الله عز وجل لجميعهم: خلوه علي امسكه بقدرتي، فخلوه فأمسكه الله عز وجل بقدرته، ثم قال لثمانية منهم: احملوه أنتم. فقالوا: يا ربنا
لم نطقه نحن وهذا الخلق الكثير والجم الغفير، فكيف نطيقه الآن دونهم؟! فقال الله عز وجل: لأني أنا الله المقرب للبعيد، والمذلل للعبيد، والمخفف للشديد والمسهل للعسير، أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، أعلمكم كلمات تقولونها يخف بها عليكم. قالوا: وما هي؟ قال: تقولون (بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله الطيبين) فقالوها فحملوه، و خف على كواهلهم كشعرة نابتة على كاهل رجل جلد قوي. فقال الله عز وجل لسائر تلك الاملاك: خلوا على هؤلاء الثمانية عرشي ليحملوه، وطوفوا أنتم حوله وسبحوني ومجدوني وقدسوني، فأنا الله القادر [المطلق] على ما رأيتم وعلى كل شئ قدير.
بيان: (الفضفاضة) الواسعة ذكره الجوهري، وقال: الجلد الصلابة و الجلادة، تقول منه جلد الرجل بالضم فهو جلد.
54 - روضة الواعظين: روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أنه قال: في العرش تمثال ما خلق الله من البر والبحر قال: وهذا تأويل قوله (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) وإن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسيرة ألف عام، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة، وإن لله تعالى ملكا يقال له (خرقائيل) له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، فخطر له خاطر: هل فوق العرش شئ؟ فزاده الله تعالى مثلها أجنحة أخرى، فكان له ست وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه: أيها الملك طر، فطار مقدار عشرين ألف عام لم ينل رأس قائمة من قوائم العرش، ثم ضاعف الله له في الجناح والقوة
وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف عم لم ينل أيضا، فأوحى الله إليه: أيها الملك! لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ إلى ساق عرشي (1)!
فقال الملك (سبحان ربي الأعلى) فأنزل الله عز وجل (سبح اسم ربك الأعلى) فقال النبي صلى الله عليه وآله: اجعلوها في سجودكم.
55 - وروي من طريق المخالفين في قوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قال: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله، لكل ملك منهم أربعة وجوه لهم قرون كقرون الوعلة، من أصول القرون إلى منتهاها مسيرة خمسمائة عام، و العرش على قرونهم، وأقدامهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم في السماء العليا، و دون العرش سبعون حجابا من نور.
بيان: قال الجزري: الوعول تيوس الجبل، واحدها وعل بكسر العين، و منه الحديث في تفسير قوله تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قيل:
هي ثمانية أوعال، أي ملائكة على صورة الأوعال.
56 - تأويل الآيات الظاهرة: نقلا من كتاب محمد بن العباس بن ماهيار عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن الحسين العلوي، عن محمد بن حاتم، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في قوله تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله) قال: يعني محمدا، وعليا، والحسن، والحسين ونوحا، وإبراهم، وموسى، وعيسى عليهم السلام.
57 - الاختصاص: عن ابن عباس، قال: سأل ابن سلام النبي صلى الله عليه وآله فكان فيما سأله: ما الستة عشر؟ وما الثمانية عشر؟ قال: ستة عشر صفا من الملائكة حافين من حول العرش، وذلك قوله (حافين من حول العرش) وأما الثمانية عشر فثمانية عشر حجابا من نور معلق بين الكرسي والحجب، ولولا ذلك لذابت
صم الجبال الشوامخ، واحترقت الجن والإنس من نور الله. قال: صدقت يا محمد.
58 - في بعض الكتب عن علي بن الحسين عليهما السلام: إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله.
59 - المتهجد: في دعاء ليلة الجمعة: اللهم رب النور العظيم ورب الكرسي الواسع، ورب العرش العظيم، ورب البحر المسجور (الدعاء).
60 - وفي تعقيب صلاة أمير المؤمنين عليه السلام: وأسألك باسمك الذي خلقت به عرشك الذي لا يعلم ما هو إلا أنت - إلى قوله - وأسألك يا الله باسمك الذي تضعضع به سكان سماواتك، واستقر به عرشك - إلى قوله - وأسألك باسمك الذي أقمت به عرشك وكرسيك في الهواء - إلى قوله - وأسألك باسمك الذي دعاك به حملة عرشك فاستقرت أقدامهم، وحملتهم عرشك بدلك الاسم يا الله الذي لا يعلمه ملك مقرب ولا حامل عرشك ولا كرسيك إلا من علمته ذلك.
61 - بيان التنزيل لابن شهرآشوب عن الصادق عليه السلام: إن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير عشرة آلاف عام.
تحقيق وتوفيق: اعلم أن ملوك الدنيا لما كان ظهورهم وإجراء أحكامهم على رعيتهم إنما يكون عند صعودهم على كرسي الملك وعروجهم على عرش السلطنة ومنهما تظهر آثارهم وتتبين أسرارهم، والله سبحانه لتقدسه عن المكان لا يوصف بمحل ولا مقر وليس له عرش ولا كرسي يستقر عليهما، بل يطلقان على أشياء من مخلوقاته أو صفاته الكمالية على وجه المناسبة، فالكرسي والعرش يطلقان على معان:
أحدها جسمان عظيمان خلقهما الله تعالى فوق سبع سماوات، وظاهر أكثر الاخبار أن العرش أرفع وأعظم من الكرسي، ويلوح من بعضها العكس، والحكماء يزعمون أن الكرسي هو الفلك الثامن، والعرش هو الفلك التاسع، وظواهر الاخبار تدل على خلاف ذلك من كونهما مربعين ذاتي قوائم وأركان، وربما يؤولان بالجهات والحدود والصفات التي بها استحقا التعظيم والتكريم، ولا حاجة لنا إلى هذه التكلفات، وإنما سميا بالاسمين لبروز أحكامه وتقديراته من عندهما، وإحاطة الكروبيين والمقربين وأرواح النبيين والأوصياء بهما، وعروج من قربه من جنابه إليهما، كما أن أوامر الملوك وأحكامهم وآثار سلطنتهم وعظمتهم تبدو منهما، و تطيف مقربوا جنابهم وخواص ملكهم بهما، وأيضا لما كانا أعظم مخلوقاته الجسمانية وفيهما من الأنوار العجيبة والآثار الغريبة ما ليس في غيرهما من الأجسام فدلالتهما على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته سبحانه أكثر من سائر الأجسام، فلذا خصا بهذين الاسمين من بينهما، وحملتهما في الدنيا جماعة من الملائكة كما عرفت، وفي الآخرة إما الملائكة أو أولوا العزم من الأنبياء مع صفوة الأوصياء عليهم السلام كما عرفت، و
يمكن أن يكون نسبة الحمل إليهم مجازا لقيام العرش بهم في القيامة وكونهم الحكام عنده والمقر بين لديه.
وثانيها: العلم كما عرفت إطلاقهما في كثير من الاخبار عليه وقد مر الفرق بينهما في خبر معاني الأخبار وغيره، وذلك أيضا لان منشأ ظهوره سبحانه على خلقه العلم والمعرفة، وبه يتجلى على العباد، فكأنه عرشه وكرسيه سبحانه وحملتهما نبينا وأئمتنا عليهم السلام لأنهم خزان علم الله في سمائه وأرضه لا سيما ما يتعلق بمعرفته سبحانه.
وثالثها الملك، وقد مر إطلاقهما عليه في خبر (حنان) والوجه ما مر أيضا.
ورابعها: الجسم المحيط وجميع ما في جوفه أو جميع خلق الله كما ذكره الصدوق - ره - ويستفاد من بعض الأخبار، إذ ما من شئ في الأرض ولا في السماء وما فوقها إلا وهي من آيات وجوده وعلامات قدرته، وآثار وجوده وفيضه وحكمته فجميع المخلوقات عرش عظمته وجلاله، وبها تجلى على العارفين بصفات كماله وهذا أحد المعاني التي خطرت ببالي الفاتر في قولهم عليهم السلام (وارتفع فوق كل منظر) فتدبر.
وخامسها: إطلاق العرش على كل صفة من صفاته الكمالية والجلالية إذ كل منها مستقر لعظمته وجلاله، وبها يظهر لعباده على قدر قابليتهم ومعرفتهم فله عرش العلم، وعرش القدرة، وعرش الرحمانية، وعرش الرحيمية، وعرش الوحدانية، وعرش التنزه كما مر في خبر حنان وغيره. وقد أول لوالده - ره - الخبر الذي ورد في تفسير قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) أن المعنى:
استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ، أن المراد بالعرش هنا عرش الرحمانية والظرف حال أي الرب سبحانه حال كونه على عرش الرحمانية استوى من كل شئ، إذ بالنظر إلى الرحيمية التي هي عبارة عن الهدايات والرحمات الخاصة بالمؤمنين أقرب، أو المراد أنه تعالى بسبب صفة الرحمانية حال كونه على عرش الملك والعظمة والجلال استوى نسبته إلى كل شئ، وحينئذ فائدة التقييد بالحال نفي
توهم أن هذا الاستواء مما ينقص من عظمته وجلاله شيئا.
وسادسها إطلاق العرش على قلب الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وكمل المؤمنين فإن قلوبهم مستقر محبته ومعرفته سبحانه، كما روي أن قلب المؤمن عرش الرحمن وروي أيضا في الحديث القدسي (لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن).
ثم اعلم أن إطلاقهما على بعض المعاني عند التصريح به أو إقامة القرائن عليه لا ينافي وجوب الاذعان بالمعنى الأول الذي هو الظاهر من أكثر الآيات والاخبار، والله المطلع على الاسرار.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.