بحارالانوار · المجلد الثالث عشر
باب ذكر بناء مسجد جمكران، بأمر الإمام المهدي عليه صلوات الله الرحمن وعلى آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدس في جمكران بأمر الإمام عليه السلام على ما أخبر به
ج ۵۳، ص ۳۱۵–۳۳۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
ثم التفت إلي بوجهه الشريف، ووقف متبسما وقال: أنت إذا وصلت إلى السلام على الإمام العسكري ما تقول؟ فقلت: أقول: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان، قال: فدخل الروضة الشريفة، ووقف على قبر الإمام موسى عليه السلام والقبلة بين كتفيه.
فوقفت إلى جنبه، وقلت: يا سيدنا زر حتى أزور معك، فبدأ عليه السلام بزيارة أمين الله الجامعة المعروفة فزار بها وأنا أتابعه، ثم زار مولانا الجواد عليه السلام، ودخل القبة الثانية قبة محمد بن علي عليهما السلام ووقف يصلي فوقفت إلى جنبه متأخرا عنه قليلا، احتراما له، ودخلت في صلاة الزيارة فخطر ببالي أن أسأله أن يبات معي تلك الليلة لأتشرف بضيافته وخدمته، ورفعت بصري إلى جهته، وهو بجنبي متقدما علي قليلا فلم أره.
فخففت صلاتي، وقمت وجعلت أتصفح وجوه المصلين والزوار لعلي أصل إلى خدمته، حتى لم يبق مكان في الروضة والرواق إلا ونظرت فيه، فلم أر له أثرا أبدا، ثم انتبهت وجعلت أتأسف على عدم التنبه لما شاهدته من كراماته وآياته من انقيادي لأمره [مع] ما كان لي من الأمر المهم في بغداد، ومن تسميته إياي مع أني لم أكن رأيته ولا عرفته، ولما خطر في قلبي أن أدفع إليه شيئا من حق الإمام عليه السلام وذكرت له أني راجعت في ذلك المجتهد الفلاني لأدفع إلى السادة باذنه، قال لي ابتداء منه: نعم وأوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف.
ثم تذكرت أني مشيت معه بجنب نهر جار تحت أشجار مزهرة متدلية على رؤوسنا، وأين طريق بغداد وظل الأشجار الزاهرة في ذلك التاريخ، وذكرت أيضا أنه سمى خليطي في سفر زيارة مولانا الرضا باسمه، ووصفه بالعبد الصالح، وبشرني
بقبول زيارته وزيارتي ثم إنه أعرض بوجهه الشريف عند سؤالي إياه عن حال جماعة من أهل بغداد من السوقة كانوا معنا في طريق الزيارة، وكنت أعرفهم بسوء العمل، مع أنه ليس من أهل بغداد، ولا كان مطلعا على أحوالهم لولا أنه من أهل بيت النبوة والولاية، ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.
ومما أفادني اليقين بأنه المهدي عليه السلام أنه لما سلم على أهل العصمة عليهم السلام في مقام طلب الاذن، ووصل السلام إلى مولانا الإمام العسكري، التفت إلي وقال لي: أنت ما تقول إذا وصلت إلى هنا؟ فقلت: أقول: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان، فتبسم ودخل الروضة المقدسة ثم افتقادي إياه وهو في صلاة الزيارة لما عزمت على تكليفه بأن أقوم بخدمته وضيافته تلك الليلة، إلى غير ذلك مما أفادني القطع بأنه هو الإمام الثاني عشر صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين والحمد لله رب العالمين.
وينبغي أن يعلم أن هذا الرجل والرجل المتقدم ذكره في القصة السابقة هما من السوقة، وقد حدثاني بهذين الحديثين باللغة المصحفة التي هي لسان أهل هذا الزمان، فاللفظ مني، مع المحافظة التامة على المعنى، فهو حديث بالمعنى وكتب أقل أهل العلم: محمد بن أحمد بن الحسن الحسيني الكاظمي مسكنا.
قلت: ثم سألته أيده الله تعالى عن اسمه وحدثني غيره أيضا أن اسمه الحاج علي البغدادي وهو من التجار وأغلب تجارته في طرف جدة ومكة وما والاها، بطريق المكاتبة، وحدثني جماعة من أهل العلم والتقوى من سكنة بلدة الكاظم عليه السلام بأن الرجل من أهل الصلاح والديانة والورع، والمواظبين على أداء الأخماس والحقوق وهو في هذا التاريخ طاعن في السن أحسن الله عاقبته.
* (فائدتان مهمتان) * * (الأولى) * روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الحسن بن أحمد المكتب والطبرسي في الاحتجاج مرسلا أنه خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري:
يا علي بن محمد السمري اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وما بين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد الأمد، وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار والجواب عنه من وجوه:
الأول: أنه خبر واحد مرسل، غير موجب علما، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره عليه السلام، فكيف يجوز الاعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله، وهو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه، فكيف بغيره والعلماء الأعلام تلقوها بالقبول، وذكروها في زبرهم وتصانيفهم، معولين عليها معتنين بها.
الثاني: ما ذكره في البحار بعد ذكر الخبر المزبور ما لفظه: لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة، وإيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء لئلا ينافي الأخبار التي مضت وسيأتي فيمن رآه عليه السلام والله يعلم.
الثالث: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل المازندراني: فقلت للسيد شمس الدين محمد وهو العقب السادس من أولاده عليه السلام: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر عليه السلام أنه قال: لما امر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت إنه عليه السلام إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته، وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى أن الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدث بذكره، وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائية عنهم، وعن ظلمهم وعنائهم، الحكاية.
وهذا الوجه كما ترى يجري في كثير من بلاد أوليائه عليهم السلام.
الرابع: ما ذكره العلامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات المشهورة الصادرة منه عليه السلام في حقه ما لفظه: وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى، مع جهالة المبلغ، ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه باظهاره لهم، وأن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام عليه السلام ويعلم أنه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك.
وقال رحمه الله في فوائده في مسألة الاجماع بعد اشتراط دخول كل من
لا نعرفه: وربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام عليه السلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عليه السلام فيبرزه في صورة الاجماع، جمعا بين الأمر باظهار الحق والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق، انتهى.
ويمكن أن يكون نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي.
الخامس: ما ذكره رحمه الله فيه أيضا بقوله: وقد يمنع أيضا امتناعه في شأن الخواص وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار.
ولعل مراده بالآثار الوقائع المذكورة هنا وفي البحار أو خصوص ما رواه الكليني في الكافي والنعماني في غيبته والشيخ في غيبته بأسانيدهم المعتبرة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، وما بثلاثين من وحشة.
وظاهر الخبر كما صرح به شراح الأحاديث أنه عليه السلام يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، وقيل: إن المراد أنه على هيئة من سنه ثلاثون أبدا وما في هذا السن وحشة وهذا المعنى بمكان من البعد والغرابة، وهذه الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام عليه السلام في غيبته لا بد أن يتبادلوا في كل قرن إذ لم يقدر لهم من العمر ما قدر لسيدهم عليه السلام ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمنا وليا يتشرفون بلقائه.
وفي خبر علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي المروي في إكمال الدين وغيبة الشيخ ومسند فاطمة عليها السلام لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري وفي لفظ الأخير أنه قال له الفتى الذي لقيه عند باب الكعبة، وأوصله إلى الإمام عليه السلام: ما الذي تريد يا أبا الحسن؟ قال: الامام المحجوب عن العالم، قال: ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم. الخبر.
وفيه إشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شئ يحجبه عن إمامه عليه السلام وهو من الأوتاد أو من الأبدال، في الكلام المتقدم عن الكفعمي، رحمه الله.
وقال المحقق الكاظمي في أقسام الاجماع الذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء، وفحاوي عباراتهم، غير الاجماع المصطلح المعروف: وثالثها أن يحصل لأحد من سفراء الامام الغائب عجل الله فرجه، وصلى عليه، العلم بقوله إما بنقل مثله له سرا، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاها، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطلع عليه، والاعلان بنسبة القول إليه، والاتكال في إبراز المدعى على غير الاجماع من الأدلة الشرعية، لفقدها.
وحينئذ فيجوز له إذا لم يكن مأمورا بالاخفاء، أو كان مأمورا بالاظهار لا على وجه الافشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج، بصورة الاجماع، خوفا من الضياع وجمعا بين امتثال لأمر باظهار الحق بقدر الامكان، وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، ولا ريب في كونه حجة أما لنفسه فلعلمه بقول الإمام عليه السلام ، وأما لغيره فلكشفه عن قول الإمام عليه السلام أيضا غاية ما هناك أنه يستكشف قول الإمام عليه السلام بطريق غير ثابت، ولا ضير فيه، بعد حصول الوصول إلى ما أنيط به حجية الاجماع، ولصحة هذا الوجه وإمكانه شواهد تدل عليه:
منها كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية ولا مستند لها ظاهرا من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار
الأئمة عليهم السلام وأسرارهم، ولا أمارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء لجمعها وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها، نعم لا نضائق في ورود الأخبار في بعضها.
ومنها ما رواه والد العلامة وابن طاووس عن السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي - إلى آخر ما مر في الحكاية السادسة والثلاثين.
ومنها قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار، وتفسير الأئمة عليهم السلام وغيرها.
ومنها ما سمعه منه علي بن طاووس في السرداب الشريف.
ومنها ما علم محمد بن علي العلوي الحسيني المصري في الحائر الحسيني وهو بين النوم واليقظة، وقد أتاه الا إمام عليه السلام مكررا وعلمه إلى أن تعلمه في خمس ليال وحفظه ثم دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف بالعلوي المصري وغير ذلك.
ولعل هذا هو الأصل أيضا في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الإمام عليه السلام لما وجده مخالفا لما عليه الامامية أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله لعدم قيام الأدلة الظاهرة باثباته، ولعله الوجه أيضا فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الامكان، نظرا إلى احتمال كونها قول الإمام عليه السلام ألقاها بين العلماء، كيلا يجمعوا على الخطاء، ولا طريق لا لقائها حينئذ إلا بالوجه المذكور.
وقال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء في جواب من قال: " فإذا كان الإمام عليه السلام غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق
بين وجوده وعدمه الخ ": قلنا الجواب أول ما نقوله: إنا غير قاطعين على أن الامام لا يصل إليه أحد، ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع عليه الخ.
وقال أيضا في جواب من قال: إذا كانت العلة في استتار الإمام، خوفه من الظالمين، واتقاءه من المعاندين، فهذه العلة زائلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهرا لهم: بعد كلام له - وقلنا أيضا إنه غير ممتنع أن يكون الامام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، وإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره.
وله في كتاب المقنع في الغيبة كلام يقرب مما ذكره هناك.
وقال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له: والذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنا أولا لانقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لأكثرهم ولا يعلم كل انسان إلا حال نفسه، فإن كان ظاهرا له فعلته مزاحة، وإن لم يكن ظاهرا علم أنه إنما لم يظهر له لأمر يرجع إليه، وإن لم يعلمه مفصلا لتقصير من جهته الخ.
وتقدم كلمات للسيد علي بن طاووس تناسب المقام خصوصا قوله مع أنه عليه السلام حاضر مع الله جل جلاله على اليقين وإنما غاب من لم يلقه عنهم، لغيبته عن حضرة المتابعة له، ولرب العالمين.
وفيما نقلنا من كلماتهم وغيرها مما يطول بنقله الكتاب كفاية لرفع الاستبعاد وعدم حملهم الخبر على ظاهره، وصرفه إلى أحد الوجوه التي ذكرناها.
السادس أن يكون المخفي على الأنام، والمحجوب عنهم، مكانه عليه السلام ومستقره الذي يقيم فيه، فلا يصل إليه أحد، ولا يعرفه غيره حتى ولده، فلا ينافي لقاءه ومشاهدته في الأماكن والمقامات التي قد مر ذكر بعضها، وظهوره عند المضطر المستغيث به، الملتجئ إليه التي انقطعت عنه الأسباب وأغلقت دونه الأبواب.
وفي دعوات السيد الراوندي ومجموع الدعوات للتلعكبري وقبس المصباح للصهر شتى في خبر أبي الوفاء الشيرازي أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم:
وأما الحجة، فإذا بلغ منك السيف للذبح، وأومأ بيده إلى الحلق، فاستغث به فإنه يغيثك، وهو غياث وكهف لمن استغاث، فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان أنا مستغيث بك، وفي لفظ: وأما صاحب الزمان فإذا بلغ منك السيف هنا، ووضع يده على حلقه، فاستعن به فإنه يعينك.
ومما يؤيد هذا الاحتمال ما رواه الشيخ والنعماني في كتابي الغيبة عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما يطول، حتى يقول بعضهم مات، ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده، ولا غيره إلا الذي [يلي] أمره.
وروى الكليني عن إسحاق بن عمار قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة: الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه.
ورواه النعماني وفي لفظه بدون الاستثناء في الثاني، ورواه بسند آخر عنه عليه السلام قال: للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة [شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة] مواليه في دينه.
وليس في تلك القصص ما يدل على أن أحدا لقيه عليه السلام في مقر سلطنته ومحل إقامته.
ثم لا يخفى على الجائس في خلال ديار الأخبار أنه عليه السلام ظهر في الغيبة الصغرى لغير خاصته ومواليه أيضا، فالذي انفرد به الخواص في الصغرى هو العلم بمستقره، وعرض حوائجهم عليه عليه السلام فيه، فهو المنفي عنهم في الكبرى، فحالهم وحال غيرهم فيها كغير الخواص في الصغرى، والله العالم.
* (الثانية) * أنه قد علم من تضاعيف تلك الحكايات أن المداومة على العبادة، والمواظبة.
على التضرع والإنابة، في أربعين ليلة الأربعاء في مسجد السهلة أو ليلة الجمعة فيها أو في مسجد الكوفة أو الحائر الحسيني على مشرفه السلام أو أربعين ليلة من أي الليالي في أي محل ومكان، كما في قصة الرمان المنقولة في البحار طريق إلى الفوز بلقائه عليه السلام ومشاهدة جماله، وهذا عمل شائع، معروف في المشهدين الشريفين، ولهم في ذلك حكايات كثيرة، ولم نتعرض لذكر أكثرها لعدم وصول كل واحد منها إلينا بطريق يعتمد عليه، إلا أن الظاهر أن العمل من الأعمال المجربة، وعليه العلماء والصلحاء والأتقياء، ولم نعثر لهم على مستند خاص وخبر مخصوص، ولعلهم عثروا عليه أو استنبطوا ذلك من كثير من الأخبار التي يستظهر منها أن للمداومة على عمل مخصوص من دعاء أو صلاة أو قراءة أو ذكر أو أكل شئ مخصوص أو تركه في أربعين يوما تأثير في الانتقال والترقي من درجة إلى درجة، ومن حالة إلى حالة، بل في النزول كذلك، فيستظهر منها أن في المواظبة عليه في تلك الأيام تأثير لإنجاح كل مهم أراده.
ففي الكافي: ما أخلص عبد الإيمان بالله وفي رواية ما أجمل عبد ذكر الله أربعين صباحا إلا زهده في الدنيا، وبصره داءها ودواءها وأثبت الحكمة
في قلبه [وأنطق بها لسانه].
وفي النبوي المروي في لب اللباب للقطب الراوندي: من أخلص العبادة لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
وفي أخبار كثيرة ما حاصلها: النطفة تكون في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو للحبلى أن يجعل الله ما في بطنها ذكرا سويا يدعو ما بينه وبين تلك الأربعة أشهر.
وفي الكافي أنه قيل للكاظم عليه السلام: إنا روينا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من شرب الخمر لم يحتسب له صلاته أربعين يوما - إلى أن قال: إذا شرب الخمر بقي في مشاشه أربعين يوما، على قدر انتقال خلقته، ثم قال: كذلك جميع غذاء أكله وشربه يبقى في مشاشه أربعين.
وورد أن من ترك اللحم أربعين صباحا ساء خلقه، لأن انتقال النطفة في أربعين يوما، ومن أكل اللحم أربعين صباحا ساء خلقه، ومن أكل الزيت وادهن به لم يقربه الشيطان أربعين يوما، ومن شرب السويق أربعين صباحا امتلأت كتفاه قوة، ومن أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه.
وفي أمالي الصدوق في خبر بهلول النباش والتجاؤه إلى بعض جبال المدينة وتضرعه وإنابته أربعين يوما، وقبول توبته في يوم الأربعين، ونزول الآية فيه وذهاب النبي صلى الله عليه وآله عنده، وقراءتها عليه، وبشارته بقبول التوبة، ثم قال صلى الله عليه وآله لأصحابه: هكذا تدارك الذنوب كما تداركها بهلول.
وورد أن داود عليه السلام بكى على الخطيئة أربعين يوما.
وأحسن من الجميع شاهدا أنه تعالى جعل ميقات نبيه موسى أربعين يوما
وفي النبوي أنه ما أكل وما شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه.
وفي تفسير العسكري عليه السلام كان موسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل: إذا فرج الله عنكم، وأهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من عند ربكم يشمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله، فلما فرج الله عنهم أمره الله عز وجل أن يأتي للميعاد ويصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل، إلى أن قال: فأوحى الله إليه: صم عشرا آخر وكان وعد الله أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة.
بل ورد أن النبي صلى الله عليه وآله امر أن يهجر خديجة أربعين يوما قبل يوم بعثته.
ومن الشواهد التي تناسب المقام ما روي بالأسانيد المعتبرة عن الصادق عليه السلام أنه قال: من دعا إلى الله تعالى أربعين صباحا بهذا العهد كان من أنصار قائمنا فان مات قبله، أخرجه الله من قبره وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة، ومحي عنه ألف سيئة، وهو: اللهم رب النور العظيم، الدعاء.
وفي إكمال الدين في حديث حكيمة في ولادة المهدي صلوات الله عليه أنه عليه السلام لما ولد وسجد، وشهد بالتوحيد والرسالة، وإمامة آبائه عليهم السلام قالت: فصاح أبو محمد الحسن عليه السلام فقال: يا عمة تناوليه فهاتيه، قالت: فتناولته وأتيت به نحوه فلما مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي، سلم على أبيه، فتناوله الحسن عليه السلام والطير ترفرف على رأسه، فصاح بطير منها فقال: أحمله واحفظه ورده إلينا في كل أربعين يوما فتناوله الطير وطار به في جو السماء، واتبعه سائر الطيور فسمعت أبا محمد عليه السلام يقول: أستودعك الذي استودعته أم موسى عليه السلام فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فان الرضاع محرم عليه إلا من ثديك إلى أن قال: قالت حكيمة:
فلما أن كان بعد أربعين يوما رد الغلام ووجه إلي ابن أخي فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بصبي يمشي بين يديه إلى أن قال: قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك
الصبي كل أربعين يوما إلى أن رأيته رجلا قبل مضي أبي محمد عليه السلام الخبر.
واعلم أنا قد ذكرنا في الفصل الأول من المجلد الثاني من كتابنا دار السلام أعمالا مخصوصة عند المنام للتوسل إلى رؤية النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام في المنام، وأكثرها مختص بالنبي وبعضها بالوصي صلوات الله عليهما، ولعله يجري في سائر الأئمة ما جرى لهما صلوات الله عليهما لبعض عمومات المنزلة، وبذلك صرح المحقق الجليل المولى زين العابدين الجرفادقاني - رحمه الله - في شرح المنظومة، حيث قال: في شرح قوله في غايات الغسل:
ورؤية الامام في المنام * لدرك ما يقصد من مرام أنه يدل عليه النبوي المروي في الاقبال في أعمال ليلة النصف من شعبان " فأحسن الطهر - إلى أن قال: - ثم سأل الله تعالى أن يراني من ليلته يراني ". ولكن فيه مضافا إلى استهجان خروج المورد عن البيت إلا بتكلف لا يخفى أن الظاهر بل المقطوع أن نظر السيد - رحمه الله - إلى ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الاختصاص عن أبي المغرى عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سمعته يقول: من كانت له إلى الله حاجة وأراد أن يرانا، وأن يعرف موضعه، فليغتسل ثلاث ليال يناجي بنا، فإنه يرانا ويغفر له بنا، ولا يخفى عليه موضعه، الخبر.
قوله عليه السلام: " يناجي بنا " أي يناجي الله تعالى بنا، ويعزم عليه ويتوسل إليه بنا أن يرينا إياه، ويعرف موضعه عندنا وقيل أي يهتم برؤيتنا، ويحدث نفسه بنا، ورؤيتنا ومحبتنا، فإنه يراهم أو يسألنا ذلك.
وفي الجنة الواقية للشيخ إبراهيم الكفعمي: رأيت في بعض كتب أصحابنا
أنه من أراد رؤية أحد من الأنبياء والأئمة عليهم السلام أو الوالدان في نومه فليقرء:
والشمس، والقدر، والجحد، والاخلاص، والمعوذتين ثم يقرء الاخلاص مائة مرة ويصلى على النبي صلى الله عليه وآله مائة مرة، وينام على الجانب الأيمن على وضوئه فإنه يرى من يريده إنشاء الله تعالى، ويكلمهم بما يريد من سؤال وجواب.
ورأيت في نسخة أخرى هذا بعينه غير أنه، يفعل ذلك سبع ليال بعد الدعاء الذي أوله: اللهم أنت الحي الذي الخ، وهذا الدعاء رواه السيد علي بن طاوس في فلاح السائل، مسندا عن بعض الأئمة عليهم السلام قال: إذا أردت أن ترى ميتك، فبت على طهر، وانضجع على يمينك، وسبح تسبيح فاطمة عليها السلام.
وقال الشيخ الطوسي في مصباحه: ومن أراد رؤيا ميت في منامه فليقل [في منامه]: اللهم أنت الحي الذي لا يوصف، والايمان يعرف منه، منك بدأت الأشياء وإليك تعود فما أقبل منها كنت ملجأه ومنجاه، وما أدبر منها لم يكن له ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، فأسألك بلا إله إلا أنت، وأسألك ببسم الله الرحمن الرحيم وبحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله سيد النبيين، وبحق علي خير الوصيين، وبحق فاطمة سيدة نساء العالمين، وبحق الحسن والحسين الذين جعلتهما سيدي شباب أهل الجنة أجمعين أن تصلي على محمد وآله وأهل بيته، وأن تريني ميتي في الحال التي هو فيها فإنك تراه إنشاء الله تعالى.
ومقتضى إطلاق صدر الخبر أن يكون للداعي إذا عمل بهذه النسخة أن يبدل آخر الدعاء بما يناسب رؤية الامام الحي والنبي الحي بل الظاهر أن يكون له ذلك إن أراد رؤية كل واحد من الأنبياء والأئمة عليهم السلام حيا كان أو ميتا.
بل في كتاب تسهيل الدواء، بعد ذكر الدعاء المذكور، وذكر مشايخنا رضوان الله عليهم أن من أراد أن يرى أحدا من الأنبياء أو أئمة الهدى صلوات الله عليهم فليقرء الدعاء المذكور إلى قوله أن تصلي على محمد وآل محمد ثم يقول:
أن تريني فلانا ويقرء بعده سورة والشمس، والليل، والقدر، والجحد، والاخلاص
والمعوذتين، ثم يقرء مائه مرة سورة التوحيد فكل من أراده يراه ويسأل عنه ما أراده، ويجيبه إنشاء الله.
وحيث بلغ بنا الكلام إلى هذا المقام، فالأولى أن نتبرك بذكر بعض الأعمال المختصرة للغاية المذكورة، بناء على ما احتملناه وصرح به المحقق المذكور، وهو من أعاظم العلماء الذين عاصرناهم.
فمنها ما في فلاح السائل للسيد علي بن طاوس لرؤيا أمير المؤمنين عليه السلام في المنام، قال: إذا أردت ذلك، فقل عند مضجعك " اللهم إني أسألك يا من لطفه خفي، وأياديه باسطة لا تنقضي، أسألك بلطفك الخفي، الذي ما لطفت به لعبد إلا كفي، أن تريني مولاي علي بن أبي طالب عليه السلام في منامي.
وحدثني بعض الصلحاء الأبرار طاب ثراه أنه جربه مرارا.
ومنها: ما في المصباح للكفعمي وتفسير البرهان عن كتاب خواص القرآن عن الصادق عليه السلام أن من أدمن قراءة سورة المزمل رأى النبي صلى الله عليه وآله وسأله ما يريد وأعطاه الله كل ما يريد من الخير.
ومنها ما رواه الأول أن من قرأ [سورة] القدر عند زوال الشمس مائة مرة رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه.
ومنها ما في المجلد الأول من كتاب المجموع الرائق للسيد الجليل هبة الله بن أبي محمد الموسوي المعاصر للعلامة رحمه الله أن من أدمن تلاوة سورة الجن رأى النبي صلى الله عليه وآله وسأله ما يريد.
ومنها ما فيه أن من قرء سورة الكافرون نصف الليل من ليلة الجمعة، رأى النبي صلى الله عليه وآله.
ومنها قراءة دعاء المجير على طهارة سبعا عند النوم، بعد صوم سبعة أيام، رواه الكفعمي في جنته.
ومنها قراءة الدعاء المعروف بالصحيفة المروي في مهج الدعوات خمس مرات على طهارة.
ومنها ما رواه الكفعمي عن الصادق عليه السلام أنه قال: من قرء سورة القدر بعد صلاة الزوال وقبل الظهر، إحدى وعشرين مرة، لم يمت حتى يرى النبي صلى الله عليه وآله.
ومنها ما في بعض المجاميع المعتبرة أن من أراد أن يرى سيد البريات في المنام فليصل ركعتين بعد صلاة العشاء بأي سورة أراد، ثم يقرء هذا الدعاء مائة مرة بسم الله الرحمن الرحيم يا نور النور، يا مدبر الأمور، بلغ مني روح محمد وأرواح آل محمد تحية وسلاما.
ومنها ما في جنة الكفعمي عن كتاب خواص القرآن أنه من قرء ليلة الجمعة بعد صلاة يصليها من الليل الكوثر ألف مرة، وصلى على محمد وآل محمد ألف مرة رأى النبي صلى الله عليه وآله في نومه.
تلك عشرة كاملة وباقي الأعمال والأوراد والصلوات يطلب من كتابنا المذكور فان فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
ولنختم هذه المقالة الشريفة بذكر ندبة أنشأها السيد السند الصالح الصفي إمام شعراء العراق، بل سيد الشعراء في الندب والمراثي على الاطلاق، السيد حيدر ابن السيد سليمان الحلي، المؤيد من عند الملك العلي، وقد جمع أيده الله تعالى بين فصاحة اللسان ، وبلاغة البيان، وشدة التقوى، وقوة الإيمان، بحيث لو رآه أحد لا يتوهم في حقه القدرة على النظم، فكيف بأعلى مراتبه.
أنشأها بأمر سيد الفقهاء السيد المهدي القزويني النزيل في الحلة في السنة التي صار عمر پاشا واليا على أهل العراق، وشدد عليهم، وأمر بتحرير النفوس لاجراء القرعة، وأخذ العسكر من أهل القرى والأمصار سواء الشريف فيه والوضيع والعالم فيه والجاهل، والعلوي فيه وغيره، والغني فيه والفقير، فاشتد عليهم الأمر وعظم البلاء، وضاقت الأرض، ومنعت السماء، فأنشأ السيد هذه الندبة المشجية فرأى واحد من صلحاء المجاورين في النجف الأشرف الحجة المنتظر عليه السلام فقال
له ما معناه: قد أقلقني السيد حيدر قل له: لا يؤذيني فان الأمر ليس بيدي ورفع الله عنهم القرعة في أيامه وبعده بسنين، وهي هذه:
يا غمرة من لنا بمعبرها * موارد الموت دون مصدرها يطفح موج البلا الخطير بها * فيغرق العقل في تصورها وشدة عندها انتهت عظما * شدائد الدهر مع تكثرها ضاقت ولم يأتها مفرجها * فجاشت النفس من تحيرها الآن رجس الضلالة استغرق * الأرض فضجت إلى مطهرها وملة الله غيرت فغدت * تصرخ لله من مغيرها من مخبري والنفوس عاتبة * ماذا يؤدي لسان مخبرها لم صاحب الأمر عن رعيته * أغضى فغضت بجور أكفرها ما عذره نصب عينه اخذت * شيعته وهو بين أظهرها يا غيرة الله لا قرار على * ركوب فحشائها ومنكرها سيفك والضرب إن شيعتكم * قد بلغ السيف حز منحرها مات الهدى سيدي فقم وأمت * شمس ضحاها بليل عيثرها واترك منايا العدى بأنفسهم * تكثر في الروع من تعثرها لم يشف من هذه الصدور سوى * كسرك صدر القنا بموغرها وهذه الصحف محو سيفك للأعمار * منهم أمحى لأسطرها فالنطف اليوم تشتكي وهي في * الأرحام منها إلى مصورها فالله يا ابن النبي في فئة * ما ذخرت غيركم لمحشرها ماذا لأعدائها تقول إذا * لم تنجها اليوم من مدمرها
أشقة البعد دونك اعترضت * أم حجبت منك عين مبصرها فهاك قلب قلوبنا ترها * تفطرت فيك من تنضرها كم سهرت أعين وليس سوى * انتظارها غوثكم بمسهرها أين الحفيظ العليم للفئة * المضاعة الحق عند أفخرها تغضي وأنت الأب الرحيم لها * ما هكذا الظن في ابن أطهرها إن لم تغثها لجرم أكبرها * فارحم لها ضعف جرم أصغرها كيف رقاب من الجحيم بكم * حررها الله في تبصرها ترضى بأن تسترقها عصب * لم تله عن نأيها ومزهرها إن ترض يا صاحب الزمان بها * ودام للقوم فعل منكرها ماتت شعار الإيمان واندفنت * ما بين خمر العدى وميسرها أبعد بها خطة تزاد لها * لا قرب الله دار مؤثرها الموت خير من الحياة بها * لو تملك النفس من تخيرها ما غر أعداءنا بربهم * وهو مليئ بقصم أظهرها مهلا فلله من بريته * عوائد جل قدر أيسرها فدعوة الناس إن تكن حجبت * لأنها ساء فعل أكثرها فرب جرى حشى لواحدها! * شكت إلى الله في تصورها توشك أنفاسها وقد صعدت * أن تحرق القوم في تسعرها وله أيد الله تعالى ندبة أخرى تجري في هذا المجرى، تورث في العين قذي، وفي القلب شجى:
أقائم بيت الهدى الطاهر * كم الصبر فت حشى الصابر وكم يتظلم دين الا * له إليك من النفر الجائر يمد يدا تشتكي ضعفها * لطبك في نبضها الفاتر ترى منك ناصره غائبا * وشرك العدى حاضر الناصر فنوسع سمعك عتبا يكاد * يثيرك قبل ندا الآمر
نهزك لا مؤثرا للقعود * على وثبة الأسد الخادر ونوقض عزمك لا بائتا * بمقلة من ليس بالساهر ونعلم أنك عما تروم * لم يك باعك بالقاصر ولم تخش من قاهر حيث ما * سوى الله فوقك من قاهر ولا بد من أن نرى الظالمين * بسيفك مقطوعة الدابر بيوم به ليس تبقى ضباك * على دارع الشرك والحاسر ولو كنت تملك أمر النهوض * أخذت له أهبة الثائر وإنا وإن ضرستنا الخطوب * لنعطيك جهد رضى العاذر ولكن نرى ليس عند الاله * أكبر من جاهك الوافر فلو نسأل الله تعجيله * ظهورك في الزمن الحاضر لوافتك دعوته في الظهور * بأسرع من لمحة الناظر فثقف عدلك من ديننا * قنا عجمتها يد الآطر وسكن أمنك منا حشى * غدت بين خافقتي طائر إلام وحتى م تشكو العقام * لسيفك أم الوغى العاقر ولم تتلظى عطاش السيوف * إلى ورد ماء الطلى الهامر أما لقعودك من آخر * أثرها فديتك من ثائر وقدها يميت ضحى المشرقين * بظلمة قسطلها المائر يردن بمن لا يغير الحمام * أو درك الوتر بالصادر وكل فتى حنيت ضلعه * على قلب ليث شرى هامر يحدثه أسمر حاذق * بزجر عقاب الوغا الكاسر بأن له أن يسر مستميتا * لطعن العدى أوبة الظافر فيغدو أخف لضم الرماح * منه لضم المها العاطر
أولئك آل الوغى الملبسون * عدوهم ذلة الصاغر هم صفوة المجد من هاشم * وخالصة الحسب الفاخر كواكب منك بليل الكفاح * تحف بنيرها الباهر لهم أنت قطب وغى ثابت * وهم لك كالفلك الدائر ظماء الجياد ولكنهم * رؤوا المثقف والباتر كماة تلقب أرماحهم * برضاعة الكبد الواغر وتسمى سيوفهم الماضيات * لدى الروع بالأجل الحاضر فان سددوا السمر حكوا السماء * وسدوا الفضاء على الطائر وإن جردوا البيض فالصافنات * تعوم ببحر دم زاخر فثمة طعن قنا لا تقيل * أسنتها عثرة الغادر وضرب يؤلف بين النفوس * وبين الردى ألفة القاهر ألا أين أنت أيا طالبا * بماضي الذحول وبالغابر وأين المعد لمحو الضلال * وتجديد رسم الهدى الداثر وناشر راية دين الاله * وناعش جد التقى العاثر ويا بن العلى ورثوا كابرا * حميد المآثر عن كابر ومدحهم مفخر المادحين * وذكرهم شرف الذاكر ومن عاقدوا الحرب أن لا تنام * عن السيف عنهم يد الشاهر تدارك بسيفك وتر الهدى * فقد أمكنتك طلى الواتر كفى أسفا أن يمر الزمان * ولست بناه ولا آمر وأن ليس أعيننا تستضئ * بمصباح طلعتك الزاهر على أن فينا اشتياقا إليك * كشوق الربا للحيا الماطر عليك إمام الهدى غرما * غدا البر تلقى من الفاخر لك الله حلمك غر النعام * فأنساهم بطشة القادر
وطول انتظارك فت القلوب * وأغضى الجفون على عائر فكم ينحت الهم أحشاءنا * وكم تستطيل يد الجائر وكم نصب عينك يا ابن النبي * نساط بقدر البلا الفاتر وكم نحن في كهوات الخطوب * نناديك من فمها الفاغر ولم تك منا عيون الرجا * ء بغيرك معقودة الناظر أصبرا على مثل حز المدى * ونفحة جمر الغضا الساغر أصبرا وهذي تيوس الضلال * قد أمنت شفرة الجازر أصبرا وسرب العدى واقع * يروح ويغدو بلا ذاعر نرى سيف أولهم منتضى * على هامنا بيد الآخر به تعرق اللحم منا وفيه * تشظى العظام يد الكاسر وفيه يسوموننا خطة * بها ليس يرضى سوى الكافر فنشكو إليهم ولا يعطفون * كشكوى العقيرة للعاقر وحين البطان التقت حلقتاه * ولم نر للبغي من زاجر عججنا إليك من الظالمين * عجيج الجمال من الناحر
تمت الرسالة الشريفة بيد مؤلفها العبد المذنب المسيئ حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في عصر يوم الأحد الثالث عشر من شوال المكرم سنة 1302 في بلدة سر من رأى حامدا مصليا مستغفرا، اللهم وفقه وكل المؤلفين والبانين للخير بحق محمد وآله.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.