پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثالث عشر

باب ذكر بناء مسجد جمكران، بأمر الإمام المهدي عليه صلوات الله الرحمن وعلى آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدس في جمكران بأمر الإمام عليه السلام على ما أخبر به

ج ۵۳، ص ۲۸۷–۳۱۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۳

الحكاية السادسة والأربعون قال أيده الله: وحدثني الوالد أعلى الله مقامه قال: خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلة أريد زيارة الحسين عليه السلام ليلة النصف منه، فلما وصلت إلى شط الهندية، وعبرت إلى الجانب الغربي منه، وجدت الزوار الذاهبين من الحلة وأطرافها، والواردين من النجف ونواحيه، جميعا محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من عشائر الهندية، ولا طريق لهم إلى كربلاء لأن عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق، وقطعوه عن المارة، ولا يدعون أحدا يخرج من كربلا ولا أحدا يلج إلا انتهبوه.

قال: فنزلت على رجل من العرب وصليت صلاة الظهر والعصر، وجلست أنتظر ما يكون من أمر الزوار، وقد تغيمت السماء ومطرت مطرا يسيرا.

فبينما نحن جلوس إذ خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجهين نحو طريق كربلا، فقلت لبعض من معي: اخرج واسأل ما الخبر؟ فخرج ورجع إلي وقال لي: إن عشيرة بني طرف قد خرجوا بالأسلحة النارية، وتجمعوا لايصال الزوار إلى كربلا، ولو آل الأمر إلى المحاربة مع عنزة.

فلما سمعت قلت لمن معي: هذا الكلام لا أصل له، لأن بني طرف لا قابلية لهم على مقابلة عنزة في البر، وأظن هذه مكيدة منهم لاخراج الزوار عن بيوتهم لأنهم استثقلوا بقاءهم عندهم، وفي ضيافتهم.

فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوار إلى البيوت، فتبين الحال كما قلت فلم تدخل الزوار إلى البيوت وجلسوا في ظلالها والسماء متغيمة، فأخذتني لهم رقة شديدة، وأصابني انكسار عظيم، وتوجهت إلى الله بالدعاء والتوسل بالنبي وآله، وطلبت إغاثة الزوار مما هم فيه.

فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع كريم لم أر مثله

وبيده رمح طويل وهو مشمر عن ذراعيه، فأقبل يخب به جواده حتى وقف على البيت الذي أنا فيه، وكان بيتا من شعر مرفوع الجوانب، فسلم فرددنا عليه السلام ثم قال: يا مولانا - يسميني باسمي - بعثني من يسلم عليك، وهم كنج محمد آغا وصفر آغا، وكانا من قواد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوار، فانا قد طردنا عنزة عن الطريق، ونحن ننتظره مع عسكرنا في عرقوب السليمانية على الجادة، فقلت له: وأنت معنا إلى عرقوب السليمانية؟ قال: نعم، فأخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهار ساعتان ونصف تقريبا فقلت: بخيلنا، فقدمت إلينا، فتعلق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده وقال: يا مولاي لا تخاطر بنفسك وبالزوار وأقم الليلة حتى يتضح الأمر، فقلت له: لا بد من الركوب لإدراك الزيارة المخصوصة.

فلما رأتنا الزوار قد ركبنا، تبعوا أثرنا بين حاشر وراكب فسرنا والفارس المذكور بين أيدينا كأنه الأسد الخادر، ونحن خلفه، حتى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه وتبعناه في الصعود، ثم نزل وارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا ولم نر له عينا ولا أثرا، فكأنما صعد في السماء أو نزل في الأرض ولم نر قائدا ولا عسكرا.

فقلت لمن معي: أبقي شك في أنه صاحب الأمر؟ فقالوا: لا والله، وكنت وهو بين أيدينا أطيل النظر إليه كأني رأيته قبل ذلك، لكنني لا أذكر أين رأيته فلما فارقنا تذكرت أنه هو الشخص الذي زارني بالحلة، وأخبرني بواقعة السليمانية.

وأما عشيرة عنزة، فلم نر لهم أثرا في منازلهم، ولم نر أحدا نسأله عنهم سوى أنا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البر، فوردنا كربلا تخب بنا خيولنا

فوصلنا إلى باب البلاد، وإذا بعسكر على سور البلد فنادوا من أين جئتم؟ وكيف وصلتم؟ ثم نظروا إلى سواد الزوار ثم قالوا سبحان الله هذه البرية قد امتلأت من الزوار أجل أين صارت عنزة؟ فقلت لهم: اجلسوا في البلد وخذوا أرزاقكم ولمكة رب يرعاها.

ثم دخلنا البلد فإذا أنا بكنج محمد آغا جالسا على تخت قريب من الباب فسلمت عليه فقام في وجهي فقلت له: يكفيك فخرا أنك ذكرت باللسان، فقال: ما الخبر؟

فأخبرته بالقصة، فقال لي: يا مولاي من أين لي علم بأنك زائر حتى أرسل لك رسولا وأنا وعسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة، ثم قال: فأين صارت عنزة؟ قلت: لا علم لي سوى أني رأيت غبرة شديدة في كبد البر كأنها غبرة الظعائن ثم أخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهار ساعة ونصف، فكان مسيرنا كله في ساعة وبين منازل بني طرف وكربلا ثلاث ساعات ثم بتنا تلك الليلة في كربلا.

فلما أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلاحين الذين في بساتين كربلا قال: بينما عنزة جلوس في أنديتهم وبيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهم، وبيده رمح طويل، فصرخ فيهم بأعلى صوته يا معاشر عنزة قد جاء الموت الزؤام عساكر الدولة العثمانية تجبهت عليكم بخيلها ورجلها، وها هم على أثري مقبلون فارحلوا وما أظنكم تنجون منهم.

فألقى الله عليهم الخوف والذل حتى أن الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل، فلم تمض ساعة حتى ارتحلوا بأجمعهم وتوجهوا نحو البر فقلت له: صف لي الفارس فوصف لي وإذا هو صاحبنا بعينه، وهو الفارس الذي جاءنا والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين حرره الأقل ميرزا صالح الحسيني.

قلت: وهذه الحكاية سمعتها شفاها منه أعلى الله مقامه، ولم يكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فإنه ورث العلم والعمل من عمه الأجل الأكمل السيد باقر القزويني خاصة السيد الأعظم، والطود الأشيم، بحر العلوم أعلى الله تعالى درجتهم، وكان عمه أدبه ورباه وأطلعه على الخفايا والأسرار، حتى بلغ مقاما لا يحوم حوله الأفكار، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم يجتمع في غيره من العلماء الأبرار.

منها أنه بعد ما هاجر إلى الحلة واستقر فيها وشرع في هداية الناس وإيضاح الحق وإبطال الباطل ، صار ببركة دعوته من داخل الحلة وأطرافها من الأعراب قريبا من مائة ألف نفس شيعيا إماميا مخلصا مواليا لأولياء الله، ومعاديا لأعداء الله.

بل حدثني طاب ثراه أنه لما ورد الحلة لم يكن في الذين يدعون التشيع من علائم الإمامية وشعارهم، إلا حمل موتاهم إلى النجف الأشرف، ولا يعرفون من أحكامهم شيئا حتى البراءة من أعداء الله، وصاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء وهذه منقبة عظيمة اختص بها من بين من تقدم عليه وتأخر.

ومنها الكمالات النفسانية من الصبر والتقوى، وتحمل أعباء العبادة، و سكون النفس، ودوام الاشتغال بذكر الله تعالى، وكان رحمه الله لا يسأل في بيته عن أحد من أهله وأولاده ما يحتاج إليه من الغداء والعشاء والقهوة والغليان وغيرها عند وقتها، ولا يأمر عبيده وإماءه بشئ منها، ولولا التفاتهم ومواظبتهم لكان يمر عليه اليوم والليلة من غير أن يتناول شيئا منها مع ما كان عليه من التمكن والثروة والسلطنة الظاهرة، وكان يجيب الدعوة، ويحضر الولائم والضيافات، لكن يحمل معه كتبا ويقعد في ناحية، ويشتغل بالتأليف، ولا خبر له عما فيه القوم، ولا يخوض معهم في حديثهم إلا أن يسأل عن أمر ديني فيجيبهم.

وكان دأبه في شهر الصيام أن يصلي المغرب في المسجد ويجتمع الناس، ويصلي بعده النوافل المرتبة في شهر رمضان، ثم يأتي منزله ويفطر ويرجع ويصلي العشاء

بالناس، ثم يصلي نوافلها المرتبة، ثم يأتي منزله والناس معه على كثرتهم فلما اجتمعوا واستقروا، شرع واحد من القراء فيتلو بصوت حسن رفيع آيات من كتاب الله في التحذير والترغيب، والموعظة، مما يذوب منه الصخر الأصم ويرق القلوب القاسية، ثم يقرء آخرا خطبة من مواعظ نهج البلاغة، ثم يقرء آخرا تعزية أبي عبد الله عليه السلام ثم يشرع أحد من الصلحاء في قراءة أدعية شهر رمضان ويتابعه الآخرون إلى أن يجئ وقت السحور، فيتفرقون ويذهب كل إلى مستقره.

وبالجملة فقد كان في المراقبة، ومواظبة الأوقات والنوافل والسنن والقراءة مع كونه طاعنا في السن آية في عصره، وقد كنا معه في طريق الحج ذهابا وإيابا وصلينا معه في مسجد الغدير، والجحفة، وتوفي رحمه الله الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1300 قبل الوصول إلى سماوة، بخمس فراسخ تقريبا، وقد ظهر منه حين وفاته من قوة الإيمان والطمأنينة والإقبال وصدق اليقين ما يقضي منه العجب، وظهر منه حينئذ كرامة باهرة بمحضر من جماعة، من الموافق والمخالف ليس هنا مقام ذكرها.

ومنها التصانيف الرائقة الكثيرة، في الفقه والأصول والتوحيد والكلام وغيرها، ومنها كتاب في إثبات كون الفرقة الناجية فرقة الامامية أحسن ما كتب في هذا الباب، طوبى له وحسن مآب.

الحكاية السابعة والأربعون حدثني العالم الجليل، والحبر النبيل، مجمع الفضائل والفواضل، الصفي الوفي المولى على الرشتي طاب ثراه وكان عالما برا تقيا زاهدا حاويا لأنواع العلم بصيرا ناقدا من تلامذة السيد السند الأستاذ الأعظم دام ظله، ولما طال شكوى أهل الأرض، حدود فارس ومن والاه إليه من عدم وجود عالم عامل كامل نافذ الحكم فيهم أرسله إليهم عاش فيهم سعيدا ومات هناك حميدا رحمه الله، وقد صاحبته مدة

سفرا وحضرا ولم أجد في خلقه وفضله نظيرا إلا يسيرا.

قال: رجعت مرة من زيارة أبي عبد الله عليه السلام عازما للنجف الأشرف من طريق الفرات، فلما ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلا وطويرج، رأيت أهلها من أهل حلة، ومن طويرج تفترق طريق الحلة والنجف، واشتغل الجماعة باللهو واللعب والمزاح، رأيت واحدا منهم لا يدخل في عملهم، عليه آثار السكينة والوقار لا يمازح ولا يضاحك، وكانوا يعيبون على مذهبه ويقدحون فيه، ومع ذلك كان شريكا في أكلهم وشربهم، فتعجبت منه إلى أن وصلنا إلى محل كان الماء قليلا فأخرجنا صاحب السفينة فكنا نمشي على شاطئ النهر.

فاتفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق، فسألته عن سبب مجانبته عن أصحابه، وذمهم إياه، وقدحهم فيه، فقال: هؤلاء من أقاربي من أهل السنة، وأبي منهم وأمي من أهل الايمان، وكنت أيضا منهم، ولكن الله من علي بالتشيع ببركة الحجة صاحب الزمان عليه السلام، فسألت عن كيفية إيمانه، فقال: اسمي ياقوت وأنا أبيع الدهن عند جسر الحلة، فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن، من أهل البراري خارج الحلة، فبعدت عنها بمراحل، إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت أريده منه، وحملته على حماري ورجعت مع جماعة من أهل الحلة، ونزلنا في بعض المنازل ونمنا وانتبهت فما رأيت أحدا منهم وقد ذهبوا جميعا وكان طريقنا في برية قفر، ذات سباع كثيرة، ليس في أطرافها معمورة إلا بعد فراسخ كثيرة.

فقمت وجعلت الحمل على الحمار، ومشيت خلفهم فضل عني الطريق، وبقيت متحيرا خائفا من السباع والعطش في يومه، فأخذت أستغيث بالخلفاء والمشايخ وأسألهم الإعانة وجعلتهم شفعاء عند الله تعالى وتضرعت كثيرا فلم يظهر منهم شئ فقلت في نفسي: إني سمعت من أمي أنها كانت تقول: إن لنا إماما حيا يكنى أبا صالح يرشد الضال، ويغيث الملهوف، ويعين الضعيف، فعاهدت الله تعالى إن استغثت به فأغاثني، أن أدخل في دين أمي.

فناديته واستغثت به، فإذا بشخص في جنبي، وهو يمشي معي وعليه عمامة

خضراء قال رحمه الله: وأشار حينئذ إلى نبات حافة النهر، وقال: كانت خضرتها مثل خضرة هذا النبات.

ثم دلني على الطريق وأمرني بالدخول في دين أمي، وذكر كلمات نسيتها، وقال: ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعا من الشيعة، قال: فقلت:

يا سيدي أنت لا تجيئ معي إلى هذه القرية، فقال ما معناه: لا، لأنه استغاث بي ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم، ثم غاب عني، فما مشيت إلا قليلا حتى وصلت إلى القرية، وكان في مسافة بعيدة، ووصل الجماعة إليها بعدي بيوم فلما دخلت الحلة ذهبت إلى سيد الفقهاء السيد مهدي القزويني طاب ثراه، وذكرت له القصة، فعلمني معالم ديني، فسألت عنه عملا أتوصل به إلى لقائه عليه السلام مرة أخرى فقال: زر أبا عبد الله عليه السلام أربعين ليلة الجمعة، قال: فكنت أزوره من الحلة في ليالي الجمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلة في يوم الخميس، فلما وصلت إلى باب البلد، فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة، وما كان عندي تذكرة ولا قيمتها، فبقيت متحيرا والناس متزاحمون على الباب فأردت مرارا أن أتخفى وأجوز عنهم، فما تيسر لي، وإذا بصاحبي صاحب الأمر عليه السلام في زي لباس طلبة الأعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد، فلما رأيته استغثت به فخرج وأخذني معه، وأدخلني من الباب فما رآني أحد فلما دخلت البلد افتقدته من بين الناس، وبقيت متحيرا على فراقه عليه السلام، وقد ذهب عن خاطري بعض ما كان في تلك الحكاية.

الحكاية الثامنة والأربعون حدثني العالم الجليل، والمولى النبيل العدل الثقة الرضي المرضي الآميرزا إسماعيل السلماسي وهو من أوثق أهل العلم والفضل وأئمة الجماعة في مشهد الكاظم عليه السلام عن والده العالم العليم المتقدم ذكره المولى زين العابدين السلماسي

أو عن أخيه الثقة الصالح الأكبر منه في السن الآميرزا محمد باقر رحمه الله قال سلمه الله والترديد لتطاول الزمان لأن سماعي لهذه الحكاية يقرب من خمسين سنة قال: قال والدي: مما ذكر من الكرامات للأئمة الطاهرين عليهم السلام في سر من رأى في المائة الثانية، والظاهر أنه أواخر المائة أو في أوائل المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة أنه جاء رجل من الأعاجم إلى زيارة العسكريين عليهما السلام وذلك في زمن الصيف وشدة الحر، وقد قصد الزيارة في وقت كان الكليددار في الرواق ومغلقا أبواب الحرم، ومتهيئا للنوم، عند الشباك الغربي.

فلما أحس بمجيئ الزوار، فتح الباب وأراد أن يزوره فقال له الزائر:

خذ هذا الدينار واتركني حتى أزور بتوجه وحضور فامتنع المزور وقال: لا أخرم القاعدة فدفع إليه الدينار الثاني والثالث فلما رأى المزور كثرة الدنانير ازداد امتناعا ومنع الزائر من الدخول إلى الحرم الشريف ورد إليه الدنانير.

فتوجه الزائر إلى الحرم وقال بانكسار: بأبي أنتما وأمي أردت زيارتكما بخضوع وخشوع، وقد اطلعتما على منعه إياي، فأخرجه المزور، وغلق الأبواب ظنا منه أنه يرجع إليه ويعطيه بكل ما يقدر عليه، وتوجه إلى الطرف الشرقي قاصدا السلوك إلى الشباك الذي في الطرف الغربي.

فلما وصل إلى الركن وأراد الانحراف إلى طرف الشباك، رأى ثلاثة أشخاص مقبلين صافين إلا أن أحدهم متقدم على الذي في جنبه بيسير وكذا الثاني ممن يليه، وكان الثالث هو أصغرهم وفي يده قطعة رمح وفي رأسه سنان فبهت المزور عند رؤيتهم، فتوجه صاحب الرمح إليه وقد امتلأ غيظا واحمرت عيناه من الغضب، وحرك الرمح مريدا طعنه قائلا: يا ملعون بن الملعون كأنه جاء إلى دارك أو إلى زيارتك فمنعته؟.

فعند ذلك توجه إليه أكبرهم مشيرا بكفه مانعا له قائلا: جارك ارفق بجارك فأمسك صاحب الرمح، ثم هاج غضبه ثانيا محركا للرمح قائلا ما قاله أولا فأشار إليه الأكبر أيضا كما فعل، فأمسك صاحب الرمح.

وفي المرة الثالثة لم يشعر المزور أن سقط مغشيا عليه، ولم يفق إلا في اليوم الثاني أو الثالث وهو في داره أتوا به أقاربه، بعد أن فتحوا الباب عند المساء لما رأوه مغلقا، فوجدوه كذلك وهم حوله باكون فقص عليهم ما جرى بينه وبين الزائر والأشخاص وصاح أدركوني بالماء فقد احترقت وهلكت، فأخذوا يصبون عليه الماء، وهو يستغيث إلى أن كشفوا عن جنبه فرأوا مقدار درهم منه قد اسود وهو يقول قد طعنني صاحب القطعة.

فعند ذلك أشخصوه إلى بغداد، وعرضوه على الأطباء، فعجز الأطباء من علاجه فذهبوا به إلى البصرة وعرضوه على الطبيب الإفرنجي فتحير في علاجه لأنه جس يده فما أحس بما يدل على سوء المزاج وما رأى ورما ومادة في الموضع المذكور فقال: مبتدئا: إني أظن أن هذا الشخص قد أساء الأدب مع بعض الأولياء فاشتد بهذا البلاء، فلما يئسوا من العلاج رجعوا به إلى بغداد فمات في الرجوع إما في الطريق أو في بغداد والظاهر أن اسم هذا الخبيث كان حسانا.

الحكاية التاسعة والأربعون بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد للشيخ الفاضل الأجل تلميذه محمد ابن علي بن الحسن العودي قال في ضمن وقائع سفر الشهيد رحمه الله من دمشق إلى مصر ما لفظه :

واتفق له في الطريق ألطاف إلهية، وكرامات جلية حكى لنا بعضها.

منها ما أخبرني به ليلة الأربعاء عاشر ربيع الأول سنة ستين وتسعمائة أنه في الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الأبيض لزيارة الأنبياء والذين في الغار وحده، فوجد الباب مقفولا وليس في المسجد أحد، فوضع يده على القفل وجذبه فانفتح فنزل إلى الغار، واشتغل بالصلاة والدعاء، وحصل له إقبال على الله

بحيث ذهل عن انتقال القافلة، فوجدها قد ارتحلت، ولم يبق منها أحد فبقي متحيرا في أمره مفكرا في اللحاق مع عجزه عن المشي وأخذ أسبابه ومخافته وأخذ يمشي على أثرها وحده فمشى حتى أعياه التعب، فلم يلحقها، ولم يرها من البعد، فبينما هو في هذا المضيق إذ أقبل عليه رجل لاحق به وهو راكب بغلا، فلما وصل إليه قال له: اركب خلفي فردفه ومضى كالبرق، فما كان إلا قليلا حتى لحق به القافلة وأنزله وقال له: اذهب إلى رفقتك، ودخل هو في القافلة قال: فتحريته مدة الطريق أني أراه ثانيا فما رأيته أصلا ولا قبل ذلك.

الحكاية الخمسون قال الشيخ الأجل الأكمل الشيخ علي ابن العالم النحرير الشيخ محمد ابن المحقق المدقق الشيخ حسن ابن العالم الرباني الشهيد الثاني في الدر المنثور في ضمن أحوال والده الأمجد وكان مجاورا بمكة حيا وميتا أخبرتني زوجته بنت السيد محمد بن أبي الحسن رحمه الله وأم ولده أنه لما توفي كن يسمعن عنده تلاوة القرآن، طول تلك الليلة.

ومما هو مشهور أنه كان طائفا فجاءه رجل بورد من ورد شتاء ليست في تلك البلاد، ولا في ذلك الأوان، فقال له: من أين أتيت؟ فقال: من هذه الخرابات ثم أراد أن يراه بعد ذلك السؤال فلم يره.

قلت: ونقل نظيره في البحار عن شيخه وأستاذه السيد المؤيد الأمجد الآميرزا محمد الأسترآبادي صاحب الكتب في الرجال وآيات الأحكام وغيرها ويحتمل الاتحاد وكون الوهم من الراوي لاتحاد الاسم والمكان والعمل، والله العالم، وهذا المقام من الشيخ المزبور غير بعيد فقد رأينا في ظهر نسخة من شرحه على الاستبصار وكانت من متملكاته، وكان في مواضع منها خطه وفي ظهره خط ولده المذكور ما صورته: انتقل مصنف هذا الكتاب وهو الشيخ السعيد الحميد بقية

العلماء الماضين وخلف الكملاء الراسخين أعني شيخنا ومولانا ومن استفدنا من بركاته العلوم الشرعية من الحديث والفروع والرجال وغيره، الشيخ محمد بن الشهيد الثاني من دار الغرور إلى دار السرور ليلة الاثنين العاشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثين من هجرة سيد المرسلين، وقد سمعت منه قدس الله روحه قبيل انتقاله بأيام قلائل مشافهة، وهو يقول لي: إني أنتقل في هذه الأيام، عسى الله أن يعينني عليها، وكذا سمعه غيري، وذلك في مكة المشرفة، ودفناه برد الله مضجعه في المعلى قريبا من مزار خديجة الكبرى، حرره الفقير إلى الله الغني حسين بن حسن العاملي المشغري عامله الله بلطفه الخفي والجلي بالنبي والولي والصحب الوفي في التاريخ المذكور، ونقل في الدر المنثور هذه العبارة عن النسخة المذكورة التي كانت عنده، ورزقنا الله زيارته.

وفي أمل الآمل: الشيخ حسين بن الحسن العاملي المشغري كان فاضلا صالحا جليل القدر شاعرا أديبا قرء علي.

الحكاية الحادية والخمسون ما في كتاب الدمعة الساكبة لبعض الصلحاء من المعاصرين في آخر اللمعة الأولى، من النور السادس منه، في معجزات الحجة عليه السلام.

قال: فالأولى أن يختم الكلام، بذكر ما شاهدته في سالف الأيام، وهو أنه أصاب ثمرة فؤادي ومن انحصرت فيه ذكور أولادي، قرة عيني علي محمد حفظه الله الفرد الصمد، مرض يزداد آنا فآنا ويشتد فيورثني أحزانا وأشجانا إلى أن حصل للناس من برئه اليأس وكانت العلماء والطلاب والسادات الأنجاب يدعون له بالشفاء في مظان استجابة الدعوات كمجالس التعزية وعقيب الصلوات.

فلما كانت الليلة الحادية عشرة من مرضه، اشتدت حاله وثقلت أحواله وزاد اضطرابه، وكثر التهابه، فانقطعت بي الوسيلة، ولم يكن لنا في ذلك حيلة فالتجأت بسيدنا القائم عجل الله ظهوره وأرانا نوره، فخرجت من عنده وأنا في

غاية الاضطراب ونهاية الالتهاب، وصعدت سطح الدار، وليس لي قرار، وتوسلت به عليه السلام خاشعا، وانتدبت خاضعا، وناديته متواضعا، وأقول: يا صاحب الزمان أغثني يا صاحب الزمان أدركني، متمرغا في الأرض، ومتدحرجا في الطول والعرض، ثم نزلت ودخلت عليه، وجلست بين يديه، فرأيته مستقر الأنفاس مطمئن الحواس قد بله العرق لا بل أصابه الغرق، فحمدت الله وشكرت نعماءه التي تتوالى فألبسه الله تعالى لباس العافية ببركته عليه السلام.

الحكاية الثانية والخمسون العالم الفاضل السيد علي خان الحويزاوي في كتاب خير المقال عند ذكر من رأى القائم عليه السلام قال: فمن ذلك ما حدثني به رجل من أهل الإيمان ممن أثق به أنه حج مع جماعة على طريق الأحساء في ركب قليل، فلما رجعوا كان معهم رجل يمشي تارة ويركب أخرى، فاتفق أنهم أولجوا في بعض المنازل أكثر من غيره ولم يتفق لذلك الرجل الركوب، فلما نزلوا للنوم واستراحوا، ثم رحلوا من هناك لم يتنبه ذلك الرجل من شدة التعب الذي أصابه، ولم يفتقدوه هم وبقي نائما إلى أن أيقظه حر الشمس.

فلما انتبه لم ير أحدا، فقام يمشي وهو موقن بالهلاك، فاستغاث بالمهدي عليه السلام فبينما هو كذلك، فإذا هو برجل في زي أهل البادية، راكب ناقته، قال: فقال:

يا هذا أنت منقطع بك؟ قال: فقلت: نعم، قال: فقال: أتحب أن ألحقك برفقائك؟ قال: قلت: هذا والله مطلوبي لا سواه، فقرب مني وأناخ ناقته، وأردفني خلفه، ومشى فما مشينا خطا يسيرة إلا وقد أدركنا الركب، فلما قربنا منهم أنزلني وقال: هؤلاء رفقاؤك ثم تركني وذهب.

الحكاية الثالثة والخمسون وفيه ومن ذلك ما حدثني به رجل من أهل الايمان من أهل بلادنا، يقال له: الشيخ قاسم، وكان كثير السفر إلى الحج قال: تعبت يوما من المشي، فنمت تحت شجرة فطال نومي ومضى عني الحاج كثيرا فلما انتبهت علمت من الوقت أن نومي قد طال وأن الحاج بعد عني، وصرت لا أدري إلى أين أتوجه، فمشيت على الجهة وأنا أصيح بأعلى صوتي: يا با صالح قاصدا بذلك صاحب الأمر عليه السلام كما ذكره ابن طاوس في كتاب الأمان فيما يقال عند إضلال الطريق.

فبينا أنا أصيح كذلك وإذا براكب على ناقة وهو على زي البدو، فلما رآني قال لي: أنت منقطع عن الحاج؟ فقلت: نعم، فقال: اركب خلفي لألحقك بهم فركبت خلفه، فلم يكن إلا ساعة وإذا قد أدركنا الحاج، فلما قربنا أنزلني وقال لي: امض لشأنك! فقلت له: إن العطش قد أضر بي فأخرج من شداده ركوة فيها ماء، وسقاني منه، فوالله إنه ألذ وأعذب ماء شربته.

ثم إني مشيت حتى دخلت الحاج والتفت إليه فلم أره، ولا رأيته في الحاج قبل ذلك، ولا بعده، حتى رجعنا.

قلت: إن الأصحاب ذكروا أمثال هذه الوقائع في باب من رآه عليه السلام بناء منهم على أن إغاثة الملهوف كذلك في الفلوات، وصدور هذه المعجزات والكرامات لا يتيسر لأحد إلا لخليفة الله في البريات، بل هو من مناصبه الإلهية كما يأتي في الفائدة الأولى، وأبو صالح كنيته عند عامة العرب، يكنونه به في أشعارهم، ومراثيهم وندبهم، والظاهر أنهم أخذوه من الخبر المذكور وأنه عليه السلام المراد من أبي صالح الذي هو مرشد الضال في الطريق، ولو نوقش في ذلك وادعي إمكان صدورها من بعض الصلحاء والأولياء فهو أيضا يدل على المطلوب إذ لا يستغيث شيعته ومواليه عليه السلام إلا من هو منهم، وواسطة بينهم وبين إمامهم الغائب عنهم، بل هو من رجاله وخاصته وحواشيه وأهل خدمته، فالمضطر رأى من رآه عليه السلام.

وقال الشيخ الكفعمي، رحمه الله، في هامش جنته عند ذكر دعاء أم داود:

قيل: إن الأرض لا يخلو من القطب، وأربعة أوتاد، وأربعين أبدالا وسبعين نجيبا وثلاثمائة وستين صالحا، فالقطب هو المهدي عليه السلام، ولا يكون الأوتاد أقل من أربعة لأن الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود وتلك الأربعة أطنابها، وقد يكون الأوتاد أكثر من أربعة، والأبدال أكثر من أربعين، والنجباء أكثر من سبعين والصلحاء أكثر من ثلاث مائة وستين، والظاهر أن الخضر وإلياس، من الأوتاد فهما ملاصقان لدائرة القطب.

وأما صفة الأوتاد، فهم قوم لا يغفلون عن ربهم طرفة عين، ولا يجمعون من الدنيا إلا البلاغ، ولا تصدر منهم هفوات الشر ولا يشترط فيهم العصمة من السهو والنسيان، بل من فعل القبيح، ويشترط ذلك في القطب.

وأما الأبدال فدون هؤلاء في المراقبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكر، ولا يتعمدون ذنبا.

وأما النجباء فهم دون الأبدال.

وأما الصلحاء، فهم المتقون الموفون بالعدالة، وقد يصدر منهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار والندم، قال الله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان، تذكروا فإذا هم مبصرون " جعلنا الله من قسم الأخير لأنا لسنا من الأقسام الأول لكن ندين الله بحبهم وولايتهم ومن أحب قوما حشر معهم.

وقيل: إذا نقص أحد من الأوتاد الأربعة وضع بدله من الأربعين وإذا نقص أحد من الأربعين وضع بدله من السبعين، وإذا نقص أحد من السبعين، وضع بدله من الثلاثمائة وستين، وإذا نقص أحد من الثلاثمائة وستين، وضع بدله من سائر الناس.

الحكاية الرابعة والخمسون حدثني العالم الفاضل الصالح الورع في الدين الآميرزا حسين اللاهيجي المجاور للمشهد الغروي أيده الله، وهو من الصلحاء الأتقياء، والثقة الثبت عند العلماء، قال: حدثني العالم الصفي المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره قدس الله روحه أن السيد الجليل بحر العلوم، أعلى الله مقامه، ورد يوما في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والسلام، فجعل يترنم بهذا المصرع:

جه خوش است صوت قرآن * ز تو دل ربا شنيدن فسئل رحمه الله عن سبب قراءته هذا المصرع، فقل: لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجة عليه السلام جالسا عند الرأس يقرء القرآن بصوت عال، فلما سمعت صوته قرأت المصرع المزبور ولما وردت الحرم ترك قراءة القرآن، وخرج من الحرم الشريف.

الحكاية الخامسة والخمسون رأيت في ملحقات كتاب أنيس العابدين، وهو كتاب كبير في الأدعية والأوراد ينقل عنه العلامة المجلسي في المجلد التاسع عشر من البحار والآميرزا عبد الله تلميذه في الصحيفة الثالثة ما لفظه: نقل عن ابن طاوس رحمه الله أنه سمع سحرا في السرداب عن صاحب الأمر عليه السلام أنه يقول: اللهم إن شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا وبقية طينتنا، وقد فعلوا ذنوبا كثيرة اتكالا على حبنا وولايتنا، فان كانت ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح عنهم فقد رضينا، وما كان منها فيما بينهم فأصلح بينهم وقاص بها عن خمسنا، وأدخلهم الجنة، وزحزحهم عن النار، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك.

قلت: ويوجد في غير واحد من مؤلفات جملة من المتأخرين الذين قاربنا عصرهم والمعاصرين هذه الحكاية بعبارة تخالف العبارة الأولى وهي هكذا:

" اللهم إن شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا وولائنا يوم القيامة، ولا تؤاخذهم بما اقترفوه من السيئات إكراما لنا، ولا تقاصهم يوم القيامة مقابل أعدائنا فان خففت موازينهم فثقلها بفاضل حسناتنا ".

ولم نجد أحدا منهم إلى الآن أسند هذه الحكاية إلى أحد رواها عن السيد أو رآها في واحد من كتبه، ولا نقله العلامة المجلسي ومعاصروه ومن تقدم عليه إلى عهد السيد، ولا يوجد في شئ من كتبه الموجودة التي لم يكن عندهم أزيد منها.

نعم الموجود في أواخر المهج وقد نقله في البحار أيضا هكذا: كنت أنا بسر من رأى، فسمعت سحرا دعاء القائم عليه السلام فحفظت منه [من] الدعاء لمن ذكره " الأحياء والأموات وأبقهم أو قال وأحيهم في عزنا وملكنا وسلطاننا ودولتنا " وكان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة.

وأظن وإن كان بعض الظن إثما أن ما نقلناه أولا مأخوذ من كلام الحافظ الشيخ رجب البرسي ونقل كلماته بالمعنى فإنه قال: في أواخر مشارق الأنوار بعد نقل كلام المهج إلى قوله " ملكنا " ما لفظه: ومملكتنا وإن كان شيعتهم منهم وإليهم وعنايتهم مصروفة إليهم، فكأنه عليه السلام يقول:

اللهم إن شيعتنا منا ومضافين إلينا، وإنهم قد أساؤا وقد قصروا وأخطأوا

رأونا صاحبا لهم رضا منهم، وقد تقبلنا عنهم بذنوبهم، وتحملنا خطاياهم لأن معولهم علينا، ورجوعهم إلينا، فصرنا لاختصاصهم بنا، واتكالهم علينا كأنا أصحاب الذنوب، إذ العبد مضاف إلى سيده، ومعول المماليك إلى مواليهم.

اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا وطمعا في ولايتنا وتعويلا على شفاعتنا، ولا تفضحهم بالسيئات عند أعدائنا، وولنا أمرهم في الآخرة كما وليتنا أمرهم في الدنيا، وإن أحبطت أعمالهم، فثقل موازينهم بولايتنا، وارفع درجاتهم بمحبتنا. انتهى.

وهذه الكلمات كما ترى من تلفيقاته شرحا لكلمات الإمام عليه السلام تقارب العبارة الشائعة، وعصره قريب من عصر السيد، وحرصه على ضبط مثل هذه الكلمات أشد من غيره، فهو أحق بنقلها من غيره لو صحت الرواية وصدقت النسبة وإن لم يكن بعيدا من مقام السيد بعد كلام مهجه، بل له في كتاب كشف المحجة كلمات تنبئ عن أمر عظيم ومقام كريم:

منها قوله: واعلم يا ولدي محمد ألهمك الله ما يريده منك، ويرضى به عنك أن غيبة مولانا المهدي صلوات الله عليه التي تحيرت المخالف وبعض المؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت إمامته، وإمامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جده محمد وعليهم أجمعين لأنك إذا وقفت على كتب الشيعة وغيرهم، مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني ومثل كتاب الشفاء والجلاء، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، والكتب التي أشرت إليها في الطوائف، وجدتها أو أكثرها تضمنت قبل ولادته أنه يغيب عليه السلام غيبة طويلة، حتى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة، كان طعنا في إمامة آبائه وفيه، فصارت الغيبة حجة لهم عليهم السلام وحجة له على مخالفيه في ثبوت إمامته، وصحة غيبته، مع أنه عليه السلام حاضر مع الله على اليقين، وإنما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة له ولرب العالمين.

ومنها قوله فيه: وان أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك

عرفتك من حديث المهدي صلوات الله عليه ما لا يشتبه عليك، وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات ومن الروايات فإنه صلى الله عليه وآله حي موجود على التحقيق، ومعذور عن كشف أمره إلى أن يأذن له تدبير الله الرحيم الشفيق، كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء والأوصياء، فاعلم ذلك يقينا واجعله عقيدة ودينا، فان أباك عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس السماء.

ومنها قوله: واعلم يا ولدي محمد زين الله جل جلاله سرائرك وظواهرك بموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه أنني كنت لما بلغتني ولادتك بمشهد الحسين عليه السلام في زيارة عاشورا قمت بين يدي الله جل جلاله مقام الذل والانكسار والشكر لما رأفني به من ولادتك من المسار والمبار، وجعلتك بأمر الله جل جلاله عبد مولانا المهدي عليه السلام ومتعلقا عليه، وقد احتجنا كم مرة عند حوادث حدث لك إليه ورأيناه في عدة مقامات في مناجاة، وقد تولى قضاء حوائجك بانعام عظيم في حقنا وحقك لا يبلغ وصفي إليه.

فكن في موالاته والوفاء له، وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله و مراد رسوله ومراد آبائه عليهم السلام ومراده عليه السلام منك، وقدم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات، والصدقة عنه قبل الصدقة عنك وعمن يعز عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك، وقدمه عليه السلام في كل خير يكون وفاء له، ومقتضيا لاقباله عليك وإحسانه إليك، واعرض حاجاتك عليه كل يوم الاثنين ويوم الخميس، من كل أسبوع بما يجب له من أدب الخضوع.

ومنها قوله بعد تعليم ولده كيفية عرض الحاجة إليه عليه السلام: واذكر له أن أبا قد ذكر لك أنه أوصى به إليك، وجعلك بإذن الله جل جلاله عبده، وأنني علقتك عليه فإنه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه.

ومما أقول لك يا ولدي محمد ملأ الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق، والتوفيق في معرفة الحق: أن طريق تعريف الله جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات الله وسلامه عليه على قدرته جل جلاله ورحمته:

فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الوسائل عمن سماه قال:

كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي به إلى ربه قال: فكتب إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك فان الجواب يأتيك.

ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب الخرائج عن محمد بن الفرج قال: قال لي علي بن محمد عليهما السلام: إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها، وضع الكتاب تحت مصلاك، ودعه ساعة ثم أخرجه وانظر فيه، قال: ففعلت فوجدت ما سألته عنه موقعا فيه، وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه، والطريق مفتوحة إلى إمامك لمن يريد الله جل جلاله عنايته به، وتمام إحسانه إليه.

ومنها قوله في آخر الكتاب: ثم ما أوردناه بالله جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه عليه السلام في النبوة والرسالة، وورد الجواب في المنام، بما يقتضي حصول القبول والانعام، والوصية بأمرك، والوعد ببرك وارتفاع قدرك انتهى.

وعليك بالتأمل في هذه الكلمات، التي تفتح لك أبوابا من الخير والسعادات ويظهر منها عدم استبعاد كل ما ينسب إليه من هذا الباب، والله الموفق لكل خير وثواب.

الحكاية السادسة والخمسون قال العالم الفاضل المتبحر النبيل الصمداني الحاج المولى رضا الهمداني في المفتاح الأول من الباب الثالث من كتاب مفتاح النبوة في جملة كلام له في أن الحجة عليه السلام قد يظهر نفسه المقدسة لبعض خواص الشيعة: أنه عليه السلام قد أظهر نفسه الشريفة قبل هذا بخمسين سنة لواحد من العلماء المتقين المولى عبد الرحيم الدماوندي الذي ليس لأحد كلام في صلاحه وسداده.

قال: وقال هذا العالم في كتابه: إني رأيته عليه السلام في داري في ليلة مظلمة جدا بحيث لا تبصر العين شيئا واقفا في جهة القبلة وكان النور يسطع من وجهه المبارك حتى أني كنت أرى نقوش الفراش بهذا النور.

الحكاية السابعة والخمسون في كتاب المقامات للعالم الجليل المحدث السيد نعمة الله الجزائري حكاية أخرى: حدثني رجل من أوثق إخواني في شوشتر في دارنا القريبة من المسجد الأعظم قال: لما كنا في بحور الهند تعاطينا عجائب البحر ، فحكى لنا رجل من الثقات قال: روى من أعتمد عليه أنه كان منزله في بلد على ساحل البحر، وكان بينهم وبين جزيرة من جزائر البحر مسير يوم أو أقل، وفي تلك الجزيرة مياههم وحطبهم وثمارهم، وما يحتاجون إليه، فاتفق أنهم على عادتهم ركبوا في سفينة قاصدين تلك الجزيرة، وحملوا معهم زاد يوم.

فلما توسطوا البحر، أتاهم ريح عدلهم عن ذلك القصد، وبقوا على تلك الحالة تسعة أيام حتى أشرفوا على الهلاك من قلة الماء والطعام، ثم إن الهوى رماهم في ذلك اليوم على جزيرة في البحر، فخرجوا إليها وكان فيها المياه العذبة والثمار الحلوة، وأنواع الشجر، فبقوا فيها نهارا ثم حملوا منها ما يحتاجون إليه وركبوا سفينتهم، ودفعوا.

فلما بعدوا عن الساحل، نظروا إلى رجل منهم بقي في الجزيرة فناداهم ولم يتمكنوا من الرجوع فرأوه قد شد حزمة حطب، ووضعها تحت صدره، وضرب البحر عليها قاصدا لحوق السفينة، فحال الليل بينهم وبينه وبقي في البحر.

وأما أهل السفينة، فما وصلوا إلا بعد مضي أشهر، فلما بلغوا أهلهم أخبروا أهل ذلك الرجل فأقاموا مأتمه، فبقوا على ذلك عاما أو أكثر، ثم رأوا أن ذلك الرجل قدم إلى أهله، فتباشروا به، وجاء إليه أصحابه فقص عليهم قصته.

فقال: لما حال الليل بيني وبينكم بقيت تقلبني الأمواج وأنا على الحزمة يومين حتى أوقعتني على جبل في الساحل، فتعلقت بصخرة منه، ولم أطق الصعود إلى جوفه لارتفاعه، فبقيت في الماء وما شعرت إلا بأفعى عظيمة، أطول من المنار

وأغلظ منها، فوقعت على ذلك الجبل، ومدت رأسها تصطاد الحيتان من الماء فوق رأسي فأيقنت بالهلاك وتضرعت إلى الله تعالى فرأيت عقربا يدب على ظهر الأفعى فلما وصل إلى دماغها لسعتها بإبرته، فإذا لحمها قد تناثر عن عظامها، وبقي عظم ظهرها وأضلاعها كالسلم العظيم الذي له مراقي يسهل الصعود عليها.

قال: فرقيت على تلك الأضلاع حتى خرجت إلى الجزيرة شاكرا لله تعالى على ما صنع فمشيت في تلك الجزيرة إلى قريب العصر، فرأيت منازل حسنة مرتفعة البنيان إلا أنها خالية لكن فيها آثار الانس.

قال: فاستترت في موضع منها فلما صار العصر رأيت عبيدا وخدما كل واحد منهم على بغل فنزلوا وفرشوا فرشا نظيفة، وشرعوا في تهيئة الطعام، وطبخه، فلما فرغوا منه رأيت فرسانا مقبلين، عليهم ثياب بيض، وخضر، ويلوح من وجوههم الأنوار فنزلوا وقدم إليهم الطعام.

فلما شرعوا في الأكل قال أحسنهم هيئة، وأعلاهم نورا: ارفعوا حصة من هذا الطعام لرجل غائب، فلما فرغوا ناداني يا فلان بن فلان أقبل فعجبت منه فأتيت إليهم، ورحبوا بي فأكلت ذلك الطعام، وما تحققت إلا أنه من طعام الجنة فلما صار النهار ركبوا بأجمعهم، وقالوا لي: انتظر هنا، فرجعوا وقت العصر وبقيت معهم أياما فقال لي يوما ذلك الرجل الأنور: إن شئت الإقامة معنا في هذه الجزيرة أقمت، وإن شئت المضي إلى أهلك، أرسلنا إلى معك من يبلغك بلدك.

فاخترت على شقاوتي بلادي فلما دخل الليل أمر لي بمركب وأرسل معي عبدا من عبيده، فسرنا ساعة من الليل وأنا أعلم أن بيني وبين أهلي مسيرة أشهر وأيام، فما مضى من الليل قليل منه إلا وقد سمعنا نبيح الكلاب، فقال لي ذلك الغلام: هذا نبيح كلابكم، فما شعرت إلا وأنا واقف على باب داري فقال: هذه دارك انزل إليها.

فلما نزلت، قال لي: قد خسرت الدنيا والآخرة، ذلك الرجل صاحب

الدار عليه السلام فالتفت إلى الغلام فلم أره. وأنا في هذا الوقت بينكم نادما على ما فرطت. هذه حكايتي. وأمثال هذه الغرائب كثيرة لا نطول الكلام بها.

قلت: قد ذكرنا حكاية عن كتاب نور العيون تقرب من هذه إلا أن بينهما اختلاف كثير، والله العالم بالاتحاد والتعدد.

الحكاية الثامنة والخمسون حدثني جماعة من الأتقياء الأبرار، منهم السيد السند، والحبر المعتمد العالم العامل والفقيه النبيه، الكامل المؤيد المسدد السيد محمد ابن العالم الأوحد السيد أحمد ابن العالم الجليل، والحبر المتوحد النبيل، السيد حيدر الكاظمي أيده الله تعالى وهو من أجلاء تلامذة المحقق الأستاذ الأعظم الأنصاري طاب ثراه وأحد أعيان أتقياء بلد الكاظمين عليهما السلام وملاذ الطلاب والزوار والمجاورين، وهو وإخوته وآباؤه أهل بيت جليل، معروفون في العراق بالصلاح والسداد، والعلم والفضل والتقوى، يعرفون ببيت السيد حيدر جده سلمه الله تعالى.

قال فيما كتبه إلي وحدثني به شفاها أيضا: قال محمد بن أحمد بن حيدر الحسني الحسيني: لما كنت مجاورا في النجف الأشرف لأجل تحصيل العلوم الدينية وذلك في حدود السنة الخامسة والسبعين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية كنت أسمع جماعة من أهل العلم وغيرهم من أهل الديانة، يصفون رجلا يبيع البقل وشبهه أنه رأى مولانا الإمام المنتظر سلام الله عليه، فطلبت معرفة شخصه حتى عرفته، فوجدته رجلا صالحا متدينا وكنت أحب الاجتماع معه، في مكان خال لأستفهم منه كيفية رؤيته مولانا الحجة روحي فداه، فصرت كثيرا ما أسلم عليه وأشتري منه مما يتعاطى ببيعه، حتى صار بيني وبينه نوع مودة، كل ذلك مقدمة لتعرف خبره المرغوب في سماعه عندي حتى اتفق لي أني توجهت إلى مسجد السهلة للاستجارة فيه، والصلاة والدعاء في مقاماته الشريفة ليلة الأربعاء.

فلما وصلت إلى باب المسجد رأيت الرجل المذكور على الباب، فاغتنمت الفرصة وكلفته المقام معي تلك الليلة، فأقام معي حتى فرغنا من العمل الموظف في مسجد سهيل وتوجهنا إلى المسجد الأعظم مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة في ذلك الزمان، حيث لم يكن في مسجد السهلة معظم الإضافات الجديدة من الخدام والمساكن.

فلما وصلنا إلى المسجد الشريف، واستقر بنا المقام، وعملنا بعض الأعمال الموظفة فيه، سألته عن خبره والتمست منه أن يحدثني بالقصة تفصيلا، فقال ما معناه:

إني كنت كثيرا ما أسمع من أهل المعرفة والديانة أن من لازم عمل الاستجارة في مسجد السهلة أربعين ليلة أربعاء متوالية، بنية رؤية الإمام المنتظر عليه السلام وفق لرؤيته، وأن ذلك قد جربت مرارا فاشتاقت نفسي إلى ذلك، ونويت ملازمة عمل الاستجارة في كل ليلة أربعاء، ولم يمنعني من ذلك شدة حر ولا برد، ولا مطر ولا غير ذلك، حتى مضى لي ما يقرب من مدة سنة ، وأنا ملازم لعمل الاستجارة وأبات في مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة.

ثم إني خرجت عشية يوم الثلاثاء ماشيا على عادتي وكان الزمان شتاء، وكانت تلك العشية مظلمة جدا لتراكم الغيوم مع قليل مطر، فتوجهت إلى المسجد وأنا مطمئن بمجيئ الناس على العادة المستمرة، حتى وصلت إلى المسجد، وقد غربت الشمس واشتد الظلام وكثر الرعد والبرق، فاشتد بي الخوف وأخذني الرعب من الوحدة لأني لم أصادف في المسجد الشريف أحدا أصلا حتى أن الخادم المقرر للمجئ ليلة الأربعاء لم يجئ تلك الليلة.

فاستوحشت لذلك للغاية ثم قلت في نفسي: ينبغي أن أصلي المغرب وأعمل عمل الاستجارة عجالة، وأمضي إلى مسجد الكوفة فصبرت نفسي، وقمت إلى

صلاة المغرب فصليتها، ثم توجهت لعمل الاستجارة، وصلاتها ودعائها، وكنت أحفظه.

فبينما أنا في صلاة الاستجارة إذ حانت مني التفاتة إلى المقام الشريف المعروف بمقام صاحب الزمان عليه السلام، وهو في قبلة مكان مصلاي، فرأيت فيه ضياء كاملا وسمعت فيه قراءة مصل فطابت نفسي، وحصل كمال الأمن والاطمينان، وظننت أن في المقام الشريف بعض الزوار، وأنا لم أطلع عليهم وقت قدومي إلى المسجد فأكملت عمل الاستجارة، وأنا مطمئن القلب.

ثم توجهت نحو المقام الشريف ودخلته، فرأيت فيه ضياء عظيما لكني لم أر بعيني سراجا ولكني في غفلة عن التفكر في ذلك، ورأيت فيه سيدا جليلا مهابا بصورة أهل العلم، وهو قائم يصلي فارتاحت نفسي إليه، وأنا أظن أنه من الزوار الغرباء لأني تأملته في الجملة فعلمت أنه من سكنة النجف الأشرف.

فشرعت في زيارة مولانا الحجة سلام الله عليه عملا بوظيفة المقام، وصليت صلاة الزيارة، فلما فرغت أردت أكلمه في المضي إلى مسجد الكوفة، فهبته وأكبرته، وأنا أنظر إلى خارج المقام، فأرى شدة الظلام، وأسمع صوت الرعد والمطر، فالتفت إلي بوجهه الكريم برأفة وابتسام، وقال لي: تحب أن تمضي إلى مسجد الكوفة؟ فقلت: نعم يا سيدنا عادتنا أهل النجف إذا تشرفنا بعمل هذا المسجد نمضي إلى مسجد الكوفة، ونبات فيه، لأن فيه سكانا وخداما وماء.

فقام ، وقال: قم بنا نمضي إلى مسجد الكوفة، فخرجت معه وأنا مسرور به وبحسن صحبته فمشينا في ضياء وحسن هواء وأرض يابسة لا تعلق بالرجل وأنا غافل عن حال المطر والظلام الذي كنت أراه، حتى وصلنا إلى باب المسجد وهو روحي فداه معي وأنا في غاية السرور والأمن بصحبته، ولم أر ظلاما ولا مطرا.

فطرقت باب الخارجة عن المسجد، وكانت مغلقة فأجابني الخادم من الطارق؟

فقلت: افتح الباب، فقال: من أين أقبلت في هذه الظلمة والمطر الشديد؟ فقلت: من مسجد السهلة، فلما فتح الخادم الباب التفت إلى ذلك السيد الجليل فلم أره وإذا

بالدنيا مظلمة للغاية، وأصابني المطر فجعلت أنادي يا سيدنا يا مولانا تفضل فقد فتحت الباب، ورجعت إلى ورائي أتفحص عنه وأنادي فلم أر أحدا أصلا وأضر بي الهواء والمطر والبرد في ذلك الزمان القليل.

فدخلت المسجد وانتبهت من غفلتي وكأني كنت نائما فاستيقظت وجعلت ألوم نفسي على عدم التنبه لما كنت أرى من الآيات الباهرة، وأتذكر ما شاهدته وأنا غافل من كراماته: من الضياء العظيم في المقام الشريف مع أني لم أر سراجا ولو كان في ذلك المقام عشرون سراجا لما وفي بذلك الضياء وذكرت أن ذلك السيد الجليل سماني باسمي مع أني لم أعرفه ولم أره قبل ذلك.

وتذكرت أني لما كنت في المقام كنت أنظر إلى فضاء المسجد، فأرى الظلام الشديد، وأسمع صوت المطر والرعد، وإني لما خرجت من المقام مصاحبا له سلام الله عليه، كنت أمشي في ضياء بحيث أرى موضع قدمي، والأرض يابسة والهواء عذب، حتى وصلنا إلى باب المسجد، ومنذ فارقني شاهدت الظلمة والمطر وصعوبة الهواء، إلى غير ذلك من الأمور العجيبة، التي أفادتني اليقين بأنه الحجة صاحب الزمان عليه السلام الذي كنت أتمنى من فضل الله التشرف برؤيته، وتحملت مشاق عمل الاستجارة عند قوة الحر والبرد لمطالعة حضرته سلام الله عليه فشكرت الله تعالى شأنه، والحمد لله.

الحكاية التاسعة والخمسون وقال أدام الله أيام سعادته في كتابه إلي: حكاية أخرى اتفقت لي أيضا وهي أني منذ سنين متطاولة كنت أسمع بعض أهل الديانة والوثاقة يصفون رجلا من كسبة أهل بغداد أنه رأى مولانا الإمام المنتظر سلام الله عليه، وكنت أعرف ذلك الرجل، وبيني وبينه مودة، وهو ثقة عدل، معروف بأداء الحقوق المالية، وكنت أحب أن أسأله بيني وبينه، لأنه بلغني أنه يخفى حديثه ولا يبديه إلا لبعض الخواص ممن يأمن إذاعته خشية الاشتهار، فيهزأ به من ينكر ولادة المهدي وغيبته

أو ينسبه العوام إلى الفخر وتنزيه النفس، وحيث إن هذا الرجل في الحياة لا أحب أن أصرح باسمه خشية كراهته.

وبالجملة فاني في هذه المدة كنت أحب أن أسمع منه ذلك تفصيلا حتى اتفق لي أني حضرت تشييع جنازة من أهل بغداد في أواسط شهر شعبان من هذه السنة، وهي سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفة في حضرة الامامين: مولانا موسى بن جعفر وسيدنا محمد بن علي الجواد سلام الله عليهما وكان الرجل المزبور في جملة المشيعين، فذكرت ما بلغني من قصته، ودعوته وجلسنا في الرواق الشريف، عند باب الشباك النافذ إلى قبة مولانا الجواد عليه السلام، فكلفته بأن يحدثني بالقصة، فقال ما معناه:

إنه في سنة من سني عشرة السبعين، كان عندي مقدار من مال الإمام عليه السلام عزمت على إيصاله إلى العلماء الأعلام في النجف الأشرف، وكان لي طلب على تجارها فمضيت إلى زيارة أمير المؤمنين سلام الله عليه في إحدى زياراته المخصوصة واستوفيت ما أمكنني استيفاؤه من الديون التي كانت لي وأوصلت ذلك إلى متعددين من العلماء الأعلام من طرف الإمام عليه السلام لكن لم يف بما كان علي منه، بل بقي علي مقدار عشرين تومانا فعزمت على إيصال ذلك إلى أحد علماء مشهد الكاظمين.

فلما رجعت إلى بغداد أحببت أداء ما بقي في ذمتي على التعجيل، ولم يكن عندي من النقد شئ فتوجهت إلى زيارة الإمامين عليهما السلام في يوم خميس، وبعد التشرف بالزيارة، دخلت على المجتهد دام توفيقه وأخبرته بما بقي في ذمتي من مال الإمام عليه السلام وسألته أن يحول ذلك علي تدريجا ورجعت إلى بغداد في أواخر النهار حيث لم يسعني لشغل كان لي، وتوجهت إلى بغداد ماشيا لعدم تمكني من كراء دابة.

فلما تجاوزت نصف الطريق رأيت سيدا جليلا مهابا متوجها إلى مشهد الكاظمين عليهما السلام ماشيا، فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال لي: يا فلان وذكر اسمي - لم لم تبق هذه الليلة الشريفة ليلة الجمعة في مشهد الامامين؟ فقلت: يا سيدنا عندي مطلب مهم منعني من ذلك، فقال لي: ارجع معي وبت هذه الليلة الشريفة عند الامامين عليهما السلام وارجع إلى مهمتك غدا إنشاء الله.

فارتاحت نفسي إلى كلامه، ورجعت معه منقادا لأمره، ومشيت معه بجنب نهر جار تحت ظلال أشجار خضرة نضرة، متدلية على رؤوسنا، وهواء عذب، وأنا غافل عن التفكر في ذلك، وخطر ببالي أن هذا السيد الجليل سماني باسمي مع أنه لم أعرفه، ثم قلت في نفسي: لعله هو يعرفني وأنا ناس له.

ثم قلت في نفسي: إن هذا السيد كأنه يريد مني من حق السادة وأحببت أن أوصل إلى خدمته شيئا من مال الإمام الذي عندي، فقلت له: يا سيدنا عندي من حقكم بقية، لكن راجعت فيه جناب الشيخ الفلاني لأؤدي حقكم باذنه

- وأنا أعني السادة - فتبسم في وجهي، وقال: نعم، وقد أوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف أيضا. وجرى على لساني أني قلت له: ما أديته مقبول؟

فقال: نعم، ثم خطر في نفسي أن هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام " وكلائنا " واستعظمت ذلك: ثم قلت: العلماء وكلاء على قبض حقوق السادة وشملتني الغفلة.

ثم قلت: يا سيدنا قراء تعزية الحسين عليه السلام يقرؤن حديثا أن رجلا رأى في المنام هودجا بين السماء والأرض فسأل عمن فيه، فقيل له: فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى، فقال: إلى أين يريدون؟ فقيل: زيارة الحسين عليه السلام في هذه الليلة ليلة الجمعة، ورأي رقاعا تتساقط من الهودج، مكتوب فيها أمان من النار لزوار الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة، هذا الحديث صحيح؟ فقال عليه السلام: نعم زيارة الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة.

قال: وكنت قبل هذه الحكاية بقليل قد تشرفت بزيارة مولانا الرضا عليه السلام فقلت له: يا سيدنا قد زرت الرضا علي بن موسى عليهما السلام وقد بلغني أنه ضمن لزواره الجنة، هذا صحيح؟ فقال عليه السلام: هو الامام الضامن، فقلت: زيارتي مقبولة؟

فقال عليه السلام: نعم مقبولة.

وكان معي في طريق الزيارة رجل متدين من الكسبة، وكان خليطا لي وشريكا في المصرف، فقلت له: يا سيدنا إن فلانا كان معي في الزيارة زيارته مقبولة؟ فقال: نعم، العبد الصالح فلان بن فلان زيارته مقبولة، ثم ذكرت له جماعة من كسبة أهل بغداد كانوا معنا في تلك الزيارة وقلت: إن فلانا وفلانا و ذكرت أسماءهم كانوا معنا، زيارتهم مقبولة؟ فأدار عليه السلام وجهه إلى الجهة الأخرى وأعرض عن الجواب، فهبته وأكبرته وسكت عن سؤاله فلم أزل ماشيا معه على الصفة التي ذكرتها حتى دخلنا الصحن الشريف ثم دخلنا الروضة المقدسة، من الباب المعروف بباب المراد، فلم يقف على باب الرواق، ولم يقل شيئا حتى وقف على باب الروضة من عند رجلي الإمام موسى

عليه السلام، فوقفت بجنبه، وقلت له: يا سيدنا اقرأ حتى أقرأ معك، فقال:

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، وساق على باقي أهل العصمة عليهم السلام حتى وصل إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.