بحارالانوار · المجلد الثالث عشر
باب ذكر بناء مسجد جمكران، بأمر الإمام المهدي عليه صلوات الله الرحمن وعلى آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدس في جمكران بأمر الإمام عليه السلام على ما أخبر به
ج ۵۳، ص ۲۵۸–۲۸۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۴
فلما وصلت إليه رأيته محيطا بالبحر إلا طرفا منه يتصل بالصحراء واستشممت منه رائحة الفواكه، ففرحت وزاد شوقي، وصعدت قدرا من الجبل حتى إذا بلغت إلى وسطه في موضع أملس مقدار عشرين ذراعا لا يمكن الاجتياز منه أبدا، فتحيرت في أمري فصرت أتفكر في أمري فإذا أنا بحية عظيمة كالأشجار العظيمة تستقبلني في غاية السرعة، ففررت منها منهزما مستغيثا بالله تبارك وتعالى في النجاة من شرها كما نجاني من الغرق.
فإذا أنا بحيوان شبه الأرنب قصد الحية مسرعا من أعلى الجبل حتى وصل إلى ذنبها فصعد منه حتى إذا وصل رأس الحية إلى ذلك الحجر الأملس وبقي ذنبه فوق الحجر، وصل الحيوان إلى رأسها وأخرج من فمه حمة مقدار أصبع فأدخلها
في رأسها ثم نزعها وأدخلها في موضع آخر منها وولى مدبرا فماتت الحية في مكانها من وقتها، وحدث فيها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة فما كان بأسرع من أن ذاب لحمها، وسال في البحر، وبقي عظامها كسلم ثابت في الأرض يمكن الصعود منه.
فتفكرت في نفسي، وقلت: إن بقيت هنا أموت من الجوع فتوكلت على الله في ذلك، وصعدت منها حتى علوت الجبل، وسرت من طرف قبلة الجبل فإذا أنا بحديقة بالغة حد الغاية في الغضارة والنضارة والطراوة والعمارة فسرت حتى دخلتها وإذا فيها أشجار مثمرة كثيرة، وبناء عال مشتمل على بيوتات، وغرف كثيرة في وسطها.
فأكلت من تلك الفواكه، واختفيت في بعض الغرف وأنا أتفرج الحديقة وأطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البر قاصدي الحديقة، يقدمهم رجل ذو بهاء وجمال وجلال، وغاية من المهابة، يعلم من ذلك أنه سيدهم، فدخلوا الحديقة، ونزلوا من خيولهم وخلوا سبيلها، وتوسطوا القصر فتصدر السيد وجلس الباقون متأدبين حوله.
ثم أحضروا الطعام، فقال لهم ذلك السيد: إن لنا في هذا اليوم ضيفا في الغرفة الفلانية ولا بد من دعوته إلى الطعام فجاء بعضهم في طلبي فخفت وقلت: اعفني من ذلك، فأخبر السيد بذلك، فقال: اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله، فلما فرغنا من الطعام، أمر باحضاري وسألني عن قصتي، فحكيت له القصة، فقال: أتحب أن ترجع إلى أهلك؟ قلت: نعم، فأقبل على واحد منهم، وأمره بايصالي إلى أهلي، فخرجت أنا وذلك الرجل من عنده.
فلما سرنا قليلا قال لي الرجل: انظر فهذا سور بغداد! فنظرت إذا أنا بسوره وغاب عني الرجل، فتفطنت من ساعتي هذه، وعلمت أني لقيت سيدي ومولاي عليه السلام، ومن سوء حظي حرمت من هذا الفيض العظيم، فدخلت بلدي وبيتي في غاية من الحسرة والندامة.
قلت: وحدثني العالم الفقيه النبيه الصفي الحاج المولى الهادي الطهراني قدس سره أنه رأى هذه الحكاية في الرسالة المذكورة، والظاهر أن اسمها بهجة الأولياء.
الحكاية الثلاثون وفيه: وعن المولى المتقي المذكور قال: حدثني ثقة صالح من أهل العلم من سادات شولستان، عن رجل ثقة أنه قال: اتفق في هذه السنين أن جماعة من أهل بحرين عزموا على إطعام جمع من المؤمنين على التناوب، فأطعموا حتى بلغ النوبة إلى رجل منهم لم يكن عنده شئ، فاغتم لذلك وكثر حزنه وهمه، فاتفق أنه خرج ليلة إلى الصحراء، فإذا بشخص قد وافاه، وقال له: اذهب إلى التاجر الفلاني وقل: يقول لك محمد بن الحسن أعطني الاثنا عشر دينارا التي نذرتها لنا فخذها منه وأنفقها في ضيافتك، فذهب الرجل إلى ذلك التاجر، وبلغه رسالة الشخص المذكور.
فقال التاجر: قال لك ذلك محمد بن الحسن بنفسه؟ فقال البحريني: نعم، فقال:
عرفته؟ فقال: لا، فقال التاجر: هو صاحب الزمان عليه السلام وهذه الدنانير نذرتها له.
فأكرم الرجل وأعطاه المبلغ المذكور، وسأله الدعاء، وقال له: لما قبل نذري أرجو منك أن تعطيني منه نصف دينار وأعطيك عوضه، فجاء البحريني وأنفق المبلغ في مصرفه وقال ذلك الثقة: إني سمعت القصة عن البحريني بواسطتين.
ومما استطرفناه من هذا الكتاب ويناسب المقصود أن المؤلف ذكر في باب من رأى أربعة عشر حكاية ذكرنا منها اثنتين وإحدى عشرة منها موجودة في البحار وذكر في الرابعة عشر قصة عجيبة.
قال: يقول المؤلف الضعيف محمد باقر الشريف إن في سنة ألف ومائة وثلاث وسبعين كنت في طريق مكة المعظمة، صاحبت رجلا ورعا موثقا يسمى حاج عبد الغفور في ما بين الحرمين، وهو من تجار تبريز يسكن في اليزد، وقد حج
قبل ذلك ثلاث مرات وبنى في هذا السفر على مجاورة بيت الله سنتين، ليدرك فيض الحج ثلاث سنين متوالية.
ثم بعد ذلك في سنة ألف ومائة وستة وسبعين، حين معاودتي من زيارة المشهد الرضوي على صاحبه السلام - رأيته أيضا في اليزد، وقد مر في رجوعه من مكة، بعد ثلاث حجات إلى بندر صورت من بنادر هند لحاجة له، ورجع في سنة إلى بيته فذكر لي عند اللقاء أني سمعت من مير أبو طالب أن في السنة الماضية جاء مكتوب من سلطان الإفرنج إلى الرئيس الذي يسكن بندر بمبئي من جانبه ويعرف بجندر أن في هذا الوقت ورد علينا رجلان عليهما لباس الصوف ويدعي أحدهما أن عمره سبعمائة وخمسين سنة، والآخر سبعمائة سنة، ويقولان: بعثنا صاحب الأمر عليه السلام لندعوكم إلى دين محمد المصطفى عليه السلام، ويقولان: إن لم تقبلوا دعوتنا ولم تتدينوا بديننا، يغرق البحر بلادكم بعد ثمان أو عشر سنين، والترديد من الحاج المذكور، وقد أمرنا بقتلهما فلم يعمل فيهما الحديد، ووضعناهما على الأثواب وقيناره فلم يحترقا فشددنا أيديهما وأرجلهما وألقيناهما في البحر فخرجا منه سالمين.
وكتب إلى الرئيس أن يتفحص في أرباب مذاهب الاسلام واليهود والمجوس والنصارى، وأنهم هل رأوا ظهور صاحب الأمر عليه السلام في آخر الزمان في كتبهم أم لا؟
قال الحاج المزبور: وقد سألت من قسيس كان في بندر صورت عن صحة المكاتبة المذكورة فذكر لي كما سمعت، وسلالة النجباء مير أبو طالب وميرزا بزرك الإيراني، وهم الآن من وجوه معارف البندر المذكور نقلا لي كما ذكرت، وبالجملة الخبر مشهور منتشر في تلك البلدة والله العالم.
الحكاية الحادية والثلاثون حدثني العالم النبيل، والفاضل الجليل، الصالح الثقة العدل الذي قل له البديل، الحاج المولى محسن الأصفهاني المجاور لمشهد أبي عبد الله عليه السلام حيا وميتا وكان من أوثق أئمة الجماعة قال: حدثني السيد السند، والعالم المؤيد، التقي الصفي السيد محمد بن السيد مال الله بن السيد معصوم القطيفي رحمهم الله ، قال: قصدت مسجد الكوفة في بعض ليالي الجمع، وكان في زمان مخوف لا يتردد إلى المسجد أحد إلا مع عدة وتهيئة، لكثرة من كان في أطراف النجف الأشرف من القطاع واللصوص، وكان معي واحد من الطلاب.
فلما دخلنا المسجد لم نجد فيه إلا رجلا واحدا من المشتغلين فأخذنا في آداب المسجد، فلما حان غروب الشمس، عمدنا إلى الباب فأغلقناه، وطرحنا خلفه من الأحجار والأخشاب والطوب والمدر إلى أن اطمأنا بعدم إمكان انفتاحه من الخارج عادة.
ثم دخلنا المسجد، واشتغلنا بالصلاة والدعاء فلما فرغنا جلست أنا ورفيقي في دكة القضاء مستقبل القبلة، وذاك الرجل الصالح كان مشغولا بقراءة دعاء كميل في الدهليز القريب من باب الفيل بصوت عال شجي، وكانت ليلة قمراء صاحية وكنت متوجها إلى نحو السماء.
فبينا نحن كذلك فإذا بطيب قد انتشر في الهواء، وملأ الفضاء أحسن من ربيح نوافج المسك الأذفر، وأروح للقلب من النسيم إذا تسحر، ورأيت في خلال أشعة القمر أشعاعا كشعلة النار، قد غلب عليها، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرجل الداعي، فالتفت فإذا أنا بشخص جليل، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زي لباس الحجاز، وعلى كتفه الشريف سجادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن، وكان يمشي في سكينة ووقار، وهيبة وجلال
قاصدا باب المسلم ولم يبق لنا من الحواس إلا البصر الخاسر، واللب الطائر فلما صار بحذائنا من طرف القبلة، سلم علينا.
قال رحمه الله: أما رفيقي فلم يبق له شعور أصلا، ولم يتمكن من الرد وأما أنا فاجتهدت كثيرا إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقة، فلما دخل باب المسجد وغاب عنا تراجعت القلوب إلى الصدور، فقلنا: من كان هذا ومن أين دخل؟ فمشينا نحو ذلك الرجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين فسألناه عن حقيقة الحال، فقال: واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلبا للتشرف بلقاء خليفة العصر، وناموس الدهر عجل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الأربعين ولم أتزود من لقائه ظاهرا، غير أني حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فإذا به عليه السلام واقفا على رأسي فالتفت إليه عليه السلام فقال: " چه ميكني " أو " چه ميخواني " أي ما تفعل؟ أو ما تقرأ؟ والترديد من الفاضل المتقدم، ولم أتمكن من الجواب فمضى عني كما شاهدتموه، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه، فرجعنا شاكرين متحسرين.
قلت: وهذا السيد كان عظيم الشأن، جليل القدر، وكان شيخنا الأستاذ العلامة الشيخ عبد الحسين الطهراني أعلى الله مقامه كثيرا ما يذكره بخير ويثني عليه ثناء بليغا قال: كان رحمه الله تقيا صالحا وشاعرا مجيدا وأديبا قارئا غريقا في بحار محبة أهل البيت عليهم السلام وأكثر ذكره وفكره فيهم ولهم، حتى أنا كثيرا ما نلقاه في الصحن الشريف، فنسأله عن مسألة أدبية فيجيبنا، ويستشهد في خلال كلامه بما أنشده هو وغيره في المراثي فتتغير حاله فيشرع في ذكر مصائبهم على أحسن ما ينبغي وينقلب مجلس الشعر والأدب إلى مجلس المصيبة والكرب، وله رحمه الله قصائد رائقة في المراثي دائرة على ألسن القراء منها القصيدة التي أولها:
مالي إذا ما الليل جنا * أهفو لمن غنى وحنا وهي طويلة، ومنها القصيدة التي أولها:
ألقت لي الأيام فضل قيادها * فأردت غير مرامها ومرادها الخ.
ومنها القصيدة التي يقول فيها في مدح الشهداء:
وذوي المروة والوفا أنصاره * لهم على الجيش اللهام زئير طهرت نفوسهم بطيب أصولها * فعناصر طابت لهم وحجور عشقوا العنا للدفع لا عشقوا * العنا للنفع لكن امضي المقدور فتمثلت لهم القصور وما بهم * لولا تمثلت القصور قصور ما شاقهم للموت إلا وعدة الر * حمن لا ولدانها والحور الخ.
الحكاية الثانية والثلاثون في شهر جمادي الأولى من سنة ألف ومائتين وتسعة وتسعين ورد الكاظمين عليهما السلام رجل اسمه آقا محمد مهدي وكان من قاطني بندر ملومين من بنادر ماجين وممالك برمه وهو الآن في تصرف الانجريز، ومن بلدة كلكتة قاعدة سلطنة ممالك الهند إليه مسافة ستة أيام من البحر مع المراكب الدخانية، وكان أبوه من أهل شيراز ولكنه ولد وتعيش في البندر المذكور، وابتلى قبل التاريخ المذكور بثلاث سنين بمرض شديد، فلما عوفي منه بقي أصم أخرس.
فتوسل لشفاء مرضه بزيارة أئمة العراق عليهم السلام وكان له أقارب في بلدة كاظمين عليهما السلام من التجار المعروفين، فنزل عليهم وبقي عندهم عشرين يوما فصادف وقت حركة مركب الدخان إلى سر من رأى لطغيان الماء فأتوا به إلى المركب وسلموه إلى راكبيه، وهم من أهل بغداد وكربلا، وسألوهم المراقبة في حاله والنظر في حوائجه لعدم قدرته على إبرازها وكتبوا إلى بعض المجاورين من أهل سامرا للتوجه في أموره.
فلما ورد تلك الأرض المشرفة والناحية المقدسة، أتى إلى السرداب المنور بعد الظهر من يوم الجمعة العاشر من جمادي الآخرة من السنة المذكورة، وكان فيه جماعة من الثقات والمقدسين إلى أن أتى إلى الصفة المباركة فبكى وتضرع
فيها زمانا طويلا وكان يكتب قبيله حاله على الجدار، ويسأل من الناظرين الدعاء والشفاعة.
فما تم بكاؤه وتضرعه إلا وقد فتح الله تعالى لسانه، وخرج باعجاز الحجة عليه السلام من ذلك المقام المنيف مع لسان ذلق، وكلام فصيح، واحضر في يوم السبت في محفل تدريس سيد الفقهاء وشيخ العلماء رئيس الشيعة، وتاج الشريعة المنتهى إليه رياسة الإمامية سيدنا الأفخم وأستاذنا الأعظم الحاج الآميرزا محمد حسن الشيرازي متع الله المسلمين بطول بقائه، وقرأ عنده متبركا سورة المباركة الفاتحة بنحو أذعن الحاضرون بصحته وحسن قراءته، وصار يوما مشهودا ومقاما محمودا.
وفي ليلة الأحد والاثنين اجتمع العلماء والفضلاء في الصحن الشريف فرحين مسرورين، وأضاؤوا فضاءه من المصابيح والقناديل، ونظموا القصة ونشروها في البلاد، وكان معه في المركب مادح أهل البيت عليهم السلام الفاضل اللبيب الحاج ملا عباس الصفار الزنوزي البغدادي فقال - وهو من قصيدة طويلة ورآه مريضا وصحيحا:
وفي عامها جئت والزائرين * إلى بلدة سر من قد رآها رأيت من الصين فيها فتى * وكان سمي إمام هداها يشير إذا ما أراد الكلام * وللنفس منه... كذا براها وقد قيد السقم منه الكلام * وأطلق من مقلتيه دماها فوافا إلى باب سرداب من * به الناس طرا ينال مناها يروم بغير لسان يزور * وللنفس منه دهت بعناها وقد صار يكتب فوق الجدار * ما فيه للروح منه شفاها أروم الزيارة بعد الدعاء * ممن رأى أسطري وتلاها لعل لساني يعود الفصيح * وعلي أزور وأدعو الإلها إذا هو في رجل مقبل * تراه ورى البعض من أتقياها
تأبط خير كتاب له * وقد جاء من حيث غاب ابن طه فأومى إليه ادع ما قد كتب * وجاء فلما تلاه دعاها وأوصى به سيدا جالسا * أن ادعوا له بالشفاء شفاها فقام وأدخله غيبة الامام * المغيب من أوصياها وجاء إلى حفرة الصفة * التي هي للعين نور ضياها وأسرج آخر فيها السراج * وأدناه من فمه ليراها هناك دعا الله مستغفرا * وعيناه مشغولة ببكاها ومذ عاد منها يريد الصلاة * قد عاود النفس منه شفاها وقد أطلق الله منه اللسان * وتلك الصلاة أتم أداها ولما بلغ الخبر إلى خريت صناعة الشعر السيد المؤيد الأديب اللبيب فخر الطالبيين، وناموس العلويين، السيد حيدر بن السيد سليمان الحلي أيده الله تعالى بعث إلى سر من رأى كتابا صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم لما هبت من الناحية المقدسة نسمات كرم الإمامة فنشرت نفحات عبير هاتيك الكرامة، فأطلقت لسان زائرها من اعتقاله، عندما قام عندها في تضرعه وابتهاله، أحببت أن أنتظم في سلك من خدم تلك الحضرة، في نظم قصيدة تتضمن بيان هذا المعجز العظيم ونشره، وأن أهنئ علامة الزمن وغرة وجهه الحسن، فرع الأراكة المحمدية، ومنار الملة الأحمدية، علم الشريعة، وإمام الشيعة، لأجمع بين العبادتين في خدمة هاتين الحضرتين، فنظمت هذه القصيدة الغراء، وأهديتها إلى دار إقامته وهي سامرا، راجيا أن تقع موقع القبول، فقلت ومن الله بلوغ المأمول:
كذا يظهر المعجز الباهر * ويشهده البر والفاجر وتروى الكرامة مأثورة * يبلغها الغائب الحاضر يقر لقوم بها ناظر * ويقذي لقوم بها ناظر فقلب لها ترحا واقع * وقلب بها فرحا طائر
أجل طرف فكرك يا مستدل * وأنجد بطرفك يا غائر تصفح مآثر آل الرسول * وحسبك ما نشر الناشر ودونكه نباء صادقا * لقلب العدو هو الباقر فمن صاحب الأمر أمس استبان * لنا معجز أمره باهر بموضع غيبته مذ ألم * أخو علة داؤها ظاهر رمى فمه باعتقال اللسان * رام هو الزمن الغادر فأقبل ملتمسا للشفاء * لدى من هو الغائب الحاضر ولقنه القول مستأجر * عن القصد في أمره جائر فبيناه في تعب ناصب * ومن ضجر فكره حائر إذ انحل من ذلك الاعتقال * وبارحه ذلك الضائر فراح لمولاه في الحامدين * وهو لآلائه ذاكر لعمري لقد مسحت داءه * يد كل خلق لها شاكر يد لم تزل رحمة للعباد * لذلك أنشأها الفاطر تحدر وإن كرهت أنفس * يضيق شجى صدرها الواغر وقل إن قائم آل النبي * له النهي وهو هو الآمر أيمنع زائره الاعتقال * مما به ينطق الزائر ويدعوه صدقا إلى حله * ويقضي على أنه القادر ويكبو مرجيه دون الغياث * وهو يقال به العاثر فحاشاه بل هو نعم المغيث * إذا نضنض الحارث الفاغر فهذي الكرامة لا ما غدا * يلفقه الفاسق الفاجر أدم ذكرها يا لسان الزمان * وفي نشرها فمك العاطر وهن بها سر من را ومن * به ربعها آهل عامر
هو السيد الحسن المجتبى * خضم الندى غيثه الهامر وقل يا تقدست من بقعة * بها يهب الزلة الغافر كلا أسميك في الناس باد له * بأوجههم أثر ظاهر فأنت لبعضهم سر من * رأى وهو نعت لهم ظاهر وأنت لبعضهم ساء من * رأى وبه يوصف الخاسر لقد أطلق الحسن المكرمات * مهياك فهو بهي سافر فأنت حديقة زهو به * وأخلافه روضك الناضر عليم تربى بحجر الهدى * ونسج التقى برده الطاهر إلى أن قال سلمه الله تعالى:
كذا فلتكن عترة المرسلين * وإلا فما الفخر يا فاخر الحكاية الثالثة والثلاثون حدثني الثقة العدل الأمين آغا محمد المجاور لمشهد العسكريين عليهما السلام المتولي لأمر الشموعات، لتلك البقعة العالية، فيما ينيف على أربعين سنة، وهو أمين السيد الأجل الأستاذ دام علاه، عن أمه وهي من الصالحات قالت: كنت يوما في السرداب الشريف، مع أهل بيت العالم الرباني والمؤيد السبحاني المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره - رحمه الله - وكان حين مجاورته في هذه البلدة الشريفة لبناء سورها.
قالت: وكان يوم الجمعة، والمولى المذكور يقرأ دعاء الندبة، وكنا نقرؤها بقراءته، وكان يبكي بكاء الواله الحزين، ويضج ضجيج المستصرخين، وكنا نبكي ببكائه، ولم يكن معنا فيه غيرنا.
فبينا نحن في هذه الحالة، وإذا بشرق مسك ونفحته قد انتشر في السرداب وملاء فضاءه وأخذ هواءه واشتد نفاحه، بحيث ذهبت عن جميعنا تلك الحالة فسكتنا كأن على رؤوسنا الطير، ولم نقدر على حركة وكلام، فبقينا متحيرين إلى أن مضى
زمان قليل، فذهب ما كنا نستشمه من تلك الرائحة الطيبة ورجعنا إلى ما كنا فيه من قراءة الدعاء فلما رجعنا إلى البيت سألت عن المولى رحمه الله عن سبب ذلك الطيب، فقال: مالك والسؤال عن هذا وأعرض عن جوابي.
وحدثني الأخ الصفي العالم المتقي الآغا علي رضا الأصفهاني الذي مر ذكره، وكان صديقه وصاحب سره، قال: سألته يوما عن لقائه الحجة عليه السلام وكنت أظن في حقه ذلك كشيخه السيد المعظم العلامة الطباطبائي كما تقدم فأجابني بتلك الواقعة، حرفا بحرف، وقد ذكرت في دار السلام بعض كراماته ومقاماته رحمة الله عليه.
الحكاية الرابعة والثلاثون قال الفاضل الجليل النحرير الا ميرزا عبد الله الإصفهاني الشهير بالأفندي في المجلد الخامس من كتاب رياض العلماء في ترجمة الشيخ بن [أبي] الجواد النعماني أنه ممن رأى القائم عليه السلام في زمن الغيبة الكبرى، وروى عنه عليه السلام ورأيت في بعض المواضع نقلا عن خط الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن محمد الخازن الحائري تلميذ الشهيد أنه قد رأى ابن أبي جواد النعماني مولانا المهدي عليه السلام فقال له: يا مولاي لك مقام بالنعمانية، ومقام بالحلة، فأين تكون فيهما؟ فقال له: أكون بالنعمانية ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، ويوم الجمعة وليلة الجمعة أكون بالحلة ولكن أهل الحلة ما يتأدبون في مقامي، وما من رجل دخل مقامي بالأدب يتأدب ويسلم علي وعلى الأئمة وصلى علي وعليهم اثني عشر مرة ثم صلى ركعتين بسورتين، وناجى الله بهما المناجاة، إلا أعطاه الله تعالى ما يسأله، أحدها المغفرة.
فقلت: يا مولاي علمني ذلك، فقال: قل: اللهم قد أخذ التأديب مني حتى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، وإن كان ما اقترفته من الذنوب أستحق به أضعاف أضعاف ما أدبتني به، وأنت حليم ذو أناة تعفو عن كثير حتى يسبق عفوك ورحمتك عذابك، وكررها علي ثلاثا حتى فهمتها.
قلت: والنعمانية بلد بين واسط وبغداد، والظاهر أن منه الشيخ أبا عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب الشهير بالنعماني المعروف بابن أبي زينب تلميذ الكليني وهو صاحب الغيبة والتفسير، وهو والشيخ الصفواني المعاصر له، قد ضبط كل واحد منهما نسخة الكافي ولذا ترى أنه قد يقع في الكافي كثيرا: وفي نسخة النعماني كذا، وفي نسخة الصفواني كذا.
الحكاية الخامسة والثلاثون السيد الأجل علي بن طاوس في جمال الأسبوع أنه شاهد أحد صاحب الزمان عليه السلام وهو يزور بهذه الزيارة أمير المؤمنين عليه السلام في اليقظة لا في النوم، يوم الأحد وهو يوم أمير المؤمنين عليه السلام:
[السلام] على الشجرة النبوية، والدوحة الهاشمية المضيئة، المثمرة بالنبوة المونعة بالإمامة، السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى الملائكة المحدقين بك، والحافين بقبرك، يا مولاي يا أمير المؤمنين هذا يوم الأحد، وهو يومك وباسمك، وأنا ضيفك فيه وجارك، فأضفني يا مولاي، وأجرني فإنك كريم، تحب الضيافة، ومأمول بالإجابة، فافعل ما رغبت إليك فيه، ورجوته منك، بمنزلتك وآل بيتك عند الله ومنزلته عندكم، وبحق ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وآله وعليكم أجمعين.
الحكاية السادسة والثلاثون العلامة الحلي رحمه الله في منهاج الصلاح قال: نوع آخر من الاستخارة رويته عن والدي الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر رحمه الله عن السيد رضي الدين محمد الآوي الحسيني عن صاحب الأمر عليه السلام وهو أن يقرء فاتحة الكتاب عشر مرات وأقله ثلاث مرات، والأدون منه مرة، ثم يقرء " إنا أنزلناه " عشر مرات ثم يقرء هذا الدعاء ثلاث مرات: اللهم إني أستخيرك لعلمك بعواقب الأمور
وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور، اللهم إن كان الأمر الفلاني قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحفت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لي فيه خيرة ترد شموسه ذلولا، تقعض أيامه سرورا. اللهم إما أمر فأئتمر وإما نهي فأنتهي اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية.
ثم يقبض على قطعة من السبحة، ويضمر حاجته، ويخرج إن كان عدد تلك القطعة زوجا فهو افعل وإن كان فردا لا تفعل، أو بالعكس.
قال الكفعمي رحمه الله: نيطت تعلقت، وناط الشئ تعلق، وهذا منوط بك أي متعلق، والأنواط المعاليق، ونيط فلان بكذا أي تعلق قال الشاعر:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وأعجاز الشئ آخره، وبواديه أوله. ومفتتح الأمر ومبتدأه، ومهله وعنفوانه، وأوائله وموارده وبدائهه وبواديه نظائر وشوافعه وتواليه وأعقابه ومصادره ورواجعه ومصائره وعواقبه وأعجازه نظائر، وقوله شموسه أي صعوبته ورجل شموس: أي صعب الخلق، ولا تقل: شموص بالصاد، وأشمس الفرس منع ظهره، والذلول ضد الصعوبة، وتقعض أي ترد وتعطف، وقعضت العود عطفته وتقعص بالصاد تصحيف والعين مفتوحة لأنه إذا كانت عين الفعل أو لامه أحد حروف الحلق كان الأغلب فتحها في المضارع.
قال في البحار: وفي كثير من النسخ بالصاد المهملة، ولعله مبالغة في السرور وهذا شائع في العرب والعجم، يقال لمن أصابه سرور عظيم: مات سرورا أو يكون المراد به الانقضاء أي تنقضي بالسرور، والتعبير به لأن أيام السرور سريعة الانقضاء، فان القعص الموت سريعا فعلى هذا يمكن أن يقرء على بناء المعلوم والمجهول، و " أيامه " بالرفع والنصب معا.
قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: ومنها الاستخارة بالعدد ولم يكن هذه مشهورة في العصور الماضية، قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين محمد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي رضي الله عنه، وقد رويناها عنه وجميع
مروياته عن عدة من مشايخنا، عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين ابن المطهر عن السيد الرضي، عن صاحب الأمر عليه السلام وتقدم عنه رحمه الله حكاية أخرى.
وهذه الحكاية ذكرها المحقق الكاظميني في مسألة الاجماع في بعض وجوهه في عداد من تلقى عن الحجة عليه السلام في غيبته الكبرى بعض الأحكام سماعا أو مكاتبة.
الحكاية السابعة والثلاثون في كتاب إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للشيخ المحدث الجليل محمد بن الحسن الحر العاملي رحمه الله قال: قد أخبرني جماعة من ثقات الأصحاب أنهم رأوا صاحب الأمر عليه السلام في اليقظة، وشاهدوا منه معجزات متعددات، وأخبرهم بعدة مغيبات، ودعا لهم بدعوات مستجابات، وأنجاهم من أخطار مهلكات.
قال رحمه الله: وكنا جالسين في بلادنا في قرية مشغر في يوم عيد، ونحن جماعة من أهل العلم والصلحاء، فقلت لهم: ليت شعري في العيد المقبل من يكون من هؤلاء حيا ومن يكون قد مات؟ فقال لي رجل كان اسمه " الشيخ محمد " وكان شريكنا في الدروس: أنا أعلم أني أكون في عيد آخر حيا وفي عيد آخر حيا وعيد آخر إلى ستة وعشرين سنة، وظهر منه أنه جازم بذلك من غير مزاح، فقلت له:
أنت تعلم الغيب؟ قال: لا، ولكني رأيت المهدي عليه السلام في النوم وأنا مريض شديد المرض، فقلت له: أنا مريض وأخاف أن أموت، وليس لي عمل صالح ألقى الله به فقال: لا تخف فان الله تعالى يشفيك من هذا المرض، ولا تموت فيه بل تعيش ستا وعشرين سنة ثم ناولني كأسا كان في يده فشربت منه وزال عني المرض وحصل لي الشفاء، وأنا أعلم أن هذا ليس من الشيطان.
فلما سمعت كلام الرجل كتبت التاريخ، وكان سنة ألف وتسعة وأربعين ومضت لذلك مدة وانتقلت إلى المشهد المقدس سنة ألف واثنين وسبعين، فلما كانت السنة الأخيرة وقع في قلبي أن المدة قد انقضت فرجعت إلى ذلك التاريخ
وحسبته فرأيته قد مضى منه ست وعشرون سنة، فقلت: ينبغي أن يكون الرجل مات.
فما مضت مدة نحو شهر أو شهرين حتى جاءتني كتابة من أخي - وكان في البلاد - يخبرني أن الرجل المذكور مات.
الحكاية الثامنة والثلاثون وفي الكتاب المذكور قال رحمه الله: إني كنت في عصر الصبي وسني عشر سنين أو نحوها أصابني مرض شديد جدا حتى اجتمع أهلي وأقاربي وبكوا وتهيأوا للتعزية، وأيقنوا أني أموت تلك الليلة.
فرأيت النبي والأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم، وأنا فيما بين النائم واليقظان، فسلمت عليهم وصافحتهم واحدا واحدا، وجرى بيني وبين الصادق عليه السلام كلام، ولم يبق في خاطري إلا أنه دعا لي.
فلما سلمت على الصاحب عليه السلام، وصافحته، بكيت وقلت: يا مولاي أخاف أن أموت في هذا المرض، ولم أقض وطري من العلم والعمل، فقال عليه السلام: لا تخف فإنك لا تموت في هذا المرض بل يشفيك الله تعالى وتعمر عمرا طويلا ثم ناولني قدحا كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عني المرض بالكلية، وجلست وتعجب أهلي وأقاربي، ولم أحدثهم بما رأيت إلا بعد أيام.
الحكاية التاسعة والثلاثون وحدثني الثقة الأمين آغا محمد المتقدم ذكره قال: كان رجل من أهل سامراء من أهل الخلاف يسمى مصطفى الحمود، وكان من الخدام الذين ديدنهم أذية الزوار، وأخذ أموالهم بطرق فيها غضب الجبار، وكان أغلب أوقاته في السرداب المقدس على الصفة الصغيرة، خلف الشباك الذي وضعه هناك [ومن جاء] من الزوار ويشتغل بالزيارة، يحول الخبيث بينه وبين مولاه فينبهه على الأغلاط
المتعارفة التي لا تخلو أغلب العوام منها، بحيث لم يبق لهم حالة حضور وتوجه أصلا.
فرأى ليلة في المنام الحجة من الله الملك العلام عليه السلام، فقال له: إلى متى تؤذي زواري ولا تدعهم أن يزوروا؟ مالك وللدخول في ذلك، خل بينهم وبين ما يقولون فانتبه، وقد أصم الله أذنيه، فكان لا يسمع بعده شيئا واستراح منه الزوار، وكان كذلك إلى أن ألحقه الله بأسلافه في النار.
الحكاية الأربعون الشيخ الجليل أمين الاسلام فضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير في كتاب كنوز النجاح قال: دعاء علمه صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان، أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث رحمه الله تعالى في بلدة بغداد، في مقابر قريش، وكان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليه من خوف القتل فنجي منه ببركة هذا الدعاء.
قال أبو الحسن المذكور: إنه علمني أن أقول: " اللهم عظم البلاء، وبرح الخفاء، وانقطع الرجاء، وانكشف الغطاء،، وضاقت الأرض، ومنعت السماء، وإليك يا رب المشتكى، وعليك المعول في الشدة والرخاء، اللهم فصل على محمد وآل محمد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم، فعرفتنا بذلك منزلتهم، ففرج عنا بحقهم فرجا عاجلا كلمح البصر، أو هو أقرب، يا محمد يا علي اكفياني فإنكما كافياي وانصراني فإنكما ناصراي، يا مولاي يا صاحب الزمان الغوث الغوث [الغوث] أدركني أدركني أدركني ".
قال الراوي: إنه عليه السلام عند قوله: " يا صاحب الزمان " كان يشير إلى صدره الشريف.
الحكاية الحادية والأربعون قال العالم النحرير، النقاد البصير، المولى أبو الحسن الشريف العاملي الغروي تلميذ العلامة المجلسي وهو جد شيخ الفقهاء في عصره صاحب جواهر الكلام، من طرف أمه، وينقل عنه في الجواهر كثيرا، صاحب التفسير الحسن الذي لم يؤلف مثله وإن لم يبرز منه إلا قليل إلا أن في مقدماته من الفوائد ما يشفي العليل، ويروي الغليل، وغيره، قال في كتاب ضياء العالمين، وهو كتاب كبير منيف على ستين ألف بيت كثير الفوائد، قليل النظير، قال في أواخر المجلد الأول منه في ضمن أحوال الحجة عليه السلام بعد ذكر قصة الجزيرة الخضراء، مختصرا ما لفظه:
ثم إن المنقولات المعتبرة في رؤية صاحب الأمر عليه السلام سوى ما ذكرنا كثيرة جدا حتى في هذه الأزمنة القريبة، فقد سمعت أنا من ثقات أن مولانا أحمد الأردبيلي رآه عليه السلام في جامع الكوفة، وسأل منه مسائل، وأن مولانا محمد تقي والد شيخنا رآه في الجامع العتيق بأصبهان، والحكاية الأولى موجودة في البحار وأما الثانية فهي غير معروفة، ولم نعثر عليها إلا ما ذكره المولى المذكور رحمه الله في شرح مشيخة الفقيه في ترجمة المتوكل بن عمير راوي الصحيفة.
قال رحمه الله: إني كنت في أوائل البلوغ طالبا لمرضاة الله، ساعيا في طلب رضاه، ولم يكن لي قرار بذكره إلى أن رأيت بين النوم واليقظة أن صاحب الزمان صلوات الله عليه كان واقفا في الجامع القديم بأصبهان قريبا من باب الطنبى الذي الآن مدرسي، فسلمت عليه وأردت أن اقبل رجله، فلم يدعني وأخذني، فقبلت يده، وسألت عنه مسائل قد أشكلت علي.
منها أني كنت أوسوس في صلاتي، وكنت أقول إنها ليست كما طلبت مني وأنا مشتغل بالقضاء، ولا يمكنني صلاة الليل، وسألت عنه شيخنا البهائي رحمه الله تعالى فقال: صل صلاة الظهر والعصر والمغرب بقصد صلاة الليل، وكنت أفعل هكذا فسألت عن الحجة عليه السلام أصلي صلاة الليل؟ فقال: صلها، ولا تفعل كالمصنوع الذي
كنت تفعل، إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبق في بالي.
ثم قلت: يا مولاي لا يتيسر لي أن أصل إلى خدمتك كل وقت فأعطني كتابا أعمل عليه دائما فقال عليه السلام: أعطيت لأجلك كتابا إلى مولانا محمد التاج، وكنت أعرفه في النوم، فقال عليه السلام: رح وخذ منه، فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلا لوجهه إلى جانب دار البطيخ محلة من إصبهان، فلما وصلت إلى ذلك الشخص فلما رآني قال لي: بعثك الصاحب عليه السلام إلي؟ قلت: نعم، فأخرج من جيبه كتابا قديما فلما فتحته ظهر لي أنه كتاب الدعاء فقبلته ووضعته على عيني وانصرفت عنه متوجها إلى الصاحب عليه السلام فانتبهت ولم يكن معي ذلك الكتاب.
فشرعت في التضرع والبكاء والحوار لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الفجر فلما فرغت من الصلاة والتعقيب، وكان في بالي أن مولانا محمد هو الشيخ وتسميته بالتاج لاشتهاره من بين العلماء.
فلما جئت إلى مدرسته وكان في جوار المسجد الجامع فرأيته مشتغلا بمقابلة الصحيفة، وكان القاري السيد صالح أمير ذو الفقار الجرفادقاني فجلست ساعة حتى فرغ منه والظاهر أنه كان في سند الصحيفة لكن للغم الذي كان لي لم أعرف كلامه ولا كلامهم، وكنت أبكي فذهبت إلى الشيخ وقلت له رؤياي وكنت أبكي لفوات الكتاب ، فقال الشيخ: أبشر بالعلوم الإلهية، والمعارف اليقينية وجميع ما كنت تطلب دائما، وكان أكثر صحبتي مع الشيخ في التصوف وكان مائلا إليه، فلم يسكن قلبي وخرجت باكيا متفكرا إلى أن القي في روعي أن أذهب إلى الجانب الذي ذهبت إليه في النوم، فلما وصلت إلى دار البطيخ رأيت رجلا صالحا اسمه آغا حسن، وكان يلقب بتاجا، فلما وصلت إليه وسلمت عليه قال: يا فلان الكتب الوقفية التي عندي كل من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف وأنت تعمل به، وقال: وانظر إلى هذه الكتب وكلما تحتاج إليه خذه، فذهبت معه إلى بيت كتبه فأعطاني أول ما أعطاني الكتاب الذي رأيته في النوم، فشرعت في
البكاء والنحيب، وقلت: يكفيني وليس في بالي أني ذكرت له النوم أم لا، وجئت عند الشيخ وشرعت في المقابلة مع نسخته التي كتبها جد أبيه مع نسخة الشهيد وكتب الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء وابن السكون، وقابلها مع نسخة ابن إدريس بواسطة أو بدونها وكانت النسخة التي أعطانيها الصاحب مكتوبة من خط الشهيد، وكانت موافقة غاية الموافقة حتى في النسخ التي كانت مكتوبة على هامشها، وبعد أن فرغت من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي، وببركة إعطاء الحجة عليه السلام صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد كالشمس طالعة في كل بيت، وسيما في إصبهان فان أكثر الناس لهم الصحيفة المتعددة وصار أكثرهم صلحاء وأهل الدعاء، وكثير منهم مستجابو الدعوة، وهذه الآثار معجزة لصاحب الأمر عليه السلام والذي أعطاني الله من العلوم بسبب الصحيفة لا أحصيها.
وذكرها العلامة المجلسي رضوان الله عليه في إجازات البحار مختصرا.
الحكاية الثانية والأربعون حدث السيد الجليل والمحدث العليم النبيل، السيد نعمة الله الجزائري في مقدمات شرح العوالي قال: حدثني وأجازني السيد الثقة هاشم بن الحسين الأحسائي في دار العلم شيراز، في المدرسة المقابلة للبقعة المباركة، مزار السيد محمد عابد عليه الرحمة والرضوان، في حجرة من الطبقة الثانية، على يمين الداخل قال: حكى لي أستاذي الثقة المعدل الشيخ محمد الحرفوشي قدس الله تربته قال:
لما كنت بالشام، عمدت يوما إلى مسجد مهجور، بعيد من العمران، فرأيت شيخا أزهر الوجه، عليه ثياب بيض، وهيئة جميلة، فتجارينا في الحديث، وفنون العلم فرأيته فوق ما يصفه الواصف، ثم تحققت منه الاسم والنسبة ثم بعد جهد طويل قال: أنا معمر بن أبي الدنيا صاحب أمير المؤمنين، وحضرت معه حروب صفين وهذه الشجة في رأسي وفي وجهي من زجة فرسه.
ثم ذكر لي من الصفات والعلامات ما تحققت معه صدقه في كل ما قال، ثم استجزته كتب الأخبار، فأجازني عن أمير المؤمنين وعن جميع الأئمة عليهم السلام حتى انتهى في الإجازة إلى صاحب الدار عجل الله فرجه وكذلك أجازني كتب العربية من مصنفيها كالشيخ عبد القاهر والسكاكي وسعد التفتازاني وكتب النحو عن أهلها وذكر العلوم المتعارفة.
ثم قال السيد رحمه الله: إن الشيخ محمد الحرفوشي أجازني كتب الأحاديث الأصول الأربعة، وغيرها من كتب الأخبار بتلك الإجازة، وكذلك أجازني الكتب المصنفة في فنون العلوم، ثم إن السيد رضوان الله عليه أجازني بتلك الإجازة كلما أجازه شيخه الحرفوشي، عن معمر بن أبي الدنيا صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأما أنا فأضمن ثقة المشايخ السيد والشيخ، وتعديلهما وورعهما ولكني لا أضمن وقوع الأمر في الواقع على ما حكيت، وهذه الإجازة العالية لم تتفق لأحد من علمائنا، ولا محدثنا، لا في الصدر السالف، ولا في الأعصار المتأخرة انتهى.
وقال سبطه العالم الجليل السيد عبد الله صاحب شرح النخبة، وغيره في إجازته الكبيرة، لأربعة من علماء حويزة، بعد نقل كلام جده وكأنه رضي الله عنه استنكر هذه القصة أو خاف أن تنكر عليه فتبرء من عهدتها في آخر كلامه وليست بذلك فان معمر بن أبي الدنيا المغربي له ذكر متكرر في الكتب، وقصة طويلة في خروجه مع أبيه في طلب ماء الحياة، وعثوره عليه دون أصحابه، مذكورة في كتب التواريخ وغيرها، وقد نقل منها نبذا صاحب البحار في أحوال صاحب الدار عليه السلام وذكر الصدوق في كتاب إكمال الدين أن اسمه علي بن عثمان
ابن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني إلا أنه قال: معمر أبي الدنيا باسقاط " بن " والظاهر أنه هو الصواب كما لا يخفى، وذكر أنه من حضرموت والبلد الذي هو مقيم فيه طنجة، وروى عنه أحاديث مسندة بأسانيد مختلفة.
وأما ما نقله الشيخ في مجالسه عن أبي بكر الجرجاني أن المعمر المقيم ببلدة طنجة توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فليس بمناف شيئا لأن الظاهر أن أحدهما غير الآخر، لتغاير أسميهما وقصتيهما وأحوالهما المنقولة، والله يعلم انتهى، وشرح حال المعمر مذكور في آخر فتن البحار.
وقال السيد الجليل المعظم والحبر المكرم السيد حسين ابن العالم العليم السيد إبراهيم القزويني رحمه الله في آخر إجازته لآية الله بحر العلوم: وللعبد طريق آخر إلى الكتب الأربعة وغيرها لم يسمح الأعصار بمثلها، وهو ما أجاز لي السيد السعيد الشهيد السيد نصر الله الحائري، عن شيخه مولانا أبي الحسن، عن شيخه الفاضل السيد نعمة الله، عن شيخه السيد هاشم الأحسائي، إلى آخر ما نقلناه.
والشيخ محمد الحرفوشي من الأجلاء، قال الشيخ الحر في أمل الآمل:
الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي الحريري العاملي الكركي الشامي كان فاضلا عالما أديبا ماهرا محققا مدققا شاعرا أديبا منشيا حافظا أعرف أهل عصره بعلوم العربية، وذكر له مؤلفات في الأدبية وشرح قواعد الشهيد، وغيرها وذكره السيد علي خان في سلافة العصر وبالغ في الثناء عليه وقال: إنه توفي سنة 1059.
الحكاية الثالثة والأربعون حدثني سيد الفقهاء، وسناد العلماء، العالم الرباني المؤيد بالألطاف الخفية السيد مهدي القزويني الساكن في الحلة السيفية، صاحب التصانيف الكثيرة والمقامات العالية أعلى الله تعالى مقامه فيما كتب بخطه قال: حدثني والدي الروحاني وعمي الجسماني جناب المرحوم المبرور العلامة الفهامة، صاحب الكرامات، والإخبار
ببعض المغيبات، السيد محمد باقر نجل المرحوم السيد أحمد الحسيني القزويني أن في الطاعون الشديد الذي حدث في أرض العراق من المشاهد وغيرها في عام ست وثمانين بعد المائة والألف، وهرب جميع من كان في المشهد الغروي من العلماء المعروفين وغيرهم، حتى العلامة الطباطبائي والمحقق صاحب كشف الغطاء وغيرهما بعد ما توفي منهم جم غفير، ولم يبق إلا معدودين من أهله، منهم السيد رحمه الله.
قال: وكان يقول: كنت أقعد اليوم في الصحن الشريف، ولم يكن فيه ولا في غيره أحد من أهل العلم إلا رجلا معمما من مجاوري أهل العجم، كان يقعد في مقابلي وفي تلك الأيام لقيت شخصا معظما مبجلا في بعض سكك المشهد ما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده، مع كون أهل المشهد في تلك الأيام محصورين، ولم يكن يدخل عليهم أحد من الخارج، قال: ولما رآني قال ابتداء منه: أنت ترزق علم التوحيد بعد حين.
وحدثني السيد المعظم، عن عمه الجليل أنه رحمه الله بعد ذلك في ليلة من الليالي قد رأى ملكين نزلا عليه بيد أحدهما عدة ألواح فيها كتابة، وبيد الآخر ميزان فأخذا يجعلان في كل كفة من الميزان لوحا يوزنونها ثم يعرضون الألواح المتقابلة علي فأقرؤها وهكذا إلى آخر الألواح، وإذا هما يقابلان عقيدة كل واحد من خواص أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وخواص أصحاب الأئمة عليهم السلام مع عقيدة واحد من علماء الإمامية من سلمان وأبي ذر إلى آخر البوابين، ومن الكليني والصدوقين، والمفيد والمرتضى، والشيخ الطوسي إلى بحر العلوم خالي العلامة الطباطبائي ومن بعده من العلماء.
قال: فاطلعت في ذلك المنام على عقائد جميع الإمامية من الصحابة وأصحاب الأئمة عليهم السلام وبقية علماء الإمامية، وإذا أنا محيط بأسرار من العلوم لو كان عمري عمر نوح عليه السلام وأطلب هذه المعرفة، لما أحطت بعشر معشار ذلك وذلك بعد أن قال الملك الذي بيده الميزان للملك الآخر الذي بيده الألواح:
أعرض الألواح على فلان، فانا مأمورون بعرض الألواح عليه، فأصبحت وأنا
علامة زماني في العرفان.
فلما جلست من المنام، وصليت الفريضة وفرغت من تعقيب صلاة الصبح فإذا بطارق يطرق الباب، فخرجت الجارية فأتت إلي بقرطاس مرسول من أخي في الدين المرحوم الشيخ عبد الحسين الأعشم فيه أبيات يمدحني فيها فإذا قد جرى على لسانه في الشعر تفسير المنام على نحو الاجمال، قد ألهمه الله تعالى ذلك وأما أبيات المدح فمنها قوله شعرا:
نرجو سعادة فالي إلى سعادة فالك * بك اختتام معال قد افتتحن بخالك وقد أخبرني بعقائد جملة من الصحابة المتقابلة مع بعض العلماء الإمامية، ومن جملة ذلك عقيدة المرحوم خالي العلامة بحر العلوم في مقابلة عقيدة بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين هم من خواصه وعقيدة علماء آخرين الذين يزيدون على السيد المرحوم المذكور أو ينقصون إلا أن هذه الأمور لما كانت من الأسرار التي لا يمكن إباحتها لكل أحد، لعدم تحمل الخلق لذلك، مع أنه رحمه الله أخذ علي العهد ألا أبوح به لأحد وكانت تلك الرؤيا نتيجة قول ذلك القائل الذي تشهد القرائن بكونه المنتظر المهدي.
قلت: وهذا السيد المبجل كان صاحب أسرار خاله العلامة بحر العلوم وخاصته، وصاحب القبة المواجهة لقبة شيخ الفقهاء صاحب جواهر الكلام، في النجف الأشرف، وحدثني السيد المعظم المزبور وغيره بجملة من كراماته ذكرناها في دار السلام.
الحكاية الرابعة والأربعون حدثني جماعة من الأفاضل الكرام، والصلحاء الفخام، منهم السيد السند والحبر المعتمد، زبدة العلماء الأعلام، وعمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل والأدب، وحائز معالي الحسب والنسب الآميرزا صالح دام علاه ابن سيد المحققين ونور مصباح المجاهدين، وحيد عصره، وفريد دهره سيدنا المعظم السيد مهدي
المتقدم ذكره أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد أعلامه وقد كنت سألت عنه سلمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظم التي سمعتها من الجماعة فان أهل البيت أدرى بما فيه، مع ما هو عليه: من الاتقان والحفظ والضبط والصلاح والسداد والاطلاع، وقد صاحبته في طريق مكة المعظمة ذهابا وإيابا فوجدته أيده الله بحرا لا ينزح وكنزا لا ينفد، فكتب إلي مطابقا لما سمعته من تلك العصابة.
وكتب أخوه العالم النحرير، وصاحب الفضل المنير، السيد الأمجد السيد محمد سلمه الله تعالى في آخر ما كتبه: سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعا من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطر الله مرقده. صورة ما كتبه:
بسم الله الرحمن الرحيم حدثني بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلة قال: خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لأجل زيارة السيد أعلى الله مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيد محمد ذي الدمعة فرأيت على شباكه الخارج إلى الطريق شخصا بهي المنظر يقرأ فاتحة الكتاب، فتأملته فإذا هو غريب الشكل، وليس من أهل الحلة.
فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب، ونحن أهل البلد نمر ولا نفعل ذلك، فوقفت وقرأت الفاتحة والتوحيد، فلما فرغت سلمت عليه، فرد السلام، وقال لي: يا علي أنت ذاهب لزيارة السيد مهدي؟ قلت: نعم، قال: فاني معك.
فلما صرنا ببعض الطريق قال لي: يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة، فإنك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤديا للحق وقد قضيت ما فرض الله عليك، وأما المال فإنه عرض زائل يجيئ ويذهب، وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطلع عليه أحد مخافة الكسر، فاغتممت في نفسي وقلت: سبحان الله كسري قد شاع وبلغ حتى إلى الأجانب، إلا أني قلت له في الجواب: الحمد لله على كل حال، فقال: إن ما ذهب من مالك سيعود
إليك بعد مدة، وترجع كحالك الأول، وتقضي ما عليك من الديون.
قال: فسكت وأنا مفكر في كلامه حتى انتهينا إلى باب داركم، فوقفت ووقف، فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي: ادخل أنت أنا صاحب الدار، فامتنعت فأخذ بيدي وأدخلني أمامه فلما صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيد قدس سره من داخل الدار لأجل البحث. ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراما له، وفيه كتاب مطروح.
فذهب الرجل، وجلس في الموضع الذي كان السيد قدس سره يعتاد الجلوس فيه ثم أخذ الكتاب وفتحه، وكان الكتاب شرائع المحقق قدس سره ثم استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخط السيد قدس سره، وكان خطه في غاية الضعف لا يقدر كل أحد على قراءته، فأخذ يقرء في تلك الكراريس ويقول للطلبة: ألا تعجبون من هذه الفروع وهذه الكراريس؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الأفهام في شرح شرائع الاسلام وهو كتاب عجيب في فنه لم يبرز منه إلا ست مجلدا ت من أول الطهارة إلى أحكام الأموات.
قال الوالد أعلى الله درجته: لما خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي فلما رآني قام وتنحى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه، ورأيته رجلا بهي المنظر، وسيم الشكل في زي غريب، فلما جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه وبشاشة، وسؤال عن حاله واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه؟ ثم شرعت في البحث فجعل الرجل يتكلم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة: اسكت ما أنت وهذا، فتبسم وسكت.
قال رحمه الله: فلما انقضى البحث قلت له: من أين كان مجيئك إلى الحلة؟
فقال: من بلد السليمانية، فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالأمس خرجت منها، وما خرجت منها حتى دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف وقد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلب عليها، وأقام مقامه أخاه عبد الله باشا، وقد كان أحمد باشا المتقدم
قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادعى السلطنة لنفسه في السليمانية.
قال الوالد قدس سره: فبقيت مفكرا في حديثه وأن هذا الفتح وخبره لم يبلغ إلى حكام الحلة، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلة وبالأمس خرجت من السليمانية، وبين الحلة والسليمانية ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجد.
ثم إن الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الإناء ليغترف به ماء من الحب فناداه لا تفعل! فان في الاناء حيوانا ميتا فنظر فيه، فإذا فيه سام أبرص ميت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلما شرب قام للخروج.
قال الوالد قدس سره فقمت لقيامه فودعني وخرج فلما صار خارج الدار قلت للجماعة هلا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية فقالوا: هلا أنكرت عليه؟
قال: فحدثني الحاج علي المتقدم بما وقع له في الطريق وحدثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة، وإظهار العجب من الفروع التي فيها.
قال الوالد أعلى الله مقامه: فقلت: اطلبوا الرجل وما أظنكم تجدونه هو والله صاحب الأمر روحي فداه فتفرق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا ولا أثرا فكأنما صعد في السماء أو نزل في الأرض.
قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم، وأعلن ذلك عند حكامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر، عند ذوي الدولة العثمانية.
قلت: الموجود فيما عندنا من كتب الأنساب أن اسم ذا الدمعة حسين ويلقب أيضا بذي العبرة، وهو ابن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين عليهما السلام ويكنى بأبي عاتقة، وإنما لقب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاة الليل، ورباه الصادق عليه السلام فأرثه علما جما وكان زاهدا عابدا وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة
وزوج ابنته بالمهدي الخليفة العباسي وله أعقاب كثيرة، ولكنه سلمه الله أعرف بما كتب.
الحكاية الخامسة والأربعون قال سلمه الله: وحدثني الوالد أعلى الله مقامه قال: لازمت الخروج إلى الجزيرة مدة مديدة لأجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحق، وكانوا كلهم على رأي أهل التسنن، وببركة هداية الوالد قدس سره وإرشاده، رجعوا إلى مذهب الإمامية كما هم عليه الآن، وهم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس وكان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم، يزوره الناس ويذكرون له كرامات كثيرة، وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريبا.
قال قدس سره: فكنت أستطرق الجزيرة وأمر عليه ولا أزوره لما صح عندي أن الحمزة بن الكاظم مقبور في الري مع عبد العظيم الحسني فخرجت مرة على عادتي ونزلت ضيفا عند أهل تلك القرية، فتوقعوا مني أن أزور المرقد المذكور فأبيت وقلت لهم: لا أزور من لا أعرف، وكان المزار المذكور قلت رغبة الناس فيه لاعراضي عنه.
ثم ركبت من عندهم وبت تلك الليلة في قرية المزيدية، عند بعض ساداتها فلما كان وقت السحر جلست لنافلة الليل وتهيأت للصلاة، فلما صليت النافلة بقيت أرتقب طلوع الفجر، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل علي سيد أعرفه بالصلاح والتقوى، من سادة تلك القرية، فسلم وجلس.
ثم قال: يا مولانا بالأمس تضيفت أهل قرية الحمزة، وما زرته؟ قلت: نعم قال: ولم ذلك؟ قلت: لأني لا أزور من لا أعرف، والحمزة بن الكاظم مدفون بالري، فقال: رب مشهور لا أصل له، ليس هذا قبر الحمزة بن موسى الكاظم وإن اشتهر أنه كذلك بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم، وأثنوا عليه
بالعلم والورع.
فقلت في نفسي: هذا السيد من عوام السادة، وليس من أهل الاطلاع على الرجال والحديث، فلعله أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء، ثم قمت لأرتقب طلوع الفجر، فقام ذلك السيد وخرج وأغفلت أن أسأله عمن أخذ هذا لأن الفجر قد طلع، وتشاغلت بالصلاة.
فلما صليت جلست للتعقيب حتى طلع الشمس وكان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها وإذا الحال كما ذكر فجاءني أهل القرية مسلمين علي وفي جملتهم ذلك السيد فقلت: جئتني قبل الفجر وأخبرتني عن قبر الحمزة أنه أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي فمن أين لك هذا وعمن أخذته؟ فقال: والله ما جئتك قبل الفجر ولا رأيتك قبل هذه الساعة، ولقد كنت ليلة أمس بائتا خارج القرية - في مكان سماه - وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك.
فقلت لأهل القرية: الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فاني لا أشك في أن الشخص الذي رأيته هو صاحب الأمر عليه السلام، قال: فركبت أنا وجميع أهل تلك القرية لزيارته، ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهورا تاما على وجه صار بحيث تشد الرحال إليه من الأماكن البعيدة.
قلت: في رجال النجاشي: حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن ابن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام أبو يعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث له كتاب " من روى عن جعفر بن محمد عليهما السلام من الرجال " وهو كتاب حسن.
وذكر الشيخ الطوسي أنه يروي عن سعد بن عبد الله ويروي عنه التلعكبري رحمه الله إجازة فهو في طبقة والد الصدوق.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.