پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثالث عشر

31 باب ما خرج من توقيعاته عليه السلام

ج ۵۳، ص ۱۸۲–۲۱۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۳

وأما ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمر به المار، فيتناول منه ويأكل هل يحل له ذلك؟ فإنه يحل له أكله، ويحرم عليه حمله.

إكمال الدين: محمد بن أحمد الشيباني، وعلي بن أحمد بن محمد الدقاق، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام، وعلي بن عبد الله الوراق جميعا، عن محمد بن جعفر الأسدي مثله.

12 - إكمال الدين: أبو جعفر محمد بن محمد الخزاعي رضي الله عنه قال: حدثنا أبو علي ابن أبي الحسين الأسدي، عن أبيه قال: ورد علي توقيع من الشيخ أبي جعفر محمد ابن عثمان العمري قدس الله روحه ابتداءا لم يتقدمه سؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من استحل من أموالنا درهما.

قال أبو الحسين الأسدي رضي الله عنه: فوقع في نفسي أن ذلك فيمن استحل من مال الناحية درهما دون من أكل منه غير مستحل له. وقلت في نفسي: إن ذلك في جميع من استحل محرما فأي فضل في ذلك للحجة عليه السلام على غيره، قال:

فوالذي بعث محمدا بالحق بشيرا لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي.

بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهما حراما.

قال أبو جعفر محمد بن محمد الخزاعي - رحمه الله -: أخرج إلينا أبو علي بن أبي الحسين الأسدي هذا التوقيع حتى نظرنا فيه وقرأناه.

الإحتجاج: عن أبي الحسين الأسدي مثله.

13 - إكمال الدين: المظفر العلوي، عن ابن العياشي وحيدر بن محمد، عن العياشي، عن آدم بن محمد البلخي، عن علي بن الحسين الدقاق، وإبراهيم بن محمد معا، عن علي بن عاصم الكوفي قال: خرج في توقيعات صاحب الزمان عليه السلام: ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس.

14 - إكمال الدين: محمد بن إبراهيم بن إسحاق قال: سمعت أبا علي محمد بن همام يقول:

سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: خرج توقيع بخطه أعرفه: من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله، وكتبت أسأله عن ظهور الفرج فخرج في التوقيع: كذب الوقاتون.

15 - إكمال الدين: أبي وابن الوليد معا، عن الحميري، عن محمد بن صالح الهمداني قال: كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام إن أهل بيتي يؤذونني ويقرعونني بالحديث المروي عن آبائك عليهم السلام أنهم قالوا: " قوامنا وخدامنا شرار خلق الله " فكتب عليه السلام

ويحكم أما قرأتم قول الله عز وجل " وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة " ونحن والله القرى التي بارك الله فيها وأنتم القرى الظاهرة.

قال عبد الله بن جعفر: وحدثني بهذا الحديث علي بن محمد الكليني، عن محمد ابن صالح، عن صاحب الزمان عليه السلام.

16 - إكمال الدين: ابن الوليد، عن سعد، عن علان، عن محمد بن جبرئيل، عن إبراهيم ومحمد ابني الفرج، عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار أنه ورد العراق شاكا مرتادا فخرج إليه: قل للمهزيار قد فهمنا ما حكيته عن موالينا بناحيتكم، فقل لهم أما سمعتم الله عز وجل يقول: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم " هل أمر إلا بما هو كائن إلى يوم القيامة أولم تروا أن الله عز وجل جعل لهم معاقل يأوون إليها وأعلاما يهتدون بها من لدن آدم إلى أن ظهر الماضي صلوات الله عليه كلما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله عز وجل إليه، ظننتم أن الله قد قطع السبب بينه وبين خلقه، كلا ما كان ذلك، ولا يكون حتى تقوم الساعة، ويظهر أمر الله وهم كارهون.

يا محمد بن إبراهيم لا يدخلك الشك فيما قدمت له فان الله لا يخلي الأرض من حجة، أليس قال لك أبوك قبل وفاته أحضر الساعة من يعير هذه الدنانير التي عندي فلما أبطأ ذلك عليه، وخاف الشيخ على نفسه الوحا قال لك: عيرها على نفسك وأخرج إليك كيسا كبيرا وعندك بالحضرة ثلاثة أكياس وصرة فيها دنانير مختلفة النقد، فعيرتها وختم الشيخ عليها بخاتمه، وقال لك اختم مع خاتمي فان أعش فأنا أحق بها، وإن أمت فاتق الله في نفسك أولا ثم في فخلصني، وكن عند ظني بك.

أخرج رحمك الله الدنانير التي استفضلتها من بين النقدين من حسابنا وهي

بضعة عشر دينارا واسترد من قبلك فان الزمان أصعب ما كان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

17 - إكمال الدين: قال الحسين بن إسماعيل الكندي: كتب جعفر بن حمدان فخرجت إليه هذه المسائل: استحللت بجارية وشرطت عليها أن لا أطلب ولدها ولم ألزمها منزلي، فلما أتى لذلك مدة قالت لي: قد حبلت، فقلت لها: كيف ولا أعلم أني طلبت منك الولد، ثم غبت وانصرفت، وقد أتت بولد ذكر، فلم أنكره ولا قطعت عنها الإجراء والنفقة، ولي ضيعة قد كنت قبل أن تصير إلي هذه المرأة سبلتها على وصاياي، وعلى سائر ولدي، على أن الأمر في الزيادة والنقصان منه إلي أيام حياتي، وقد أتت هذه بهذا الولد، فلم ألحقه في الوقت المتقدم المؤبد وأوصيت إن حدث بي الموت أن يجري عليه ما دام صغيرا، فإذا كبر أعطي من هذه الضيعة جملة مائتي دينار غير مؤبد، ولا يكون له ولا لعقبه بعد إعطائه ذلك في الوقف شئ فرأيك أعزك الله في إرشادي فيما عملته، وفي هذا الولد بما أمتثله والدعاء لي بالعافية وخير الدنيا والآخرة.

جوابها أما الرجل الذي استحل بالجارية وشرط عليها أن لا يطلب ولدها فسبحان من لا شريك له في قدرته شرط على الجارية شرط على الله عز وجل؟

هذا ما لا يؤمن أن يكون، وحيث عرض في هذا الشك، وليس يعرف الوقت الذي أتاها فيه، فليس ذلك بموجب لبراءة في ولده، وأما إعطاء المائتي دينار وإخراجه من الوقف، فالمال ماله فعل فيه ما أراد.

قال أبو الحسين: حسب الحساب [قبل المولود] فجاء الولد مستويا.

وقال: وجدت في نسخة أبي الحسن الهمداني: أتاني أبقاك الله كتابك الذي

أنفذته، وروى هذا التوقيع الحسن بن علي بن إبراهيم عن الشاري.

بيان: " شرط على الجارية " مبتدأ و " شرط على الله " خبر أو هما فعلان، والأول استفهام إنكاري وقوله قال أبو الحسين، إلى آخره كأنه إشارة إلى توقيعات اخر إجمالا.

18 - إكمال الدين: أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب قال: حدثنا أبو علي بن همام بهذا الدعاء وذكر أن الشيخ قدس الله روحه أملاه عليه، وأمره أن يدعو به، وهو الدعاء في غيبة القائم عليه السلام:

اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك، لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك، ضللت عن ديني.

اللهم لا تمتني ميتة جاهلية، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم فكما هديتني بولاية من فرضت طاعته علي من ولاة أمرك بعد رسولك، صلواتك عليه وآله، حتى واليت ولاة أمرك أمير المؤمنين، والحسن والحسين، وعليا ومحمدا وجعفرا وموسى وعليا ومحمدا وعليا والحسن والحجة القائم المهدي صلواتك عليهم أجمعين اللهم فثبتني على دينك، واستعملني بطاعتك، ولين قلبي لولي أمرك وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك فبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له، باظهار أمره وكشف سره، وصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت، ولا أكشف عما سترته ولا أبحث عما كتمته، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لم وكيف؟ وما بال ولي أمر الله لا يظهر؟ وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوض أموري كلها إليك.

اللهم إني أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهرا نافذا لأمرك، مع علمي بأن

لك السلطان، والقدرة والبرهان، والحجة والمشية، والإرادة والحول والقوة فافعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر إلى وليك ظاهر المقالة، واضح الدلالة هاديا من الضلالة، شافيا من الجهالة، أبرز يا رب مشاهده، وثبت قواعده واجعلنا ممن تقر عيننا برؤيته، وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته.

اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت وبرأت وذرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك ووصي رسولك.

اللهم ومد في عمره، وزد في أجله، وأعنه على ما أوليته واسترعيته، وزد في كرامتك له، فإنه الهادي المهدي، القائم المهتدي، الطاهر، التقي، النقي الزكي، الرضي، المرضي، الصابر، المجتهد، الشكور.

اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنا، ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان به، وقوة اليقين في ظهوره، والدعاء له والصلاة عليه حتى لا يقنطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله صلى الله عليه وآله، وما جاء به من وحيك وتنزيلك، قو قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يده منهاج الهدى، والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى، وقونا على طاعته، وثبتنا على مشايعته، واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره، والراضين بفعله ولا تسلبنا ذلك في حياتنا، ولا عند وفاتنا، حتى تتوفانا، ونحن على ذلك غير شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين.

اللهم عجل فرجه، وأيده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له وكذب به، وأظهر به الحق وأمت به الجور، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذل، وانعش به البلاد، واقتل به الجبابرة الكفرة، واقصم به رؤس الضلالة، وذلل به الجبارين والكافرين، وأبر به المنافقين والناكثين، وجميع المخالفين والملحدين، في مشارق الأرض ومغاربها، وبحرها وبرها، وسهلها

وجبلها، حتى لا تدع منهم ديارا، ولا تبقي لهم آثارا، وتطهر منهم بلادك.

واشف منهم صدور عبادك، وجدد به ما امتحا من دينك، وأصلح به ما بدل من حكمك، وغير من سنتك، حتى يعود دينك به وعلى يده غضا جديدا صحيحا لا عوج فيه، ولا بدعة معه، حتى تطفئ بعدله نيران الكافرين، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، وارتضيته لنصرة دينك، واصطفيته بعلمك، وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب، وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه، وطهرته من الرجس، ونقيته من الدنس.

اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين، وعلى شيعتهم المنتجبين وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون، واجعل ذلك منا خالصا من كل شك وشبهة ورياء وسمعة، حتى لا نريد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك.

اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا ووقوع الفتن [بنا]، وتظاهر الأعداء، وكثرة عدونا، وقلة عددنا.

اللهم فافرج ذلك بفتح منك تعجله وبصبر منك تيسره، وإمام عدل تظهره إله الحق رب العالمين.

اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك وقتل أعدائك في بلادك حتى لا تدع للجور دعامة إلا قصمتها ولا بنية إلا أفنيتها ولا قوة إلا أوهنتها، ولا ركنا إلا هددته، ولا حدا إلا فللته، ولا سلاحا إلا كللته، ولا راية إلا نكستها، ولا شجاعا إلا قتلته، ولا حيا إلا خذلته.

ارمهم يا رب بحجرك الدامغ، واضربهم بسيفك القاطع، وببأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وعذب أعداءك وأعداء دينك وأعداء رسولك، بيد وليك وأيدي عبادك المؤمنين.

اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك هول عدوه، وكد من كاده، وامكر

بمن مكر به، واجعل دائرة السوء على من أراد به سوءا، واقطع عنه مادتهم وأرعب به قلوبهم، وزلزل له أقدامهم، وخذهم جهرة وبغتة.

شدد عليهم عقابك، وأخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، وأسكنهم أسفل نارك، وأحط بهم أشد عذابك، وأصلهم نارا، واحش قبور موتاهم نارا، وأصلهم حر نارك، فإنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأذلوا عبادك.

اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سرمدا لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، واشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق وأقم به الحدود المعطلة، والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدل إلا زهر، واجعلنا يا رب من أعوانه، وممن يقوي سلطانه، والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلى التقية من خلقك.

أنت يا رب الذي تكشف السوء، وتجيب المضطر إذا دعاك، وتنجي من الكرب العظيم، فاكشف الضر عن وليك، واجعله خليفتك في أرضك كما ضمنت له.

اللهم ولا تجعلنا من خصماء آل محمد، ولا تجعلنا من أعداء آل محمد، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على آل محمد، فاني أعوذ بك من ذلك، فأعذني وأستجير بك فأجرني.

اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعلني بهم فائزا عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين.

19 - إكمال الدين: توقيع منه عليه السلام كان خرج إلى العمري وابنه رضي الله عنهما رواه سعد بن عبد الله قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: وجدته مثبتا بخط سعد بن عبد الله رضي الله عنه.

وفقكما الله لطاعته، وثبتكما على دينه، وأسعدكما بمرضاته، انتهى إلينا ما ذكرتما أن الميثمي أخبركما عن المختار، ومناظرته من لقي، واحتجاجه بأن لا خلف غير جعفر بن علي، وتصديقه إياه، وفهمت جميع ما كتبتما به مما قال أصحابكما عنه، وأنا أعوذ بالله من العمى بعد الجلاء، ومن الضلالة بعد الهدى

ومن موبقات الأعمال، ومرديات الفتن، فإنه عز وجل يقول: " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ".

كيف يتساقطون في الفتنة، ويترددون في الحيرة، ويأخذون يمينا وشمالا فارقوا دينهم أم ارتابوا، أم عاندوا الحق أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة، أو علموا ذلك فتناسوا، أما تعلمون أن الأرض لا تخلو من حجة إما ظاهرا، وإما مغمورا، أولم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله واحدا بعد واحد إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عز وجل إلى الماضي - يعني الحسن ابن علي - صلوات الله عليه، فقام مقام آبائه عليهم السلام يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

كان نورا ساطعا وقمرا زهرا، اختار الله عز وجل له ما عنده، فمضى على منهاج آبائه عليهم السلام حذو النعل بالنعل، على عهد عهده، ووصية أوصى بها إلى وصي ستره الله عز وجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيته، للقضاء السابق والقدر النافذ، وفينا موضعه، ولنا فضله، ولو قد أذن الله عز وجل فيما قد منعه وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه، لأراهم الحق ظاهرا بأحسن حلية، وأبين دلالة، وأوضح علامة، ولأبان عن نفسه، وقام بحجته، ولكن أقدار الله عز وجل لا تغالب، وإرادته لا ترد، وتوفيقه لا يسبق.

فليدعوا عنهم اتباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عما ستر عنهم فيأثموا، ولا يكشفوا ستر الله عز وجل فيندموا، وليعلموا أن الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلا كذاب مفتر، ولا يدعيه غيرنا إلا ضال غوي فليقتصروا منا على هذه الجملة دون التفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح، إنشاء الله.

20 - إكمال الدين: محمد بن المظفر المصري، عن محمد بن أحمد الداودي، عن

أبيه قال: كنت عند أبي القاسم [الحسين] بن روح قدس الله روحه فسأله رجل ما معنى قول العباس للنبي صلى الله عليه وآله: إن عمك أبا طالب قد أسلم بحساب الجمل، وعقد بيده ثلاثة وستين قال عنى بذلك " إله أحد جواد " وتفسير ذلك أن الألف واحد واللام ثلاثون، والهاء خمسة، والألف واحد، والحاء ثمانية ، والدال أربعة والجيم ثلاثة، والواو ستة، والألف واحد، والدال أربعة، فذلك ثلاثة وستون.

21 - غيبة الشيخ الطوسي: جماعة، عن التلعكبري، عن أحمد بن علي، عن الأسدي عن سعد، عن أحمد بن إسحاق رحمة الله عليه أنه جاءه بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي كتب إليه كتابا يعرفه فيه نفسه ويعلمه أنه القيم بعد أبيه، وأن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلها.

قال أحمد بن إسحاق: فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام وصيرت كتاب جعفر في درجه، فخرج الجواب إلي في ذلك:

بسم الله الرحمن الرحيم أتاني كتابك أبقاك الله، والكتاب الذي أنفذته درجه، وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه، وتكرر الخطاء فيه، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله رب العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا، أبى الله عز وجل للحق إلا إتماما وللباطل إلا زهوقا، وهو شاهد علي بما أذكره، ولي عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا ليوم لا ريب فيه، ويسألنا عما نحن فيه مختلفون، إنه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه، ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعا إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة، وسأبين لكم ذمة تكتفون بها إن شاء الله.

يا هذا يرحمك الله إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثا ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا وألبابا، ثم بعث إليهم النبيين عليهم السلام مبشرين ومنذرين: يأمرونهم بطاعته، وينهونهم عن معصيته، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتابا، وبعث إليهم ملائكة يأتين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة و البراهين الباهرة، والآيات الغالبة.

فمنهم من جعل النار عليه بردا وسلاما واتخذه خليلا، ومنهم من كلمه تكليما وجعل عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شئ، ثم بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، وتمم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر [وبين] من آياته وعلاماته ما بين.

ثم قبضه صلى الله عليه وآله حميدا فقيدا سعيدا، وجعل الأمر بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا واحدا:

أحيى بهم دينه، وأتم بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقانا بينا يعرف به الحجة من المحجوج، والامام من

المأموم، بأن عصمهم من الذنوب، وبرأهم من العيوب، وطهرهم من الدنس ونزههم من اللبس، وجعلهم خزان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سره، وأيدهم بالدلائل، ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادعى أمر الله عز وجل كل أحد ولما عرف الحق من الباطل، ولا العالم من الجاهل.

وقد ادعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادعاه، فلا أدري بأية حالة هي له رجاء أن يتم دعواه، أبفقه في دين الله؟ فوالله ما يعرف حلالا من حرام ولا يفرق بين خطاء وصواب، أم بعلم فما يعلم حقا من باطل، ولا محكما من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها، أم بورع فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض أربعين يوما يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره قد تأدى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة، أم بآية فليأت بها، أم بحجة فليقمها، أم بدلالة فليذكرها.

قال الله عز وجل في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما انذروا معرضون * قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أمارة من علم إن كنتم صادقين * ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ".

فالتمس تولى الله توفيقك من هذا الظالم، ما ذكرت لك، وامتحنه وسله عن آية من كتاب الله يفسرها أو صلاة فريضة يبين حدودها، وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه.

حفظ الله الحق على أهله، وأقره في مستقره، وقد أبى الله عز وجل أن يكون [الإمامة] في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحق، واضمحل الباطل،، وانحسر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآل محمد.

بيان: " الشعوذة " خفة في اليد وأخذ كالسحر يري الشئ بغير ما عليه أصله في رأي العين ذكره الفيروزآبادي و " العوار " بالفتح وقد يضم: العيب.

22 - غيبة الشيخ الطوسي: جماعة، عن الصدوق، عن عمار بن الحسين بن إسحاق، عن أحمد ابن الحسن بن أبي صالح الخجندي وكان قد ألح في الفحص والطلب، وسار في البلاد. وكتب على يد الشيخ أبي القاسم بن روح قدس الله روحه إلى الصاحب عليه السلام يشكو تعلق قلبه، واشتغاله بالفحص والطلب، ويسأل الجواب بما تسكن إليه نفسه ويكشف له عما يعمل عليه، قال: فخرج إلي توقيع نسخته:

" من بحث فقد طلب، ومن طلب فقد دل، ومن دل فقد أشاط، ومن أشاط

فقد أشرك ".

قال: فكففت عن الطلب، وسكنت نفسي، وعدت إلى وطني مسرورا والحمد لله.

23 - الخرائج: روي عن أحمد بن أبي روح، قال: خرجت إلى بغداد في مال لأبي الحسن الخضر بن محمد لأوصله وأمرني أن أدفعه إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فأمرني أن أدفعه إلى غيره، وأمرني أن أسال الدعاء للعلة التي هو فيها وأسأله عن الوبر يحل لبسه؟

فدخلت بغداد، وصرت إلى العمري، فأبى أن يأخذ المال وقال: صر إلى أبي جعفر محمد بن أحمد وادفع إليه فإنه أمره بأن يأخذه، وقد خرج الذي طلبت فجئت إلى أبي جعفر فأوصلته إليه ، فأخرج إلي رقعة فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم، سألت الدعاء عن العلة التي تجدها، وهب الله لك العافية، ودفع عنك الآفات، وصرف عنك بعض ما تجده من الحرارة، وعافاك وصح جسمك، وسألت ما يحل أن يصلي فيه من الوبر والسمور والسنجاب والفنك والدلق والحواصل، فأما السمور والثعالب فحرام عليك وعلى غيرك الصلاة فيه ويحل لك جلود المأكول من اللحم إذا لم يكن فيه غيره، وإن لم يكن لك ما تصلي فيه، فالحواصل جائز لك أن تصلي فيه، الفرا متاع الغنم، ما لم يذبح بأرمنية يذبحه النصارى على الصليب، فجائز لك أن تلبسه إذا ذبحه أخ لك [أو مخالف تثق به].

إلى هنا انتهى ما أردت إيراده في كتاب الغيبة وأرجو من فضله تعالى أن يجعلني من أنصار حجته، والقائم بدينه، ومن أعوانه والشهداء تحت لوائه، وأن يقر عيني وعيون والدي وإخواني وأصحابي وعشايري وجميع المؤمنين برؤيته، وأن يكحل

عيوننا بغبار مواكب أصحابه، فإنه المرجو لكل خير وفضل.

ألتمس ممن ينظر في كتابي أن يترحم علي ويدعو بالمغفرة لي في حياتي وبعد موتي، والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين وكتب بيمناه الجانية، مؤلفه أحقر عباد الله الغني محمد باقر بن محمد تقي، عفي عنهما بالنبي وآله الأكرمين، في شهر رجب الأصب من شهور سنة ثمان وسبعين بعد الألف من الهجرة النبوية.

* (جنة المأوى) * في ذكر من فاز بلقاء الحجة عليه السلام أو معجزته في الغيبة الكبرى لمؤلفه العلامة الحاج ميرزا حسين النوري قدس سره النوري

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنار قلوب أوليائه بضياء معرفة وليه، المحجوب عن الأبصار وشرح صدور أحبائه بنور محبة صفيه، المستور عن الأغيار، علا صنعه المتقن عن أن يتطرق إليه توهم العبث والجهالة، وحاشا قضاؤه المحكم أن يترك العباد في تيه الضلالة. والصلاة على البشير النذير، والسراج المنير، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، واللواء المعقود، أول العدد، الحميد المحمود الأحمد أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهادين الأنجبين .

خصوصا على عنقاء قاف القدم، القائم فوق مرقاة الهمم، الاسم الأعظم الإلهي، الحاوي للعلم الغير المتناهي، قطب رحى الوجود، ومركز دائرة الشهود كمال النشأة ومنشأ الكمال، جمال الجمع ومجمع الجمال، المترشح بالأنوار الإلهية، المربى تحت أستار الربوبية، مطلع الأنوار المصطفوية، ومنبع الأسرار المرتضوية، ناموس ناموس الله الأكبر، وغاية نوع البشر، أبي الوقت ومربي الزمان، الذي هو للحق أمين، وللخلق أمان، ناظم المناظم، الحجة القائم ولعنة الله على أعدائهم، والمنكرين لشرف مقامهم، إلى يوم يدعى كل أناس بإمامهم.

وبعد فيقول العبد المذنب المسيئ حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي نور الله بصيرته برؤية إمامه، وجعله نصب عينيه في يقظته ومنامه: إني منذ هاجرت ثانيا من المشهد المقدس الغروي، وأسكنت ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيت الحجة القائم المهدي - عليه آلاف السلام والتحية من الله الملك العلي - مشهد

والده وجده عليهما السلام ومغيبه لما أراد الله إنفاذ أمره، وإنجاز وعده، أكثر البلاد موطئا للحجج بعد طيبة وأم القرى، وأفضلها عندهم لطيب الهواء وقلة الداء وعذوبة الماء الممدوح بلسان الهادي عليه السلام " وأخرجت إليها كرها ولو أخرجت عنها أخرجت كرها " المدعو تارة بسامرا، وأخرى بسر من رأى طهرها الله تعالى من الأرجاس، وجعلها شاغرة عن أشباه الناس، كان يختلج في خاطري، ويتردد في خلدي، أن أبتغي وسيلة بقدر الوسع والميسور، إلى صاحب هذا القصر المشيد، والبيت المعمور، فلم أهتد إلى ذلك المرام سبيلا، ولم أجد لما أتمناه هاديا ولا دليلا.

فمضى على ذلك عشر سنين، فقلت يا نفس: هذا والله هو الخسران المبين إن كنت لا تجدين ما يليق عرضه على هذا السلطان، العظيم القدر والشأن، فلا تقصرين عن قبرة أهدى جرادة إلى سليمان، وهو بمقام من الرأفة والكرم، لا يحوم حوله نبي ولا رسول من الروح إلى آدم، فكيف بغيره من طبقات الأمم، يقبل البضاعة ولو كانت مزجاة، ويتأسى بجده الأطهر في إجابة الدعوات، ولو إلى كراع شاة.

فبينما أنا بين اليأس والطمع، والصبر والجزع، إذ وقع في خاطري أنه قد سقط عن قلم العلامة المجلسي رضوان الله عليه في باب من رآه عليه السلام في الغيبة من المجلد الثالث عشر من البحار، جماعة فازوا بشرف اللقاء، وحازوا السبق الأعلى والقدح المعلى، فلو ضبط أساميهم الشريفة، ونقل قصصهم الطريفة، وغيرهم من الأبرار الذين نالوا المنى بعد صاحب البحار، فيكون كالمستدرك للباب المذكور، والمتمم

لاثبات هذا المهم المسطور، لما قصر شأنه من الجرادة والكراع، فعسى أن يكون سببا للقرب إلى حضرته، ولو بشبر، فيقرب إلى المتقرب إليه بباع، أو ألف ذراع.

فاستخرت الله تعالى وشرعت في المقصود مع قلة الأسباب، وألحقت بمن أدرك فيض حضوره الشريف من وقف على معجزة منه عليه السلام أو أثر يدل على وجوده المقدس الذي هو من أكبر الآيات وأعظم المعاجز، لاتحاد الغرض ووحدة المقصود، ثم ما رأيته في كتب أصحابنا فنشير إلى مأخذه ومؤلفه، وما سمعته فلا أنقل منه إلا ما تلقيته من العلماء الراسخين، ونواميس الشرع المبين، أو من الصلحاء الثقات الذين بلغوا من الزهد والتقوى والسداد محلا لا يحتمل فيهم عادة تعمد الكذب والخطأ، بل سمعنا أو رأينا من بعضهم من الكرامات ما تنبئ عن علو مقامهم عند السادات، وقد كنا ذكرنا جملة من ذلك متفرقا في كتابنا دار السلام ونذكر هنا ما فيه وما عثرنا عليه بعد تأليفه وسميته جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة عليه السلام أو معجزته في الغيبة الكبرى، ولم نذكر ما هو موجود في البحار، حذرا من التطويل والتكرار، وها نحن نشرع في المرام، بعون الله الملك العلام، وإعانة السادات الكرام، عليهم آلاف التحية والسلام.

الحكاية الأولى حدث السيد المعظم المبجل، بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي النيلي المعاصر للشهيد الأول في كتاب الغيبة عن الشيخ العالم الكامل القدوة المقرئ الحافظ، المحمود الحاج المعتمر شمس الحق والدين محمد بن قارون قال: دعيت إلى امرأة فأتيتها وأنا أعلم أنها مؤمنة من أهل الخير والصلاح فزوجها أهلها من محمود الفارسي المعروف بأخي بكر، ويقال له ولأقاربه:

بنو بكر، وأهل فارس مشهورون بشدة التسنن والنصب والعداوة لأهل الايمان وكان محمود هذا أشدهم في الباب، وقد وفقه الله تعالى للتشيع دون أصحابه.

فقلت لها: واعجباه كيف سمح أبوك بك؟ وجعلك مع هؤلاء النواصب؟ وكيف اتفق لزوجك مخالفة أهله حتى ترفضهم؟ فقالت: يا أيها المقرئ إن له حكاية عجيبة إذا سمعها أهل الأدب حكموا أنها من العجب، قلت: وما هي؟ قال: سله عنها سيخبرك.

قال الشيخ: فلما حضرنا عنده قلت له: يا محمود ما الذي أخرجك عن ملة أهلك، وأدخلك مع الشيعة؟ فقال: يا شيخ لما اتضح لي الحق تبعته، اعلم أنه قد جرت عادة أهل الفرس أنهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم، خرجوا يتلقونهم، فاتفق أنا سمعنا بورود قافلة كبيرة، فخرجت ومعي صبيان كثيرون وأنا إذ ذاك صبي مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة، بجهلنا، ولم نفكر في عاقبة الأمر، وصرنا كلما انقطع منا صبي من التعب خلوه إلى الضعف، فضللنا عن الطريق، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه، وفيه شوك، وشجر ودغل، لم نر مثله قط فأخذنا في السير حتى عجزنا وتدلت ألسنتنا على صدورنا من العطش، فأيقنا بالموت، وسقطنا لوجوهنا.

فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض، قد نزل قريبا منا، وطرح مفرشا لطيفا لم نر مثله تفوح منه رائحة طيبة، فالتفتنا إليه وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثم قام فصلى بصاحبه، ثم جلس للتعقيب.

فالتفت إلي وقال: يا محمود! فقلت: بصوت ضعيف لبيك يا سيدي، قال:

ادن مني، فقلت: لا أستطيع لما بي من العطش والتعب، قال: لا بأس عليك.

فلما قالها حسبت كأن قد حدث في نفسي روح متجددة، فسعيت إليه حبوا فمر يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فرده حتى لصق بالحنك الأعلى ودخل لساني في فمي، وذهب ما بي، وعدت كما كنت أولا.

فقال: قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل وكأن في الوادي حنظل كثير فأتيته بحنظلة كبيرة فقسمها نصفين، وناولنيها وقال: كل منها فأخذتها منه، ولم اقدم على مخالفته وعندي أمرني أن آكل الصبر لما أعهد من مرارة الحنظل فلما ذقتها فإذا هي أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك شبعت ورويت.

ثم قال لي: ادع صاحبك، فدعوته، فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة، فقال له: قم لا بأس عليك فأقبل إليه حبوا وفعل معه كما فعل معي ثم نهض ليركب، فقلنا بالله عليك يا سيدنا إلا ما أتممت علينا نعمتك، وأوصلتنا إلى أهلنا، فقال: لا تعجلوا وخط حولنا برمحه خطة، وذهب هو وصاحبه فقلت لصاحبي: قم بنا حتى نقف بإزاء الجبل ونقع على الطريق، فقمنا وسرنا وإذا بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فإذا بحائط آخر، وهكذا من أربع جوانبنا.

فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا ثم قلت لصاحبي: ائتنا من هذا الحنظل لنأكله، فأتى به فإذا هو أمر من كل شئ، وأقبح، فرمينا به، ثم لبثنا هنيئة وإذا قد استدار من الوحش ما لا يعلم إلا الله عدده، وكلما أرادوا القرب منا منعهم ذلك الحائط، فإذا ذهبوا زال الحائط، وإذا عادوا عاد.

قال: فبتنا تلك الليلة آمنين حتى أصبحنا، وطلعت الشمس واشتد الحر

وأخذنا العطش فجزعنا أشد الجزع، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا بالأمس، فلما أرادا مفارقتنا قلنا له: بالله عليك إلا أوصلتنا إلى أهلنا، فقال:

أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ثم غابا.

فلما كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا، ومعه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب فلما رآنا ارتاع منا وانهزم، وترك حميره فصحنا إليه باسمه، وتسمينا له فرجع وقال: يا ويلكما إن أهاليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة، فلما قربنا من البلد، دخل أمامنا، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحا شديدا وأكرموه وأخلعوا عليه.

فلما دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا، فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذبونا وقالوا: هو تخييل لكم من العطش.

قال محمود: ثم أنساني الدهر حتى كأن لم يكن، ولم يبق على خاطري شئ منه حتى بلغت عشرين سنة، وتزوجت وصرت أخرج في المكاراة ولم يكن في أهلي أشد مني نصبا لأهل الإيمان، سيما زوار الأئمة عليهم السلام بسر من رأى فكنت أكريهم الدواب بالقصد لأذيتهم بكل ما أقدر عليه من السرقة وغيرها وأعتقد أن ذلك مما يقربني إلى الله تعالى.

فاتفق أني كريت دوابي مرة لقوم من أهل الحلة، وكانوا قادمين إلى الزيارة منهم ابن السهيلي وابن عرفة وابن حارب، وابن الزهدري، وغيرهم من أهل الصلاح، ومضيت إلى بغداد، وهم يعرفون ما أنا عليه من العناد، فلما خلوا بي من الطريق وقد امتلأوا علي غيظا وحنقا لم يتركوا شيئا من القبيح إلا فعلوه بي وأنا ساكت لا أقدر عليهم لكثرتهم، فلما دخلنا بغداد ذهبوا إلى الجانب الغربي فنزلوا هناك، وقد امتلأ فؤادي حنقا.

فلما جاء أصحابي قمت إليهم، ولطمت على وجهي وبكيت، فقالوا: مالك؟

وما دهاك؟ فحكيت لهم ما جرى علي من أولئك القوم، فأخذوا في سبهم ولعنهم وقالوا: طب نفسا فانا نجتمع معهم في الطريق إذا خرجوا، ونصنع بهم أعظم

مما صنعوا.

فلما جن الليل، أدركتني السعادة، فقلت في نفسي: إن هؤلاء الرفضة لا يرجعون عن دينهم، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم، فما ذلك إلا لأن الحق معهم فبقيت مفكرا في ذلك، وسألت ربي بنبيه محمد صلى الله عليه وآله أن يريني في ليلتي علامة أستدل بها على الحق الذي فرضه الله تعالى على عباده.

فأخذني النوم فإذا أنا بالجنة قد زخرفت، فإذا فيها أشجار عظيمة، مختلفة الألوان والثمار، ليست مثل أشجار الدنيا، لأن أغصانها مدلاة، وعروقها إلى فوق، ورأيت أربعة أنهار: من خمر، ولبن، وعسل، وماء، وهي تجري وليس لها جرف بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، ورأيت نساء حسنة الأشكال ورأيت قوما يأكلون من تلك الثمار، ويشربون من تلك الأنهار، وأنا لا أقدر على ذلك، فكلما أردت أن أتناول من الثمار، تصعد إلى فوق، وكلما هممت أن أشرب من تلك الأنهار، تغور إلى تحت فقلت للقوم: ما بالكم تأكلون وتشربون؟ وأنا لا أطيق ذلك؟ فقالوا: إنك لا تأتي إلينا بعد.

فبينا أنا كذلك وإذا بفوج عظيم، فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام قد أقبلت، فنظرت فإذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة، ينزلون من الهواء إلى الأرض، وهم خافون بها، فلما دنت وإذا بالفارس الذي قد خلصنا من العطش باطعامه لنا الحنظل، قائما بين يدي فاطمة عليها السلام فلما رأيته عرفته، وذكرت تلك الحكاية، وسمعت القوم يقولون: هذا م ح م د بن الحسن القائم المنتظر، فقام الناس وسلموا على فاطمة عليها السلام.

فقمت أنا وقلت: السلام عليك يا بنت رسول الله، فقالت: وعليك السلام يا محمود أنت الذي خلصك ولدي هذا من العطش؟ فقلت: نعم، يا سيدتي، فقالت:

إن دخلت مع شيعتنا أفلحت، فقلت: أنا داخل في دينك ودين شيعتك، مقر بإمامة من مضى من بنيك، ومن بقي منهم، فقالت: أبشر فقد فزت.

قال محمود: فانتبهت وأنا أبكي، وقد ذهل عقلي مما رأيت فانزعج أصحابي لبكائي، وظنوا أنه مما حكيت لهم، فقالوا: طب نفسا فوالله لننتقمن من الرفضة فسكت عنهم حتى سكتوا، وسمعت المؤذن يعلن بالأذان، فقمت إلى الجانب الغربي ودخلت منزل أولئك الزوار، فسلمت عليهم، فقالوا: لا أهلا ولا سهلا اخرج عنا لا بارك الله فيك، فقلت: إني قد عدت معكم، ودخلت عليكم لتعلموني معالم ديني، فبهتوا من كلامي، وقال بعضهم: كذب، وقال: آخرون جاز أن يصدق.

فسألولي عن سبب ذلك، فحكيت لهم ما رأيت، فقالوا: إن صدقت فانا ذاهبون إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، فامض معنا حتى نشيعك هناك فقلت: سمعا وطاعة، وجعلت اقبل أيديهم وأقدامهم، وحملت إخراجهم وأنا أدعو لهم حتى وصلنا إلى الحضرة الشريفة، فاستقبلنا الخدام، ومعهم رجل علوي كان أكبرهم، فسلموا على الزوار فقالوا له: افتح لنا الباب حتى نزور سيدنا ومولانا، فقال: حبا وكرامة، ولكن معكم شخص يريد أن يتشيع، ورأيته في منامي واقفا بين يدي سيدتي فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، فقالت لي: يأتيك غدا رجل يريد أن يتشيع فافتح له الباب قبل كل أحد، ولو رأيته الآن لعرفته.

فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجبين، فقالوا: فشرع ينظر إلى واحد واحد فقال: الله أكبر هذا والله هو الرجل الذي رأيته ثم أخذ بيدي فقال القوم:

صدقت يا سيد وبررت، وصدق هذا الرجل بما حكاه، واستبشروا بأجمعهم وحمدوا الله تعالى ثم إنه أدخلني الحضرة الشريفة، وشيعني وتوليت وتبريت.

فلما تم أمري قال العلوي: وسيدتك فاطمة تقول لك: سيلحقك بعض

حطام الدنيا فلا تحفل به، وسيخلفه الله عليك، وستحصل في مضايق فاستغث بنا تنجو، فقلت: السمع، والطاعة، وكان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت وخلف الله علي مثلها، وأضعافها، وأصابني مضايق فندبتهم ونجوت، وفرج الله عني بهم، وأنا اليوم أوالي من والاهم، وأعادي من عاداهم، وأرجو بهم حسن العاقبة.

ثم إني سعيت إلى رجل من الشيعة، فزوجني هذه المرأة، وتركت أهلي فما قبلت أتزوج منهم، وهذا ما حكا لي في تاريخ شهر رجب [سنة] ثمان وثمانين وسبعمائة هجرية، والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله.

الحكاية الثانية قال السيد الجليل صاحب المقامات الباهرة والكرامات الظاهرة رضي الدين علي بن طاوس في كتاب غياث سلطان الورى على ما نقله عنه المحدث الأسترآبادي في الفوائد المدنية في نسختين كانت إحداهما بخط الفاضل الهندي ما لفظه:

يقول علي بن موسى بن جعفر بن طاوس: كنت قد توجهت أنا وأخي الصالح محمد بن محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف الله سعادته، وشرف خاتمته من الحلة إلى مشهد مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر جمادي الأخرى سنة إحدى وأربعين وستمائة، فاختار الله لنا المبيت بالقرية التي تسمى دورة بن سنجار، وبات أصحابنا ودوابنا في القرية، وتوجهنا منها أوائل نهار يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر المذكور.

فوصلنا إلى مشهد مولانا علي صلوات الله وسلامه عليه قبل ظهر يوم الأربعاء المذكور، فزرنا وجاء الليل في ليلة الخميس تاسع عشر جمادي الأخرى المذكورة فوجدت من نفسي إقبالا على الله، وحضورا وخيرا كثيرا فشاهدت ما يدل على القبول والعناية والرأفة وبلوغ المأمول والضيافة، فحدثني أخي الصالح محمد بن محمد الآوي ضاعف الله سعادته أنه رأى في تلك الليلة في منامه كأن في يدي لقمة وأنا أقول له: هذه من فم مولانا المهدي عليه السلام وقد أعطيته بعضها.

فلما كان سحر تلك الليلة، كنت على ما تفضل الله به من نافلة الليل فلما أصبحنا به من نهار الخميس المذكور، دخلت الحضرة حضرة مولانا علي صلوات الله عليه على عادتي، فورد علي من فضل الله وإقباله والمكاشفة، ما كدت أسقط على الأرض، ورجفت أعضائي وأقدامي، وارتعدت رعدة هائلة، على عوائد فضله عندي وعنايته لي، وما أراني من بره لي ورفدي، وأشرفت على الفناء ومفارقة دار الفناء والانتقال إلى دار البقاء، حتى حضر الجمال محمد بن كنيلة، وأنا في تلك الحال فسلم علي فعجزت عن مشاهدته، وعن النظر إليه، وإلى غيره، وما تحققته بل سألت عنه بعد ذلك، فعرفوني به تحقيقا وتجددت في تلك الزيارة مكاشفات جليلة، و بشارات جميلة.

وحدثني أخي الصالح محمد بن محمد بن محمد الآوي ضاعف الله سعادته، بعدة بشارات رواها لي منها أنه رأى كأن شخصا يقص عليه في المنام مناما، ويقول له:

قد رأيت كأن فلانا - يعني عني - وكأنني كنت حاضرا لما كان المنام يقص عليه - راكب فرسا وأنت يعني الأخ الصالح الآوي، وفارسان آخران قد صعدتم جميعا إلى السماء قال: فقلت له: أنت تدري أحد الفارسين من هو؟ فقال صاحب المنام في حال النوم لا أدري، فقلت: أنت - يعني عني - ذلك مولانا المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

وتوجهنا من هناك لزيارة أول رجب بالحلة، فوصلنا ليلة الجمعة، سابع عشر جمادى الآخرة بحسب الاستخارة، فعرفني حسن بن البقلي يوم الجمعة المذكورة أن شخصا فيه صلاح يقال له: عبد المحسن، من أهل السواد قد حضر بالحلة وكر أنه قد لقيه مولانا المهدي صلوات الله عليه ظاهرا في اليقظة، وقد أرسله إلى عندي برسالة، فنفذت قاصدا وهو محفوظ بن قرا فحضرا ليلة السبت ثامن عشر من جمادي الآخرة المقدم ذكرها.

فخلوت بهذا الشيخ عبد المحسن، فعرفته فهو رجل صالح، لا يشك النفس في حديثه، ومستغن عنا، وسألته فذكر أن أصله من حصن بشر وأنه انتقل إلى الدولاب الذي بإزاء المحولة المعروفة بالمجاهدية، ويعرف الدولاب بابن أبي الحسن وأنه مقيم هناك، وليس له عمل بالدولاب ولا زرع، ولكنه تاجر في شراء غليلات وغيرها، وأنه كان قد ابتاع غلة من ديوان السرائر وجاء ليقبضها، وبات عند المعيدية في المواضع المعروفة بالمحبر.

فلما كان وقت السحر كره استعمال ماء المعيدية، فخرج بقصد النهر، والنهر في جهة المشرق، فما أحس بنفسه إلا وهو في قل السلم، في طريق مشهد الحسين عليه السلام، في جهة المغرب، وكان ذلك ليلة الخميس تاسع عشر شهر جمادي الآخرة من سنة إحدى وأربعين وستمائة التي تقدم شرح بعض ما تفضل الله علي فيها وفي نهارها في خدمة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام.

فجلست أريق ماء وإذا فارس عندي ما سمعت له حسا، ولا وجدت لفرسه حركة، ولا صوتا، وكان القمر طالعا، ولكن كان الضباب كثيرا.

فسألته عن الفارس وفرسه، فقال: كان لون فرسه صدءا وعليه ثياب بيض وهو متحنك بعمامة ومتقلد بسيف.

فقال الفارس لهذا الشيخ عبد المحسن: كيف وقت الناس؟ قال عبد المحسن:

فظننت أنه يسأل عن ذلك الوقت، قال: فقلت الدنيا عليه ضباب وغبرة، فقال: ما سألتك عن هذا أنا سألتك عن حال الناس، قال: فقلت: الناس طيبين مرخصين آمنين في أوطانهم وعلى أموالهم.

فقال: تمضي إلى ابن طاوس، وتقول له كذا وكذا، وذكر لي ما قال صلوات الله عليه ثم قال عنه عليه السلام: فالوقت قد دنا، فالوقت قد دنا، قال عبد المحسن فوقع في قلبي وعرفت نفسي أنه مولانا صاحب الزمان عليه السلام فوقعت على وجهي

وبقيت كذلك مغشيا علي إلى أن طلع الصبح، قلت له: فمن أين عرفت أنه قصد ابن طاوس عني؟ قال: ما أعرف من بني طاوس إلا أنت، وما في قلبي إلا أنه قصد بالرسالة إليك، قلت: أي شئ فهمت بقوله عليه السلام " فالوقت قد دنا فالوقت قد دنا " هل قصد وفاتي قد دنا أم قد دنا وقت ظهوره صلوات الله وسلامه عليه؟

فقال: بل قد دنا وقت ظهوره صلوات الله عليه.

قال: فتوجهت ذلك الوقت إلى مشهد الحسين عليه السلام وعزمت أنني ألزم بيتي مدة حياتي أ عبد الله تعالى، وندمت كيف ما سألته صلوات الله عليه عن أشياء كنت أشتهي أسأله فيها.

قلت له: هل عرفت بذلك أحدا؟ قال: نعم، عرفت بعض من كان عرف بخروجي من المعيدية، وتوهموا أني قد ضللت وهلكت بتأخيري عنهم، واشتغالي بالغشية التي وجدتها، ولأنهم كانوا يروني طول ذلك النهار يوم الخميس في أثر الغشية التي لقيتها من خوفي منه عليه السلام فوصيته أن لا يقول ذلك لأحد أبدا، وعرضت عليه شيئا فقال: أنا مستغن عن الناس وبخير كثير.

فقمت أنا وهو فلما قام عني نفذت له غطاء وبات عندنا في المجلس على باب الدار التي هي مسكني الآن بالحلة، فقمت وكنت أنا وهو في الروشن في خلوة، فنزلت لأنام فسألت الله زيادة كشف في المنام في تلك الليلة أراه أنا.

فرأيت كأن مولانا الصادق عليه السلام قد جاءني بهدية عظيمة، وهي عندي وكأنني ما أعرف قدرها، فاستيقظت وحمدت الله، وصعدت الروشن لصلاة نافلة

الليل، وهي ليلة السبت ثامن عشر جمادي الآخرة فأصعد فتح الإبريق إلى عندي فمددت يدي فلزمت عروته لأفرغ على كفي فأمسك ماسك فم الإبريق وأداره عني ومنعني من استعمال الماء في طهارة الصلاة، فقلت: لعل الماء نجس فأراد الله أن يصونني عنه فإن لله عز وجل علي عوائد كثيرة أحدها مثل هذا وأعرفها.

فناديت إلى فتح، وقلت: من أين ملأت الإبريق؟ فقال: من المصبة فقلت: هذا لعله نجس فاقلبه وأطهره واملأه من الشط فمضى وقلبه وأنا أسمع صوت الإبريق وشطفه وملأه من الشط، وجاء به فلزمت عروته وشرعت اقلب منه على كفي فأمسك ماسك فم الإبريق وأداره عني ومنعني منه.

فعدت وصبرت، ودعوت بدعوات، وعاودت الإبريق وجرى مثل ذلك، فعرفت أن هذا منع لي من صلاة الليل تلك الليلة، وقلت في خاطري: لعل الله يريد أن يجري علي حكما وابتلاء غدا ولا يريد أن أدعو الليلة في السلامة من ذلك، وجلست لا يخطر بقلبي غير ذلك.

فنمت وأنا جالس، وإذا برجل يقول لي: - يعني عبد المحسن الذي جاء بالرسالة - كأنه ينبغي أن تمشي بين يديه، فاستيقظت ووقع في خاطري أنني قد قصرت في احترامه وإكرامه، فتبت إلى الله جل جلاله، واعتمدت ما يعتمد التائب من مثل ذلك، وشرعت في الطهارة فلم يمسك أبدا [فم] الإبريق وتركت على عادتي فتطهرت وصليت ركعتين فطلع الفجر فقضيت نافلة الليل، وفهمت أنني ما قمت بحق هذه الرسالة.

فنزلت إلى الشيخ عبد المحسن، وتلقيته وأكرمته، وأخذت له من خاصتي

ستانير ومن غير خاصتي خمسة عشر دينارا مما كنت أحكم فيه كمالي وخلوت به في الروشن، وعرضت ذلك عليه، واعتذرت إليه، فامتنع من قبول شئ أصلا، وقال: إن معي نحو مائة دينار وما آخذ شيئا، أعطه لمن هو فقير، وامتنع غاية الامتناع.

فقلت: إن رسول مثله عليه الصلاة والسلام، يعطى لأجل الاكرام لمن أرسله لا لأجل فقره وغناه، فامتنع، فقلت له " مبارك " أما الخمسة عشر، فهي من غير خاصتي، فلا أكرهك على قبولها، وأما هذه الستة دنانير فهي من خاصتي فلا بد أن تقبلها مني فكاد أن يؤيسني من قبولها، فألزمته فأخذها، وعاد تركها، فألزمته فأخذها، وتغديت أنا وهو، ومشيت بين يديه كما أمرت في المنام إلى ظاهر الدار وأوصيته بالكتمان، والحمد لله وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

الحكاية الثالثة في آخر كتاب في التعازي عن آل محمد عليهم السلام ووفاة النبي صلى الله عليه وآله تأليف الشريف الزاهد أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي الحسيني رضي الله عنه عن الأجل العالم الحافظ، حجة الاسلام ، سعيد بن أحمد بن الرضي عن الشيخ الأجل المقرئ خطير الدين حمزة بن المسيب بن الحارث أنه حكى في داري بالظفرية بمدينة السلام في ثامن عشر شهر شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة قال: حدثني شيخي العالم ابن أبي القاسم عثمان بن عبد الباقي بن أحمد الدمشقي في سابع عشر جمادى الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة قال: حدثني الأجل

العالم الحجة كمال الدين أحمد بن محمد بن يحيى الأنباري بداره بمدينة السلام ليلة عاشر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.

قال: كنا عند الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في رمضان بالسنة المقدم ذكرها، ونحن على طبقة، وعنده جماعة، فلما أفطر من كان حاضرا وتقوض أكثر من حضر خاصرا، أردنا الانصراف، فأمرنا بالتمسي عنده، فكان في مجلسه في تلك الليلة شخص لا أعرفه، ولم أكن رأيته من قبل، ورأيت الوزير يكثر إكرامه، ويقرب مجلسه، ويصغي إليه، ويسمع قوله، دون الحاضرين.

فتجارينا الحديث والمذاكرة، حتى أمسينا وأردنا الانصراف، فعرفنا بعض أصحاب الوزير أن الغيث ينزل، وأنه يمنع من يريد الخروج، فأشار الوزير أن نمسي عنده فأخذنا نتحادث، فأفضى الحديث حتى تحادثنا في الأديان والمذاهب ورجعنا إلى دين الاسلام، وتفرق المذاهب فيه.

فقال الوزير: أقل طائفة مذهب الشيعة، وما يمكن أن يكون أكثر منهم في خطتنا هذه، وهم الأقل من أهلها، وأخذ يذم أحوالهم، ويحمد الله على قتلهم في أقاصي الأرض.

فالتفت الشخص الذي كان الوزير مقبلا عليه، مصغيا إليه، فقال له: أدام الله أيامك أحدث بما عندي فيما قد تفاوضتم فيه أو أعرض عنه، فصمت الوزير، ثم قال: قل: ما عندك.

فقال: خرجت مع والدي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، من مدينتنا وهي المعروفة بالباهية، ولها الرستاق الذي يعرفه التجار، وعدة ضياعها ألف ومائتا ضيعة، في كل ضيعة من الخلق ما لا يحصي عددهم إلا الله، وهم قوم نصارى، وجميع

الجزائر التي كانت حولهم، على دينهم ومذهبهم، ومسير بلادهم وجزائرهم مدة شهرين، وبينهم وبين البر مسير عشرين يوما وكل من في البر من الأعراب وغيرهم نصارى وتتصل بالحبشة والنوبة، وكلهم نصارى، ويتصل بالبربر، وهم على دينهم فان حد هذا كان بقدر كل من في الأرض، ولم نضف إليهم الإفرنج والروم.

وغير خفي عنكم من بالشام والعراق والحجاز من النصارى، واتفق أننا سرنا في البحر، وأوغلنا، وتعدينا الجهات التي كنا نصل إليها، ورغبنا في المكاسب ولم نزل على ذلك حتى صرنا إلى جزائر عظيمة كثيرة الأشجار، مليحة الجدران فيها المدن الملدودة والرساتيق.

وأول مدينة وصلنا إليها وأرسي المراكب بها، وقد سألنا الناخداه أي شئ هذه الجزيرة؟ قال: والله إن هذه جزيرة لم أصل إليها ولا أعرفها، وأنا وأنتم في معرفتها سواء.

فلما أرسينا بها، وصعد التجار إلى مشرعة تلك المدينة، وسألنا ما اسمها؟

فقيل هي المباركة، فسألنا عن سلطانهم وما اسمه؟ فقالوا: اسمه الطاهر، فقلنا وأين سرير مملكته فقيل بالزاهرة، فقلنا: وأين الزاهرة؟ فقالوا: بينكم وبينها مسيرة عشر ليال في البحر، وخمسة وعشرين ليلة في البر، وهم قوم مسلمون.

فقلنا: من يقبض زكاة ما في المركب لنشرع في البيع والابتياع؟ فقالوا:

تحضرون عند نائب السلطان، فقلنا: وأين أعوانه؟ فقالوا: لا أعوان له، بل هو في داره وكل من عليه حق يحضر عنده، فيسلمه إليه.

فتعجبنا من ذلك، وقلنا: ألا تدلونا عليه؟ فقالوا: بلى، وجاء معنا من أدخلنا داره، فرأيناه رجلا صالحا عليه عباءة، وتحته عباءة وهو مفترشها، وبين يديه دواة يكتب منها من كتاب ينظر إليه، فسلمنا عليه فرد علينا السلام وحيانا و قال: من أين أقبلتم؟ فقلنا: من أرض كذا وكذا، فقال: كلكم؟ فقلنا: لا، بل

فينا المسلم واليهودي والنصراني، فقال: يزن اليهودي جزيته والنصراني جزيته. ويناظر المسلم عن مذهبه.

فوزن والدي عن خمس نفر نصارى: عنه وعني وعن ثلاثة نفر كانوا معنا ثم وزن تسعة نفر كانوا يهودا وقال للباقين: هاتوا مذاهبكم، فشرعوا معه في مذاهبهم.

فقال: لستم مسلمين وإنما أنتم خوارج وأموالكم محل للمسلم المؤمن، وليس بمسلم من لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وبالوصي والأوصياء من ذريته حتى مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليهم.

فضاقت بهم الأرض ولم يبق إلا أخذ أموالهم.

ثم قال لنا: يا أهل الكتاب لا معارضة لكم فيما معكم، حيث اخذت الجزية منكم، فلما عرف أولئك أن أموالهم معرضة للنهب، سألوه أن يحتملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم، وتلا: " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ".

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.