پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثالث

باب 7 الهداية والاضلال والتوفيق والخذلان الآيات، الفاتحة 1

ج ۵، ص ۱۶۱–۱۸۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵

البقرة " 2 " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم

6 - 7 " وقال تعالى ":

يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين 26 " وقال تعالى ": فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب

213 - 214 " وقال تعالى ": الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور 257 " وقال ": والله لا يهدي القوم الظالمين 258 " وقال ": والله لا يهدى القوم الكافرين 264.

آل عمران " 3 " قل إن الهدى هدى الله 73 " وقال تعالى ": كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين 86.

النساء " 4 ": ولهديناهم صراطا مستقيما 68.

المائدة " 5 ": ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم 41 " وقال تعالى ": فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم

ببعض ذنوبهم 49 " وقال تعالى ": ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم 54 " وقال تعالى ": إن الله لا يهدي القوم الكافرين 67 " وقال تعالى ": والله لا يهدي القوم الفاسقين 108.

الانعام " 6 " ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا 25 " وقال تعالى ": ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين 35 " وقال تعالى ": وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها 123 " وقال تعالى ": من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم 39 " وقال تعالى ": و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا 53 " وقال تعالى ": و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون * وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون

110 - 113 " وقال تعالى ": فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون 125 " وقال تعالى ": إن الله لا يهدي القوم الظالمين 144 " وقال تعالى ":

فلو شاء لهديكم أجمعين 149.

الأعراف " 7 " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون 27 " وقال تعالى ": من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون * ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون

178 - 179 " وقال تعالى ": فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة 30 " وقال تعالى ": سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها

غافلين 146 " وقال تعالى ": من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون 186.

الأنفال " 7 " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى 17 " وقال تعالى ": واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه 24. التوبة " 9 " والله لا يهدى القوم الظالمين 19 " وقال تعالى ": والله لا يهدي القوم الفاسقين 24 " وقال تعالى " وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 87 " وقال تعالى ": صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون 127.

يونس " 10 " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 25 " وقال تعالى " كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون 33 " وقال تعالى ":

ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون * إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون

42 - 43 " وقال تعالى ": إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم

96 - 97.

هود " 11 " وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب 88 " وقال تعالى ": ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

118 - 119 " وقال تعالى ":

ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون 34.

الرعد " 13 ": قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب 27 " وقال تعالى ":

أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا 31 " وقال تعالى ": ومن يضلل الله فماله من هاد 33.

إبراهيم " 14 " فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء 4 وقال تعالى ": يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء 27.

النحل " 16 " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون 93 " وقال تعالى ": وأن الله لا يهدي القوم الكافرين * أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون

107 - 108.

الاسرى " 17 " ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه 97 " وقال تعالى ": وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا 16.

الكهف " 18 " من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا 17.

مريم " 19 " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا 75 " وقال تعالى ":

ويزيد الله الذين اهتدوا هدى 76 " وقال تعالى ": ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا 83.

النور " 24 " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم 21 " وقال تعالى ": ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور 40 " وقال تعالى ": والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 46.

الفرقان " 25 " ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا 18.

الشعراء " 26 " كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم

200 - 201.

النمل " 27 " إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون 4.

القصص " 28 " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار 41 " وقال تعالى ": إنك لا تهدي

من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين 56.

الروم " 30 " فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين 29 " وقال سبحانه:

كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون 59.

التنزيل " 32 " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين 13.

سبا: " 34 " قال: إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب 50.

فاطر " 35 ": أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء 8 " وقال سبحانه " إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور 22.

يس " 37 " لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون * إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون

7 - 10.

الزمر " 39 " إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار 3 " وقال تعالى ": ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد 23 ومن يهد الله فما له من مضل 37 " وقال تعالى ": أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين 57.

المؤمن " 40 " ومن يضلل الله فماله من هاد 33 " وقال تعالى ": كذلك يضلل الله من هو مسرف مرتاب 34 " وقال تعالى ": كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار 35 " وقال تعالى ": كذلك يضل الله الكافرين 74.

السجدة " 41 " وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين 25.

حمعسق " 42 " الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب 13 " وقال تعالى ":

ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده 44 " وقال تعالى ": ومن يضلل الله فما له من سبيل 46.

الزخرف " 43 " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا 32 " وقال تعالى ": ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين 36 " وقال تعالى ": أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين 40.

الجاثية " 45 " أفرأيت من اتخذ إلهه هويه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون 23.

محمد " 47 " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم 14 " وقال تعالى ":

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم 17 " وقال تعالى ": أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم 23.

الصف " 61 " والله لا يهدي القوم الظالمين 7.

المنافقين " 63 " فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 3.

الدهر " 76 " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا 3.

تفسير: قوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم " قال البيضاوي: الختم: الكتم، سمي به الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره، نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه. والغشاوة فعالة من غشاه: إذا غطاه، بنيت لما يشتمل على الشئ كالعصابة والعمامة، ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الايمان والطاعات بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح فيجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق، وأسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لا تجتلي لها الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس، كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنها غطي عليها وحيل بينها وبين الابصار، وسماه على الاستعارة ختما وتغشية; أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختما وتغطية. وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى:

": أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم " وبالاغفال في قوله تعالى:

" ولا تطع من أغفلنا قلبه " وبالاقساء في قوله تعالى " وجعلنا قلوبهم قاسية " وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندة إلى الله واقعة بقدرته استندت إليه، ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله: " بل طبع الله عليها بكفرهم " وقوله تعالى: " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم " وردت الآية ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم، واضطرت المعتزلة فيه فذكروا وجوها من التأويل:

الأول: أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه.

الثاني: أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن أو قلوب مقدر ختم الله عليها; ونظيره: سال به الوادي: إذا هلك، وطارت به العنقاء: إذا طالت غيبته.

الثالث: أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان، أو الكافر لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسنده إليه إسناد الفعل إلى السبب.

الرابع: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الالجاء والقسر ثم لم يقسرهم إبقاءا على غرض التكليف عبر عن تركه بالختم، فإنه سد لايمانهم، وفيه إشعار على ترامي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي.

الخامس: أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون مثل: " قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب " تهكما واستهزاءا بهم، كقوله تعالى: " لم يكن الذين كفروا " الآية.

السادس: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه ويشهد له قوله تعالى: " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما " السابع: أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة تعرفها الملائكة فيبغضونهم ويتنفرون عنهم وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع وإضلال و نحوهما. انتهى.

أقول: بعد قيام البرهان على امتناع أن يكلف الحكيم أحدا ثم يمنعه عن الاتيان بما كلفه به ثم يعذبه عليه وشهادة العقل بقبح ذلك وأنه تعالى منزه عنه لابد من الحمل على أحد الوجوه التي ذكرها.

وزاد الشيخ الطبرسي رحمه الله على ما ذكر وجهين آخرين: أحدهما ما سيأتي نقلا عن تفسير العسكري عليه السلام وقد مرت الإشارة إليه أيضا وهو أن المراد بالختم العلامة وإذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم الله تعالى أنه لا يؤمن فإنه يعلم على قلبه علامة; وقيل: هي نكتة سوداء تشاهدها الملائكة فيعلمون بها أنه لا يؤمن بعدها فيذمونه ويدعون عليه كما أنه تعالى يكتب في قلب المؤمن الايمان ويعلم عليه علامة تعلم الملائكة بها أنه مؤمن فيمدحونه ويستغفرون له، فقوله تعالى: " بل طبع الله عليها بكفرهم " يحتمل أمرين: أحدهما أنه طبع الله عليها جزاءا للكفر وعقوبة عليه، والآخر أنه طبع عليها بعلامة كفرهم كما يقال: طبع عليه بالطين، وختم عليه بالشمع.

وثانيهما أن المراد بالختم على القلوب أن الله شهد عليها وحكم بأنها لا تقبل الحق كما يقال: أراك أنك تختم على كل ما يقوله فلان أي تشهد به وتصدقه، وقد ختمت عليك بأنك لا تفلح أي شهدت، وذلك استعارة. قوله تعالى: " يضل به كثيرا " قال الطبرسي رحمه الله: فيه وجهان: أحدهما: حكي عن الفراء أنه قال حكاية عمن قال: ما ذا أراد الله بهذا مثلا " أي يضل به قوم ويهدي به قوم، ثم قال الله تعالى: " وما يضل به إلا الفاسقين " فبين تعالى أنه لا يضل إلا فاسقا ضالا، وهذا وجه حسن.

والآخر أنه كلامه تعالى ابتداءا وكلاهما محتمل، وإذا كان محمولا على هذا فمعنى قوله:

يضل به كثيرا أن الكفار يكذبون به وينكرونه، ويقولون: ليس هو من عند الله فيضلون بسببه، وإذا حصل الضلال بسببه أضيف إليه، وقوله: " ويهدي به كثيرا " يعني الذين آمنوا به وصدقوه، وقالوا: هذا في موضعه، فلما حصلت الهداية بسببه أضيف إليه، فمعنى الاضلال على هذا تشديد الامتحان الذي يكون عنده الضلال فالمعنى أن الله يمتحن بهذه الأمثال عباده فيضل بها قوم كثير، ويهدي بها قوم كثير، ومثله قوله:

" رب إنهن أضللن كثيرا من الناس أي ضلوا عندها، وهذا مثل قولهم: أفسدت فلانة فلانا وأذهبت عقله، وهي ربما لم تعرفه ولكن لما ذهب عقله وفسد من أجلها أضيف الفساد إليها، وقد يكون الاضلال بمعنى التخلية على وجه العقوبة وترك المنع بالقهر ومنع الألطاف التي تفعل بالمؤمنين جزاءا على إيمانهم، وهذا كما يقال لمن لا يصلح سيفه:

أفسدت سيفك; أريد به أنك لم تحدث فيه الاصلاح في كل وقت بالصقل والاحداد.

وقد يكون الاضلال بمعنى التسمية بالضلال والحكم به كما يقال: أضله إذا نسبه إلى الضلال، وأكفره: إذا نسبه إلى الكفر، قال الكميت: وطائفة قد أكفروني بحبكم.

وقد يكون الاضلال بمعنى الاهلاك والعذاب والتدمير، ومنه قوله تعالى: " إن المجرمين في ضلال وسعر " ومنه قوله تعالى: " أإذا ضللنا في الأرض " أي هلكنا، وقوله:

" والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم " أي لم يبطل فعلى هذا يكون المعنى:

أن الله تعالى يهلك ويعذب بالكفر به كثيرا بأن يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسببه فيهلكوا ويهدي إلى الثواب وطريق الجنة بالايمان به كثيرا; عن أبي على الجبائي قال:

ويدل على ذلك قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " لأنه لا يخلو من أن يكون أراد العقوبة على التكذيب كما قلناه، أو يكون أراد به التحيير والتشكيك، فإن أراد الحيرة فقد ذكر أنه لا يفعل إلا بالفاسق المتحير الشاك فيجب أن لا تكون الحيرة المتقدمة التي بها صاروا فساقا من فعله إلا إذا وجدت حيرة قبلها أيضا، وهذا يوجب وجود

ما لا نهاية له من حيرة قبل حيرة لا إلى أول ، أو ثبوت إضلال لا إضلال قبله، وإذا كان ذلك من فعله فقد أضل من لم يكن فاسقا وهو خلاف قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " وعلى هذا الوجه فيجوز أن يكون حكم الله عليهم بالكفر وبراءته منهم ولعنته عليهم إهلاكا لهم، ويكون إهلاكه إضلالا، وكل ما في القرآن من الاضلال المنسوب إلى الله تعالى فهو بمعنى ما ذكرناه من الوجوه ولا يجوز أن يضاف إلى الله سبحانه الاضلال الذي أضافه إلى الشيطان وإلى فرعون والسامري بقوله: " ولقد أضل منكم جبلا كثيرا " وقوله:

" وأضل فرعون قومه " وقوله: " وأضلهم السامري " وهو أن يكون بمعنى التلبيس والتغليط والتشكيك والايقاع في الفساد والضلال وغير ذلك مما يؤدي إلى التظليم و التجوير إلى ما يذهب إليه المجبرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وإذ قد ذكرنا أقسام الاضلال فلنذكر أقسام الهداية التي هي ضده. اعلم أن الهداية في القرآن تقع على وجوه:

أحدها أن تكون بمعنى الدلالة والارشاد يقال: هداه الطريق وللطريق وإلى الطريق إذا دله عليه، وهذا الوجه عام لجميع المكلفين، فإن الله تعالى هدى كل مكلف إلى الحق بأن دله عليه وأرشده إليه لأنه كلفه الوصول إليه فلو لم يدله عليه لكان قد كلفه ما لا يطيق; ويدل عليه قوله تعالى: " ولقد جاءهم من ربهم الهدى " وقوله: " إنا هديناه السبيل " وقوله: " أنزل فيه القرآن هدى " وقوله: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " وقوله: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " وقوله: " وهديناه النجدين " وما أشبه ذلك من الآيات.

وثانيها أن يكون بمعنى زيادة الألطاف التي بها يثبت على الهدى; ومنه قوله تعالى: " والذين اهتدوا زادهم هدى ".

وثالثها أن تكون بمعنى الإثابة: ومنه قوله تعالى: " يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم " وقوله تعالى: " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم " والهداية التي تكون بعد قتلهم هي إثابتهم لا محالة.

ورابعها: الحكم بالهداية كقوله تعالى: " ومن يهدي الله فهو المهتد " وهذه الوجوه الثلاثة خاصة بالمؤمنين دون غيرهم لأنه تعالى إنما يثيب من يستحق الإثابة وهم المؤمنون، ويزيدهم ألطافا بإيمانهم وطاعتهم، ويحكم لهم بالهداية لذلك أيضا.

وخامسها أن تكون الهداية بمعنى جعل الانسان مهتديا، بأن يخلق الهداية فيه كما يجعل الشئ متحركا بخلق الحركة فيه، والله تعالى يفعل العلوم الضرورية في القلوب فذلك هداية منه تعالى، وهذا الوجه أيضا عام لجميع العقلاء كالوجه الأول، فأما الهداية التي كلف الله تعالى العباد فعلها كالايمان به وبأنبيائه وغير ذلك فإنها من فعل العباد، ولذلك يستحقون عليها المدح والثواب، وإن كان الله سبحانه قد أنعم عليهم بدلالتهم على ذلك وإرشادهم إليه ودعاهم إلى فعله وتكليفهم إياه وأمرهم به، فهو من هذا الوجه نعمة منه سبحانه عليهم، ومنة منه واصلة إليهم، وفضل منه وإحسان لديهم، فهو مشكور على ذلك محمود، إذ فعله بتمكينه وألطافه وضروب تسهيلاته و معوناته.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ":

إن المراد به البيان والدلالة، والصراط المستقيم هو الاسلام; أو المراد به: يهديهم باللطف فيكون خاصا بمن علم من حاله أنه يصلح به; أو المراد به: يهديهم إلى طريق الجنة.

وقال في قوله تعالى: " متى نصر الله " قيل: هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن، وإنما قاله الرسول استبطاءا للنصر على جهة التمني. وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر. وقيل: إنه ذكر كلام الرسول والمؤمنين جملة وتفصيلا: قال المؤمنون متى نصر الله؟ وقال الرسول: إلا إن نصر الله قريب.

وقال في قوله تعالى: " يخرجهم من الظلمات إلى النور ": أي من ظلمات الضلال والكفر إلى نور الهدى والايمان بأن هداهم إليه ونصب الأدلة لهم عليه و رغبهم فيه وفعل بهم من الألطاف ما يقوي دواعيهم إلى فعله.

وقال في قوله تعالى " والله لا يهدي القوم الظالمين " أي بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد. وقيل: لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه. وقيل: لا يهديهم بألطافه وتأييده إذا علم أنه لا لطف لهم. وقيل: لا يهديهم إلى الجنة.

وقال في قوله تعالى: " كيف يهدي الله قوما ": معناه: كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم والثناء عليهم؟ أو أنه على طريق التبعيد كما يقال: كيف يهديك إلى الطريق وقد تركته؟ أي لا طريق يهديهم به إلى الايمان إ من الوجه الذي هداهم به وقد تركوه، أو كيف يهديهم الله إلى طريق الجنة والحال هذه؟.

أقول: الأظهر أن المعنى أنهم حرموا أنفسهم بما اختاروه الألطاف الخاصة من ربهم تعالى.

وقال في قوله تعالى: " ومن يرد الله فتنته ": قيل: فيه أقوال: أحدها أن المراد بالفتنة العذاب أي من يرد الله عذابه كقوله تعالى: " على النار يفتنون " أي يعذبون وقوله: " ذوقوا فتنتكم " أي عذابكم.

وثانيها أن معناه من يرد الله إهلاكه.

وثالثها أن المراد به من يرد الله خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه.

ورابعها أن المراد من يرد الله اختباره بما يبتليه من القيام بحدوده فيدع ذلك ويحرفه.

والأصح الأول. " فلن تملك له من الله شيئا " أي فلن تستطيع أن تدفع لأجله من أمر الله الذي هو العذاب أو الفضيحة أو الهلاك شيئا " أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " معناه: أولئك اليهود لم يرد الله أن يطهر من عقوبات الكفر التي هي الختم والطبع والضيق قلوبهم، كما طهر قلوب المؤمنين منها، بأن كتب في قلوبهم الايمان، وشرح صدروهم للاسلام. وقيل: معناه: لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه، ممدوحة بالايمان.

قال القاضي: وهذا لا يدل على أنه سبحانه لم يرد منهم الايمان لان ذلك لا يعقل من تطهير القلب إلا على جهة التوسع، ولان قوله: " لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " يقتضي نفي كونه مريدا، وليس فيه بيان الوجه الذي لم يرد ذلك عليه، و المراد بذلك أنه لم يرد تطهير قلوبهم مما يلحقها من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب ولذا قال عقيبه: " لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ولو كان أراد ما قاله المجبرة لم يجعل ذلك ذما لهم ولا عقبه بالذم، ولا جعله في حكم الجزاء على ما لأجله عاقبهم وأراد ذلك فيهم.

أقول: روى النعماني في تفسيره فيما رواه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنهم سألوه عن المتشابه في تفسير الفتنة فقال: منه فتنة الاختبار وهو قوله تعالى: " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " وقوله لموسى: " وفتناك فتونا ". ومنه فتنة الكفر وهو قوله تعالى: " لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله " وقوله سبحانه في الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك أن يتخلفوا عنه من المنافقين فقال الله تعالى فيهم: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا " يعني ائذن لي ولا تكفرني، فقال عز وجل: " ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ".

ومنه فتنة العذاب وهو قوله تعالى: " يوم هم على النار يفتنون " (19 أي يعذبون " ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون " أي ذوقوا عذابكم.

ومنه قوله تعالى: " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا " أي عذبوا المؤمنين.

ومنه فتنة المحبة للمال والولد كقوله تعالى: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة ". ومنه فتنة المرض وهو قوله سبحانه: " أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون " أي يمرضون ويقتلون. انتهى.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " قيل: في معناه أقوال: أحدها معناه: فاعلم يا محمد أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض أجرامهم، وذكر البعض والمراد به الكل، كما يذكر العموم ويراد به الخصوص.

والثاني أنه ذكر البعض تغليظا للعقاب، والمراد أنه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم والتدمير عليهم.

والثالث أنه أراد تعجيل بعض العقاب مما كان من التمرد في الاجرام لان عذاب الدنيا مختص ببعض الذنوب دون بعض، وعذاب الآخرة يعم.

قوله تعالى: " وجعلنا على قلوبهم أكنة " قال الزمخشري: الأكنة على القلوب والوقر في الآذان مثل في نبو قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته، ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله: " وجعلنا " للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه، أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب وقال الطبرسي رحمه الله: قال القاضي أبو عاصم العامري:

أصح الأقوال فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبر معانيه ويؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه ومنعوه عن الجهر بالقراءة، وكان الله تعالى يلقي عليهم النوم، أو يجعل

في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم، وذلك بعد ما بلغهم ما تقوم به الحجة وتنقطع به المعذرة، وبعدها علم الله تعالى أنهم لا ينتفعون بسماعه ولا يؤمنون به، فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم، وبوقر آذانهم لان ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر والغطاء، وهذا معنى قوله تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " ويحتمل ذلك وجها آخر وهو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفقهوا ما يستمعونه; ويحتمل أيضا أن يكون سمي الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها ومجازا وإعراضهم عن القرآن وقرا توسعا لان مع الكفر والاعراض لا يحصل الايمان والفهم، كما لا يحصلان مع الكن والوقر، ونسب ذلك إلى نفسه لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان وذكر مناقبه: جعلته فاضلا، وبالضد إذا ذكر مقابحه وفسقه يقول: جعلته فاسقا، وقال الزمخشري في قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " أي بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة.

وقوله تعالى: " ليمكروا فيها " قال الطبرسي رحمه: اللام: لام العاقبة، وقال الزمخشري: معناه خليناهم ليمكروا وما كففناهم عن المكر; وكذا قال: اللام لام العاقبة في قوله تعالى: " ليقولوا " أي عاملناهم معاملة المختبر ليشكروا أو يصبروا فآل أمرهم إلى هذه العاقبة.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " وجهين:

أحدهما أنه يقلبهما في جهنم على لهب النار وحر الجمر كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا; والآخر أن المعنى: يقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحيرة التي تغم وتزعج النفس.

وقال الزمخشري: " ونقلب أفئدتهم ونذرهم " عطف على لا يؤمنون داخل في حكم وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم، أي نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق، كما كانوا عند نزول آياتنا أولا، لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا على قلوبهم وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه. وقال في قوله تعالى: " إلا أن يشاء الله " أي مشية إكراه واضطرار.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: " كذلك جعلنا " وجوه: أحدها أن المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن والإنس.

ومتى أمر الله رسوله بمعاداة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداءا له.

وثانيها: أن معناه حكمنا بأنهم أعداء وأخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم والاستعداد لدفع شرهم، وهذا كما يقال: جعل القاضي فلانا عدلا وفلانا فاسقا إذا حكم بعدالة هذا وفسق ذاك.

وثالثها: أن المراد خلينا بينهم وبين اختيارهم العداوة، لم نمنعهم على ذلك كرها ولا جبرا، لان ذلك يزيل التكليف.

ورابعها: أنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلى نفسه، لأنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل، وأمرهم إلى دعائهم إلى الاسلام والايمان وخلع ما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه، ومثله قول نوح عليه السلام: " فلم يزدهم دعائي إلا فرارا " وقال: والعامل في قوله: " ولتصغى " قوله: " يوحى " ولا يجوز أن يكون العامل

فيه " جعلنا " لان الله سبحانه لا يجوز أن يريد إصغاء القلوب إلى الكفر ووحي الشياطين، إلا أن نجعلها لام العاقبة. وقال البلخي: اللام في: ولتصغى " لام العاقبة، وما بعده لام الامر الذي يراد به التهديد.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه " فيه وجوه:

أحدها: أن معناه من يرد الله أن يهديه إلى الثواب وطريق الجنة يشرح صدره في الدنيا للاسلام بأن يثبت عزمه عليه ويقوي دواعيه على التمسك به، وإنما يفعل ذلك لطفا له ومنا عليه، وثوابا على اعتدائه بهدى الله وقبوله إياه; ومن يرد أن يضله عن ثوابه وكرامته يجعل صدره في كفره ضيقا حرجا عقوبة له على تركه الايمان من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الايمان، بل ربما يكون ذلك داعيا إليه، فإن من ضاق صدره بالشئ كان ذلك داعيا إلى تركه.

وثانيها: أن معناه فمن يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذي ذكرناه، جزاءا له على إيمانه واهتدائه، وقد يطلق الهدى ويراد به الاستدامة; ومن يرد أن يضله أي يخذله ويخلي بينه وبين ما يريده، لاختياره الكفر وتركه الايمان يجعل صدره ضيقا حرجا بأن يمنعه الألطاف التي هو ينشرح لها صدره، لخروجه من قبولها بإقامته على كفره.

وثالثها: أن معناه من يرد الله أن يهديه زيادة الهدى التي وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة لان من حقها أن يزيد المؤمن بصيرة، ومن يرد أن يضله عن تلك الزيادة بمعنى يذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن تصح عليه يجعل صدره ضيقا حرجا لمكان فقد تلك الزيادة، لأنها إذا اقتضت في المؤمن ما قلناه أوجب في الكافر ما يضاده، والرجس: العذاب.

وقال في قوله تعالى: " إنا جعلنا الشياطين " أي حكمنا بذلك لأنهم يتناصرون على الباطل كما قال: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ".

وقال في قوله: " ولقد ذرأنا لجهنم " يعني خلقناهم على أن عاقبتهم المصير إلى

جهنم بكفرهم وإنكارهم وسوء اختيارهم، ويدل عليه قوله سبحانه: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وقال الزمخشري: جعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ولا ينظرون بعيونهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان وجعلهم لاغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنهم لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات، وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فريقا هدى " أي جماعة حكم لهم بالاهتداء بقبولهم للهدى، أو لطف لهم بما اهتدوا عنده، أو هداهم إلى طريق الثواب " وفريقا حق " أي وجب عليهم الضلالة، إذ لم يقبلوا الهدى، أو حق عليهم الخذلان لأنه لم يكن لهم لطف تنشرح لهم صدورهم، أو حق عليهم العذاب أو الهلاك بكفرهم.

وقال الزمخشري في قوله تعالى: " ولكن الله قتلهم ": أي إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب قي قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع، وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ولكن الله رمى، يعني أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وآله، لان صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لان أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، و كأنها لم توجد من الرسول أصلا.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ثم انصرفوا " أي انصرفوا عن المجلس، وقيل انصرفوا عن الايمان به " صرف الله قلوبهم " عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون والسرور بها، وحرموا الاستبشار بتلك الحال. وقيل: معناه صرف الله قلوبهم عن رحمته وثوابه عقوبة لهم على انصراهم عن الايمان بالقرآن، وعن مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله. وقيل:

إنه على وجه الدعاء عليهم أي خذلهم الله باستحقاقهم ذلك، ودعاء الله على عباده وعيد لهم وإخبار بلحاق العذاب بهم.

قوله تعالى: " كذلك حقت كلمة ربك " قال الزمخشري: " إنهم لا يؤمنون " بدل من الكلمة أي حق عليهم انتفاء الايمان وعلم الله منهم ذلك، أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان وأن إيمانهم غير كائن، أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب. " وأنهم لا يؤمنون " تعليل بمعنى لأنهم لا يؤمنون.

وقال في قوله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك أي ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا فلا يكون غيره فتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد; تعالى الله عن ذلك.

وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: إن سأل سائل فقال: ما عندكم في تأويل قوله تعالى: " ولو شاء ربك " لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " يقال له: أما قوله تعالى: " ولو شاء ربك " فإنما عنى به المشية التي نيضم إليها الالجاء، ولم يعن المشية على سبيل الاختيار، وإنما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته وأنه ممن لا يغالب ولا يعصى مقهورا، من حيث كان قادرا على الالجاء والاكراه على ما أراده من العباد، فأما لفظة ذلك في الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف لدليل العقل وشهادة اللفظ، فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنه تعالى كره الاختلاف والذهاب عن الدين ونهى عنه وتوعد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له ومجريا بخلق العباد إليه؟ وأما شهادة اللفظ فلان الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف، وحمل اللفظ على أقرب المذكورين أولى في لسان العرب، فأما ما طعن به السائل من تذكير الكناية فباطل لان تأنيث الرحمة غير حقيقي، وإذا كني عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى لان معناها هو الفضل والانعام كما قالوا:

سرني كلمتك، يريدون سرني كلامك. وقال الله تعالى: " هذا رحمة من ربي " ولم يقل:

" هذه " وإنما أراد هذا فضل من ربي، وفي موضع آخر " إن رحمة الله قريب من المحسنين " ولم يقل: قريبة.

أقول: ثم استشهد رحمه الله لذلك بكثير من الاشعار تركناها حذرا من الاطناب ثم قال: وقال زياد الأعجم:

إن الشجاعة والمروة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح

ويروي: أن السماحة والشجاعة ; فقال: " ضمنا " ولم يقل: " ضمنتا " قال الفراء لأنه ذهب إلى أن السماحة والشجاعة مصدران، والعرب تقول: قصارة الثوب يعجبني لان تأنيث المصادر يرجع إلى الفعل وهو مذكر، على أن قوله تعالى: " إلا من رحم ربك " كما يدل على الرحمة يدل أيضا على أن يرحم فإذا جعلنا الكناية بلفظة ذلك عن أن يرحم كان التذكير في موضعه لان الفعل مذكر، ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى: " ولذلك خلقهم " كناية عن اجتماعهم على الايمان وكونهم فيه أمة واحدة لا محالة أنه لهذا خلقهم ويطابق هذه الآية قوله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وقد قال قوم في قوله تعالى: " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة " معناه أنه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنة فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة، وأجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:

" ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها " في أنه أراد هداها إلى طريق الجنة، فعلى هذا التأويل يمكن أن ترجع لفظة ذلك إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنة لأنه تعالى إنما خلقهم للمصير إليها والوصول إلى نعيمها. فأما قوله: " ولا يزالون مختلفين " فمعناه الاختلاف في الدين والذهاب عن الحق فيه بالهوى والشبهات. وذكر أبو مسلم محمد بن بحر في قوله تعالى: " ولا يزالون مختلفين " وجها غريبا وهو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم في الكفر لأنه سواء قولك: خلف بعضهم بعضا وقولك: اختلفوا، كما سواء قولك: قتل بعضهم بعضا، واقتتلوا. ومنه قولهم: لا أفعل كذا ما اختلف العصران والجديدان أي جاء كل واحد منهما بعد الآخر; فأما الرحمة فليست رقة القلب، لكنها فعل النعم والاحسان; يدل على ذلك أن من أحسن إلى غيره وأنعم عليه يوصف بأنه رحيم وإن لم تعلم منه رقة قلبه عليه.

فإن قيل: إذا كانت الرحمة هي النعمة وعندكم أن نعم الله تعالى شاملة للخلق أجمعين فأي معنى للاستثناء " من رحم " من جملة " المختلفين " إن كانت الرحمة هي النعمة؟

وكيف يصح اختصاصها بقوم دون قوم وهي عندكم شاملة عامة؟.

قلنا: لا شبهة في أن نعم الله سبحانه شاملة للخلق أجمعين غير أن في نعمه أيضا ما

يختص بها بعض العباد، إما لاستحقاق أو لسبب يقتضي الاختصاص، فإذا حملنا قوله: إلا من رحم ربك على النعمة بالثواب فالاختصاص ظاهر لان النعمة به لا تكون إلا مستحقة فمن استحق الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة، ومن لم يستحقه لم يصل إليها و إن حملنا الرحمة في الآية على النعمة بالتوفيق للايمان واللطف الذي وقع بعده فعل الايمان كانت هذه النعمة أيضا مختصة لأنه تعالى إنما لم ينعم على سائر المكلفين بها من حيث لم يكن في معلومه أن لهم توفيقا، وأن في الافعال ما يختارون عنده الايمان فاختصاص هذه النعمة ببعض العباد لا يمنع من شمول نعم آخر لهم كما أن شمول تلك النعم لا يمنع من اختصاص هذه. انتهى كلامه رفع الله مقامه.

وقال الزمخشري: ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأول وتضمنه، يعني و لذلك التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، وتمت كلمة ربك وهي قوله للملائكة:

" لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " لعلمه بكثرة من يختار الباطل. وقال في قوله تعالى: أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله يعني مشية الالجاء والقسر لهدى الناس جميعا ومعنى " أفلم ييئس ": أفلم يعلم; قيل: هي لغة قوم من النخع، وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لان اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك، ويدل عليه أن عليا وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرؤوا أفلم يتبين وهو تفسير أفلم ييأس ويجوز أن يتعلق أن لو يشاء بآمنوا أي أو لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولهداهم.

وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر والدرر: قال الله جل من قائل:

" وإذا أردنا أن نهلك قرية " الآية، في هذه الآية وجوه من التأويل كلها منها يبطل الشبهة

الداخلة على بعض المبطليين فيها حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه وصرفوه عن بابه:

أولها أن الاهلاك قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا، وإنما يكون قبيحا إذا كان ظلما فتعلق الإرادة لا يقضي تعلقها به على الوجه القبيح، ولا ظاهر الآية يقتضي ذلك، وإذا علمنا بالأدلة العقلية تنزه القديم تعالى عن القبائح علمنا أن الإرادة لم يتعلق إلا بالاهلاك الحسن. وقوله تعالى:

" أمرنا مترفيها " المأمور به محذوف، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق، وإن وقع بعده الفسق، ويجري هذا مجرى قول القائل: أمرته فعصى ودعوته فأبى; والمراد إنني أمرته بالطاعة ودعوته إلى الإجابة والقبول - ويمكن أن يقال على هذا الوجه:

ليس موضع الشبهة ما تكلمتم عليه، وإنما موضعها أن يقال: أي معنى لتقدم الإرادة فإن كانت متعلقة بإهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى:

" إذا أردنا أمرنا " لان أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الافعال، وإن كانت الإرادة متعلقة بالاهلاك المستحق بمخالفة الامر المذكور في الآية فهذا هو الذي تأبونه، لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لاهلاك من لم يستحق العقاب.

والجواب عن ذلك أنه تعالى لم يعلق الإرادة إلا بالاهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب، والذي حسن قوله تعالى: " وإذا أردنا أمرنا " هو أن في تكرر الامر بالطاعة والايمان إعذارا إلى العصاة وإنذارا لهم، وايجابا واثباتا للحجة عليهم حتى يكونوا متى خالفوا وأقاموا على العصيان والطغيان بعد تكرر الوعيد والوعظ والانذار ممن يحق عليه القول وتجب عليه الحجة، ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ".

والثاني أن يكون قوله تعالى: " أمرنا مترفيها " من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جوابا لقوله: " وإذا أردنا " ويكون تقدير الكلام: وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، ويكون إذا على هذا الجواب لم يأت له جواب ظاهر في الآية للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه، ونظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة:

" حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها " إلى قوله: " فنعم أجر العاملين " ولم يأت لاذا جواب في طول الكلام للاستغناء عنه.

والثالث أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا واتساعا وتنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم وأنهم متى أمروا فسقوا وخالفوا، ويجري ذكر الإرادة ههنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جهة وجاءه الخسران من كل طريق، وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلط في مأكله وتسرع إلى كل ما تتوق إليه نفسه، ومعلوم أن التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، ولا العليل أيضا لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران ومن حال ذاك الهلاك حسن هذا الكلام، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه مجازا، وكلام العرب وحي وإشارات واستعارة و مجازات، ولهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة، فإن الكلام متى خلا من الاستعارة وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة بريئا من البلاغة، وكلام الله تعالى أفصح الكلام.

الرابع أن تحمل الآية على التقديم والتأخير فيكون تلخيصها: وإذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم، والتقديم والتأخير في الشعر وكلام العرب كثير; ومما يمكن أن يكون شاهدا بصحة هذا التأويل من القرآن قوله تعالى:

" يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم والطهارة إنما تجب قبل القيام إلى الصلاة، وقوله تعالى: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك " وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة، لان إقامتها هو الاتيان بجميعها على الكمال، فأما قراءة من قرأ بالتشديد فقال: أمرنا وقراءة من قرأ بالمد والتخفيف فقال: أمرنا فلن يخرج معنى قراءتهما عن الوجوه التي ذكرناها إلا الوجه الأول، فإن معناه لا يليق إلا بأن يكون ما تضمنته الآية هو الامر الذي يستدعي به الفعل انتهى.

وقال الطبرسي رحمه الله: وقرأ يعقوب: أمرنا بالمد وهو قراءة علي بن أبي طالب

والحسين عليهما السلام وجماعة، وقرأ أمرنا بالتشديد ابن عباس والنهدي وأبو جعفر محمد بن علي عليه السلام بخلاف، وقرأ أمرنا بكسر الميم بوزن عمرنا الحسن ويحيى بن يعمر وارجع الجميع إلى معنى كثرنا كقوله صلى الله عليه وآله: خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة، أي كثيرة النتاج.

وقال الزمخشري: وإذا أردنا أي وإذا دنى وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إهلاكهم إلا قليلا أمرناهم ففسقوا أي أمرناهم بالفسق ففعلوا والامر مجاز لان حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب إبلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها بالخير ويتمكنوا من الاحسان والبر كما خلفهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم. وقد فسر بعضهم أمرنا بكثرنا; وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل كثبرته فثبر.

وقال: في قوله تعالى: " فليمدد له الرحمن مدا " يعني أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الامر إيذانا بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " أو كقوله: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " أو " من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا " في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين " أي خلينا بينهم وبين الشياطين إذا وسوسوا إليهم ودعوهم إلى الضلال حتى أغووهم ولم يخل بينهم بالالجاء ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على سبيل المجاز والتوسع،

كما يقال لمن خلى بين الكلب وغيره: أرسل كلبه عليه " تؤزهم أزا " أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية، وقيل تغريهم إغراءا بالشئ.

وفي قوله تعالى: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " بأن لطف لكم وأمركم بما تصيرون به أزكياء ما صار منكم أحد زكيا، أو ما طهر أحد من وسوسة الشيطان وما صلح، ولكن الله يزكي أي يطهر بلطفه من يشاء، وهو من له لطيف، يفعله سبحانه به ليزكوا عنده.

وفي قوله تعالى: " ومن لم يجعل الله له نورا أي " نجاة وفرجا، أو نورا في القيامة.

وفي قوله سبحانه: " ولكن متعتهم وآباءهم " أي طولت أعمارهم وأعمار آبائهم، وأمددتهم بالأموال والأولاد بعد موت الرسل حتى نسوا الذكر المنزل على الأنبياء و تركوه وكانوا قوما هلكى فاسدين وفي قوله: كذلك سلكناه أي القرآن. وفي قوله تعالى: زينا لهم أعمالهم أي أعمالهم التي أمرناهم بها، وقيل: بأن خلقنا فيهم شهوة القبيح ليجتنبوا المشتهى.

قوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " قال البيضاوي: قيل: بالتسمية كقوله: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " أو بمنع الألطاف الصارفة عنه وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إنك لا تهدي من أحببت " أي هدايته، أو من أحببته لقرابته، والمراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الايمان، فإنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى. لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه، ولا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى، فإن الهداية التي هي الدعوة والبيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " وقيل: إن المراد بالهداية في الآية في الآية الاجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك. وقيل: معناه ليس عليك اهتداؤهم وقبولهم الحق.

وقال في قوله تعالى: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها " أي بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الاقرار بالتوحيد، ولكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف. قال الجبائي ويجوز أن يكون المراد به ولو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات، ولكن حق القول مني أن أجازيهم بالعقاب ولا أردهم. وقيل:

معناه: ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة ولكن حق القول مني أي الخير والوعيد لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي من كلا الصنفين بكفرهم.

وقال في قوله تعالى: " إن الله يسمع من يشاء " أي ينفع بالاسماع من يشاء أي يلطف له ويوفقه " وما أنت بمسمع من في القبور " أي أنك لا تقدر على أن تنفع الكفار بإسماعك إياهم، إذ لم يقبلوا كما لا يسمع من في القبور من الأموات.

وقال في قوله تعالى: " لقد حق القول على أكثرهم " أي وجب الوعيد واستحقاق العقاب عليهم فهم لا يؤمنون ويموتون على كفرهم وقد سبق ذلك في علم الله. وقيل:

تقديره: لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون، وذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون، فحق قوله عليهم: " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان " يعني أيديهم كنى عنها وإن لم يذكرها لان الأعناق والاغلال يدلان عليهما، واختلف في معنى الآية على وجوه: أحدها أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل، وتقديره: مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير، ورجل طامح برأسه لا يبصر موطئي قدميه.

وثانيها: أن المعنى كان هذا القرآن أغلالا في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه وتدبره لثقله عليهم، وذلك أنهم لما استكبروا عنه وأنفوا من اتباعه وكان المستكبر رافعا رأسه، لاويا عنقه، شامخا بأنفه، لا ينظر إلى الأرض صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم; وإنما أضاف ذلك إلى نفسه لان عند تلاوة القرآن عليهم ودعوته إياهم صاروا بهذه الصفة.

وثالثها: أن المعني بذلك أناس من قريش هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه أبدا.

ورابعها: أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله: " إذ الأغلال في أعناقهم فهم مقمحون " أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم ورفعت الأغلال أذقانهم و رؤوسهم صعدا فهم مرفوع الرأس برفع الأغلال إياها، والمقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الايمان وقبول الحق، وذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا، فكأنه قال: وتركناهم مخذولين فصار ذلك

من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، وإذا قلنا: أنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقته، ويكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما ولا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم، وإذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعا ومن خلفهم منعا حتى لم يبصروا النبي صلى الله عليه وآله، وقوله: " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " أي أغشيناهم أبصارهم فهم لا يبصرون النبي صلى الله عليه وآله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.