بحارالانوار · المجلد الثالث عشر
14 باب ذكر أخبار المعمرين لرفع استبعاد المخالفين عن طول
ج ۵۱، ص ۲۵۲–۲۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
الخصال: علي بن عبد الله الأسواري، عن مكي بن أحمد قال: سمعت إسحاق ابن إبراهيم الطوسي يقول: وكان قد أتى عليه سبعة وتسعون سنة على باب يحيى بن منصور قال: رأيت سربايك ملك الهند في بلد تسمى صوح فسألناه كم أتى عليك من السنين قال: تسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة وهو مسلم فزعم أن النبي صلى الله عليه وآله أنفذ إليه عشرة من أصحابه منهم حذيفة بن يمان وعمرو بن العاص وأسامة بن زيد وأبو موسى الأشعري وصهيب الرومي وسفينة وغيرهم يدعونه إلى الاسلام فأجاب وأسلم وقبل كتاب النبي صلى الله عليه وآله، فقلت له: كيف تصلي مع هذا الضعف؟ فقال لي: قال الله عز وجل: " والذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " الآية فقلت له: ما طعامك؟ فقال لي: آكل ماء اللحم والكراث وسألت هل يخرج منك شئ؟ فقال: في كل أسبوع مرة شئ يسير وسألته عن أسنانه فقال: أبدلتها عشرين مرة.
ورأيت له في إسطبله شيئا من الدواب أكبر من الفيل يقال له: زند فيل فقلت له: ما تصنع بهذا؟ قال: يحمل ثياب الخدم إلى القصار، ومملكته مسيرة أربع سنين في مثلها، ومدينته طولها خمسون فرسخا في مثلها، وعلى كل باب منها عسكر مائة ألف وعشرين ألفا إذا وقع في أحد الأبواب حدث، خرجت تلك الفرقة إلى الحرب لا تستعين بغيرها، وهو في وسط المدينة وسمعته تقول: دخلت المغرب فبلغت إلى الرمل: رمل عالج، وصرت إلى قوم موسى عليه السلام فرأيت سطوح بيوتهم مستوية، وبيدر الطعام خارج القرية يأخذون منه القوت والباقي يتركونه هناك وقبورهم في دورهم، وبساتينهم من المدينة على فرسخين، ليس فيهم شيخ ولا شيخة
ولم أر فيهم علة ولا يعتلون إلى أن يموتوا، ولهم أسواق إذا أراد الانسان منهم شراء شئ صار إلى السوق فوزن لنفسه وأخذ ما يصيبه وصاحبه غير حاضر وإذا أرادوا الصلاة حضروا فصلوا وانصرفوا لا يكون بينهم خصومة ولا كلام يكره إلا ذكر الله عز وجل، والصلاة وذكر الموت.
قال الصدوق رحمه الله: إذا كان عند مخالفينا مثل هذه الحال لسربايك ملك الهند فينبغي أن لا يحيلوا مثل ذلك في حجة الله من التعمير ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بيان: " وصبح ليل " عطف على الثواء قوله: " يغاديه " أي يأتيه غدوة قوله:
" وليل بعد يسري " أي بعد ذلك الصبح يسير ليلا " والشلو " بالكسر العضو و " السلو " الصبر وقال الجوهري: الهنيدة المائة من الإبل وغيرها وقال أبو عبيدة: هي اسم لكل مائة وأنشد:
ونصر بن دهمان الهنيدة * عاشها وتسعين عاما ثم قوم فانصاتا وقال في الصاد والتاء: وقد انصات الرجل إذا استوت قامته بعد الانحناء ثم ذكر هذا البيت والذي بعده وقال: شرخ الشباب أوله.
قوله: " رهين شئ " أي كل شئ احتاج إليه وفي بعض النسخ بالسين المهملة وهو اللبن يكون في أطراف الاخلاف قبل نزول الدرة.
و " لدة الرجل " تربه والجمع لدات " والسبات بالضم " النوم والراحة قوله:
" حتى تخط له قبرا " لعله إشارة إلى إدراك ما قبل الجاهلية " والكهب " الجاموس المسن و " الكهبة " بالضم بياض علته كدورة أو الدهمة أو غبرة مشربة سوادا.
وثاب الرجل يثوب ثوبا رجع بعد ذهابه أي نفعت مولى حتى يعود إلي نفعه وجزاؤه و " البث " الحزن " والكبر " كعنب الشيخوخة أو هو كصرد جمع الكبرى أي المصائب الكبر " ويوم مهران ويوم تستر " إشارتان إلى غزوتان مشهورتان في الاسلام كانتا في زمن عمر " وقدني " أي حسبي " أن أبيد " أي أهلك وفي بعض النسخ
" وقد لي " أي وقد حان لي.
وقال الجوهري: و " لبد " آخر نسور لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها فلما أهلكوا خير لقمان بين بقاء سبع بقرات سمر من أظب عفر، في جبل وعر، لا يمسها القطر، وبين بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فاختار النسور فكان آخر نسوره يسمى لبدا.
وقال: " مزيقياء " لقب عمرو بن عامر ملك من ملوك اليمن زعموا أنه كان يلبس كل يوم حلتين فيمزقهما بالعشي ويكره أن يعود فيهما ويأنف أن يلبسهما أحد غيره.
وقال: جاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله.
و " إخماد النار " كناية عن خمول الذكر أو ذهاب البركة قوله: " فإنكم لا تلاموا " الحاصل أنكم إن بذلتم على قدر وسعكم فسيعذركم الناس ولا يلومونكم ويبقى لكم قوة على البذل بعد ذلك، وذلك خير من أن تسرفوا وتبذلوا جميع ما في أيديكم وتحتاجوا إليه ويعانوكم " بالمعذرة " أي بقليل يعتذرون إليكم في ذلك، أو مع كونكم معذورين في السؤال لاضطراركم، وفي بعض النسخ " من أن تضاموا " أي من أن يظلموكم بأن يعتذروا إليكم مع قدرتهم على البذل وعلى التقادير الأظهر " فإنكم إن تلاموا ".
" ولا تجشموا " أي لا تكلفوا " أهل الدناءة " أي البخلاء والذين لم ينشأوا في الخير " فتقصروا بها " أي تجعلوهم مقصرين عاجزين عما طلبتم منهم والضمير راجع إلى أهل الدناءة بتأويل الجماعة قوله: " فتبوروا " أي فتهلكوا " والازدراء " التحقير وقوله: " ذكاء قلبه " تفسير للأصغرين " والتبسل " إظهار البسالة وهي الشجاعة وفي بعض النسخ " وتبتلوا " والتبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله وقوله: " تسم إليكم
الابصار " من قولهم سما بصره أي علا و " القارب " السفينة الصغيرة " والشاهور " لعله لغة في الشهر " والعرمرم " الجيش الكثير.
قوله: " وللدهر أمر مرة " أي قد يجعل الرجل أميرا وقد يجعله متهجما عليه أو للدهر أمور غريبة وتهجمات والأظهر أنه بالكسر بمعنى الشدة والامر العجيب قوله: " ينجم " بضم الجيم أي يطلع ويظهر قوله " ويسمو به السم " السم بالضم والكسر الاسم أي يعلو به اسم الله وكلمة التوحيد.
وقوله: " ثمان " إلى آخر البيت لعله إشارة إلى الطوائف التي يقتلهم القائم عليه السلام أو يطيعونه وقوله: " ومن بعد هذا كر تسعون " إشارة إلى من يعود في الرجعة قوله: " أن يفرقها الدم " لعل المعنى أن كلها يصرف في الجهاد أو أن دم القتلى حولها يهدمها إما حقيقة أو مجازا.
وقال الجوهري: الداحس اسم فرس مشهور لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي ومنه حرب داحس، وذلك أن قيسا وحذيفة بن بدر تراهنا على خطر عشرين بعيرا وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الآصاد فأجرى قيس داحسا والغبراء، وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء، فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا على الطريق فردوا الغبراء ولطموها، وكانت سابقة، فهاجت الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة.
قوله: " على العلات " أي على كل حال و " الردء " الفاسد وبنو حام: السودان شبهت الجزر في عظمها وعظم سنامها بجبال صغار عليها بنو حام قعودا، وأروى أم عثمان وكان الوليد أخاه لأمه.
قوله: " واقرع الأرض بالعصا " أي نبه الغافل بأدنى تنبيه ليعقل، ولا تؤذه ولا تفضحه، قال الجوهري قال الشاعر:
وزعمت أنا لا حلوم لنا * إن العصا قرعت لذي الحلم أي إن الحليم إذا نبه انتبه وأصله أن حكما من حكام العرب، عاش حتى أهتر فقال لابنته: إذا أنكرت شيئا من فهمي عند الحكم فاقرعي لي المجن بالعصا
لأرتدع قال المتلمس: لذي الحلم البيت انتهى وعلى ما ذكره يحتمل المراد تنبيهه عند الغفلة.
قوله: " فان من يسمع يخل " هو من الخيال أي إذا أحضرتم سفيها فهو يتكلم على سفاهته، وكل من يسمع منه، يقع في خياله شئ ويؤثر فيه.
وقال الزمخشري في مستقصى الأمثال: " من يسمع يخل " أي يظن ويتهم بقوله إذا بلغ شيئا عن رجل فاتهمه وقيل: إن من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه المكروه عليهم أي إن المجانبة للناس أسلم ومفعولا " يخل " محذوفان انتهى.
" والصريمة " العزيمة في الشئ " والصرم " القطع " والخلي " الخالي من الهم والحزن خلاف الشجي والمثل معروف والمعنى أني في هم عظيم لهذا الامر الذي أدعوكم إليه وأنتم فارغون غافلون فويل لي منكم.
قوله: " وقع القائم معه " أي يصير العزيز بعد ظهور الحق ذليلا والذليل عزيزا لان الحق يظهر عند غلبة الباطل وأهله قوله: " أن أدركه " بالفتح أي أن أتلهف على إدراك هذا الامر فاني آئس منه أو بالكسر فيكون الجزاء محذوفا أي على أمر إن أدركته فزت أو لهفي عليكم إن أدركته وفات عنكم.
قوله: " والعادة أملك بالأدب " أي الآداب الحسنة إنما تملك باعتيادها لتصير ملكة، أو متابعة عادات القوم وما هو معروف بينهم أملك بالآداب والأول أظهر. قوله: " ورقوء الدم " قال الجزري: فيه " لا تسبوا الإبل فان فيها رقوء الدم " يقال: رقا الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءا بالضم إذا سكن وانقطع، والاسم الرقوء بالفتح أي إنها تعطى في الديات بدلا من القود ويسكن بها الدم.
قوله: " التقدم قبل الندم " أي ينبغي أن يتقدم في الأمور قبل أن يفوت ولا يبقى إلا الندم، قوله: " الوحشة ذهاب الاعلام " أي إنما يكون الوحشة في الطرق عند ذهاب الاعلام المنصوبة فيها، فكذا الوحشة بين الناس إنما يكون بذهاب العلماء والهداة الذين هم أعلام طرق الحق.
قوله: " يكون القرب " أي من الناس أو من الله وقال الجوهري: " تقعقعت عمدهم " أي ارتحلوا وفي المثل " من يجتمع يتقعقع عمده " كما يقال: إذا تم أمر دنا نقصه.
غوالي اللئالي: بالاسناد إلى أحمد بن فهد عن بهاء الدين علي بن عبد الحميد، عن يحيى ابن النجل الكوفي، عن صالح بن عبد الله اليمني كان قدم الكوفة، قال يحيى:
ورأيته بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، عن أبيه عبد الله اليمني وأنه كان من المعمرين وأدرك سلمان الفارسي وأنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة ورأس العبادة حسن الظن بالله.
غوالي اللئالي: حدثني المولى العالم الواعظ عبد الله بن فتح الله بن عبد الملك، عن تاج الدين حسن السرايشنوي، عن الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر قال: رويت عن مولانا شرف الدين إسحاق ابن محمود اليماني القاضي بقم، عن خاله مولانا عماد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي، عن الشيخ صدر الدين الساوي قال: دخلت على الشيخ بابارتن وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فرفعهما عن عينيه، فنظر إلي وقال: ترى عيني هاتين طالما نظرتا إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأيته يوم حفر الخندق، وكان يحمل على ظهره التراب مع الناس، وسمعته صلى الله عليه وآله يقول في ذلك اليوم: اللهم إني أسألك عيشة هنيئة، وميتة سوية، ومردا غير مخزو لا فاضح.
أقول: وروى السيد علي بن عبد الحميد في كتاب الأنوار المضيئة قال: روى الجد السعيد عبد الحميد يرفعه إلى الرئيس أبي الحسن الكاتب البصري وكان من الأدباء قال: في سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة أسنت البر سنين عدة وبعثت السماء درها في أكناف البصرة، فتسامع العرب بذلك فوردوها من الأقطار البعيدة على
اختلاف لغاتهم، فخرجت مع جماعة نتصفح أحوالهم ونلتمس فائدة ربما وجدناها عند أحدهم، فارتفع لنا بيت عال فقصدناه فوجدنا في كسره شيخا جالسا قد سقط حاجباه على عينيه كبرا وحوله جماعة من عبيده وأصحابه فسلمنا عليه فرد التحية وأحسن التلقية، فقال له رجل منا: هذا السيد وأشار إلي هو الناظر في معاملة الدرب وهو من الفصحاء وأولاد العرب وكذلك الجماعة ما منهم إلا من ينسب إلى قبيلة ويختص بسداد وفصاحة، وقد خرج وخرجنا معه حين وردتم نلتمس الفائدة المستطرفة من أحدكم وحين شاهدناك رجونا ما نبغيه عندك لعلو سنك.
فقال الشيخ: والله يا بني أخي حياكم الله إن الدنيا شغلتنا عما تبغونه مني، فان أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي، وها بيته، وأشار إلى خباء كبير بإزائه فقصدنا البيت فوجدنا فيه شيخا متضجعا وحوله من الخدم والامر أو في مما شاهدناه أولا فسلمنا عليه وأخبرناه بخبر ابنه فقال: يا بني أخي حياكم الله إن الذي شغل ابني عما التمستموه منه هو الذي شغلني عما هذه سبيله ولكن الفائدة تجدونها عند والدي وها هو بيته، وأشار إلى بيت منيف، فقلنا فيما بيننا حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفاني فان كانت منه فائدة فهي ربح لم نحتسب.
فقصدنا ذلك الخباء فوجدنا حوله عددا كثيرا من الإماء والعبيد فحين رأونا تسرعوا إلينا وبدؤوا بالسلام علينا وقالوا: ما تبغون حياكم الله؟ فقلنا نبغي السلام على سيدكم وطلب الفائدة من عنده، فقالوا: الفوائد كلها عند سيدنا ودخل منهم من يستأذن ثم خرج بالاذن لنا، فدخلنا فإذا سرير في صدر البيت وعليه مخاد من جانبيه، ووسادة في أوله، وعلى الوسادة رأس شيخ قد بلي وطار شعره، فجهرنا بالسلام فأحسن الرد وقال قائلنا مثل ما قال لولده، وأعلمناه أنه أرشدنا إليك و بشرنا بالفائدة منك.
ففتح الشيخ عينين قد غارتا في أم رأسه وقال للخدم: أجلسوني ثم قال لنا:
يا بني أخي لأحدثنكم بخبر تحفظونه عني كان والدي لا يعيش له ولد ويحب أن تكون له عاقبة، فولدت له على كبر، ففرح بي وابتهج بموردي ثم قضى ولي
سبع سنين فكفلني عمي بعده وكان مثله في الحذر علي فدخل بي يوما على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن هذا ابن أخي وقد مضى أبوه لسبيله و أنا كفيل بتربيته وإنني أنفس به على الموت، فعلمني عوذة أعوذه بها ليسلم ببركتها.
فقال صلى الله عليه وآله: أين أنت عن ذات القلاقل؟ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وما ذات القلاقل قال: أن تعوذه فتقرأ عليه سورة الجحد، وسورة الاخلاص، وسورة الفلق وسورة الناس، وأنا إلى اليوم أتعوذ بها كل غداة فما أصبت، ولا أصيب لي مال ولا مرضت، ولا افتقرت، وقد انتهى بي السن إلى ما ترون، فحافظوا عليها واستكثروا من التعوذ بها ثم انصرفنا من عنده انتهى.
مجالس الشيخ: عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور قال: حدثني أبو بكر المفيد الجرجرائي في شهر رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة قال: اجتمعت مع أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبد الله بن العوام بمصر في سنة ست عشر و ثلاث مائة وقد ازدحم الناس عليه حتى رقي به إلى سطح دار كبيرة كان فيها ومضيت إلى مكة ولم أزل أتبعه إلى مكة إلى أن كتبت عنه خمسة عشر حديثا و ذكر أنه ولد في خلافة أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وأنه لما كان في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خرجت ووالدي معي أريد لقاءه فلما صرنا قريبا من الكوفة أو الأرض التي كان بها عطشنا عطشا شديدا في طريقنا وأشرفنا على التلف وكان والدي شيخا كبيرا فقلت له: اجلس حتى أدور الصحراء أو البرية فلعلي أقدر على ماء أو من يدلني عليه أو ماء مطر.
فقصدت أطلب ذلك فلم ألبث عنه غير بعيد إذ لاح لي ماء فصرت إليه فإذا أنا ببئر شبه الركية أو الوادي فنزعت ثيابي واغتسلت من ذلك الماء وشربت حتى رويت وقلت: أمضي وأجئ بأبي فإنه قريب مني فجئت إليه فقلت: قم فقد فرج الله عز وجل عنا وهذه عين ماء قريب منا فقام فلم نر شيئا ولم نقف على الماء و جلس وجلست معه ولم يضطرب إلى أن مات واجتهدت إلى أن واريته وجئت إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولقيته وهو خارج إلى صفين وقد أخرجت له
البغلة فجئت وأمسكت له الركاب فالتفت إلي فانكببت اقبل الركاب فشجني في وجهي شجة.
قال أبو بكر المفيد: ورأيت الشجة في وجهه واضحة. ثم سألني عن خبري فأخبرته بقصتي وقصة والدي وقصة العين فقال: عين لم يشرب منها أحد إلا وعمر عمرا طويلا فأبشر فإنك تعمر وما كنت لتجدها بعد شربك منها وسماني بالمعتمر.
قال أبو بكر المفيد: فحدثنا عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالأحاديث وجمعتها ولم تجتمع لغيري منه وكان معه جماعة مشايخ من بلده وهي طنجة.
فسألتهم عنه فذكروا أنهم من بلده وأنهم يعرفونه بطول العمر وآباؤهم وأجدادهم بمثل ذلك واجتماعه مع مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأنه توفي في سنة سبع عشر وثلاث مائة.
أقول: روى الكراجكي ره في كنز الفوائد هذا الخبر بطوله مع الاخبار التي رواها أبو الدنيا عن الشريف طاهر بن موسى الحسيني، عن ميمون بن حمزة الحسيني، عن المعمر المغربي، وعن أسد بن إبراهيم السلمي والحسين بن محمد الصيرفي البغدادي معا عن أبي بكر محمد بن محمد المعروف بالمفيد الجرجرائي، عن علي بن عثمان بن الخطاب بن عبد الله بن عوام البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها: مزيده. يعرف بأبي الدنيا الأشج المعتمر إلى آخر ما مر من قصصه وما أوردناه من رواياته في كتاب الفتن وغيره.
ثم ذكر رحمه الله قصة رجل آخر يعرف بالمعمر المشرقي وقال: هو رجل مقيم ببلاد العجم من أرض الجبل يذكر أنه رأى أمير المؤمنين عليه السلام ويعرفه الناس بذلك على مر السنين والأعوام ويقول: إنه لحقه مثل ما لحق المغربي من الشجة في وجهه وأنه صحب أمير المؤمنين عليه السلام وخدمه.
وحدثني جماعة مختلفو المذاهب بحديثه وأنهم رأوه وسمعوا كلامه منهم أبو العباس أحمد بن نوح بن محمد الحنبلي الشافعي حدثني بمدينة الرملة في سنة إحدى عشرة وأربعمائة قال: كنت متوجها إلى العراق للتفقه فعبرت بمدينة يقال
لها سهرورد من أعمال الجبل قريبة من زنجان وذلك في سنة خمسين وأربعمائة فقيل لي إن هنا شيخا يزعم أنه لقي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلو صرت إليه لكان ذلك فائدة عظيمة قال: فدخلنا عليه فإذا هو في بيته لعمل النوار وإذا هو شيخ نحيف الجسم مدور اللحية كبيرها وله ولد صغير ولد له منذ سنة.
فقيل له: إن هؤلاء قوم من أهل العلم متوجهون إلى العراق يحبون أن يسمعوا من الشيخ ما قد لقي من أمير المؤمنين عليه السلام فقال: نعم، كان السبب في لقائي له أني كنت قائما في موضع من المواضع فإذا بفارس مجتاز فرفعت رأسي فجعل الفارس يمر يده على رأسي ويدعو لي فلما أن عبر أخبرت بأنه علي بن أبي طالب عليه السلام فهرولت حتى لحقته وصاحبته.
وذكر أنه كان معه في تكريت وموضع من العراق يقال له تل فلان بعد ذلك وكان بين يديه يخدمه إلى أن قبض عليه السلام فخدم أولاده.
قال لي أحمد بن نوح: رأيت جماعة من أهل البلد ذكروا ذلك عنه وقالوا:
إنا سمعنا آباءنا يخبرون عن أجدادنا بحال هذا الرجل وأنه على هذه الصفة وكان قد مضى فأقام بالأهواز ثم انتقل عنها لأذية الديلم له وهو مقيم بسهرورد.
وحدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن القمي رحمه الله أن جماعة كانوا حدثوه بأنهم رأوا هذا المعمر وشاهدوه وسمعوا ذلك عنه وحدثني بحديثه أيضا قوم من أهل سهرورد ووصفوا لي صفته وقالوا هو يعمل الزنانير.
قال السيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب الغرر والدرر: أحد المعمرين الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد المذحجي ومذحج هي أم مالك بن أدد نسب ولده مالك إليها وإنما سميت مذحج لأنها ولدت على أكمة تسمى مذحجا وهي مدلة بنت ذي مهجشان قال أبو حاتم السجستاني: جمع الحارث ابن كعب بنيه لما حضرته الوفاة، فقال: يا بني قد أتت علي ستون ومائة سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلة فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحت لصديق بسر، وإني لعلى دين شعيب
النبي عليه السلام وما عليه أحد من العرب غيري وغير أسد بن خزيمة وتميم بن مر فاحفظوا وصيتي وموتوا على شريعتي إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من أموركم و يصلح لكم أعمالكم وإياكم ومعصيته لا يحل بكم الدمار ويوحش منكم الديار.
يا بني كونوا جميعا ولا تتفرقوا فتكونوا شيعا، وإن موتا في عز خير من حياة في ذل وعجز، وكل ما هو كائن كائن وكل جميع إلى تباين، الدهر ضربان فضرب رخاء وضرب بلاء، واليوم يومان فيوم حبرة، ويوم عبرة، والناس رجلان فرجل لك ورجل عليك. تزوجوا الأكفاء وليستعملن في طيبهن الماء و تجنبوا الحمقاء فان ولدها إلى أفن ما يكون ألا إنه لا راحة لقاطع القرابة وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوهم منهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها والعمل السوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث الهم وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، و يمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجر الفضيحة، والحقد يمنع الوفد، و لزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة والضغائن تدعو إلى التباين. ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابي فأفنيته * وأنضيت بعد دهور دهورا ثلاثة أهلين صاحبتهم * فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا قليل الطعام عسير القيام * قد ترك الدهر خطوي قصيرا أبيت أراعي نجوم السماء * اقلب أمري بطونا ظهورا قوله: " ولا صبوت بابنة عم ولا كنة " الصبوة رقة الحب والكنة امرأة ابن الرجل وامرأة أخيه فأما المومسة فهي الفاجرة البغي أراد بقوله: إنها لم تطرح عنده قناعها أي لم تبتذل عندي وتنبسط، كما تفعل مع من يريد الفجور بها وقوله: " فيوم حبرة ويوم عبرة " فالحبرة الفرح والسرور والعبرة تكون من ضد ذلك لان العبرة لا تكون إلا من أمر محزن مؤلم فأما " الأفن " فهو الحمق يقال: رجل أفين إذا كان أحمق، ومن أمثالهم وجدان الرقين يغطي على أفن الأفين أي وجدان الماء يغطي
على حمق الأحمق وواحد الرقين رقة وهي الفضة.
فأما قوله: النصيحة تجر الفضيحة، فيشبه أن يكون معناه أن النصيح إذا نصح من لا يقبل النصيحة، ولا يصغي إلى موعظته فقد افتضح عنده لأنه أفضى إليه بسره، وباح بمكنون صدره.
فأما سوء الرعة فإنه يقال: فلان حسن الرعة والتورع أي حسن الطريقة.
ومن المعمرين المستوغر وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وإنما سمي المستوغر لبيت قاله وهو:
ينش الماء في الربلات منها * نشيش الرضف في اللبن الوغير " الربلات " واحدتها ربلة، وربلة بفتح الباء وإسكانها هي (كل) لحمة غليظة، هكذا ذكر ابن دريد و " الرضف " الحجارة المحماة وفي الحديث كأنه على الرضف و " اللبن الوغير " لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب اخذ من وغرة الظهيرة وهي أشد ما يكون من الحر ومنه وغر صدر فلان يوغر وغرا إذا التهب من غضب أو حقد.
وقال أصحاب الأنساب: عاش المستوغر ثلاث مائة سنة وعشرين سنة وأدرك الاسلام أو كاد يدرك أوله وقال ابن سلام: كان المستوغر قديما وبقي بقاء طويلا حتى قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا مائة أتت من بعدها مائتان لي * وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يكر وليلة تحدونا وهو القائل:
إذا ما المرء صم فلم يكلم * وأودى سمعه إلا ندايا ولاعب بالعشي بني بنيه * كفعل الهر يحترش العظايا يلاعبهم وودوا لو سقوه * من الذيفان مترعة ملايا
فلا ذاق النعيم ولا شرابا * ولا يشفى من المرض الشفايا أراد بقوله صم فلم يكلم أي لم يسمع ما يكلم به، فاحتصر ويجوز أن يريد أنه لم يكلم لليأس من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك، وقوله " وأودى سمعه إلا ندايا " إنما أراد أن سمعه هلك إلا أنه يسمع الصوت العالي الذي ينادى به وقوله: " ولاعب بالعشي بني بنيه " فإنه مبالغة في وصفه بالهرم والخرف، وأنه قد انتهى إلى ملاعبة الصبيان وانسهم به ويشبه أن يكون خص العشي بذلك لأنه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها.
وقوله: " يحترش العظايا " أي يصيدها والاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضب فيضربه بكفه ليحسبه الضب أفعى فيخرج إليه فيأخذه يقال: حرشت الضب واحترشته ومن أمثالهم هذا أجل من الحرش يضرب هذا لامر يستعظم ويتكلم بذلك على لسان الضب.
قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اتق الحرش قال: وما الحرش؟ قال: إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج فسمع يوما وقع المحفار فقال: يا أبه أهذا الحرش؟ فقال هذا أجل من الحرش فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشئ الذي هو أشد مما كان يتوقعه.
والذيفان السم والعظايا جمع عظاية وهي دويبة معروفة.
وأحد المعمرين دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بضم اللام بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، وقال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة وكان من المعمرين قال: ولا تعد العرب معمرا إلا من عاش مائة وعشرين سنة فصاعدا قال لبنيه: أوصيكم بالناس شرا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقبلوا لهم عثرة، قصروا الأعنة، وطولوا الأسنة واطعنوا شزرا
واضربوا هبرا، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجد لا بالكد، التجلد ولا التبلد، المنية ولا الدنية، ولا تأسوا على فائت وإن عز فقده ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه ولا تطعموا فتطبعوا ولا تهنوا فتخرعوا ولا يكن لكم المثل السوء إن الموصين بنو سهوان إذا مت فارحبوا خط مضجعي ولا تضنوا علي برحب الأرض وما ذاك بمؤد إلي روحا ولكن راحة نفس خامرها الاشفاق ثم مات.
قال أبو بكر بن دريد: ومن حديث آخر أنه قال:
اليوم يدنى لدويد بيته * يا رب نهب صالح حويته ورب قرن بطل أرديته * ورب غيل حسن لويته ومعصم مخضب ثنيته * لو كان للدهر بلى أبليته أو كان قرني واحدا كفيته ومن قوله أيضا:
ألقى علي الدهر رجلا ويدا * والدهر ما أصلح يوما أفسدا يفسد ما أصلحه اليوم غدا قوله: " اطعنوا شزرا واضربوا هبرا " معنى الشزر أن يطعنه في إحدى ناحيتيه يقال قتل الحبل شزرا إذا قتله على الشمال، والنظر الشزر نظر بمؤخر محجر العين وقال الأصمعي نظر إلي شزرا إذا نظر إليه من عن يمينه وشماله، وطعنه طعنا شزرا كذلك وقوله: " هبرا " قال ابن دريد يقال هبرت اللحم أهبره هبرا إذا قطعته قطعا (كبارا) والاسم الهبرة والهبرة وسيف هبار وهابر واللحم هبير ومهبور " والمحالة " الحيلة وقوله " بالجد لا بالكد " أي يدرك الرجل حاجته وطلبته بالجد وهو الحظ والبخت، ومنه رجل مجدود فإذا كسرت الجيم فهو الانكماش في الامر والمبالغة فيه وقوله: " التجلد ولا التبلد " أي تجلدوا ولا تتبلدوا وقوله: " فتطيعوا " أي تدنسوا والطبع الدنس، يقال: طبع السيف يطبع طبعا إذا ركبه الصداء قال ثابت قطنة العتكي:
لا خير في طمع يدني إلى طبع وغفة من قوام العيش تكفيني قوله: " ولا تهنوا فتخرعوا " فالوهن الضعف " والخرع " والخراعة اللين، ومنه سميت الشجرة الخروع للينها وقوله: " إن الموصين بنو سهوان " فالموصين جمع موصى وبنو سهوان ضربه مثلا أي لا تكونوا ممن تقدم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية قال: إنه يضرب هذا المثل للرجل الموثوق به ومعناه إن الذين يحتاجون أن يوصوا بحوائج إخوانهم هم الذين يسهون عنها لقلة عنايتهم، وأنت غير غافل ولا ساه عن حاجتي.
وقوله: " فارحبوا " أي وسعوا والرحب السعة والروح الراحة وقوله في الشعر " ورب غيل " فالغيل الساعد الممتلئ والمعصم موضع السوار من اليد.
ومن المعمرين زهير بن جناب بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة ابن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن (عمران ابن) ألحاف بن قضاعة بن ملك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة وواقع مائتي وقعة وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك وطبيبهم والطب في ذلك الزمان شرف وحازي قومه والحزاة الكهان وكان فارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم فأوصى بنيه فقال:
يا بني إني قد كبرت سني وبلغت حرسا من دهري فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبار، فاحفظوا عني ما أقول وعوا إياكم والخور عند المصائب و التواكل عند النوائب، فان ذلك داعية للغم وشماتة للعدو وسوء ظن بالرب و إياكم أن تكونوا بالاحداث مغترين ولها آمنين ومنها ساخرين فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا، ولكن توقعوها فإنما الانسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله ولابد أنه يصيبه.
قوله: حرسا من دهري، يريد دهرا والحرس الدهر قال الراجز: " في سنة عشنا بذاك حرسا " فالسنبة المدة من الدهر. والتواكل أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم من قولهم رجل وكل إذا كان لا يكفي نفسه ويكل أمره إلى غيره ويقال:
رجل وكلة تكلة والغرض: كلما نصبته للرمي. وتعاوره أي تداوله.
قال المرتضى ره وقد أتى لابن الرومي معنى قول زهير بن جناب: الانسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصر دونه، ومجاوز له، وواقع عن يمينه وشماله ثم لابد أن يصيبه. في أبيات له فأحسن فيها كل الاحسان والأبيات لابن الرومي كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا * لمن قد أضلته المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي * لرامي المنايا تحسبيني راجيا غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه * لشخصي أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامي الليل يرمي ولا يرى * فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا أما البيت الأخير فإنه أبدع فيه وغرب، وما علمت أنه سبق إلى معناه لأنه جعل الشباب كالليل الساتر على الانسان الحاجز بينه وبين من أراد رميه لظلمته، والشيب مبديا لمقاتله هاديا إلى إصابته لضوئه وبياضه، وهذا في نهاية حسن المعنى وأراد بقوله " رماني " أصابني ومثله قول الشاعر:
فلما رمى شخصي رميت سواده * ولابد أن يرمى سواد الذي يرمي وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل ولم يك في العرب أنطق من زهير ولا أوجه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنا ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى رزاح بن ربيعة وسمع زهير بعض نسائه تتكلم بما لا ينبغي لامرأة أن تتكلم به عند زوجها فنهاها فقالت له: اسكت عني وإلا ضربتك بهذا العمود فوالله ما كنت أراك تسمع شيئا ولا تعقله فقال عند ذلك:
ألا يا لقوم لا أرى النجم طالعا * ولا الشمس إلا حاجبي بيميني معزبتي عند القفا بعمودها * يكون نكيري أن أقول ذريني
أمينا على سر النساء وربما * أكون على الاسرار غير أمين فللموت خير من حداج موطأ * مع الظعن لا يأتي المحل لحيني وهو القائل.
أبني إن أهلك فقد أورثتكم مجدا بنيه * وتركتكم أبناء سادات زنادكم وريه من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه * ولقد رحلت البازل الكوماء ليس لها وليه وخطبت خطبة حازم غير الضعيف ولا العييه * والموت خير للفتى فليهلكن وبه بقية من أن يرى الشيخ البجال وقد يهادى بالعشيه وهو القائل:
ليت شعري والدهر ذو حدثان * أي حين منيتي تلقاني أسبات على الفراش خفات * أم يكفي مفجع حران وقال حين مضت له مائتا سنة من عمره.
لقد عمرت حتى ما أبالي * أحتفي في صباحي أو مسائي وحق لمن أتت مأتان عاما * عليه أن يمل من الثواء قوله: معزبتي (يعني امرأته) يقال: معزبة الرجل وطلته وحنته كل ذلك امرأته وقوله: " أمينا على سر النساء " فالسر خلاف العلانية والسر أيضا النكاح قال الحطيئة:
ويحرم سر جارهم عليهم * ويأخذ جارهم أنف القصاع وقال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي وكلام زهير يحتمل الوجهين جميعا لأنه إذا كبر وهرم لم تتهيبه النساء أن يتحدثن بحضرته بأسرارهن تهاونا وتعويلا على ثقل سمعه، وكذلك هرمه و كبره يوجبان كونه أمينا على نكاح النساء لعجزه عنه وقوله: " حداج موطأ " الحداج مركب من مراكب النساء والجمع أحداج وحدوج والظعن والأظعان
الهوادج والظعينة المرأة في الهودج ولا تسمى ظعينة حتى تكون في هودج والجمع ظعائن وإنما أخبر عن هرمه وأن موته خير من كونه مع الظعن في جملة النساء وقوله: " زنادكم وريه " الزناد جمع زند وزندة وهما عودان يتقدح بهما النار وفي أحدهما فروض وهي ثقب فالتي فيها الفروض هي الأنثى والذي يقدح بطرفه هو الذكر، ويسمى الزند الأب والزندة الأم وكنى بزنادكم ورية عن بلوغهم مأربهم تقول العرب " وريت بك زنادي " أي نلت بك ما أحب من النجح والنجاة ويقال للرجل الكريم: واري الزناد.
فأما التحية فهي الملك فكأنه قال: من كل ما نال الفتى قد نلته إلا الملك وقيل التحية ههنا الخلود والبقاء، والبازل الناقة التي قد بلغت تسع سنين وهي أشد ما تكون ولفظ البازل في الناقة والجمل سواء " والكوماء " العظيمة السنام و " الولية " برذعة تطرح على ظهر البعير تلي جلده و " البجال " الذي يبجله قومه و يعظمونه ومعنى " يهادى بالعشيه " أي تماشيه الرجال فيسندونه لضعفه والتهادي المشي الضعيف وقوله: " أسبات " فالسبات سكون الحركة ورجل مسبوت " والخفات " الضعف يقال: خفت الرجل إذا أصابه ضعف من مرض أو جوع والمفجع الذي قد فجع بولد له أو قرابة والحران العطشان الملتهب وهو ههنا المحترق على قتلاه.
ومما يروى لزهير بن جناب:
إذا ما شئت أن تسلى خليلا * فأكثر دونه عدد الليالي فما سلى حبيبك مثل نأي * ولا بلى جديدك كابتذال ومن المعمرين ذو الإصبع العدواني واسمه حرثان بن محرث بن الحارث ابن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عتاب بن يشكر بن عدوان وهو الحارث بن عمير بن قيس بن عيلان بن مضر وإنما سمي الحارث عدوان لأنه عدا على أخيه فهم فقتله وقيل بل فقأ عينيه وقيل إن اسم ذي الإصبع محرث بن حرثان وقيل: حرثان بن حويرث وقيل: حرثان بن حارثة ويكنى أبا عدوان
وسبب لقبه بذي الإصبع أن حية نهشته على أصبعه فشلت فسمي بذلك ويقال إنه عاش مائة وسبعين سنة وقال أبو حاتم: عاش ثلاثمائة سنة وهو أحد حكام العرب في الجاهلية وذكر الجاحظ أنه كان أثرم وروى عنه:
لا يبعدن عهد الشباب ولا * لذاته ونباته النضر لولا أولئك ما حفلت متى * عوليت في حرجي إلى قبري هزئت أثيلة إن رأت هرمي * وأن انحنى لتقادم ظهري وكان لذي الإصبع بنات أربع فعرض عليهن التزويج فأبين وقلن خدمتك وقربك أحب إلينا فأشرف عليهن يوما من حيث لا يرينه فقلن: لتقل كل واحدة منا ما في نفسها فقالت الكبرى:
ألا هل أراها ليلة وضجيعها * أشم كنصل السيف غير مهند عليم بأدوات النساء وأصله * إذا ما انتمى من سر أهلي ومحتدي ويروى " عين مهند " ويروى " من سر أصلي ومحتدي " فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته وقالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أناس أولى عدى * حديث الشباب طيب الثوب والعطر لصوق بأكباد النساء كأنه * خليفة جان لا ينام على وتر ويروى " أولي غنى " ويروى " لا ينام على هجري " فقلن لها: أنت تريدين فتى ليس من أهلك ثم قالت الثالثة:
ألا ليته يكسى الجمال نديه * له جفنة تشقى بها المعز والجزر له حكمات الدهر من غير كبرة * تشين فلا فان ولا ضرع غمر فقلن لها: أنت تريدين سيدا شريفا وقلن للرابعة قولي فقالت: لا أقول شيئا فقلن (لها): يا عدوة الله علمت ما في أنفسنا ولا تعلميننا ما في نفسك؟ فقالت: زوج من عود خير من قعود " فمضت مثلا فزوجهن أربعهن وتركهن حولا.
ثم أتى الكبرى فقال: يا بنية كيف ترين زوجك؟ فقالت: خير زوج يكرم الحليلة ويعطي الوسيلة، قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال، الإبل، نشرب ألبانها
جرعا ويروي جزعا بالزاي معجمة ونأكل لحمانها مزعا وتحملنا وضعفتنا معا فقال: يا بنية زوج كريم ومال عميم.
ثم أتى الثانية فقال: يا بنية كيف زوجك؟ فقالت: خير زوج، يكرم أهله وينسى فضله، قال: وما مالكم قالت: البقر تألف الفناء وتملا الاناء وتودك السقاء، ونساء مع النساء فقال لها: خظيت وبظيت.
ثم أتى الثالثة فقال: يا بنية كيف زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر ولا بخيل حكر، قال: فما مالكم قالت: المعزى قال: وما هي قالت: لو كنا نولدها فطما ونسلخها ادما ويروى أدما بالفتح لم نبغ بها نعما، فقال لها: حذوة مغنية. ويروى حذوي مغنية.
ثم أتى الصغرى فقال: يا بنية كيف زوجك؟ قالت: شر زوج يكرم نفسه ويهين عرسه قال: فما مالكم؟ قالت: شر مال قال: وما هو؟ قالت: الضأن جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصم لا يسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن فقال أبوها: " أشبه امرء بعض بزه " فمضت مثلا.
أما قول إحدى بناته في الشعر " أشم " فالشمم هو ارتفاع أرنبة الانف وورودها يقال: رجل أشم وامرأة شماء وقوم شم قال حسان:
بيض الوجوه كريمة أنسابهم شم الأنوف من الطراز الأول فالشمم الارتفاع في كل شئ فيحتمل أن يكون أراد حسان بشم الأنوف ما ذكرناه من ورود الأرنبة لان ذلك عندهم دليل العتق والنجابة ويجوز أن يكون أراد بذلك الكناية عن نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الأمور ورذائلها وخص الأنوف بذلك لان الحمية والغضب والأنفة فيها ولم يرد طول أنفهم، وهذا أشبه أن يكون مراده لأنه قال في أول البيت: " بيض الوجوه " ولم يرد (بياض) اللون في الحقيقة وإنما كنى بذلك عن نقاء أعراضهم، وجميل أخلاقهم وأفعالهم كما يقال جاءني فلان بوجه أبيض وقد بيض فلان وجهه بكذا وكذا وإنما يعني ما ذكرناه.
وقول المرأة: " أشم كنصل السيف " يحتمل الوجهين أيضا، ومعنى قول حسان " من الطراز الأول " أي أن أفعالهم أفعال آبائهم وسلفهم فإنهم لم يحدثوا أخلاقا مذمومة لا تشبه نجارهم وأصولهم.
وقولها: " عين مهند " أي هو المهند بعينه كما يقال: هو هذا بعينه، وعين الشئ نفسه وعلى الرواية الأخرى غير مهند أي ليس هو السيف المنسوب إلى الهند في الحقيقة وإنما هو مشبه به في مضائه.
وقولها: " من سر أهلي " أي من أكرمهم وأخلصهم يقال: فلان في سر قومه أي في صميمهم وشرفهم، وسر الوادي أطيبه ترابا و " المحتد " الأصل.
وقول الثانية أولي عدى فإنما معناه أن يكون لهم أعداء لان من لا عدو له هو الفسل الرذل الذي لا خير عنده والكريم الفاضل من الناس هو المحسد المعادي.
وقولها: " لصوق بأكباد النساء " تعني في المضاجعة ويحتمل أن تكون أرادت في المحبة والمودة وكنت بذلك عن شدة محبتهن له وميلهن إليه وهو أشبه.
وقولها: " كأنه خليفة جان " أي كأنه حية للصوقه " والجان " جنس من الحيات فخففت لضرورة الشعر.
وقول الثالثة: " يكسى الجمال نديه " فالندي هو المجلس.
وقولها: " له حكمات الدهر " تقول قد أحكمته التجارب وجعلته حكيما فأما " الضرع " فهو الضعيف " والغمر " الذي لم يجرب الأمور.
وقول الكبرى: " يكرم الحليلة ويعطي الوسيلة "، " فالحليلة " هي امرأة الرجل " والوسيلة " الحاجة.
وقولها: " نشرب ألبانها جزعا " فالجزع جمع جزعة وهي القليل من الماء يبقى في الاناء.
وقوله: " مزعا " فالمزعة البقية من دسم ويقال: ماله جزعة ولا مزعة كذا ذكر ابن دريد بالضم في جزعة ووجدت غيره يكسرها ويقول: جزعة، وإذا كسرت فينبغي أن يكون " نشرب ألبانها جزعا " وتكسر المزعة أيضا ليزدوج الكلام فيقول:
" ونأكل لحمانها مزعا " فان المزعة بالكسر هي القطعة من الشحم والمزعة بالكسر أيضا من الريش والقطن وغير ذلك كالمزقة من الخرق.
" والتمزيع " التقطيع والتشقيق يقال: إنه يكاد يتمزع من الغيظ، ومزع الظبي في عدوه يمزع مزعا إذا أسرع وقوله: " مال عميم " أي كثير.
وقول الثانية: " تودك السقاء " من الودك الذي هو الدسم.
وقول الثالثة: نولدها فطما " فالفطم " جمع فطيم وهو المفطوم من الرضاع.
وقولها: " نسلخها ادما " فالأدم جمع إدام وهو الذي يوكل، تقول: لو أنا فطمناها عند الولادة وسلخناها للأدم من الحاجة لم نبغ بها نعما وعلى الرواية الأخرى أدما من الأديم وقوله: حذوة مغنية فالحذوة القطعة.
وقول الصغرى: جوف " لا يشبعن " فالجوف جمع جوفاء وهي العظيمة الجوف " والهيم " العطاش " ولا ينقعن " أي لا يروين ومعنى قولها " وأمر مغويتهن يتبعن " أي القطيع من الضأن يمر على قنطرة فتزل واحدة فتقع في الماء فيقعن كلهن اتباعا لها والضأن يوصف بالبلادة.
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس، قال ابن دريد: وأخبرنا به العكلي، عن ابن أبي خالد، عن الهيثم بن عدي، عن مسعر بن كدام قال: حدثنا سعيد بن خالد الجدلي قال: لما قدم عبد لملك بن مروان الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس على فرائضهم فأتيناه فقال: من القوم؟ قلنا جديلة، قال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم فتمثل عبد الملك:
عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضا فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادات والموفون بالفرض ومنهم حكم يقضي فلا ينقض ما يقضي
ومنهم من يحيل الناس بالسنة والفرض.
ثم أقبل على رجل كنا قدمناه أمامنا، جسيم وسيم، فقال: أيكم يقول هذا الشعر؟ فقال: لا أدري فقلت (أنا) من خلفه: يقول ذو الإصبع فتركني وأقبل على ذلك الجسيم وقال: ما كان اسم ذي الإصبع؟ فقال: لا أدري فقلت: أنا من خلفه: حرثان، فأقبل عليه وتركني فقال: لم سمي ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري فقلت أنا من خلفه: نهشته حية على أصبعه، فأقبل عليه وتركني فقال: من أيكم كان؟ قال: لا أدري فقلت أنا من خلفه: من بني ناج، فأقبل على الجسيم فقال:
كم عطاؤك قال: سبعمائة درهم ثم أقبل علي فقال: كم عطاؤك فقلت: أربعمائة فقال: يا ابن الزعيزعة حط من عطاء هذا ثلاث مائة وزدها في عطاء هذا فرحت و عطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائة.
وفي رواية أخرى أنه: لما قال له: من أيكم كان؟ قال: لا أدري فقلت أنا من خلفه: من بني ناج الذين يقول: فيهم الشاعر:
وأما بنو ناج فلا تذكرنهم * ولا تتبعن عينيك من كان هالكا إذا قلت معروفا لتصلح بينهم * يقول وهيب لا أسالم ذلكا ويروى: لا أحاول (ذلكا):
فأضحى كظهر العود جب سنامه * يدب إلى الأعداء أحدب باركا ويروى:
فأضحى كظهر العود جب سنامه * تحوم عليه الطير أحدب باركا وقد رويت هذه الأبيات لذي الإصبع أيضا ومن أبيات ذي الإصبع السائرة قوله:
أكاشر ذا الضغن المبين عنهم * وأضحك حتى يبدو الناب أجمع
وأهدنه بالقول هدنا ولو يرى * سريرة ما أخفي لبات يفزع ومعنى " أهدنه " أسكنه ومن قوله أيضا:
إذا ما الدهر جر على أناس * شراشره أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا ومعنى " الشراشر " ههنا الثقل يقال: ألقى علي شراشره وجراميزه أي ثقله ومن قوله أيضا:
ذهب الذين إذا رأوني * مقبلا هشوا إلي ورحبوا بالمقبل وهم الذين إذا حملت حمالة * ولقيتهم فكأنني لم أحمل ومن قوله وهي مشهورة:
لي ابن عم على ما كان من خلق * مختلفان فأقليه ويقليني أزرى بنا أننا شالت نعامتنا * فخالني دونه وخلته دوني لاه ابن عمك لا أفضلت في نسب * عني ولا أنت دياني فتخزوني أني لعمرك ما بابي بذي غلق * عن الصديق ولا خيري بممنون ولا لساني على الأدنى بمنطلق * بالفاحشات ولا أغضي على الهون ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي * ألا أحبكم إن لم تحبوني يا عمرو! إلا تدع شتمي ومنقصتي * أضربك حيث تقول الهامة أسقوني وأنتم معشر زيد على مائة * فأجمعوا أمركم طرا فكيدوني لا يخرج القسر مني غير مأبية * ولا ألين لمن لا يبتغي ليني قوله: " شالت نعامتنا " معناه تنافرنا، فضرب النعام مثلا أي لا أطمئن إليه ولا يطمئن إلي يقال: شالت نعامة القوم إذا أجلوا عن الموضع وقوله: " لاه ابن عمك " قال قوم: أراد: لله ابن عمك، وقال ابن دريد: أقسم وأراد: الله ابن عمك وقوله:
" عني " أي علي والديان الذي يلي أمره ومعنى " فتخزوني " أي تسوسني و " الهون " الهوان.
وقوله: " أضربك حيث تقول الهامة: أسقوني " قال الأصمعي العطش في الهامة فأراد أضربك في ذلك الموضع أي على الهامة بحيث تعطش وقال آخرون: العرب
تقول: إن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تدور حول قبره وتقول: أسقوني أسقوني فلا تزال كذلك حتى يؤخذ بثأره وهذا باطل، ويجوز أن يعنيه ذو الإصبع على مذاهب العرب.
وقوله: " لا يخرج القسر مني غير مأبية " فالقسر القهر أي إن اخذت قسرا لم أزدد إلا إباء.
ومن المعمرين معدي كرب الحميري من آل ذي رعين قال ابن سلام: و قال معدي كرب الحميري وقد طال عمره:
أراني كلما أفنيت يوما * أتاني بعده يوم جديد يعود ضياؤه في كل فجر * ويأبى لي شبابي لا يعود ومن المعمرين الربيع بن ضبع الفزاري يقال: أنه بقي إلى أيام بني أمية ويروى أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: يا ربيع أخبرني عما أدركت من العمر والمدى، ورأيت من الخطوب الماضية، وساق الحديث إلى آخر ما مر في رواية الصدوق رحمه الله وفيه " لقد طار بك " جد غير عاثر " و " عطاء جذم ومقرئ ضخم " ثم قال رضي الله عنه إن كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان في أيام معاوية لا في ولايته لان الربع يقول في الخبر: عشت (في الاسلام) ستين سنة وعبد الملك ولي في سنة خمس وستين من الهجرة فإن كان صحيحا فلا بد مما ذكرناه.
وقد روي أن الربيع أدرك أيام معاوية ويقال: إن الربيع لما بلغ مأتي سنة قال:
ألا بلغ بني بني ربيع * فأشرار البنين لكم فداء بأني قد كبرت ودق عظمي * فلا تشغلكم عني النساء وإن كنائني لنساء * صدق وما آلى بني ولا أساؤا إذا كان الشتاء فأدفئوني * فان الشيخ يهدمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قر * فسربال خفيف أو رداء إذا عاش الفتى مأتين عاما * فقد ذهب اللذاذة والفتاء وقال حين بلغ مأتين وأربعين سنة:
أصبع عني الشباب قد حسرا * إن بان عني فقد ثوى عصرا ودعنا قبل أن نودعه * لما قضى من جماعنا وطرا ها أنا ذا آمل الخلود وقد * أدرك سني ومولدي حجرا أنا امرئ القيس هل سمعت به * هيهات هيهات طال ذا عمرا أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا من بعد ما قوة أنوء بها * أصبحت شيخا أعالج الكبرا قوله: " عطاء جذم " أي سريع وكل شئ أسرعت فيه فقد جذمته وفي الحديث: إذا أذنت فرتل وإذا أقمت فاجذم أي أسرع والمقرئ الاناء الذي يقرى فيه وقوله: " ما آلى بني ولا أساؤا " أي لم يقصروا والآلي المقصر.
ومن المعمرين أبو الطمحان القيني واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين قال أبو حاتم: عاش أبو الطمحان القيني مائتي سنة وقال في ذلك:
حنتني حانيات الدهر حتى * كأني خاتل يدنو لصيد قصير الخطب يحسب من رآني * ولست مقيدا أني بقيد ويروى قريب الخطو، قال أبو حاتم السجستاني: حدثني عدة من أصحابنا أنهم سمعوا يونس بن حبيب ينشد هذين البيتين وينشد أيضا:
تقارب خطو رجلك يا دويد * وقيدك الزمان بشر قيد وهو القائل:
وإني من القوم الذين هم هم * إذا مات منهم سيد قام صاحبه نجوم سماء كلما غاب كوكب * بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسود * تسير المنايا حيث سارت كتائبه ومعنى البيتين الأولين يشبه قول أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذا حد نابه * تخمط فينا ناب آخر مقرم ولطفيل الغنوي مثل هذا المعنى وهو قوله:
كواكب دجن كلما انقض كوكب * بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب وقد أخذ الخزيمي هذا المعنى فقال:
إذا قمر منا تغور أو خبا * بدا قمر في جانب الأفق يلمع ومثل ذلك:
خلافة أهل الأرض فينا وراثة * إذا مات منا سيد قام صاحبه ومثله:
إذا سيد منا مضى لسبيله * أقام عمود الملك آخر سيد وكأن مزاحما العقيلي نظر إلى قول أبي الطمحان " أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم " في قوله وقد أحسن:
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها * صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي ويقارب ذلك قول حجية بن المضرب السعيدي:
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت * لنورهم الشمس المضيئة والبدر وأنشد محمد بن يحيى الصولي في معنى بيت (ي) أبي الطمحان:
من البيض الوجوه بني سنان * لو أنك تستضيئ بهم أضاؤا هم حلوا من الشرف المعلى * ومن كرم العشيرة حيث شاؤوا فلو أن السماء دنت لمجد * ومكرمة دنت لهم السماء وأبو الطمحان القائل:
إذا كان في صدرا بن عمك إحنة * فلا تستثرها سوف يبدو دفينها وهو القائل:
إذا شاء ماعيها استقى من وقيعة * كعين العذاب صفوها لم يكدر والوقيعة المستنقع في الصخرة للماء ويقال: للماء إذا أزل عن صخرة فوقع في بطن أخرى فهو ماء الوقائع وأنشد (وا) لذي الرمة:
ونلنا سقاطا من حديث كأنه * جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع ويقال للماء الذي يجري على الصخرة ماء الحشرج وللماء الذي يجري بين الحصا والرمل ماء المفاصل وأنشدوا لأبي ذؤيب:
مطافيل أبكار حديث نتاجها * تشاب بماء مثل ماء المفاصل وأنشد أبو محلم السعدي لأبي الطمحان:
بني إذا ما سامك الذل قاهر * عزيز فبعض الذل أتقى وأحرز ولا تحرمن بعض الأمور تعززا * فقد يورث الذل الطويل التعزز وهذان البيتان يرويان لعبد الله بن معاوية الجعفري وروي لأبي الطمحان أيضا في هذا المعنى:
يا رب مظلمة يوما لطئت لها * تمضي علي إذا ما غاب أنصاري حتى إذا ما انجلت عني غيايتها * وثبت فيها وثوب المخدر الضاري ومن المعمرين عبد المسيح بن بقيلة الغساني وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة، وبقيلة اسمه ثعلبة وقيل الحارث وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة فسمي بذلك.
وذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاث مائة وخمسين سنة وأدرك الاسلام فلم يسلم وكان نصرانيا.
وروي أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة وتحصن منه أهلها أرسل إليهم:
ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم وذوي أنسابكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة فأقبل يمشي حتى دنا من خالد فقال (له): أنعم صباحا أيها الملك قال: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي قال: فعلى م أنت؟ قال: على الأرض قال: ففيم أنت قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت، قال إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟
قال ابن رجل واحد.
قال خالد: ما رأيت كاليوم قط إني أسأله عن الشئ وينحو في غيره قال:
ما أجبتك إلا عما سألت فسل عما بدا لك قال: أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا قال: (أ) فحرب أنتم أم سلم قال: بل سلم قال: فما هذه الحصون قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتى يجئ الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاث مائة سنة قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لا تزود إلا رغيفا واحدا حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت اليوم خرابا يبابا وذلك دأب الله في العباد والبلاد.
قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه فقال له خالد: ما هذا في كفك؟ قال:
هذا السم قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله تعالى وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلا وبلاء أشربه وأستريح من الحياة فإنما بقي من عمري اليسير قال خالد: هاته فأخذه (ثم) قال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شئ ثم أكله فتجللته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا ثم عرف وأفاق كأنما نشط من عقال.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.