بحارالانوار · المجلد الثالث عشر
14 باب ذكر أخبار المعمرين لرفع استبعاد المخالفين عن طول
ج ۵۱، ص ۲۲۵–۲۵۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
ابن خطاب بن مرة بن مؤيد وذكر أنه همداني وأن أصله من صعد اليمن فقلنا له: أنت رأيت علي بن أبي طالب؟ فقال بيده ففتح عينيه وقد كان وقع حاجباه على عينيه ففتحهما كأنهما سراجان فقال: رأيته بعيني هاتين وكنت خادما له وكنت معه في وقعة صفين وهذه الشجة من دابة علي عليه السلام وأرانا أثرها على حاجبه الأيمن وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر وأنهم منذ ولدوا عهده على هذه الحالة وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا.
ثم إنا فاتحناه وسألناه عن قصته وحاله وسبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل يفهم ما يقال له، ويجيب عنه بلب وعقل، فذكر أنه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان وأنها تجري في الظلمات وأنه من شرب منها طال عمره، فحمله الحرص على دخول الظلمات فتزود وحمل حسب ما قدر أنه يكتفي به في مسيره وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين بازلين وعدة جمال لبون وروايا وزادا وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظلمات ثم دخلنا الظلمات، فسرنا فيها نحو ستة أيام بلياليها وكنا نميز بين الليل والنهار بأن النهار كان أضوء قليلا وأقل ظلمة من الليل.
فنزلنا بين جبال وأودية وركوات وقد كان والدي ره يطوف في تلك البقعة في طلب النهر لأنه وجد في الكتب التي قرأها أن مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع فأقمنا في تلك البقعة أياما حتى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا ولولا أن جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد نارا ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا.
فمكثنا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده وبعد الاياس عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد والماء والخدم الذين كانوا معنا فأوجسوا في أنفسهم خيفة من الطلب فألحوا على والدي بالخروج من الظلمات فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم، فعثرت بنهر ماء أبيض
اللون عذب لذيذ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير يجري جريا لينا فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا فوجدته عذبا باردا لذيذا، فبادرت مسرعا إلى الرحل فبشرت لخدم بأني قد وجدت الماء فحملوا ما كان معنا من القرب والأداوى لنملأها ولم أعلم أن والدي في طلب ذلك النهر وكان سروري بوجود الماء لما كنا فيه من عدم الماء وكان والدي في ذلك الوقت غائبا عن الرحل مشغولا بالطلب فجهدنا وطفنا ساعة هوية في طلب النهر فلم نهتد إليه حتى أن الخدم كذبوني وقالوا لي لم تصدق.
فلما انصرفت إلى الرحل وانصرف والدي أخبرته بالقصة فقال لي: يا بني! الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمل الخطر كان لذلك النهر، ولم ارزق أنا وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتى تمل الحياة، ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلدنا وعاش والدي بعد ذلك سنيات ثم مات رحمه الله.
فلما بلغ سني قريبا من ثلاثين سنة وكان قد اتصل بنا وفات النبي صلى الله عليه وآله ووفات الخليفتين بعده خرجت حاجا فلحقت آخر أيام عثمان.
فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقمت معه أخدمه وشهدت معه وقائع وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجة من دابته فما زلت مقيما معه إلى أن مضى لسبيله عليه السلام فألح علي أولاده وحرمه أن أقيم عندهم فلم أقم، وانصرفت إلى بلدي وخرجت أيام بني مروان حاجا وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية، ما خرجت في سفر إلا ما كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فيشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعما شاهدت وكنت أتمنى وأشتهي أن أحج حجة أخرى فحملني هؤلاء حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي وذكر أنه قد سقطت أسنانه مرتين أو ثلاثة.
فسألناه أن يحدثنا بما سمع من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فذكر أنه لم يكن له حرص ولا همة في طلب العلم وقت صحبته لعلي بن أبي طالب عليه السلام
والصحابة أيضا كانوا متوافرين فمن فرط ميلي إلى علي عليه السلام ومحبتي له لم أشتغل بشئ سوى خدمته وصحبته والذي كنت أتذكره مما كنت سمعته منه قد سمعه مني عالم كثير من الناس ببلاد المغرب ومصر والحجاز وقد انقرضوا وتفانوا وهؤلاء أهل بلدي وحفدتي قد دونوه فأخرجوا إلينا النسخة وأخذ يملئ علينا من خطه:
حدثنا أبو الحسن علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني المعروف بأبي الدنيا معمر المغربي رضي الله عنه حيا وميتا قال: حدثنا علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغض أهل اليمن فقد أبغضني.
وحدثنا أبو الدنيا معمر قال: حدثني علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أعان ملهوفا كتب الله له عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سعى في حاجة أخيه المسلم لله فيها رضى الله فيها صلاح فكأنما خدم الله ألف سنة ولم يقع في معصيته طرفة عين.
حدثنا أبو الدنيا معمر المغربي قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول:
أصاب النبي صلى الله عليه وآله جوع شديد وهو في منزل فاطمة قال علي فقال لي النبي: يا علي هات المائدة فقدمت المائدة فإذا عليها خبز ولحم مشوي.
حدثنا أبو الدنيا معمر قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: جرحت في وقعة خيبر خمسا وعشرين جراحة فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما رأى ما بي بكى وأخذ من دموع عينيه فجعلها على الجراحات فاسترحت من ساعتي.
وحدثنا أبو الدنيا قال: حدثني علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ قل هو الله أحد مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن ومن قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.
وحدثنا أبو الدنيا قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وآله: كنت أرعى الغنم فإذا أنا بذئب على قارعة الطريق فقلت له: ما تصنع ههنا؟ فقال لي: وأنت ما تصنع ههنا؟ قلت أرعى الغنم قال مر أو قال ذا الطريق قال: فسقت الغنم فلما توسط الذئب الغنم إذا أنا به قد شد على شاة فقتلها قال: فجئت حتى أخذت بقفاه فذبحته وجعلته على يدي وجعلت أسوق الغنم.
فلما سرت غير بعيد وإذا أنا بثلاثة أملاك جبرئيل وميكائيل وملك الموت صلوات الله عليهم أجمعين، فلما رأوني قالوا هذا محمد بارك الله فيه فاحتملوني وأضجعوني وشقوا جوفي بسكين كان معهم وأخرجوا قلبي من موضعه وغسلوا جوفي بماء بارد كان معهم في قارورة حتى نقي من الدم ثم ردوا قلبي إلى موضعه وأمروا أيديهم على جوفي فالتحم الشق بإذن الله تعالى فما أحسست بسكين ولا وجع، قال :
وخرجت أغدو إلى أمي يعني حليمة داية النبي صلى الله عليه وآله فقال لي: أين الغنم فخبرتها بالخبر فقالت: سوف تكون لك في الجنة منزلة عظيمة.
وحدثنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قال: ذكر أبو بكر محمد بن الفتح المركني وأبو الحسن علي بن الحسن اللائكي أن السلطان بمكة لما بلغه خبر أبي الدنيا تعرض له، وقال: لابد أن أخرجك إلى بغداد إلى حضرة أمير المؤمنين المقتدر فاني أخشى أن يعتب علي إن لم أخرجك معي فسأله الحاج من أهل المغرب وأهل مصر والشام أن يعفيه من ذلك ولا يشخصه فإنه شيخ ضعيف ولا يؤمن ما يحدث عليه، فأعفاه. قال أبو سعيد: ولو أني أحضر الموسم تلك السنة لشاهدته وخبره كان شائعا مستفيضا في الأمصار وكتب عنه هذه الأحاديث المصريون والشاميون والبغداديون، ومن سائر الأمصار من حضر الموسم وبلغه خبر هذا الشيخ وأحب أن يلقاه ويكتب عنه نفعهم الله وإيانا بها.
2 - وأخبرني أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فيما أجازه لي مما صح عندي من حديثه وصح عندي هذا الحديث برواية الشريف أبي عبد الله محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب عليه السلام عنه أنه قال: حججت في سنة ثلاث عشر وثلاث مائة وفيها حج نصر القشوري صاحب المقتدر بالله ومعه عبد الرحمن بن عمران المكني بأبي الهيجاء فدخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله في ذي القعدة فأصبت قافلة المصريين وبها أبو بكر محمد بن علي المادرائي ومعه رجل من أهل المغرب وذكر أنه رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاجتمع عليه الناس وازدحموا وجعلوا يمسحون به وكادوا يأتون على نفسه فأمر عمي أبو القاسم طاهر بن يحيى فتيانه وغلمانه فقال: أفرجوا عنه الناس ففعلوا وأخذوه وأدخلوه دار أبي سهل الطفي وكان عمي نازلها فادخل وأذن للناس فدخلوا وكان معه خمسة نفر ذكر أنهم أولاد أولاده فيهم شيخ له نيف وثمانون سنة فسألناه عنه فقال: هذا ابن ابني وآخر له سبعون سنة فقال: هذا ابن ابني واثنان لهما ستون سنة أو خمسون أو نحوها وآخر له سبعة عشر سنة فقال:
هذا ابن ابن ابني ولم يكن معه فيهم أصغر منه وكان إذا رأيته قلت: ابن ثلاثين أو أربعين سنة. أسود الرأس واللحية ضعيف الجسم آدم ربع من الرجال خفيف العارضين إلى قصر أقرب.
قال أبو محمد العلوي: فحدثنا هذا الرجل واسمه علي بن عثمان بن الخطاب ابن مرة بن مؤيد بجميع ما كتبناه عنه وسمعناه من لفظه وما رأينا من بياض عنفقته بعد اسودادها ورجوع سوادها بعد بياضها عند شبعه من الطعام.
قال أبو محمد العلوي: ولولا أنه حدث جماعة من أهل المدينة من الاشراف والحاج من أهل مدينة السلام وغيرهم من جميع الآفاق ما حدثت عنه بما سمعت وسماعي منه بالمدينة ومكة في دار السهميين في الدار المعروفة بالمكتوبة وهي دار علي بن عيسى الجراح وسمعت منه في مضرب القشوري ومضرب المادرائي ومضرب أبي الهيجاء، وسمعت منه بمنى وبعد منصرفه من الحج بمكة في دار المادرائي عند باب الصفا.
وأراد القشوري حمله وولده إلى بغداد إلى المقتدر فجاءه فقهاء أهل مكة فقالوا: أيد الله الأستاذ، إنا روينا في الاخبار المأثورة عن السلف أن المعمر المغربي إذا دخل مدينة السلام افتتنت وخربت وزال الملك فلا تحمله ورده إلى المغرب فسألنا مشايخ أهل المغرب ومصر فقالوا: لم نزل نسمع من آبائنا ومشايخنا يذكرون اسم هذا الرجل واسم البلد الذي هو مقيم فيه طنجة وذكروا أنه كان يحدثهم بأحاديث قد ذكرنا بعضها في كتابنا هذا.
قال أبو محمد العلوي: فحدثنا هذا الشيخ أعني علي بن عثمان المغربي بدو خروجه من بلده من حضرموت وذكر أن أباه خرج هو وعمه وأخرجا به معهما يريدون الحج وزيارة النبي صلى الله عليه وآله فخرجوا من بلادهم من حضرموت وساروا أياما ثم أخطأوا الطريق وتاهوا عن المحجة فأقاموا تائهين ثلاثة أيام وثلاثة ليال على غير محجة فبينا هم كذلك إذ وقعوا في جبال رمل يقال له: رمل عالج يتصل برمل إرم ذات العماد فبينا نحن كذلك إذ نظرنا إلى أثر قدم طويل فجعلنا نسير على أثرها فأشرفنا على واد وإذا برجلين قاعدين على بئر أو على عين.
قال: فلما نظر إلينا قام أحدهما فأخذ دلوا فأدلاه فاستقى فيه من تلك العين أو البئر واستقبلنا فجاء إلى أبي فناوله الدلو، فقال أبي: قد أمسينا ننيخ على هذا الماء ونفطر إنشاء الله فصار إلى عمي فقال: اشرب فرد عليه كما رد عليه أبي فناولني فقال لي: اشرب فشربت، فقال لي: هنيئا لك فإنك ستلقى علي بن أبي طالب عليه السلام فأخبره أيها الغلام بخبرنا وقل له الخضر وإلياس يقرئانك (السلام) وستعمر حتى تلقى المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام فإذا لقيتهما فاقرئهما السلام ثم قالا: ما يكون هذا منك فقلت: أبي وعمي فقالا: أما عمك فلا يبلغ مكة وأما أنت وأبوك فستبلغان ويموت أبوك فتعمر أنت ولستم تلحقون النبي صلى الله عليه وآله لأنه قد قرب أجله ثم مثلا.
فوالله ما أدري أين مرا أفي السماء أو في الأرض فنظرنا وإذا لا أثر ولا عين
ولا ماء، فسرنا متعجبين من ذلك إلى أن رجعنا إلى نجران فاعتل عمي ومات بها وأتممت أنا وأبي حجنا ووصلنا إلى المدينة فاعتل بها أبي ومات وأوصى إلى علي ابن أبي طالب عليه السلام فأخذني وكنت معه أيام أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته حتى قتله ابن ملجم لعنه الله. وذكر أنه لما حوصر عثمان بن عفان في داره دعاني فدفع إلي كتابا ونجيبا وأمرني بالخروج إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وكان غائبا بينبع في ماله وضياعه فأخذت الكتاب وصرت إلى موضع يقال له جدار أبي عباية. سمعت قرآنا فإذا علي بن أبي طالب عليه السلام يسير مقبلا من ينبع وهو يقول: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ".
فلما نظر إلي قال: أبا الدنيا ما وراك؟ قلت: هذا كتاب أمي ر المؤمنين فأخذه فقرأه فإذا فيه:
فان كنت مأكولا فكن أنت آكلي * وإلا فأدركني ولما أمزق فلما قرأه قال: سر، فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفان فمال إلى حديقة بني النجار وعلم الناس بمكانه فجاؤوا إليه ركضا وقد كانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة بن عبيد الله فلما نظروا إليه ارفضوا إليه ارفضاض الغنم شد عليها السبع فبايعه طلحة ثم الزبير ثم بايع المهاجرون والأنصار.
فأقمت معه أخدمه فحضرت معه الجمل وصفين وكنت بين الصفين واقفا عن يمينه إذ سقط سوطه من يده فأكببت آخذه وأرفعه إليه وكان لجام دابته حديدا مزججا فرفع الفرس رأسه فشجني هذه الشجة التي في صدغي فدعاني أمير المؤمنين فتفل فيها وأخذ حفنة من تراب فتركه عليها فوالله ما وجدت لها ألما ولا وجعا ثم أقمت معه حتى قتل صلوات الله عليه وصحبت الحسن بن علي عليه السلام حتى ضرب بساباط المدائن ثم بقيت معه بالمدينة أخدمه وأخدم الحسين عليه السلام حتى مات الحسن عليه السلام مسموما سمته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي لعنها الله دسا من معاوية ثم خرجت مع الحسين بن علي عليه السلام حتى حضر كربلاء وقتل عليه السلام وخرجت هاربا من بني أمية وأنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام.
قال أبو محمد العلوي رضي الله عنه: ومن عجيب ما رأيت من هذا الشيخ علي ابن عثمان وهو في دار عمي طاهر بن يحيى رضي الله عنه وهو يحدث بهذه الأعاجيب وبدو خروجه فنظرت إلى عنفقته وقد احمرت ثم ابيضت فجعلت أنظر إلى ذلك لأنه لم يكن في لحيته ولا في رأسه ولا في عنفقته بياض البتة.
قال: فنظر إلى نظري إلى لحيته وعنفقته فقال: ما ترون؟ إن هذا يصيبني إذا جعت فإذا شبعت رجعت إلى سوادها فدعا عمي بطعام وأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت واحدة بين يدي الشيخ وكنت أنا أحد من جلس عليها فأكلت معه ووضعت المائدتان في وسط الدار وقال عمي للجماعة: بحقي عليكم إلا أكلتم و تحرمتم بطعامنا فأكل قوم وامتنع قوم وجلس عمي على يمين الشيخ يأكل و يلقي بين يديه فأكل أكل شاب وعمي يخلف عليه وأنا أنظر إلى عنفقته وهي تسود حتى إذا عادت إلى سوادها (حين) شبع.
فحدثنا علي بن عثمان بن خطاب قال: حدثني علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني.
حديث عبيد بن شريد الجرهمي:
3 - حدثنا أبو سعيد بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الشجري قال: وجدت في كتاب لأخي أبي الحسن بخطه يقول: سمعت بعض أهل العلم ممن قرأ الكتب و سمع الاخبار أن عبيد بن شريد الجرهمي وهو معروف عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فأدرك النبي وحسن إسلامه وعمر بعد ما قبض النبي صلى الله عليه وآله حتى قدم على معاوية في أيام تغلبه وملكه فقال له معاوية: أخبرني يا عبيد عما رأيت وسمعت ومن أدركت وكيف رأيت الدهر؟ قال: أما الدهر فرأيت ليلا يشبه ليلا ونهارا يشبه نهارا ومولودا يولد وميتا يموت ولم أدرك أهل زمان إلا وهم يذمون زمانهم.
وأدركت من قد عاش ألف سنة فحدثني عمن قد كان قبله قد عاش ألفي سنة وأما ما سمعت فإنه حدثني ملك من ملوك حمير أن بعض ملوك النابغة ممن دانت له البلاد كان يقال له ذو سرح، كان أعطي الملك في عنفوان شبابه وكان حسن
السيرة في أهل مملكته سخيا فيهم مطاعا فملكهم سبعمائة سنة وكان كثيرا ما يخرج في خاصته إلى الصيد والنزهة.
فخرج يوما إلى بعض متنزهه فأتى إلى حيتين أحدهما بيضاء كأنها سبيكة فضة والأخرى سوداء كأنهما حممة وهما يقتتلان وقد غلبت السوداء البيضاء وكادت تأتي على نفسها فأمر الملك بالسوداء فقتلت وأمر بالبيضاء فاحتملت حتى انتهى بها إلى عين من ماء بقي عليها شجرة فأمر فصب عليها من الماء وسقيت حتى رجع إليها نفسها فأفاقت فخلى سبيلها فانسابت الحية ومضبت لسبيلها ومكث الملك يومئذ في متصيده ونزهته.
فلما أمسى ورجع إلى منزله وجلس على سريره في موضع لا يصل إليه حاجب ولا أحد فبينا هو كذلك إذا رأى شابا آخذا بعضادتي الباب، وبه من الثياب و الجمال شئ لا يوصف فسلم على الملك فذعر منه الملك وقال له: من أنت ومن أدخلك وأذن لك في الدخول علي في هذا الموضع الذي لا يصل فيه حاجب ولا غيره؟ فقال له الفتى: لا ترع أيها الملك إني لست بإنسي ولكني فتى من الجن أتيتك لأجازيك على بلائك الحسن الجميل عندي قال الملك: وما بلائي عندك؟ قال: أنا الحية التي أحييتني في يومك هذا والأسود الذي قتلته وخلصتني منه كان غلاما لنا (تمرد علينا) وقد قتل من أهل بيتي عدة كان إذا خلا بواحد منا قتله، فقتلت عدوي و أحييتني فجئت لأكافيك ببلائك عندي ونحن أيها الملك الجن لا الجن فقال له:
الملك وما الفرق بين الجن والجن.
ثم انقطع الحديث الذي كتب أخي فلم يكن هناك تمامه.
حديث الربيع بن الضبع الفزاري:
4 - حدثنا أحمد بن يحيى المكتب قال: حدثنا أبو الطيب أحمد بن محمد الوراق قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العماني بجميع أخباره وكتبه التي صنفها ووجدنا في أخباره أنه قال: لما وفد الناس على عبد الملك بن مروان قدم فيمن قدم عليه الربيع بن الضبع الفزاري وكان أحد المعمرين ومعه ابن ابنه
وهب بن عبد الله بن الربيع شيخا فانيا قد سقط حاجباه على عينيه وقد عصبهما فلما رآه الآذن وكانوا يأذنون للناس على أسنانهم قال له: ادخل أيها الشيخ فدخل يدب على العصاء يقيم بها صلبه ولحيته على ركبتيه.
قال: فلما رآه عبد الملك رق له وقال له: اجلس أيها الشيخ فقال: يا أمير المؤمنين أيجلس الشيخ وجده على الباب فقال: أنت إذا من ولد الربيع بن ضبع قال: نعم، أنا وهب بن عبد الله بن الربيع. قال للآذن: ارجع فأدخل الربيع فخرج الآذن فلم يعرفه حتى نادى أين الربيع قال: ها أنا ذا فقام يهرول في مشيته فلما دخل على عبد الملك سلم فقال عبد الملك: وأبيكم إنه لأشب الرجلين يا ربيع أخبرني عما أدركت من العمر والمدى ورأيت من الخطوب الماضية قال أنا الذي أقول:
ها أنا ذا آمل الخلود وقد * أدرك عمري ومولدي حجرا أما امرء القيس قد سمعت به * هيهات هيهات طال ذا عمرا قال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي قال وأنا القائل:
إذا عاش الفتى مأتين عاما * فقد ذهب اللذاذة والغناء قال عبد الملك: وقد رويت هذا من شعرك أيضا وأنا غلام وأبيك يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر ففصل لي عمرك؟
فقال: عشت مأتي سنة في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعشرين ومأة سنة في الجاهلية وستين سنة في الاسلام.
قال: أخبرني عن الفتية من قريش المتواطئ الأسماء قال: سل عن أيهم شئت قال: أخبرني عن عبد الله بن عباس قال: فهم وعلم وعطاء وحلم ومقرئ ضخم قال:
فأخبرني عن عبد الله بن عمر قال: حلم وعلم وطول وكظم وبعد من الظلم.
قال: فأخبرني، عن عبد الله بن جعفر قال: ريحانة طيب ريحها لين مسها قليل على المسلمين ضررها.
قال: فأخبرني عن عبد الله بن الزبير، قال: جبل وعر ينحدر منه الصخر
قال: لله درك ما أخبرك بهم، قال: قرب جواري وكثر استخباري.
حديث شق الكاهن:
5 - حدثنا أحمد بن يحيى المكتب قال: حدثنا أبو الطيب أحمد بن محمد الوراق قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العماني قال: حدثنا أحمد عيسى أبو بشير العقيلي، عن أبي حاتم، عن أبي قبيصة، عن ابن الكلبي، عن أبيه قال:
سمعت: شيوخا من بجيلة ما رأيت على سروهم وحسن هيئتهم يخبرون أنه عاش (شق) الكاهن ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه وقالوا له: أوصنا فقد آن أن يفوتنا بك الدهر. فقال: تواصلوا ولا تقاطعوا، وتقاتلوا ولا تدابروا وأوصلوا الأرحام، واحفظوا الذمام، وسودوا الحكيم، وأجلوا الكريم، ووقروا ذا الشيبة، وأذلوا اللئيم، وتجنبوا الهزل في مواضع الجد، ولا تكدروا الانعام بالمن، واعفوا إذا قدرتم، وهادنوا إذا هجرتم، وأحسنوا إذا كوبدتم، واسمعوا من مشايخكم، واستبقوا دواعي الصلاح عند أواخر العداوة، فان بلوغ الغاية في الندامة جرح بطئ الاندمال.
وإياكم والطعن في الأنساب ولا تفحصوا عن مساويكم، ولا تودعوا عقائلكم غير مساويكم، فإنها وصمة قادحة، وقضاءة فاضحة، الرفق الرفق لا الخرق فان الخرق مندمة في العواقب مكسبة للعوايب، الصبر أنفذ عتاب، والقناعة خير مال الناس أتباع الطمع، وقرائن الهلع، ومطايا الجزع، وروح الذل التخاذل تزالون ناظرين بعيون نائمة ما اتصل الرجاء بأموالكم، والخوف بمحالكم.
ثم قال: يا لها نصيحة زلت عن عذبة فصيحة، إن كان وعاؤها وكيعا ومعدنها منيعا ثم مات.
قال الصدوق رضي الله عنه: إن مخالفينا يروون مثل هذه الأحاديث و يصدقون بها ويروون حديث شداد بن عاد بن إرم ذات العماد وأنه عمر تسعمائة سنة، ويروون صفة جنته وأنها مغيبة عن الناس فلا ترى وأنها في الأرض. ولا يصدقون بقائم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم ويكذبون بالاخبار التي وردت فيه
جحودا للحق وعنادا لأهله.
بيان: قوله مزججا أي مرققا ممددا قوله " لقد طلبك جد غير عاثر " الجد بالفتح الحظ والبخت والغناء أي طلبك بخت عظيم لم يعثر حتى وصل إليك أو لم يعثر بك بل نعشك في كل الأحوال و " السرو " السخاء في مروءة.
و " العقائل " جمع العقيلة وهي كريمة الحي أي لا تزوجوا بناتكم إلا ممن يساويكم في الشرف. و " الوصمة " العيب والعار و " الفادحة " الثقيلة ويقال: فيه " قضاءة " ويضم: عيب وفساد وتقضؤوا منه أن يزوجوه استحسنوا حسبه، ووعاء وكيع شديد متين.
أقول: ثم ذكر الصدوق رحمه الله قصة شداد بن عاد كما نقلنا عنه في كتاب النبوة ثم قال:
وعاش أوس بن ربيعة بن كعب بن أمية مأتي وأربع عشرة سنة فقال في ذلك:
لقد عمرت حتى مل أهلي * ثواي عندهم وسئمت عمري وحق لمن أتى مأتان عام * عليه وأربع من بعد عشر يمل من الثواء وصبح ليل * يغاديه وليل بعد يسري فأبلى شلوتي وتركت شلوي * وباح بما أجن ضمير صدري وعاش أبو زبيد واسمه المنذر بن حرملة الطائي وكان نصراني خمسين و مائة سنة.
وعاش نضر بن دهمان بن سليمان بن أشجع بن زيد بن غطفان مائة وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه وخرف عقله وابيض رأسه فحرب قومه أمر فاحتاجوا فيه إلى رأيه فدعوا الله أن يرد عليه عقل وشبابه فعاد إليه شبابه واسود شعره، فقال فيه سلمة بن الحريش ويقال عباس بن مرداس السلمي:
لنضر بن دهمان الهنيدة عاشها * وتسعين حولا ثم قوم فانصاتا وعاد سواد الرأس بعد بياضه * وعاوده شرخ الشباب الذي فاتا وراجع عقلا بعد ما فات عقله * ولكنه من بعد ذا كله ماتا
وعاش ثوب بن صداق العبدي مأتي سنة.
وعاش خثعم بن عوف بن جذيمة دهرا طويلا فقال:
حتى متى خثعم في الاحياء * ليس بذي أيدي ولا غناء هيهات ما للموت من دواء وعاش ثعلبة بن كعب بن عبد الأشهل بن الأشوس مأتي سنة فقال:
لقد صاحبت أقواما فأمسوا * خفاتا لا يجاب لهم دعاء مضوا قصد السبيل وخلفوني * فطال علي بعدهم الثواء فأصبحت الغداة رهين شئ * وأخلفني من الموت الرجاء وعاش رداءة بن كعب بن ذهل بن قيس النخعي ثلاث مائة سنة فقال:
لم يبق يا خذيه من لداتي * أبو بنين لا ولا بنات ولا عقيم غير ذي سبات * إلا يعد اليوم في الأموات هل مشتر أبيعه حياتي؟
وعاش عدي بن حاتم طيئ عشرين ومائة سنة.
وعاش اماباة بن قيس بن الحرملة بن سنان الكندي ستين ومائة سنة.
وعاش عمير بن هاجر بن عمير بن عبد العزى بن قيس الخزاعي سبعين و مئة سنة فقال:
بليت وأفناني الزمان وأصبحت * هنيدة قد أبقيت من بعدها عشرا وأصبحت مثل الفرخ لا أنا ميت * فأبكى ولا حي فأصدر لي أمرا وقد عشت دهرا ما تجن عشيرتي * لها ميتا حتى تخط له قبرا وعاش العوام بن المنذر بن زيد بن قيس بن حارثة بن لام دهرا طويلا في الجاهلية وأدرك عمر بن عبد العزيز فادخل عليه وقد اختلف ترقوتاه وسقط حاجباه فقيل له ما أدركت؟ فقال:
فوالله ما أدري أأدركت أمة * على عهد ذي القرنين أم كنت أقدما متى يخلعوا عنى القميص تبينوا * جناجن لم يكسين لحما ولا دما
وعاش سيف بن وهب بن جذيمة الطائي مائتي سنة فقال:
ألا إنني كاهب ذاهب * فلا تحسبوا أنني كاذب لبست شبابي فأفنيته وأدركني القدر الغالب وخصم دفعت ومولى نفعت * حتى يثوب له ثائب وعاش أرطاة بن دشهبة المزني عشرين ومائة سنة وكان يكني أبا الوليد فقال له عبد الملك: ما بقي من شعرك يا أرطاة؟ فقال: يا أمير المؤمنين (إني) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، ولا يجيئني الشعر إلا على إحدى هذه الخصال على أني أقول:
رأيت المرء تأكله الليالي * كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبقي المنية حين تأتي * على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكر حتى * توفي نذرها بأبي الوليد فارتاع عبد الملك فقال أرطاة: يا أمير المؤمنين إني أكنى أبا الوليد.
وعاش عبيد بن الأبرص ثلاثمائة سنة فقال:
فنيت وأفناني الزمان وأصبحت * لداتي بنوا نعش وزهر الفراقد ثم أخذه النعمان بن منذر يوم بؤسه فقتله.
وعاش شريح بن هانئ عشرين ومائة سنة حتى قتل في نفرة الحجاج بن يوسف فقال في كبره وضعفه:
أصبحت ذا بث أقاصي الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا * وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا * والجمع في صفينهم والنهرا هيهات ما أطول هذا عمرا وعاش رجل من بني ضبة يقال له: المسجاح بن سباع دهرا طويلا فقال:
لقد طوفت في الآفاق حتى * بليت وقد (دنا) لي أن أبيد وأفناني ولا يفنى نهار * وليل كلما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهر * وحول بعده حول جديد وعاش لقمان العادي الكبير خمسمائة سنة وستين سنة وعاش عمر سبعة أنسر كل نسر منها ثمانين عاما وكان من بقية عاد الأولى.
وروي أنه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة وكان من ولد عاد الذين بعثهم قومهم إلى الحرم ليستسقوا لهم وكان أعطي عمر سبعة أنسر فكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل الذي هو في أصله فيعيش النسر فيها ما عاش فإذا مات أخذ آخر فرباه حتى كان آخرها لبد، وكان أطولها عمرا فقيل فيه " طال الأمد على لبد " وقد قيل فيه أشعار معروفة وأعطي من السمع والبصر والقوة على قدر ذلك وله أحاديث كثيرة.
وعاش زهير بن عباب بن هبل بن عبد الله بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد ابن عبد الله بن وهدة بن ثور بن كليب الكلبي ثلاثمائة سنة.
وعاش مزيقيا واسمه عمرو بن عامر وعامر هو ماء السماء وإنما سمي ماء السماء لأنه كان حياة أينما نزل كمثل ماء السماء وإنما سمي مزيقيا لأنه عاش ثمانمائة سنة أربعمائة سوقة، وأربعمائة ملكا، فكان يلبس في كل يوم حلتين ثم يأمر بهما فيمزقان حتى لا يلبسهما أحد غيره.
وعاش ابن هبل بن عبد الله بن كنانة ستمائة سنة.
وعاش أبو الطمحان القيسي مائة وخمسين سنة.
وعاش المستوعر بن ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم ثلاثمائة وثلاثين سنة ثم أدرك الاسلام فلم يسلم وله شعر معروف.
وعاش دريد بن زيد بن نهد أربعمائة سنة وخمسين سنة فقال في ذلك:
ألقى علي الدهر رجلا ويدا * والدهر ما يصلح يوما أفسدا يصلحه اليوم ويفسده غدا وجمع بنيه حين حضرته الوفاة فقال: يا بني أوصيكم بالناس شرا لا تقبلوا لهم معذرة ولا تقبلوا لهم عثرة.
وعاش تيم الله بن (ثعلبة بن) عكابة مائتي سنة.
وعاش الربيع بن ضبع بن وهب بن بعيض بن مالك بن سعدي بن عدي بن فزارة مائتي وأربعين سنة وأدرك الاسلام فلم يسلم.
وعاش معدي كرب الحميري من آل ذي رعين مائتي وخمسين سنة.
وعاش ثرية بن عبد الله الجعفي ثلاثمائة سنة فقدم على عمر بن الخطاب المدينة فقال: لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم به وما به قطرة ولا هضبة ولا شجرة ولقد أدركت أخريات قوم يشهدون بشهادتكم هذه يعني لا إله إلا الله، ومعه ابن له يتهادى قد خرف فقال: يا ثرية هذا ابنك قد خرف وبك بقية فقال: ما تزوجت أمة حتى أتت علي سبعون سنة ولكني تزوجتها عفيفة ستيرة إن رضيت رأيت ما تقر به عيني وإن سخطت أتتني حتى أرضى وإن ابني هذا تزوج امرأة بذية فاحشة إن رأى ما تقر به عينه تعرضت له حتى يسخط وإن سخط تلقته حتى يهلك.
وعاش عوف بن كنانة الكلبي ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة جمع بنيه فأوصاهم وهو عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن ثور بن كلب فقال: يا بني احفظوا وصيتي فإنكم إن حفظتموها سدتم قومكم بعدي، إلهكم فاتقوه ولا تخونوا ولا تحزنوا، ولا تثيروا السباع من مرابضها، وجاوروا الناس بالكف عن مساويهم تسلموا وتصلحوا، وعفوا عن الطلب إليهم لئلا تستثقلوا، والزموا الصمت إلا من حق تحمدوا، وابذلوا لهم المحبة تسلم لكم الصدور، ولا تحرموهم المنافع فيظهروا الشكاة، وكونوا منهم في ستر ينعم بالكم، ولا تكثروا مجالستهم فيستخف بكم، و إذا نزلت بكم معضلة فاصبروا لها، والبسوا للدهر أثوابه، فان لسان الصدق مع النكبة خير من سوء الذكر مع المسرة.
ووطنوا أنفسكم على الذلة لمن ذل لكم فان أقرب المسائل المودة وإن أبعد النسب البغضة وعليكم بالوفاء وتنكبوا الغدر يأمن سربكم وأحيوا الحسب
بترك الكذب فان آفة المروءة الكذب والخلف، لا تعلموا الناس اقتاركم فتهونوا وتخملوا، وإياكم والغربة فإنها ذلة ولا تضعوا الكرائم إلا عند الأكفاء، وابتعوا بأنفسكم المعالي، ولا يحتلجنكم جمال النساء عن الصحة، فان نكاح الكرائم مدارج الشرف، واخضعوا لقومكم ولا تبغوا عليهم لتنالوا المنافس، ولا تخالفوهم فيما اجتمعوا عليه، فان الخلاف يزري بالرجل المطاع، وليكن معروفكم لغير قومكم بعدهم، ولا توحشوا أفنيتكم من أهلها فإن ايحاشها إخماد النار و دفع الحقوق، وارفضوا النمائم بينكم تكونوا أعوانا عند الملمات تغلبوا، واحذروا النجعة إلا في منفعة لا تصابوا، وأكرموا الجار يخصب جنابكم، وآثروا حق الضيف على أنفسكم، والزموا مع السفهاء الحلم تقل همومكم.
وإياكم والفرقة فإنها ذلة ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها إلا المضطر فإنكم إن تلاموا عند إيضاح العذر وبكم قوة خير من أن تعانوا في الاضطرار منكم إليهم بالمعذرة، وجدوا ولا تفرطوا فان الجد مانعة الضيم، ولتكن كلمتكم واحدة تعزوا ويرهف حدكم، ولا تبذلوا الوجوه لغير مكرمة فتخلقوها، ولا تجشموا أهل الدناءة فتقصروا بها، ولا تحاسدوا فتبوروا، واجتنبوا البخل فإنه داء وابنوا المعالي بالجود والأدب، ومصافات أهل الفضل والحياء، وابتاعوا المحبة بالبذل، ووقروا أهل الفضيلة، وخذوا من أهل التجارب، ولا يمنعنكم من معروف صغره فان له ثوابا، ولا تحقروا الرجال فتزدروها فإنما المرء بأصغريه ذكاء قلبه ولسان يعبر عنه.
فإذا خوفتم داهية فاللبث قبل العجلة، والتمسوا بالتودد المنزلة عند الملوك فإنهم من وضعوه اتضع، ومن رفعوه ارتفع، وتبسلوا بالفعال تسم إليكم الابصار وتواضعوا بالوفاء وليحبكم ربكم. ثم قال:
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه * ولا كل موف نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد * فحق له من طاعة بنصيب وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن
يزيد الشعراني من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول: حكى أبو القاسم محمد بن القاسم البصري أن أبا الحسن حمارويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه من كنوز مصر ما لم يرزق أحد قبله فأغري بالهرمين فأشار عليه ثقاته وحاشيته و بطانته أن لا يتعرض لهدم الأهرام فإنه ما تعرض أحد لها فطال عمره فلج في ذلك وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب وكانوا يعملون سنة حواليه حتى ضجروا وكلوا.
فلما هموا بالانصراف بعد الإياس منه، وترك العمل، وجدوا سربا فقدروا أنه الباب الذي يطلبونه ، فلما بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مرمر فقدروا أنها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها، فإذا عليها كتابة يونانية فجمعوا حكماء مصر وعلماءها فلم يهتدوا لها وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبد الله المديني أحد حفاظ الدنيا وعلمائها فقال لأبي الحسن حمارويه بن أحمد: أعرف في بلد الحبشة أسقفا قد عمر وأتى عليه ثلاث مائة وستون سنة يعرف هذا الخط وقد كان عزم على أن يعلمنيه فلحرصي على علم العرب لم أقم عليه وهو باق.
فكتب أبو الحسن إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الأسقف إليه فأجابه أن هذا قد طعن في السن وحطمه الزمان وإنما يحفظه هذا الهواء ويخاف عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخر ولحقته حركة وتعب ومشقة السفر أن يتلف وفي بقائه لنا شرف وفرج وسكينة، فإن كان لكم شئ يقرأه ويفسره ومسألة تسألونه فاكتب بذلك فحملت البلاطة في قارب إلى بلد أسوان من الصعيد الأعلى وحملت من أسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة وهي قريبة من أسوان فلما وصلت قرأها الأسقف وفسر ما فيها بالحبشية ثم نقلت إلى العربية فإذا فيها مكتوب:
أنا الريان بن دومغ فسئل أبو عبد الله عن الريان من كان هو قال: هو والد العزيز ملك يوسف عليه السلام واسمه الريان بن دومغ وقد كان عمر العزيز سبعمائة سنة وعمر الريان والده ألفا وسبعمائة وعمر دومغ ثلاثة آلف سنة.
فإذا فيها أنا الريان بن دومغ خرجت في طلب علم النيل لأعلم فيضه ومنبعه إذا كنت أرى مفيضه فخرجت ومعي ممن صحبت أربعة آلاف ألف رجل فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا، فرأيت النيل يقطع البحر المحيط ويعبر فيه ولم يكن لي منفذ وتماوت أصحابي وبقيت في أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي فرجعت إلى مصر وبنيت الأهرام والبراني وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري وقلت في ذلك شعرا:
وأدرك علمي بعض ما هو كائن * ولا علم لي بالغيب والله أعلم وأتقنت ما حاولت إتقان صنعة * وأحكمته والله أقوى وأحكم وحاولت علم النيل من بدء فيضه * فأعجزني والمرء بالعجز ملجم ثمانين شاهورا قطعت مسايحا * وحولي بنو حجر وجيش عرمرم إلى أن قطعت الجن والإنس كلهم * وعارضني لج من البحر مظلم فأتقنت أن لا منفذا بعد منزلي * لذي همة بعدي ولا متقدم فأبت إلى ملكي وأرسيت ناديا * بمصر وللأيام بؤس وأنعم أنا صاحب الأهرام في مصر * كلها وباني برانيها بها والمقدم تركت بها آثار كفي وحكمتي * على الدهر لا تبلى ولا تتهدم وفيها كنوز جمة وعجائب * وللدهر إمر مرة وتهجم سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي * ولي لربي آخر الدهر ينجم بأكناف بيت الله تبدو أموره * ولابد أن يعلو ويسمو به السم ثمان وتسع واثنتان وأربع * وتسعون أخرى من قتيل وملجم ومن بعد هذا كر تسعون تسعة * وتلك البراني تستخر وتهدم وتبدى كنوزي كلها غير أنني * أرى كل هذا أن يفرقها الدم رمزت مقالي في صخور قطعتها * ستبقى وأفنى بعدها ثم أعدم
فحينئذ قال أبو الحسن حمارويه بن أحمد: هذا شئ ليس لأحد فيها حيلة إلا للقائم من آل محمد عليهم السلام وردت البلاطة كما كانت مكانها.
ثم إن أبا الحسن بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم (ذبحه) على فراشه وهو سكران ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين ومن بناهما فهذا أصح ما يقال في خبر النيل والهرمين.
وعاش صبيرة بن سعد بن سهم القرشي مائة وثمانين سنة وأدرك الاسلام فهلك فجاءة بلا سبب.
وعاش لبيد بن ربيعة الجعفري مائة وأربعين سنة وأدرك الاسلام فأسلم فلما بلغ سبعين من عمره أنشأ يقول:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة * خلعت بها عن منكبي ردائيا فلما بلغ سبعا وسبعين سنة أنشأ يقول:
باتت تشكي إلي النفش مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعين فان تزادي ثلاثا تبلغي أملا * وفي الثلاث وفاء للثمانين فلما بلغ تسعين سنة أنشأ يقول:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة * خلعت بها عني عذار لثامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى * فكيف بمن يرمي وليس برام فلو أنني أرمي بنبل رأيتها * ولكنني أرمى بغير سهام فلما بلغ مائة وعشر سنين أنشأ يقول:
وليس في مائة قد عاشها رجل * وفي تكامل عشر بعدها عمر فلما بلغ مائة وعشرين سنة أنشأ يقول:
قد عشت دهرا قبل مجرى داحس * لو كان في النفس اللجوج خلود فلما بلغ مائة وأربعين سنة أنشأ يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها * وسؤال هذا الناس كيف لبيد
غلب الرجال فكان غير مغلب * دهر طويل دائم ممدود يوم إذا يأتي علي وليلة * وكلاهما بعد المضي يعود فلما حضرته الوفاة قال لابنه: يا بني إن أباك لم يمت ولكنه فني فإذا قبض أبوك فأغمضه وأقبل به إلى القبلة وسجه بثوبه، ولا أعلمن ما صرخت عليه صارخة أو بكت عليه باكية، وانظر جفنتي التي كنت أضيف بها فأجد صنعتها ثم احملها إلى مسجدك ومن كان يغشاني عليها فإذا قال الامام: " سلام عليكم " فقدمها إليهم يأكلون منها فإذا فرغوا فقل: احضروا جنازة أخيكم لبيد بن ربيعة فقد قبضه الله عز وجل ثم أنشأ يقول:
وإذا دفنت أباك فاجعل فوقه خشبا وطينا * وصفائحا صما رواسيها تشدد والغصونا ليقين حر الوجه سفساف التراب ولن يقينا وقد روي في حديث لبيد بن ربيعة في أمر الجفنة غير هذا: ذكروا أن لبيد ابن ربيعة جعل على نفسه أن كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فيملا الجفنة التي حكوا عنها في أول حديثه فلما ولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس قد علمتم حال لبيد بن ربيعة الجعفري وشرفه ومروءته وما جعل على نفسه كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فأعينوا أبا عقيل على مروءته ثم نزل وبعث إليه بخمسة من الجزر وأبيات شعر يقول فيها:
أرى الجزار يشحذ شفرتيه * إذا هبت رياح أبي عقيل طويل الباع أبلج جعفري * كريم الجد كالسيف الصقيل وفى ابن الجعفري بما لديه * على العلات والمال القليل وقد ذكر أن الجزر كانت عشرين فلما أتته قال: جزى الله الأمير خيرا قد عرفت الأمير أني لا أقول الشعر ولكن أخرجي يا بنية فخرجت إليه بنية له خماسية فقال لها: أجيبي الأمير فأقبلت وأدبرت ثم قالت: نعم، فأنشأت تقول:
إذا هبت رياح أبي عقيل * دعونا عند هبتها الوليدا
طويل الباع أبلج عبشميا * أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب كأن ركبا * عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا * نحرناها وأطعمنا التريدا فعد إن الكريم له معاد * وعهدي بابن أروى أن يعودا فقال لبيد: أحسن يا بنية لولا أنك سألت. قالت: إن الملوك لا يستحيى من مسئلتهم قال: وأنت في هذا يا بنية أشعر.
وعاش ذو الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عثمان بن عباد ثلاثمائة سنة.
وعاش جعفر بن قبط ثلاث مائة سنة وأدرك الاسلام.
وعاش عامر بن ظرب العدواني ثلاث مائة سنة.
وعاش محصن بن غسان بن ظالم بن عمرو بن قطيعة بن الحارث بن سلمة بن مازن الزبيدي مأتي وخمسين سنة فقال في ذلك:
ألا يا سلم إني لست منكم * ولكني امرء قوتي سغوب دعاني الداعيان فقلت هيا * فقالا كل من يدعى يجيب ألا يا سلم أعياني قيامي * وأعيتني المكاسب والركوب وصرت رديئة في البيت كلا * تأذى بي الأباعد والقريب كذاك الدهر والأيام خون * لها في كل سائمة نصيب وعاش صيفي بن رباح أبو أكثم أحد بني أسد بن عمرو بن تميم مأتي سنة وسبعين سنة وكان يقول: لك على أخيك سلطان في كل حال إلا في القتال فإذا أخذ الرجل السلاح فلا سلطان عليه، كفى بالمشرفية واعظا، وترك الفخر أبقى لك، وأسرع الحزم عقوبة البغي، وشر النصرة التعدي، وألأم الأخلاق أضيقها ومن الأذى كثرة العتاب، واقرع الأرض بالعصا فذهبت مثلا:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلم
وعاش عاد بن شداد اليربوعي مائة وخمسين سنة.
وعاش أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم ثلاث مائة سنة وقال بعضهم: مائة وتسعين سنة وأدرك الاسلام واختلف في إسلامه إلا أن أكثرهم لا يشك في أنه لم يسلم فقال في ذلك:
وإن امرءا قد عاش تسعين حجة * إلى مائة لم يسأم العيش جاهل خلت مائتان غير ست وأربع * وذلك من عد الليالي قلائل وقال محمد بن سلمة: أقبل أكثم يريد الاسلام فقتله ابنه عطشا فسمعت أن هذه الآية نزلت فيه " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " ولم تكن العرب تقدم عليه أحدا في الحكمة وأنه لما سمع برسول الله صلى الله عليه وآله بعث إليه ابنه حبيشا فقال: يا بني إني أعظك بكلمات فخذهن من حين تخرج من عندي إلى أن ترجع إلي، ائت نصيبك في شهر رجب فلا تستحله فيستحل منك فان الحرام ليس يحرم نفسه وإنما يحرمه أهله ولا تمرن بقوم إلا تنزل عند أعزهم وأحدث عقدا مع شريفهم وإياك والذليل فإنه هو أذل نفسه ولو أعزها لأعزه قومه.
فإذا قدمت على هذا الرجل فاني قد عرفته وعرفت نسبه وفي في بيت قريش وهي (أعز) العرب وهو أحد رجلين إما ذو نفس أراد ملكا فخرج للملك بعزه فوقره وشرفه وقم بين يديه ولا تجلس إلا بإذنه حيث يأمرك ويشير إليك فإنه إن كان ذلك كان أدفع لشره عنك، وأقرب لخيره منك، وإن كان نبيا فان الله لا يحب من يسوؤهم، ولا يبطر فيحتشم، وإنما يأخذ الخيرة حيث يعلم لا يخطي فيستعتب إنما أمره على ما تحب وإن كان فستجد أمره كله صالحا، وخبره كله صادقا، وستجده متواضعا في نفسه متذللا لربه، فذل له ولا تحدثن أمرا دوني فان الرسول إذا أحدث الامر من عنده خرج من يدي الذي أرسله، واحفظ ما يقول لك إذا ردك إلي فإنك ولو توهمت أو نسيت حتمتني رسولا غيرك.
وكتب معه: باسمك اللهم من العبد إلى العبد أما بعد فانا بلغنا ما بلغك فقد أتانا عنك خبر لا ندري ما أصله، فان كنت أريت فأرنا، وإن كنت علمت فعلمنا وأشركنا في كنزك والسلام.
فكتب إليه رسول الله فيما ذكروا: من محمد رسول الله إلى أكثم بن صيفي احمد الله إليك إن الله أمرني أن أقول لا إله إلا الله أقولها وآمر الناس بها والخلق خلق الله والامر كله لله، خلقهم وأماتهم، وهو ينشرهم وإليه المصير، أدبتكم بآداب المرسلين ولتسئلن عن النبأ العظيم، ولتعلمن نبأه بعد حين.
فلما جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله قال لابنه: يا بني ماذا رأيت؟ قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فجمع أكثم بن صيفي إليه بني تميم ثم قال: يا بني تميم لا تحضروني سفيها فان من يسمع يخل ولكل انسان رأي في نفسه، وإن السفيه واهن الرأي، وإن كان قوي البدن، ولا خير فيمن لا عقل له، يا بني تميم كبرت سني ودخلتني ذلة الكبر، فإذا رأيتم مني حسنا فأتوه وإذا أنكرتم شيئا فقولوا لي الحق أستقم إن ابني قد جاءني وقد شافه هذا الرجل فرآه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، ويدعو إلى أن يعبد الله وحده و تخلع الأوثان، ويترك الحلف بالنيران، ويذكر أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وأن قبله رسلا لهم كتب، وقد علمت رسولا قبله كان يأمر بعبادة الله وحده، وإن أحق الناس بمعاونة محمد صلى الله عليه وآله ومساعدته على أمره أنتم، فان يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم، وإن يكن باطلا كنتم أحق من كف عنه وستر عليه.
وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته ولقد كان سفيان بن مجاشع قبله يحدث به وسمى ابنه محمدا، وقد علم ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه ويأمر به فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا أخيرا، اتبعوه تشرفوا، وتكونوا سنام العرب وأتوه طائعين قبل أن تأتوه كارهين، فاني أرى أمرا ما هو بالهوينا لا يترك مصعدا إلا صعده، ولا منصوبا إلا بلغه.
إن هذا الذي يدعو إليه لو لم يكن دينا لكان في الأخلاق حسنا أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم مالا ينزع منكم أبدا، إنكم أصبحتم أكثر العرب عددا وأوسعهم بلدا وإني أرى أمرا لا يتبعه ذليل إلا عز ولا يتركه عزيز إلا ذل اتبعوه مع عزكم تزدادوا عزا، ولا يكن أحد مثلكم.
إن الأول لم يدع للأخير شيئا وإن هذا أمر هو لما بعده، من سبق إليه فهو الباقي، ومن اقتدي به الثاني، فاصرموا أمركم، فان الصريمة قوة والاحتياط عجز.
فقال مالك بن نويرة: خرف شيخكم فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي أراكم سكوتا وآفة الموعظة الاعراض عنها، ويلك يا مالك إنك هالك، إن؟
إذا قام رفع القائم معه، وجعل الصرعى قياما، فإياك أن تكون منهم، أما إذ سبقتموني بأمركم فقربوا بعيري أركبه.
فدعا براحلته فركبها فتبعه بنوه وبنو أخيه فقال: لهفي على أمر إن أدركه ولم يسبقني وكتبت طيئ إلى أكثم وكانوا أخواله، وقال آخرون كتبت بنو مرة وكانوا أخواله أن أحدث إلينا ما نعيش به.
فكتب أما بعد فاني موصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم، فإنها ثبت أصلها ونبت فرعها، وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فإنها لا يثبت لها أصل و لا ينبت لها فرع وإياكم ونكاح الحمقاء فان مباضعتها قذر، وولدها ضياع.
وعليكم بالإبل فأكرموها، فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقابها إلا في حقها فان فيها مهر الكريمة ورقوء الدم، وبألبانها يتحف الكبير ويغذى الصغير ولو كلفت الإبل الطحن لطحنت، ولن يهلك امرء عرف قدره، والعدم عدم العقل والمرء الصالح لا يعدم المال، ورب رجل خير من مائة ورب فئة أحب إلي من فئتين، ومن عتب على الزمان طالت معتبته، ومن رضي بالقسم طابت معيشته، آفة الرأي الهوى، والعادة أملك بالأدب، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة والدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وإن قصرت في طلبه، وما كان منها
عليك لم تدفعه بقوتك، وسوء حمل الريبة تضع الشرف، والحسد داء ليس له دواء، والشماتة تعقب ومن بر قوما بر به والندامة مع السفاهة، ودعامة العقل الحلم، وجماع الامر الصبر، وخير الأمور مغبة العفو، وأبقى المودة حسن التعاهد ومن يزر غبا يزدد حبا.
وصية أكثم بن صيفي عند موته:
جمع أكثم بنيه عند موته فقال: يا بني! إنه قد أتى علي دهر طويل وأنا مزودكم من نفسي قبل الممات، أوصيكم (الله) بتقوى الله، وصلة الرحم وعليكم بالبر فإنه ينمى عليه العدد، ولا يبيد عليه أصل ولا فرع وأنهاكم عن معصية الله، وقطيعة الرحم، فإنه لا يثبت عليها أصل ولا ينبت عليها فرع كفوا ألسنتكم فان مقتل الرجل بين فكيه، إن قول الحق لم يدع لي صديقا.
انظروا أعناق الإبل فلا تضعوها إلا في حقها فان فيها مهر الكريمة، ورقوء الدم، وإياكم ونكاح الحمقاء، فان نكاحها قذر، وولد ضياع، الاقتصاد في السفر أبقى للجمام، من لم يأس على ما فاته أودع بدنه، من قنع بما هو فيه قرت عينه، التقدم قبل الندم، أصبح عند رأس الامر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه لم يهلك من عرف قدره، العجز عند البلاء آفة المتحمل، لن يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمن من جاهل، الوحشة ذهاب الاعلام، يتشابه الامر إذا أقبل فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق، والبطر عند الرخاء حمق، وفي طلب المعالي يكون القرب، لا تغضبوا من اليسير فإنه يجتني الكثير، لا تجيبوا عما لا تسألوه ولا تضحكوا مما لا يضحك منه.
تباروا في الدنيا ولا تباغضوا، الحسد في القرب فإنه من يجتمع يتقعقع عمده لينفرد بعضهم من بعض في المودة، لا تتكلموا على القرابة فتقاطعوا، فان القريب
من قرب نفسه، وعليكم بالمال فأصلحوه فإنه لا يصلح الأموال إلا باصلاحكم ولا يتكلن أحدكم على مال أخيه يرى فيه قضاء حاجته، فإنه من فعل ذلك كان كالقابض على الماء، ومن استغنى كرم على أهله، وأكرموا الخيل، نعم لهو الحرة المغزل، وحيلة من لا حيلة له، الصبر.
وعاش فروة بن ثعلبة بن نفاية السلولي مائة وثلاثين سنة في الجاهلية ثم أدرك الاسلام فأسلم.
وعاش مضاد بن حبابة بن مرارة من بني عمرو بن يربوع بن حنظلة بن زيد مناة أربعين ومائة سنة.
وعاش قس بن ساعدة ستمائة سنة وهو الذي يقول:
هل الغيث يعطي الامر عند نزوله * بحال مسيئ في الأمور ومحسن ومن قد تولى وهو قد فات ذاهب * فهل ينفعني ليتني ولو أنني وكذلك يقول لبيد:
وأخلف قسا ليتني ولو أنني * وأعيا على لقمان حكم التدبر وعاش الحارث بن كعب المذحجي ستين ومائة سنة.
قال الصدوق رحمه الله: هذه الأخبار التي ذكرتها في المعمرين قد رواها مخالفونا أيضا من طريق محمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعوانة ابن الحكم، وعيسى بن يزيد بن رئاب والهيثم بن عدي الطائي، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: كلما كان في الأمم السالفة فيكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وقد صح هذا التعمير فيمن تقدم وصحت الغيبات الواقعة بحجج الله عليهم السلام فيما مضى من القرون، فكيف السبيل إلى إنكار القائم عليه السلام لغيبته وطول عمره، مع الأخبار الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام وهي التي قد ذكرناها في هذا الكتاب بأسانيدها.
حدثنا علي بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن
موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن غياث بن إبراهيم عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
كل ما كان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.