بحارالانوار · المجلد العاشر
باب
ج ۴۵، ص ۱۳۶–۱۶۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۴
وفي بعض الكتب: قالت أم كلثوم للشامي: اسكت يا لكع الرجال، قطع الله لسانك، وأعمى عينيك، وأيبس يديك، وجعل النار مثواك، إن أولاد الأنبياء لا يكونون خدمة لأولاد الأدعياء قال: فوالله ما استتم كلامها حتى أجاب الله دعاءها في ذلك الرجل فقالت: الحمد لله الذي عجل لك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فهذا جزاء من يتعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وفي رواية السيد - رحمه الله - فقال الشامي: من هذه الجارية؟ فقال يزيد:
هذه فاطمة بنت الحسين وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب، فقال الشامي:
الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب؟ قال: نعم، فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد تقتل عترة نبيك، وتسبي ذريته، والله ما توهمت إلا أنهم سبي الروم، فقال يزيد: والله لألحقنك بهم، ثم أمر به فضرب عنقه قال السيد ودعا يزيد الخاطب وأمره أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه صلوات الله عليهما، فصعد وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد صلوات الله عليهما والمدح لمعاوية ويزيد، فصاح به علي بن الحسين عليه السلام: ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار ولقد أحسن ابن سنان الخفاجي في وصف أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:
أعلى المنابر تعلنون بسبه * وبسيفه نصبت لكم أعوادها وقال صاحب المناقب وغيره: روي أن يزيد لعنه الله أمر بمنبر وخطيب ليخبر الناس بمساوي الحسين وعلي عليهما السلام وما فعلا، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد لعنهما الله فذكر هما بكل جميل، قال: فصاح به علي بن الحسين: ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار ثم قال علي بن الحسين عليه السلام: يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب، قال: فأبى يزيد
عليه ذلك فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان فقيل له:
يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال: إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا قال: فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون، وأوجل منها القلوب، ثم قال: أيها الناس أعطينا ستا وفضلنا بسبع: أعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمدا، ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سبطا هذه الأمة، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أيها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهوا، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من
المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علمه سمح، سخي، بهي، بهلول، زكي، أبطحي، رضي، مقدام، همام صابر، صوام، مهذب، قوام، قاطع الأصلاب، ومفرق الأحزاب، أربطهم عنانا، وأثبتهم جنانا، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة، طحن الرحا ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين وأبو السبطين: الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبي طالب ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، فلم يزل يقول:
أنا أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد لعنه الله أن يكون فتنة فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام فلما قال المؤذن الله أكبر الله أكبر قال علي: لا شئ أكبر من الله، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي، فلما قال المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد؟ فان زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟ قال: وفرغ المؤذن من الأذان والإقامة وتقدم يزيد فصلى صلاة الظهر قال: وروي أنه كان في مجلس يزيد هذا حبر من أحبار اليهود فقال: من هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟ قال: هو علي بن الحسين، قال: فمن الحسين؟ قال:
ابن علي بن أبي طالب، قال: فمن أمه؟ قال: أمه فاطمة بنت محمد، فقال الحبر:
يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة؟ بئسما خلفتموه في ذريته والله لو ترك فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لظننا أنا كنا نعبده من دون ربنا وأنتم إنما فارقكم نبيكم بالأمس، فوثبتم على ابنه فقتلتموه؟ سوأة لكم من أمة
قال: فأمر به يزيد لعنه الله فوجئ في حلقه ثلاثا فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاضربوني، وإن شئتم فاقتلوني أو فذروني فاني أجد في التوراة أن من قتل ذرية نبي لا يزال ملعونا أبدا ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنم وروى الصدوق في الأمالي، عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن نصر ابن مزاحم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي صلوات الله عليهما قالت: ثم إن يزيد لعنه الله أمر بنساء الحسين فحبس مع علي بن الحسين عليهما السلام في محبس لا يكنهم من حر ولا قر، حتى تقشرت وجوههم ولم يرفع ببيت المقدس حجر على وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كأنها الملاحف المعصفرة إلى أن خرج علي بن الحسين بالنسوة ورد رأس الحسين عليه السلام إلى كربلاء وقال ابن نما: ورأت سكينة في منامها وهي بدمشق كأن خمسة نجب من نور قد أقبلت وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم، ومعهم وصيف يمشي فمضى النجب وأقبل الوصيف إلى وقرب مني وقال: يا سكينة إن جدك يسلم عليك، فقلت: وعلى رسول الله السلام يا رسول! من أنت؟ قال: وصيف من وصائف الجنة، فقلت: من هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا على النجب؟ قال: الأول آدم صفوة الله، والثاني إبراهيم خليل الله، والثالث موسى كليم الله، والرابع عيسى روح الله، فقلت: من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى؟ فقال: جدك رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: وأين هم قاصدون؟ قال: إلى أبيك الحسين، فأقبلت أسعى في طلبه لأعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور، في كل هودج امرأة، فقلت:
من هذه النسوة المقبلات؟ قال: الأولى حواء أم البشر، الثانية آسية بنت مزاحم والثالثة مريم ابنة عمران، والرابعة خديجة بنت خويلد، فقلت: من الخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم أخرى؟ فقال: جدتك فاطمة بنت محمد
أم أبيك، فقلت: والله لأخبرنها ما صنع بنا، فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي و أقول: يا أمتاه جحدوا والله حقنا، يا أمتاه بددوا والله شملنا، يا أمتاه استباحوا والله حريمنا، يا أمتاه قتلوا والله الحسين أبانا، فقالت: كفي صوتك يا سكينة فقد أحرقت كبدي، وقطعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى الله به، ثم انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام، وحدثت به أهلي فشاع بين الناس.
وقال السيد: وقالت سكينة: فلما كان اليوم الرابع من مقامنا رأيت في المنام وذكرت مناما طويلا تقول في آخره: ورأيت امرأة راكبة في هودج ويدها موضوعة على رأسها، فسألت عنها فقيل لي: هذه فاطمة بنت محمد أم أبيك، فقلت :
والله لانطلقن إليها ولأخبرنها بما صنع بنا فسعيت مبادرة نحوها حتى لحقت بها فوقفت بين يديها أبكي وأقول: يا أمتاه جحدوا والله حقنا، يا أمتاه بددوا والله شملنا، يا أمتاه استباحوا والله حريمنا، يا أمتاه قتلوا والله الحسين أبانا، فقالت لي: كفي صوتك يا سكينة، فقد قطعت نياط قلبي هذا قميص أبيك الحسين عليه السلام لا يفارقني حتى ألقى الله وقال السيد وابن نما: وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمان قال: لقيني رأس الجالوت فقال: والله إن بيني وبين داود لسبعين أبا وإن اليهود تلقاني فتعظمني، وأنتم ليس بينكم وبين ابن نبيكم إلا أب واحد قتلتموه.
وروي عن زين العابدين عليه السلام أنه لما اتي برأس الحسين إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشراب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه، ويشرب عليه، فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الروم، وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فقال:
يا ملك العرب هذا رأس من؟ فقال له يزيد: ما لك ولهذا الرأس؟ فقال: إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شئ رأيته فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور، فقال له يزيد: هذا رأس
الحسين بن علي بن أبي طالب فقال الرومي: ومن أمه؟ فقال: فاطمة بنت رسول الله فقال النصراني: أف لك ولدينك! لي دين أحسن من دينك إن أبي من حوافد داود عليه السلام وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظموني ويأخذون من تراب قدمي تبركا بأبي من حوافد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله وما بينه وبين نبيكم إلا أم واحدة؟ فأي دين دينكم.
ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟ فقال له: قل حتى أسمع فقال: بين عمان والصين بحر مسيرة سنة ليس فيها عمران إلا بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخا في ثمانين ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها ومنها يحمل الكافور والياقوت، أشجارهم العود والعنبر، وهي في أيدي النصارى لا ملك لاحد من الملوك فيها سواهم، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقة ذهب معلقة، فيها حافر يقولون إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى، وقد زينوا حول الحقة بالذهب والديباج، يقصدها في كل عام عالم من النصارى، ويطوفون حولها ويقبلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيهم وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم؟ فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم.
فقال يزيد: اقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحني في بلاده فلما أحس النصراني بذلك قال له: تريد أن تقتلني؟ قال: نعم، قال: اعلم أني رأيت البارحة نبيكم في المنام يقول لي: يا نصراني أنت من أهل الجنة فتعجبت من كلامه وأنا أشهد أن لا إله إلا الله،، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم وثب إلى رأس الحسين فضمه إلى صدره، وجعل يقبله ويبكي حتى قتل وقال صاحب المناقب: وذكر أبو مخنف وغيره أن يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب الرأس على باب داره، وأمر بأهل بيت الحسين عليه السلام أن يدخلوا داره فلما دخلت النسوة دار يزيد، لم يبق من آل معاوية ولا أبي سفيان أحد إلا استقبلهن بالبكاء
والصراخ والنياحة على الحسين عليه السلام وألقين ما عليهن من الثياب والحلي وأقمن المأتم عليه ثلاثة أيام، وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد وكانت قبل ذلك تحت الحسين عليه السلام حتى شقت الستر وهي حاسرة فوثبت إلى يزيد وهو في مجلس عام، فقالت: يا يزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء بابي؟ فوثب إليها يزيد فغطاها، وقال: نعم فأعولي عليه يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش عجل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله، قتله الله ثم إن يزيد لعنه الله أنزلهم في داره الخاصة فما كان يتغدى ولا يتعشى حتى يحضر علي بن الحسين: وقال السيد وغيره: وخرج زين العابدين عليه السلام يوما يمشي في أسواق دمشق فاستقبله المنهال بن عمرو فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟
قال: أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا عربي، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشردون، فانا لله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه، يا منهال.
ولله در مهيار حيث قال:
يعظمون له أعواد منبره * وتحت أرجلهم أولاده وضعوا بأي حكم بنوه يتبعونكم * وفخركم أنكم صحب له تبع قال: ودعا يزيد يوما بعلي بن الحسين عليهما السلام وعمرو بن الحسن عليه السلام وكان عمرو صغيرا يقال: إن عمره إحدى عشرة سنة فقال له: أتصارع هذا يعني ابنه خالدا فقال له عمرو: لا ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا ثم أقاتله، قال يزيد:
" شنشنة أعرفها من أخزم " " هل تلد الحية إلا الحية "
وقال لعلي بن الحسين: أذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن، فقال:
الأولى أن تريني وجه سيدي وأبي ومولاي الحسين فأتزود منه، وأنظر إليه وأودعه، والثانية أن ترد علينا ما اخذ منا، والثالثة إن كنت عزمت على قتلي أن توجه مع هؤلاء النسوة من يردهن إلى حرم جدهن صلى الله عليه وآله فقال: أما وجه أبيك فلن تراه أبدا، وأما قتلك فقد عفوت عنك، وأما النساء فما يؤديهن إلى المدينة غيرك، وأما ما اخذ منكم فأنا أعوضكم عنه أضعاف قيمته فقال عليه السلام: أما مالك فما نريده، وهو موفر عليك، وإنما طلبت ما اخذ منا لان فيه مغزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ومقنعتها وقلادتها وقميصها، فأمر برد ذلك وزاد عليه مائتي دينار فأخذها زين العابدين عليه السلام وفرقها في الفقراء والمساكين ثم أمر برد الأسارى وسبايا البتول إلى أوطانهم بمدينة الرسول.
قال ابن نما: وأما الرأس الشريف اختلف الناس فيه، فقال قوم: إن عمرو بن سعيد دفنه بالمدينة، وعن منصور بن جمهور أنه دخل خزانة يزيد بن معاوية لما فتحت وجد به جؤنة حمراء فقال لغلامه سليم: احتفظ بهذه الجؤنة فإنها كنز من كنوز بني أمية، فلما فتحها إذا فيها رأس الحسين عليه السلام وهو مخضوب بالسواد، فقال لغلامه ائتني بثوب فأتاه به، فلفه ثم دفنه بدمشق عند باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق.
وحدثني جماعة من أهل مصر أن مشهد الرأس عندهم يسمونه مشهد الكريم عليه من الذهب شئ كثير، يقصدونه في المواسم ويزورونه ويزعمون أنه مدفون هناك والذي عليه المعول من الأقوال أنه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه.
وقال السيد: فأما رأس الحسين فروي أنه أعيد فدفن بكربلا مع جسده الشريف صلوات الله عليه وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورويت آثار مختلفة كثيرة غير ما ذكرناه تركنا وضعها لئلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب
وقال صاحب المناقب: وذكر الإمام أبو العلا الحافظ بإسناده عن مشايخه أن يزيد بن معاوية حين قدم عليه رأس الحسين عليه السلام بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم وجهزهم بكل شئ، ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر عمرو به فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة عليها السلام.
وذكر غيره أن سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبي صلى الله عليه وآله في المنام كأنه يبره ويلطفه، فدعا الحسن البصري فسأله عن ذلك، فقال: لعلك اصطنعت إلى أهله معروفا؟ فقال سليمان: إني وجدت رأس الحسين عليه السلام في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي وقبرته فقال الحسن: إن النبي صلى الله عليه وآله رضي منك بسبب ذلك، وأحسن إلى الحسن، وأمره بالجوائز.
وذكر غيرهما أن رأسه عليه السلام صلب بدمشق ثلاثة أيام ومكث في خزائن بني أمية حتى ولي سليمان بن عبد الملك، فطلب فجيئ به وهو عظيم أبيض فجعله في سفط وطيبه وجعل عليه ثوبا ودفنه في مقابر المسلمين، بعد ما صلى عليه، فلما ولى عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلب منه الرأس فأخبر بخبره فسأل عن الموضع الذي دفن فيه فنبشه وأخذه والله أعلم ما صنع به فالظاهر من دينه أنه بعث إلى كربلا فدفن مع جسده عليه السلام.
أقول: هذه أقوال المخالفين في ذلك، والمشهور بين علمائنا الامامية أنه دفن رأسه مع جسده، رده علي بن الحسين عليهما السلام وقد وردت أخبار كثيرة في أنه مدفون عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام وسيأتي بعضها والله يعلم.
ثم قال المفيد وصاحب المناقب واللفظ لصاحب المناقب: وروي أن يزيد عرض عليهم المقام بدمشق فأبوا ذلك، وقالوا: بل ردنا إلى المدينة فإنه مهاجر
جدنا صلى الله عليه وآله فقال للنعمان بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله: جهز هؤلاء بما يصلحهم وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا، وابعث معهم خيلا وأعوانا، ثم كساهم وحباهم وفرض لهم الأرزاق والانزال ثم دعا بعلي بن الحسين عليهما السلام فقال له: لعن الله ابن مرجانة أما والله لو كنت صاحبه ما سألني خلة إلا أعطيتها إياه ولدفعت عنه الحتف بكل ما قدرت عليه، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت، فكاتبني وأنه إلي كل حاجة تكون لك، ثم أوصى بهم الرسول.
فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكون أمامهم فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه كهيئة الحرس ثم ينزل بهم حيث أراد أحدهم الوضوء، ويعرض عليهم حوائجهم، ويلطفهم حتى دخلوا المدينة.
قال الحارث بن كعب: قالت لي فاطمة بنت علي عليه السلام: قلت لأختي زينب قد وجب علينا حق هذا لحسن صحبته لنا، فهل لك أن تصله؟ قالت: فقالت: والله ما لنا ما نصله به إلا أن نعطيه حلينا فأخذت سواري ودملجي أو سوار أختي ودملجها فبعثنا بها إليه واعتذرنا من قلتها، وقلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا، فقال:
لو كان الذي صنعته للدنيا كان في دون هذا رضاي ولكن والله ما فعلته إلا لله وقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال السيد: ولما رجعت نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشأم وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلا، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجلا من آل رسول الله قد وردوا لزيارة قبر الحسين، فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المأتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياما.
فروي عن أبي حباب الكلبي قال: حدثنا الجصاصون قالوا: كنا نخرج
إلى الجبانة في الليل عند مقتل الحسين عليه السلام فنسمع الجن ينوحون عليه فيقولون:
مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود * أبواه من عليا قريش وجده خير الجدود قال: ثم انفصلوا من كربلا طالبين المدينة، قال بشير بن حذلم: فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين عليهما السلام فحط رحله، وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال:
يا بشير! رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شئ منه؟ قلت: بلى يا ابن - رسول الله إني لشاعر قال: فادخل المدينة وانع أبا عبد الله، قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه، وسمعت جارية تنوح على الحسين فتقول:
نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا فعيني جودا بالدموع وأسكبا * وجودا بدمع بعد دمعكما معا على من دهى عرش الجليل فزعزعا * فأصبح هذا المجد والدين أجدعا على ابن نبي الله وابن وصيه * وإن كان عنا شاحط الدار أشسعا ثم قالت: أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله وخدشت منا قروحا لما تندمل، فمن أنت رحمك الله؟ فقلت: أنا بشير بن حذلم وجهني مولاي علي بن
الحسين عليهما الصلاة والسلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه، قال: فتركوني مكاني وبادروا فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين عليهما السلام داخلا ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه، وهو لا يتمالك من العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء، وحنين الجواري والنساء، والناس من كل ناحية يعزونه فضجت تلك البقعة ضجة شديدة فأومأ بيده أن: اسكتوا، فسكنت فورتهم فقال عليه السلام:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاضعة، الكاظة الفادحة الجائحة أيها الناس إن الله وله الحمد - ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الاسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله وعترته، وسبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية أيها الناس! فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله؟ أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان ولجج البحار والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن إليه، أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الأمصار كأنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلا اختلاق
والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاءة بنا لما ازدادوا على ما فعلوا بنا، فان الله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها، وأوجعها وأفجعها، وأكظها، وأفظها، وأمرها، وأفدحها؟ فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا إنه عزيز ذو انتقام قال: فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان، وكان زمنا فاعتذر إليه صلوات الله عليه بما عنده من زمانة رجليه فأجابه بقبول معذرته، وحسن الظن فيه وشكر له وترحم على أبيه ثم قال السيد: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن زين العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره قائما ليله، فإذا حضر الافطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه فيقول: كل يا مولاي فيقول: قتل ابن رسول الله جائعا قتل ابن رسول الله عطشانا فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل وحدث مولى له عليه السلام أنه برز يوما إلى الصحراء قال: فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه وأحصيت عليه ألف مرة لا إله إلا الله حقا حقا لا إله إلا الله تعبدا ورقا لا إله إلا الله إيمانا وصدقا، ثم رفع رأسه من السجود وإن لحيته ووجهه قد غمر بالماء من دموع عينيه فقلت: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن تقل؟ فقال لي: ويحك إن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام كان نبيا ابن نبي كان له اثنا عشر ابنا فغيب الله سبحانه واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن، واحد ودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا، وأنا فقدت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي؟ ايضاح: قال الجوهري: ارتث فلان، هو افتعل على ما لم يسم فاعله أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق وقال: الخفر بالتحريك شدة الحياء
وجارية خفرة ومتخفرة، وقال فرعت (في) الجبل صعدته، وفرعت (في) الجبل صعدت ويقال: بئسما أفرعت به أي ابتدأت أقول: وفي بعض النسخ تفرغ بالغين المعجمة من الافراغ بمعنى السكب وهو أظهر، والختل الخدعة وفي الاحتجاج الختر، وهو أيضا بالتحريك الغدر قولها عليها السلام: " كمثل التي " إشارة إلى قوله تعالى: " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة " قال الطبرسي - ره -: أي لا تكونوا كالمرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد إمرار وفتل للمغزل، وهي امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، ولا تزال ذلك دأبها، وقيل: إنه مثل ضربه الله شبه فيه حال ناقض العهد، بمن كان كذلك " أنكاثا " جمع نكث، وهو الغزل من الصوف والشعر، يبرم ثم ينكث وينقض ليغزل ثانية " تتخذون أيمانكم دخلا بينكم " أي دغلا وخيانة ومكرا وقال الخليل: الصلف مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا والنطف بالتحريك التلطخ بالعيب وفي الاحتجاج " بعد الصلف والعجب والشنف والكذب " والشنف بالتحريك: البغض والتنكر، والدمنة بالكسر ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها أي تلبده في مرابضها، فربما نبت فيها النبات، شبهتهم، تارة بذلك النبات في دناءة أصلهم، وعدم الانتفاع بهم، مع حسن ظاهرهم وخبث باطنهم، وأخرى بفضة تزين بها القبور في أنهم كالأموات زينوا أنفسهم بلباس الاحياء ولا ينتفع بهم الأحباء، ولا يرجى منهم الكرم والوفاء قولها " بعارها " الضمير راجع إلى الأمة أو الأزمنة، وفي الاحتجاج: " أجل والله فابكوا فإنكم والله أحق بالبكاء فابكوا كثيرا واضحكوا فليلا فقد بليتم بعارها ومنيتم بشنارها " والشنار العيب ورحضه كمنعه غسله كأرحضه، والمدره بالكسر زعيم القوم وخطيبهم والمتكلم عنهم والذي يرجعون إلى رأيه، وتبت الأيدي: أي خسرت أو هلكت والأيدي إما مجاز للأنفس أو بمعناها
والفري: القطع، وفي بعض النسخ والروايات: " فرثتم " بالثاء المثلثة، قال في النهاية: في حديث أم كلثوم بنت علي عليه السلام لأهل الكوفة أتدرون أي كبد فرثتم لرسول الله صلى الله عليه وآله الفرث تفتيت الكبد بالغم والأذى، والصلعاء الداهية القبيحة قال الجزري: في حديث عائشة إنها قالت لمعاوية حين ادعى زيادا " ركبت الصليعاء " أي الداهية والامر الشديد أو السوءة الشنيعة البارزة المكشوفة انتهى والعنقاء بالقاف الداهية، وفي بعض النسخ بالفاء من العنف، والفقماء من قولهم تفاقم الامر أي عظم، والخرق ضد الرفق، والشوهاء القبيحة، والضمير في قولها " جئتم بها " راجع إلى الفعلة القبيحة، والقضية الشنيعة التي أتوا بها، والكلام مبني على التجريد، وطلاع الأرض بالكسر ملؤها، والحفز: الحث والاعجال قولها " لا يبزى " أي لا يغلب ولا يقهر، والذحل الحقد والعداوة يقال طلب بذحله أي بثأره، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه وتره يتره وترا وترة قولها عليها السلام " في بيت " متعلق بالمقتول لان أمير المؤمنين عليه السلام قتل في المسجد وسائر الأوصاف بعد ذلك نعوت له، والتعس الهلاك، والضيم الظلم، والنقيبة النفس والعريكة الطبيعة، والعذل الملامة، والجدل بالتحريك الفرح، وسحته وأسحته أي استأصله، ونزع إليه اشتاق، وفي بعض النسخ فزعت أي لجأت وقال الجوهري: الكثكث والكثكث، فتات الحجارة والتراب، مثل الأثلب والأثلب، ويقال: بفيه الكثكث، وقال كظم غيظه كظما اجترعه، والكظوم السكوت، وكظم البعير يكظم كظوما إذا أمسك عن الجرة، وقال: أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه، وناصبا يديه، وقد جاء النهي عن الاقعاء في الصلاة وقال الشاعر:
فأقع كما أقعى أبوك على استه * رأى أن ريما فوقه لا يعادله وقال: جاش الوادي زخر وامتد جدا، وقال: سجا يسجو سجوا سكن ودام، وقوله تعالى: " والليل إذا سجى " أي إذا دام وسكن، ومنه البحر الساجي
قال الأعشى: فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج لا يواري الدعامصا وقال: الدعموص دويبة تغوص في الماء والجمع الدعاميص والدعامص أيضا ثم ذكر بيت الأعشى، والكلة بالكسر الستر الرقيق، والصبية جمع الصبي وقال الجزري: فيه إنه نهى عن قتل شئ من الدواب صبرا، هو أن يمسك شئ من ذوات الروح حيا ثم يرمى بشئ حتى يموت وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرا، قوله: " ولم ينسني " كأنه على سبيل القلب، وفيه لطف أو المعنى لم يتركني، واللهاة: اللحمة في أقصى الفم والفراش بالفتح ما يبس بعد الماء من الطين على الأرض، وبالكسر ما يفرش وموقع اللسان في قعر الفم قولها " لا يطيق وجوبا " أي لزوما بالأرض وسكونا، أو عملا بواجب على هيئة الاختيار، ويقال: طعنه فجدله أي رماه بالأرض، ورجل مغاور بضم الميم: أي مقاتل، وهو صفة لقوله " بطل " أوحال عنه بالإضافة إلى ياء المتكلم، وضرجه بدم أي لطخه، ويقال: قف شعري أي قام من الفزع، وقال الجوهري: اللدم صوت الحجر أو الشئ يقع بالأرض، وليس بالصوت الشديد، وفي الحديث والله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد، ثم يسمى الضرب لدما، ولدمت المرأة وجهها ضربته، والتدام النساء ضربهن صدورهن في النياحة، واللدم بالتحريك الحرم في القرابات، والقبيل الكفيل والعريف، والجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى أي كل قبيل من قبائل الملائكة، والوزر بالتحريك الملجأ قوله لعنه الله " تصهرهم الشمس " أي تذيبهم، والمخصرة بكسر الميم كالسوط وكلما اختصر الانسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها، والأسل الرمح، وشمخ الرجل بأنفه تكبر، وعطفا الرجل بالكسر جانباه، والنظر في العطف كناية عن الخيلاء، والجذل بالتحريك الفرح، وقد جذل بالكسر يجذل فهو جذلان وقولها عليه السلام: " يحدو بهن " أي يسوقهن سوقا شديدا، واستشرف الشئ:
رفع بصره ينظر إليه، والمنقل: الطريق في الجبل، والمنقلة المرحلة من مراحل السفر، قولها " وكيف يستبطئ في بغضنا " أي لا يطلب منه الابطاء والتأخير في البغض والشنف بالتحريك البغض والتنكر، والإحن بكسر الهمزة، وفتح الحاء جمع الإحنة بالكسر وهي الحقد، والانتحاء الاعتماد والميل، وانتحيت لفلان أي عرضت له وأنحيت على حلقه السكين أي عرضت، ونكأت القرحة قشرتها وقال الفيروزآبادي: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب وإذا قطعت مات صاحبها، والأصل، واستأصل الله شأفته أذهبه كما تذهب تلك القرحة أو معناه أزاله من أصله انتهى، ويقال خرج وشيكا أي سريعا، والفري: القطع قولها: " ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك " يحتمل أن يكون مخاطبتك مرفوعا بالفاعلية أي إن أوقعت علي مخاطبتك البلايا، فلا أبالي ولا أعظم قدرك أو يكون منصوبا بالمفعولية أي إن أوقعتني دواهي الزمان إلى حال احتجت إلى مخاطبتك فلست معظمة لقدرك قولها: " تنطف " بكسر الطاء وضمها أي تقطر، وقال الفيروزآبادي: تحلب عينه وفوه أي سالا، والعواسل الذئاب السريعة العدو، قولها: " وتعفوها أمهات الفراعل " من قولهم عفت الريح المنزل أي درسته، أو من قولهم فلان تعفوه الأضياف أي تأتيه كثيرا وفي بعض النسخ تعفرها أي تلطخها بالتراب عند الأكل، وفي بعضها بالقاف من العقر بمعنى الجرح، ومنه كلب عقور، والفرعل بالضم ولد الضبع وفي رواية السيد أمهات الفراعل، وهو أظهر، والفند بالتحريك الكذب وضعف الرأي والبهلول من الرجال الضحاك، وربط العنان كناية عن ترك المحارم وملازمة الشريعة في جميع الأمور، وفلان شديد الشكيمة: إذا كان شديد النفس أنفا أبيا ووجأته بالسكين ضربته والنياط بالكسر عرق علق به القلب من الوتين، فإذا قطع مات صاحبه والشنشنة الخلق والطبيعة، والشحط البعد، والشاسع البعيد، واللواذع: المصائب المحرقة الموجعة، ويقال كظني هذا الامر أي جهدني من الكرب، والجائحة الشدة التي تستأصل المال وغيره وقال الجوهري: عامل الرمح ما يلي السنان
2 - إقبال الأعمال: رأيت في كتاب المصابيح بإسناده إلى جعفر بن محمد عليهما السلام قال:
قال لي أبي محمد بن علي: سألت أبي علي بن الحسين عن حمل يزيد له، فقال: حملني على بعير يطلع بغير وطاء ورأس الحسين عليه السلام على علم، ونسوتنا خلفي على بغال فأكف، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح، إن دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح، حتى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون بيان: قوله فأكف أي أميل وأشرف على السقوط، والأظهر " واكفة " أي كانت البغال بإكاف أي برذعة من غير سرج، وفرط سبق، وفي الامر قصر به وضيعه وعليه في القول أسرف، وفرط القوم تقدمهم إلى الورد لاصلاح الحوض، والفرط بضمتين الظلم والاعتداء والامر المجاوز فيه الحد، ولعل فيه أيضا تصحيفا 3 - أمالي الصدوق: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن أحمد بن محمد بن يزيد عن أبي نعيم، قال: حدثني حاجب عبيد الله بن زياد أنه لما جيئ برأس الحسين عليه السلام أمر فوضع بين يديه في طست من ذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يا با عبد الله، فقال رجل من القوم: مه فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يلثم حيث تضع قضيبك! فقال: يوم بيوم بدر، ثم أمر بعلي بن الحسين عليه السلام فغل وحمل مع النسوة والسبايا إلى السجن، وكنت معهم، فما مررنا بزقاق إلا وجدناه ملاء رجال ونساء يضربون وجوههم ويبكون، فحبسوا في سجن وطبق عليهم ثم إن ابن زياد لعنه الله دعا بعلي بن الحسين والنسوة وأحضر رأس الحسين عليه السلام وكانت زينب ابنة علي عليه السلام فيهم، فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحاديثكم، فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد، وطهرنا تطهيرا إنما يفضح الله الفاسق، ويكذب الفاجر، قال: كيف رأيت صنيع الله بكم أهل البيت؟ قال: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتتحاكمون عنده، فغضب ابن زياد لعنه الله عليها وهم بها فسكن منه عمرو بن حريث
فقالت: زينب: يا ابن زياد حسبك ما ارتكبت منا فلقد قتلت رجالنا، وقطعت أصلنا وأبحت حريمنا، وسبيت نساءنا وذرارينا، فإن كان ذلك للاشتفاء فقد اشتفيت، فأمر ابن زياد بردهم إلى السجن، وبعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين عليه السلام ثم أمر بالسبايا ورأس الحسين فحملوا إلى الشام فلقد حدثني جماعة كانوا خرجوا في تلك الصحبة أنهم كانوا يسمعون بالليالي نوح الجن على الحسين إلى الصباح، وقالوا: فلما دخلنا دمشق ادخل بالنساء والسبايا بالنهار مكشفات الوجوه فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء فمن أنتم؟ فقالت سكينة ابنة الحسين: نحن سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله فأقيموا على درج المسجد حيث يقام السبايا وفيهم علي بن الحسين عليهما السلام وهو يومئذ فتى شاب، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال لهم: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وقطع قرن الفتنة، فلم يأل عن شتمهم، فلما انقضى كلامه، قال له علي بن الحسين عليه السلام: أما قرأت كتاب الله عز وجل قال: نعم، قال: أما قرأت هذه الآية " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قال: بلى، قال: فنحن أولئك، ثم قال: أما قرأت " وآت ذا القربى حقه " قال: بلى، قال: فنحن هم، فهل قرأت هذه الآية " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال: بلى، قال: فنحن هم، فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال: اللهم إني أتوب إليك - ثلاث مرات اللهم إني أبرء إليك من عدو آل محمد ومن قتلة أهل بيت محمد، لقد قرأت القرآن فما شعرت بهذا قبل اليوم ثم ادخل نساء الحسين على يزيد بن معاوية، فصحن نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله، وولولن وأقمن المأتم، ووضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه فقالت سكينة: ما رأيت أقسى قلبا من يزيد، ولا رأيت كافرا ولا مشركا شرا منه، ولا
أجفى منه، وأقبل يقول وينظر إلى الرأس:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل ثم أمر برأس الحسين فنصب على باب مسجد دمشق، فروي عن فاطمة بنت علي عليهما السلام أنها قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا أول شئ وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، يعنيني، وكنت جارية وضيئة، فأرعبت وفرقت، وظننت أنه يفعل ذلك، فأخذت بثياب أختي وهي أكبر مني وأعقل، فقالت: كذبت والله ولعنت ما ذاك لك ولا له، فغضب يزيد، وقال: بل كذبت والله لو شئت لفعلته، قالت: لا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، فغضب يزيد ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالت:
بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وجدك وأبوك، قال: كذبت يا عدوة الله قالت: أمير يشتم ظالما ويقهر بسلطانه؟ قالت: فكأنه لعنه الله استحيى فسكت، فأعاد الشامي لعنه الله فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقال له: أعزب! وهب الله لك حتفا قاضيا 4 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في جملة أبيات ذكرها عن ابن الزبعرى أنه قالها لوصف يوم أحد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل حين حطت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الأشل ثم قال: كثير من الناس يعتقدون أن هذا البيت ليزيد بن معاوية، وقال من أكره، التصريح باسمه: هذا البيت ليزيد فقلت له: إنما قاله يزيد متمثلا لما حمل إليه رأس الحسين عليه السلام وهو لابن الزبعرى فلم تسكن نفسه إلى ذلك حتى أوضحته له فقلت ألا تراه قال: " جزع الخزرج من وقع الأسل " والحسين عليه السلام لم
تحارب عنه الخزرج: وكان يليق أن يقول جزع بني هاشم من وقع الأسل، فقال بعض من كان حاضرا: لعله قاله يوم الحرة فقلت: المنقول إنه أنشده لما حمل إليه رأس الحسين عليه السلام والمنقول إنه شعر ابن الزبعرى، ولا يجوز أن يترك المنقول إلى ما ليس بمنقول 5 - الإحتجاج: روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من الناس أنه لما دخل علي بن الحسين صلوات الله عليه وحرمه على يزيد لعنه الله، جيئ برأس الحسين عليه السلام ووضع بين يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا * ولقالوا: يا يزيد لا تشل فجزيناهم ببدر مثلها * وأقمنا مثل بدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، وقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدي سيد المرسلين، صدق الله سبحانه كذلك يقول: " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن " أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في إسار، نساق إليك سوقا في قطار، وأنت علينا
ذو اقتدار، أن بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة وامتنانا؟ وأن ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحا، وتنفض مدر ويك مرحا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور لديك متسقة، وحين صفي لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول الله:
" ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟
قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، يحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناقل، ويبرزن لأهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع، والدني والرفيع، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حميم، عتوا منك على الله، وجحودا لرسول الله، ودفعا لما جاء به من عند الله ولاغرو منك، ولا عجب من فعلك، وأنى يرتجى (مراقبة) من لفظ فوه أكباد الشهداء، ونبت لحمه بدماء السعداء، ونصب الحرب لسيد الأنبياء، وجمع الأحزاب، وشهر الحراب، وهز السيوف في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله أشد العرب لله جحودا، وأنكرهم له رسولا، وأظهرهم له عدوانا، وأعتاهم على الرب كفرا وطغيانا ألا إنها نتيجة خلال الكفر، وضب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من كان نظره إلينا شنفا وشنآنا وإحنا وضغنا يظهر كفره برسوله، ويفصح ذلك بلسانه، وهو يقول فرحا بقتل ولده وسبي ذريته غير متحوب ولا مستعظم:
لأهلوا واستهلوا فرحا * ولقالوا يا: يزيد لا تشل منتحيا على ثنايا أبي عبد الله، وكان مقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ينكتها بمخصرته
قد التمع السرور بوجهه لعمري لقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دم سيد شباب أهل الجنة، وابن يعسوب العرب، وشمس آل عبد المطلب، وهتفت بأشياخك وتقربت بدمه إلى الكفرة من أسلافك، ثم صرخت بندائك ولعمري قد ناديتهم لو شهدوك ووشيكا تشهدهم ويشهدوك ولتود يمينك كما زعمت شلت بك من مرفقها وأحببت أمك لم تحملك، وأباك لم يلدك، حين تصير إلى سخط الله، ومخاصمك (ومخاصم أبيك) رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، ونقص ذمامنا، وقتل حماتنا، وهتك عنا سدولنا وفعلت فعلتك التي فعلت، وما فريت إلا جلدك، وما جززت إلا لحمك، وسترد على رسول الله بما تحملت من ذريته، وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقهم من أعدائهم، ولا يستفزنك الفرح بقتله " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتيهم الله من فضله " وحسبك بالله وليا وحاكما، وبرسول الله خصيما، وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من بوأك ومكنك من رقاب المسلمين (أن) بئس للظالمين بدلا، وأنكم شر مكانا وأضل سبيلا وما استصغاري قدرك، ولا استعظامي تقريعك، توهما لانتجاع الخطاب فيك، بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى، وصدورهم عند ذكره حرى، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، وأجسام محشوة بسخط الله ولعنة الرسول قد عشش فيه الشيطان وفرخ، ومن هناك مثلك ما درج ونهض، فالعجب كل العجب لقتل الأتقياء، وأسباط الأنبياء، وسليل الأوصياء بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة
الفجرة، تنطف أكفهم من دمائنا، وتتحلب أفواههم من لحومنا، وللجثث الزاكية على الجبوب الضاحية، تنتابها العواسل، وتعفرها الفراعل، فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل ثم كد كيدك، واجهد جهدك، فوالذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا ترحض عنك عارنا، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن الظالم العادي والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة وختم لأوصيائه ببلوغ الإرادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشق بهم غيرك، ولا ابتلي بهم سواك، ونسأله أن يكمل لهم الاجر، ويجزل لهم الثواب والذخر، ونسأله حسن الخلافة، وجميل الإنابة، إنه رحيم ودود فقال يزيد مجيبا لها شعرا:
يا صيخة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح ثم أمر بردهم بيان: قال الجزري: في حديث الحسن يضرب أسدريه أي عطفيه ومنكبيه يضرب بيده عليهما، وروي بالزاء والصاد بدل السين بمعنى واحد وهذه الأحرف الثلاثة تتعاقب مع الدال، وقال في باب الصاد في حديث الحسن: يضرب أصدريه أي منكبيه وقال في باب الميم والذال في حديث الحسن " ما تشاء أن ترى أحدهم ينفض مذرويه " المذر وان جانبا الأليتين ولا واحد لهما، وقيل هما طرفا كل شئ وأراد بهما الحسن فرعا المنكبين، يقال: جاء فلان ينفض مذرويه، إذا جاء باغيا يتهدد، وكذلك إذا جاء فارغا في غير شغل، والميم زائدة وقال الفيروزآبادي: الأصدران عرقان تحت الصدغين، وجاء يضرب
أصدريه أي فارغا، وقال في المذروين: بكسر الميم نحوا مما مر ويقال: " لا غرو " أي ليس بعجب، والضب الحقد الكامن في الصدر، وفي بعض النسخ مكان " شنفا وشنآنا " " سيفا وسنانا "، وفلان يتحوب من كذا أي يتأثم والتحوب أيضا التوجع والتحزن، والسديل ما أسبل على الهودج، والجمع السدول قولها رضي الله عنها " فتلك " إشارة إلى أعوانه وأنصاره وفي بعض النسخ " قبلك " بكسر القاف وفتح الباء أي عندك أو بفتح القاف وسكون الباء إشارة إلى آبائه لعنهم الله قولها: " ما درج " كلمة ما زائدة كما في قوله تعالى: " فبما رحمة من الله " أي بإعانة هؤلاء درجت ومشيت وقمت، أوفي حجور هؤلاء الأشقياء ربيت، ومنهم تفرعت، والجبوب بضم الجيم والباء الأرض الغليظة، ويقال: وجه الأرض وفي بعض النسخ بالنون فعلى الأول الضاحية من قولهم مكان ضاح أي بارز، وعلى الثاني من قولهم ضحيت للشمس أي برزت وإنما أوردت بعض الروايات مكررا لكثرة اختلافها 6 - الإحتجاج: روى ثقات الرواة وعدولهم: لما ادخل علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في جملة من حمل إلى الشام سبايا - من أولاد الحسين بن علي عليهما السلام وأهاليه - على يزيد لعنه الله، قال له: يا علي الحمد لله الذي قتل أباك، قال عليه السلام:، قتل أبي الناس، قال يزيد: الحمد لله الذي قتله فكفانيه قال عليه السلام: على من قتل أبي لعنة الله، أفتراني لعنت الله عز وجل؟
قال يزيد: يا علي اصعد المنبر فأعلم الناس حال الفتنة، وما رزق الله أمير المؤمنين من الظفر، فقال علي بن الحسين: ما أعرفني بما تريد فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا يخفى، أنا ابن من علا فاستعلى، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربه قاب قوسين أو أدنى
فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال للمؤذن أذن، فلما قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، جلس علي بن الحسين على المنبر فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله بكى علي بن الحسين عليه السلام ثم التفت إلى يزيد فقال: يا يزيد هذا أبوك أم أبي؟ قال: بل أبوك، فأنزل فنزل فأخذ ناحية باب المسجد فلقيه مكحول صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له:
كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟ قال: أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، فلما انصرف يزيد إلى منزله دعا بعلي بن الحسين عليهما السلام وقال يا علي أتصارع ابني خالدا؟ قال عليه السلام: ما تصنع بمصارعتي إياه أعطني سكينا وأعطه سكينا فليقتل أقوانا أضعفنا فضمه يزيد إلى صدره ثم قال: لا تلد الحية إلا الحية. أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب ثم قال له علي بن الحسين: يا يزيد بلغني أنك تريد قتلي، فان كنت لابد قاتلي فوجه مع هؤلاء النسوة من يردهن إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له يزيد لعنه الله: لا يردهن غيرك، لعن الله ابن مرجانة، فوالله ما أمرته بقتل أبيك، ولو كنت متوليا لقتاله ما قتلته، ثم أحسن جائزته وحمله والنساء إلى المدينة 7 - الإحتجاج: عن حذيم بن شريك الأسدي قال: لما أتى علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بالنسوة من كربلا وكان مريضا وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب، والرجال معهن يبكون، فقال زين العابدين بصوت ضئيل وقد نهكته العلة: إن هؤلاء يبكون، فمن قتلنا غيرهم؟ فأومأت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الناس بالسكوت قال حذيم الأسدي: فلم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تنطق وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام وقد أشارت إلى الناس بأن انصتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثم قالت بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.