پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد العاشر

باب

ج ۴۵، ص ۱۰۶–۱۳۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۵

إن عمر بن سعد بعث برأس الحسين عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم وهو يوم عاشورا مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله ابن زياد، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فنظفت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، فأقبلوا بها، حتى قدموا الكوفة، وأقام بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلف من عيال الحسين عليه السلام وحمل نساءه على أحلاس أقتاب بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الأعداء، وهن ودائع خير الأنبياء، وساقوهن كما يساق سبي الترك والروم في أسر المصائب والهموم ولله در القائل:

يصلى على المبعوث من آل هاشم * ويغزى بنوه إن ذا لعجيب قال: ولما انفصل ابن سعد عن كربلا خرج قوم من بني أسد فصلوا على تلك الجثث الطواهر المرملة بالدماء، ودفنوها على ما هي الآن عليه

وقال المفيد رحمه الله: دفنوا الحسين صلوات الله عليه حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين عليه السلام وجمعوهم ودفنوهم جميعا معا ودفنوا العباس بن علي رضي الله عنه في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن وقال السيد رحمه الله: وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه فلما قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن، قال: فأشرفت امرأة من الكوفيات فقالت: من أي الأسارى أنتن؟ فقلن: نحن أسارى (آل) محمد فنزلت من سطحها وجمعت ملاء و أزرا ومقانع فأعطتهن فتغطين، قال: وكان مع النساء علي بن الحسين عليه السلام قد نهكته العلة، والحسن بن الحسن المثنى وكان قد واسى عمه وإمامه في الصبر على الرماح وإنما ارتث وقد أثخن بالجراح وكان معهم أيضا زيد وعمرو ولدا الحسن السبط عليه السلام فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون فقال علي بن الحسين عليهما السلام: أتنوحون وتبكون من أجلنا؟ فمن قتلنا؟ قال: بشير بن خزيم الأسدي: ونظرت إلى زينب بنت علي عليه السلام يومئذ ولم أر والله خفرة قط أنطق منها، كأنما تفرع عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس ثم قالت: الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار

أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف، وملق الإماء وغمز الأعداء (أو) كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنآنها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدره سنتكم؟ ألا ساء ما تزرون، وبعدا لكم وسحقا فلقد خاب السعي وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة ويلكم يا أهل الكوفة أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم، لقد جئتم بهم صلعاء عنقاء سواء فقماء - وفي بعضها: خرقاء شوهاء - كطلاع الأرض، وملاء السماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل فإنه لا تحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، وإن ربكم لبا المرصاد قال: فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في

أفواههم ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته، وهو يقول: بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يبزى وروى زيد بن موسى قال: حدثني أبي، عن جدي عليهم السلام قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردت من كربلا فقالت: الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأن ولده ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب: المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله تعالى فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته، ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم يأخذه اللهم فيك لومة لائم ولا عذل عاذل، هديته يا رب للاسلام صغيرا، وحمدت مناقبه كبيرا، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك زاهدا في الدنيا غير حريص عليها راغبا في الآخرة: مجاهدا لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فانا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته في الأرض لبلاده ولعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله على كثير ممن خلق تفضيلا بينا فكذبتمونا و كفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا، كأنا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت، لحقد متقدم، قرت بذلك عيونكم وفرحت قلوبكم، افتراء منكم على الله، ومكرا مكرتم والله خير خير الماكرين، فلا

تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا فان ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة، في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور تبا لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، وكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة الله على الظالمين ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، وأية نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسول لكم الشيطان وأملا لكم، وجعل على بصركم غشاوة، فأنتم لا تهتدون تبا لكم يا أهل الكوفة أي ترات لرسول الله قبلكم، وذحول له لديكم، بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب عليه السلام جدي وبنيه عترة النبي الطاهرين الأخيار وافتخر بذلك مفتخر (كم فقال:) نحن قتلنا عليا وبني علي * بسيوف هندية ورماح وسبينا نساءهم سبي ترك * ونطحناهم فأي نطاح بفيك أيها القائل الكثكث و (لك) الأثلب افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس؟ فاكظم وأقع كما أقعى أبوك، وإنما لكل امرئ ما قدمت يداه، حسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا الله عليكم فما ذنبنا أن جاش دهرا بحورنا * وبحرك ساج لا يواري الدعامصا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد أحرقت قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت، عليها وعلى أبيها وجدتها السلام أقول: ذكر في الاحتجاج هذه الخطبة بهذا الاسناد ولنرجع إلى كلام السيد رحمه الله قال: وخطبت أم كلثوم بنت علي عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها، رافعة صوتها بالبكاء، فقالت: يا أهل الكوفة سوأة لكم، مالكم خذلتم حسينا وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبا لكم وسحقا ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء سفكتموها؟ وأي كريمة أصبتموها؟ وأي صبية سلبتموها، وأي أموال انتهبتموها؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي، ونزعت الرحمة من قلوبكم ألا إن حزب الله هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون ثم قالت:

قتلتم أخي صبرا فويل لامكم * ستجزون نارا حرها يتوقد سفكتم دماء حرم الله سفكها * وحرمها القرآن ثم محمد ألا فأبشروا بالنار إنكم غدا * لفي سقر حقا يقينا تخلدوا وإني لأبكي في حياتي على أخي * على خير من بعد النبي سيولد بدمع غزير مستهل مكفكف * على الخد مني ذائبا ليس يجمد قال: فضج الناس بالبكاء، والحنين والنوح، ونشر النساء شعورهن ووضعن التراب على رؤوسهن، وخمشن وجوههن، وضربن خدودهن، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال، فلم ير باكية وباك أكثر من ذلك اليوم ثم إن زين العابدين عليه السلام أومأ إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا فقام قائما فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي وصلى عليه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم

أنا ابن المذبوح بشط الفرات، من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا أيها الناس! ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة، وقاتلتموه وخذلتموه؟ فتبا لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول لكم: " قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي "؟

قال: فارتفعت أصوات الناس من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون؟ فقال عليه السلام: رحم الله امرءا قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته فان لنا في رسول الله أسوة حسنة، فقالوا بأجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك فمرنا بأمرك يرحمك الله فانا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا، فقال عليه السلام: هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلا ورب الراقصات فان الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهاتي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه يجري في فراش صدري ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا ثم قال:

لا غرو إن قتل الحسين وشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرما فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي * أصيب حسين كان ذلك أعظما قتيل بشط النهر روحي فداؤه * جزاء الذي أرداه نار جهنما أقول: روى في الاحتجاج هكذا قال حذيم بن بشير: خرج زين العابدين عليه السلام إلى الناس وأومأ إليهم أن اسكتوا فسكتوا إلى آخر الخبر

قال السيد: ثم قال عليه السلام: رضينا منكم رأسا برأس فلا يوم لنا ولا علينا أقول: رأيت في بعض الكتب المعتبرة روى مرسلا عن مسلم الجصاص قال:

دعاني ابن زياد لاصلاح دار الامارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت: مالي أرى الكوفة تضج؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي عليهما السلام قال: فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهب، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة عليها السلام وإذا بعلي بن الحسين عليهما السلام على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دما، وهو مع ذلك يبكي ويقول:

يا أمة السوء لا سقيا لربعكم * يا أمة لم تراع جدنا فينا لو أننا ورسول الله يجمعنا * يوم القيامة ما كنتم تقولونا تسيرونا على الأقتاب عارية * كأننا لم نشيد فيكم دينا بني أمية ما هذا الوقوف على * تلك المصائب لا تلبون داعينا تصفقون علينا كفكم فرحا * وأنتم في فجاج الأرض تسبونا أليس جدي رسول الله ويلكم * أهدى البرية من سبل المضلينا يا وقعة الطف قد أورثتني حزنا * والله يهتك أستار المسيئينا قال: وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أم كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض، قال كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم

ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء فبينما هي تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين عليه السلام وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله ولحيته كسواد السبج قد انتصل منها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع والرمح تلعب بها يمينا وشمالا فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل، حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول:

يا هلالا لما استتم كمالا * غاله خسفه فأبدا غروبا ما توهمت يا شقيق فؤادي * كان هذا مقدرا مكتوبا يا أخي فاطم الصغيرة كلمها * فقد كاد قلبها أن يذوبا يا أخي قلبك الشفيق علينا * ماله قد قسى وصار صليبا؟

يا أخي لو ترى عليا لدى الأسر * مع اليتم لا يطيق وجوبا كلما أوجعوه بالضرب نادا * ك بذل يغيض دمعا سكوبا يا أخي ضمه إليك وقربه * وسكن فؤاده المرعوبا ما أذل اليتيم حين ينادي * بأبيه ولا يراه مجيبا ثم قال السيد: ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن إذنا عاما وجيئ برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وادخل - نساء الحسين وصبيانه إليه، فجلست زينب بنت علي عليه السلام متنكرة فسأل عنها فقيل: هذه زينب بنت علي، فأقبل عليها فقالت: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟

فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة قال: فغضب وكأنه هم بها، فقال له عمرو بن حريث: إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها، فقال له ابن زياد: لقد شفى الله (قلبي) من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجاعة! ولعمري لقد كان أبوك سجاعا شاعرا، فقالت: يا ابن زياد ما للمرأة والسجاعة قال ابن نما: وإن لي عن السجاعة لشغلا وإني لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته، ويعلم أنهم منتقمون منه في آخرته وقال المفيد - رحمه الله - فوضع الرأس بين يديه ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو شيخ كبير فلما رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما مالا أحصيه يقبلهما ثم انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك أتبكي لفتح الله؟ والله لولا أنك شيخ كبير قد خرقت وذهب عقلك، لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله

وقال محمد بن أبي طالب: ثم رفع زيد صوته يبكي وخرج وهو يقول: ملك عبد حرا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم ويستعبد أشراركم، رضيتم بالذل فبعدا لمن رضي وقال المفيد: فادخل عيال الحسين بن علي صلوات الله عليهما على ابن زياد فدخلت زينب أخت الحسين عليه السلام في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها، ومضت حتى جلست ناحية، وحفت بها إماؤها، فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب فأعاد القول ثانية وثالثة يسأل عنها فقالت له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل عليها ابن زياد وقال: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق إلى آخر ما مر وقال السيد وابن نما: ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين فقال: من هذا؟ فقيل: علي بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟ فقال علي:

قد كان لي أخ يسمى علي بن الحسين قتله الناس، فقال: بل الله قتله، فقال علي:

" الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " فقال ابن زياد: ولك جرأة على جوابي؟ اذهبوا به فاضربوا عنقه، فسمعت عمته زينب، فقالت:

يا ابن زياد إنك لم تبق منا أحدا فان عزمت على قتله فاقتلني معه وقال المفيد وابن نما: فتعلقت به زينب عمته، وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه فان قتلته فاقتلني معه فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثم قال: عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت أني قتلتها معه

دعوه فاني أراه لما به وقال السيد: فقال علي لعمته: اسكتي يا عمه حتى أكلمه، ثم أقبل عليه السلام فقال: أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين عليه السلام وأهله فحملوا إلى دار إلى جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب بنت علي: لا يدخلن علينا عربية إلا أم ولد أو مملوكة فإنهن سبين وقد سبينا وقال ابن نما: رويت أن أنس بن مالك قال: شهدت عبيد الله بن زياد وهو ينكت بقضيب على أسنان الحسين ويقول: إنه كان حسن الثغر فقلت: أم والله لأسوءنك، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل موضع قضيبك من فيه وعن سعيد بن معاذ وعمرو بن سهل أنهما حضرا عبيد الله يضرب بقضيبه أنف الحسين وعينيه ويطعن في فمه فقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك إني رأيت رسول الله واضعا شفتيه على موضع قضيبك، ثم انتحب باكيا فقال له: أبكى الله عينيك عدو الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، لضربت عنقك، فقال زيد: لأحدثنك حديثا هو أغلظ عليك من هذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى، فوضع يده على يافوخ كل واحد منهما وقال: اللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين، فكيف كان وديعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ولما اجتمع عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد بعد قتل الحسين عليه السلام قال عبيد الله لعمر: ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في معنى قتل الحسين عليه السلام ومناجزته، فقال ضاع، فقال: لتجيئنني به أتراك معتذرا في عجائز قريش؟ قال عمر:

والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو استشارني بها أبي سعد كنت قد أديت حقه فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل قال عمر بن سعد:

والله ما رجع أحد بشر مما رجعت أطعت عبيد الله، وعصيت الله، وقطعت الرحم

وقال السيد: ثم أمر ابن زياد برأس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة ويحق لي أن أتمثل ههنا بأبيات لبعض ذوي العقول يرثي بها قتيلا من آل الرسول صلى الله عليه وآله فقال:

رأس ابن بنت محمد ووصيه * للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم رزؤك كل اذن تسمع ما روضة إلا تمنت أنها * لك حفرة ولخط قبرك مضجع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم يكن بك تهجع قال: ثم إن ابن زياد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال في بعض كلامه الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب فما زاد على هذا الكلام شيئا حتى قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وكان من خيار الشيعة وزهادها وكانت عينه اليسرى ذهبت في يوم الجمل، والأخرى في يوم صفين، وكان يلازم المسجد الأعظم، فيصلي فيه إلى الليل، فقال: يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله أتقتلون أبناء النبيين، وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين؟

قال: فغضب ابن زياد ثم قال: من هذا المتكلم؟ فقال: أنا المتكلم يا عدو الله تقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنهم الرجس، وتزعم أنك على دين الاسلام؟ وا غوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار لا ينتقمون من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين؟

قال: فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه وقال: علي به، فبادر إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه، فقامت الاشراف من الأزد من بني عمه فخلصوه من أيدي الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله فقال ابن زياد:

اذهبوا إلى هذا الأعمى أعمى الأزد، أعمى الله قلبه كما أعمى عينه، فائتوني به

فانطلقوا فلما بلغ ذلك الأزد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم قال: وبلغ ذلك إلى ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث وأمرهم بقتال القوم قال: فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل بينهم جماعة من العرب، قال:

ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك ناوليني سيفي فناولته إياه فجعل يذب عن نفسه ويقول:

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن أم عامر كم دارع من جمعكم وحاسر * وبطل جدلته مغادر قال: وجعلت ابنته تقول: يا أبت ليتني كنت رجلا أخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة، قال: وجعل القوم يدورون عليه من كل جهة وهو يذب عن نفسه، فلم يقدر عليه أحد وكلما جاؤوا من جهة قالت: يا أبه قد جاؤوك من جهة كذا حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به، فقالت بنته: واذلاه، يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به، فجعل يدير سيفه ويقول:

أقسم لو يفسح لي عن بصري * ضاق عليكم موردي ومصدري قال: فما زالوا به حتى أخذوه، ثم حمل فادخل على ابن زياد فلما رآه قال: الحمد لله الذي أخزاك، فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله! وبماذا أخزاني الله؟

والله لو فرج لي عن بصري * ضاق عليك موردي ومصدري فقال ابن زياد: يا عدو الله ما تقول في عثمان بن عفان؟ فقال: يا عبد بني علاج يا ابن مرجانة - وشتمه - ما أنت وعثمان إن أساء أم أحسن، وأصلح أم أفسد، والله تعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شئ أو تذوق الموت فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين أما إني قد كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك أمك وسألت الله أن يجعل ذلك على يدي ألعن

خلقه وأبغضهم إليه، فلما كف بصري يئست من الشهادة، والآن الحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرفني الإجابة منه في قديم دعائي فقال ابن زياد: اضربوا عنقه! فضربت عنقه وصلب في السبخة وقال المفيد: فلما أخذته الجلاوزة نادى شعار الأزد فاجتمع منهم سبعمائة فانتزعوه من الجلاوزة، فلما كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضرب عنقه وصلبه في السبخة - رحمه الله - وقال ابن نما: ثم دعا جندب بن عبد الله الأزدي وكان شيخا فقال: يا عدو الله ألست صاحب أبي تراب؟ قال: بلى لا أعتذر منه، قال: ما أراني إلا متقربا إلى الله بدمك قال: إذن لا يقربك الله منه بل يباعدك، قال: شيخ قد ذهب عقله وخلى سبيله ثم قال المفيد: ولما أصبح عبيد الله بن زياد بعث برأس الحسين عليه السلام فدير به في سكك الكوفة، وقبائلها، فروي عن زيد بن أرقم أنه مر به علي وهو على رمح وأنا في غرفة لي، فلما حاذاني سمعته يقرء " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " فقف والله شعري علي وناديت " رأسك يا ابن رسول الله أعجب وأعجب " وقال السيد: وكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين وخبر أهل بيته، وكتب أيضا إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك وقال المفيد: ولما أنفذ إلى ابن زياد برأس الحسين عليه السلام إلى يزيد تقدم إلى عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتى تأتي عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة، فبشره بقتل الحسين عليه السلام قال عبد الملك: فركبت راحلتي وسرت نحو المدينة فلقيني رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير تسمعه

قال: إنا لله وإنا إليه راجعون قتل والله الحسين، فلما دخلت على عمرو بن سعيد قال: ما وراك؟ فقلت: ما سر الأمير قتل الحسين بن علي فقال: اخرج فناد بقتله فناديت، فلم أسمع والله واعية قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين ابن علي حين سمعوا النداء بقتله ثم دخلت على عمرو بن سعيد فلما رآني تبسم إلي ضاحكا ثم أنشأ متمثلا بقول عمرو بن معدي كرب:

عجت نساء بني زياد عجة * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين عليه السلام ودعا ليزيد ونزل وقال صاحب المناقب: قال في خطبته: إنها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة، وموعظة بعد موعظة، حكمة بالغة فما تغني النذر، والله لوددت أن رأسه في بدنه، وروحه في جسده أحيانا كان يسبنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته ولم يكن من أمره ما كان، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا فقام عبد الله بن السائب فقال: لو كانت فاطمة حية فرأت رأس الحسين لبكت عليه، فجبهه عمرو بن سعيد وقال: نحن أحق بفاطمة منك أبوها عمنا، وزوجها أخونا، وابنها ابننا، لو كانت فاطمة حية لبكت عينها، وحرت كبدها، وما لامت من قتله، ودفعه عن نفسه ثم قال المفيد: فدخل بعض موالي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فنعى إليه ابنيه فاسترجع، فقال أبو السلاسل مولى عبد الله: هذا ما لقينا من الحسين بن علي فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله ثم قال: يا ابن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟

والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى اقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ويعزي عن المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله، عز علي مصرع الحسين، إن لا أكن آسيت حسينا بيدي فقد آساه ولداي، فخرجت أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين عليه السلام حاسرة ومعها أخواتها أم هانئ وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف وهي تقول:

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي فلما كان الليل في ذلك اليوم الذي خطب فيه عمرو بن سعيد بقتل الحسين عليه السلام بالمدينة، سمع أهل المدينة في جوف الليل مناديا ينادي يسمعون صوته ولا يرون شخصه:

أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان (ابن) داود * وموسى وصاحب الإنجيل وقال ابن نما: وروي أن يزيد بن معاوية لعنهما الله بعث بمقتل الحسين عليه السلام إلى المدينة محرز بن حريث بن مسعود الكلبي من بني عدي بن حباب ورجلا من يهرا وكانا من أفاضل أهل الشام، فلما قدما خرجت امرأة من بنات عبد المطلب قيل: هي زينب بنت عقيل - ناشرة شعرها، واضعة كمها على رأسها، تتلقاهم وهي تبكي " ماذا تقولون إذ قال النبي لكم " إلى آخر الأبيات

وقال شهر بن حوشب: بينما أنا عند أم سلمة إذ دخلت صارخة تصرخ وقالت قتل الحسين قالت أم سلمة: فعلوها ملأ الله قبورهم نارا ونقلت من تاريخ البلاذري أنه لما وافى رأس الحسين المدينة سمعت الواعية من كل جانب، فقال مروان بن الحكم:

ضربت دوسر فيهم ضربة * أثبتت أوتاد ملك فاستقر ثم أخذ ينكت وجهه بقضيب ويقول:

يا حبذا بردك في اليدين * ولونك الأحمر في الخدين كأنه بات بمجسدين * شفيت منك النفس يا حسين ومما انفرد به النطنزي في الخصائص عن أبي ربيعة عن أبي قبيل قيل: سمع في الهواء بالمدينة قائل:

يامن يقول بفضل آل محمد * بلغ رسالتنا بغير تواني قتلت شرار بني أمية سيدا * خير البرية ماجدا ذا شأن ابن المفضل في السماء وأرضها * سبط النبي وهادم الأوثان بكت المشارق والمغارب بعدما * بكت الأنام له بكل لسان ثم قال السيد رحمه الله: وأما يزيد بن معاوية فإنه لما وصل كتاب عبيد الله ووقف عليه، أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين عليه السلام ورؤوس من قتل معه، وحمل أثقاله ونسائه وعياله، فاستدعى ابن زياد بمخفر بن ثعلبة العايذي فسلم إليه الرؤوس والنساء، فسار بهم إلى الشام كما يسار سبايا الكفار يتصفح وجوههن أهل الأقطار وقال المفيد رحمه الله : دفع ابن زياد لعنه الله رأس الحسين صلوات الله عليه إلى

زحر بن قيس ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرحه إلى يزيد بن معاوية، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة حتى وردوا بها على يزيد بدمشق وقال صاحب المناقب: روى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن ابن لهيعة، عن ابن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام، بعث برأسه إلى يزيد فنزلوا في أول مرحلة فجعلوا يشربون ويتبجحون بالرأس فيما بينهم، فخرجت عليهم كف من الحائط، معها قلم من حديد فكتبت أسطرا بدم:

أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب وقال صاحب الكامل وصاحب المناقب وابن نما: ذكر أبو مخنف أن عمر بن سعد لما دفع الرأس إلى خولي الأصبحي لعنهما الله ليحمله إلى ابن زياد عليه اللعنة أقبل به خولي ليلا فوجد باب القصر مغلقا فأتى به منزله وله امرأتان امرأة من بني أسد، وأخرى حضرمية يقال لها النوار فآوى إلى فراشها فقالت له: ما الخبر؟

فقال: جئتك بالذهب هذا رأس الحسين معك في الدار فقالت: ويلك جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وآله والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة أبدا قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار، ودعا الأسدية فأدخلها عليه فما زالت والله أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من الإجانة التي فيها رأس الحسين عليه السلام إلى السماء ورأيت طيورا بيضا ترفرف حولها وحول الرأس وقال صاحب المناقب والسيد واللفظ لصاحب المناقب: روى ابن لهيعة وغيره حديثا أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت فإذا أنا برجل يقول:

اللهم اغفر لي وما أراك فاعلا، فقلت له: يا عبد الله اتق الله ولا تقل مثل هذا فان ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار، وورق الأشجار، فاستغفرت الله غفرها لك فإنه غفور رحيم، قال: فقال لي: تعال حتى أخبرك بقصتي، فأتيته

فقال: اعلم أننا كنا خمسين نفرا ممن سار مع رأس الحسين إلى الشام وكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا ولم أشرب معهم فلما جن الليل سمعت رعدا ورأيت برقا فإذا أبواب السماء قد فتحت ونزل آدم، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه وآله ومعهم جبرئيل وخلق من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت فأخرج الرأس وضمه إلى نفسه وقبله ثم كذلك فعل الأنبياء كلهم وبكى النبي صلى الله عليه وآله على رأس الحسين فعزاه الأنبياء فقال له جبرئيل: يا محمد إن الله تعالى أمرني أن أطيعك في أمتك فان أمرتني زلزلت بهم الأرض وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يا جبرئيل فان لهم معي موقفا بين يدي الله يوم القيامة قال: ثم صلوا عليه ثم أتى قوم من الملائكة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى أمرنا بقتل الخمسين فقال لهم النبي: شأنكم بهم فجعلوا يضربون بالحربات ثم قصدني واحد منهم بحربته ليضربني فقلت: الأمان الأمان يا رسول الله فقال: اذهب فلا غفر الله لك فلما أصبحت رأيت أصحابي كلهم جاثمين رمادا ثم قال صاحب المناقب: وباسنادي إلى أبي عبد الله الحدادي، عن أبي جعفر الهندواني بإسناده في هذا الحديث فيه زيادة عند قوله ليحمله إلى يزيد قال: كل من قتله جفت يده وفيه: إذ سمعت صوت برق لم أسمع مثله، فقيل: قد أقبل محمد صلى الله عليه وآله فسمعت صهيل الخيل، وقعقعة السلاح، مع جبرئيل وميكائيل وإسرافيل والكروبيين والروحانيين والمقربين عليهم السلام وفيه فشكى النبي صلى الله عليه وآله إلى الملائكة والنبيين، وقال: قتلوا ولدي وقرة عيني، وكلهم قبل الرأس وضمه إلى صدره والباقي يقرب بعضها من بعض أقول: وفي بعض الكتب أنهم لما قربوا من بعلبك كتبوا إلى صاحبها فأمر بالرايات فنشرت، وخرج الصبيان يتلقونهم على نحو من ستة أميال فقالت

أم كلثوم: أباد الله كثرتكم وسلط عليكم من يقتلكم ثم بكى علي بن الحسين عليهما السلام وقال:

وهو الزمان فلا تفنى عجائبه * من الكرام وما تهدى مصائبه فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنا * فنونه وترانا لم نجاذبه يسرى بنا فوق أقتاب بلا وطأ * وسابق العيس يحمي عنه غاربه كأننا من أسارى الروم بينهم * كأن ما قاله المختار كاذبه كفرتم برسول الله ويحكم * فكنتم مثل من ضلت مذاهبه ثم قال السيد - ره -: وسار القوم برأس الحسين عليه السلام ونسائه والأسرى من رجاله، فلما قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من شمر وكان في جملتهم فقالت: لي إليك حاجة فقال: ما حاجتك؟ فقالت: إذا دخلت بنا البلد، فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل، وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا، ونحن في هذه الحال، فأمر في جواب سؤالها أن يجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغيا منه وكفرا، وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة، حتى أتى بهم باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي وروى صاحب المناقب بإسناده عن زيد عن آبائه أن سهل بن سعد قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لا نرى لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن فرأيت قوما يتحدثون فقلت: يا قوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك أعرابيا فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمدا صلى الله عليه وآله قالوا: يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دما والأرض لا تنخسف بأهلها؟ قلت: ولم ذاك؟ قالوا: هذا رأس الحسين عليه السلام عترة محمد صلى الله عليه وآله يهدى من أرض العراق فقلت: واعجباه يهدى رأس

الحسين والناس يفرحون؟ قلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب ساعات قال: فبينا أنا كذلك، حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضا، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من أولاهم فقلت: يا جارية من أنت؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين فقلت لها: ألك حاجة إلي؟ فأنا سهل ابن سعد ممن رأى جدك وسمعت حديثه، قالت: يا سعد قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس فقالت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار؟ قال: ما هي؟ قلت: تقدم الرأس أمام الحرم ففعل ذلك فدفعت إليه ما وعدته ووضع الرأس في حقه ودخلوا على يزيد فدخلت معهم وكان يزيد جالسا على السرير وعلى رأسه تاج مكلل بالدر والياقوت، وحوله كثير من مشايخ قريش، فلما دخل صاحب الرأس وهو يقول:

أوقر ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس اما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون النسبا قال: لو علمت أنه خير الناس لم قتلته؟ قال: رجوت الجائزة منك فأمر بضرب عنقه فجز رأسه، ووضع رأس الحسين عليه السلام على طبق من ذهب وهو يقول:

كيف رأيت يا حسين؟

ثم قال السيد: فروي أن بعض فضلاء التابعين لما شهد برأس الحسين بالشام أخفى نفسه شهرا من جميع أصحابه فلما وجدوه بعد إذ فقدوه، سألوه عن سبب ذلك فقال: ألا ترون ما نزل بنا ثم أنشأ يقول:

جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولما يرقبوا * في قتلك التأويل والتنزيلا ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا قال: وجاء شيخ فدنا من نساء الحسين وعياله، وهم أقيموا على درج باب المسجد، فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم، فقال له علي بن الحسين: يا شيخ هل قرأت القرآن؟

قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قال الشيخ: قد قرأت ذلك فقال له علي: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى " قال نعم، قال علي: فنحن القربى يا شيخ وهل قرأت هذه الآية " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال الشيخ:

قد قرأت ذلك قال علي: فنحن أهل البيت الذين خصصنا بآية الطهارة يا شيخ!

قال: فبقي الشيخ ساكتا نادما على ما تكلم به وقال: بالله إنكم هم؟ فقال علي بن الحسين: تالله إنا لنحن هم من غير شك، وحق جدنا رسول الله إنا لنحن هم فبكى الشيخ ورمى عمامته، ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرء إليك من عدو آل محمد من جن وإنس ثم قال: هل لي من توبة؟ فقال له: نعم، إن تبت تاب الله عليك، وأنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل وقال المفيد وابن نما: روى عبد الله بن ربيعة الحميري قال: إني لعند يزيد ابن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل عليه فقال له يزيد: ويلك ما وراك وما عندك؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين ابن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن

يستسلموا أو ينزلوا على حكم الأمير عبيد الله أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مآخذها من هام القوم، جعلوا يهربون إلى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما لاذ الحمام من الصقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور، أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فها! تيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح، زوارهم الرخم و العقبان فأطرق يزيد هنيئة ثم رفع رأسه وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، أما لو كنت صاحبه لعفوت عنه ثم إن عبيد الله بن زياد بعد إنفاذه برأس الحسين عليه السلام أمر فتيانه وصبيانه ونساءه فجهزوا وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل في عنقه ثم سرح بهم في أثر الرؤوس مع مخفر بن ثعلبة العايذي وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس ولم يكن علي بن الحسين يكلم أحدا من القوم في الطريق كلمة واحدة حتى بلغوا، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع مخفر بن ثعلبة صوته فقال:

هذا مخفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين بالفجرة اللئام، فأجاب علي بن الحسين:

" ما ولدت أم مخفر أشر وألام " وزاد في المناقب " ولكن قبح الله ابن مرجانة " قال في المناقب: وكان عبد الرحمان بن الحكم قاعدا في مجلس يزيد (فقال:) لهام بجنب الطف أدنى قرابة * من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصا * وبنت رسول الله ليست بذي نسل

قال يزيد: نعم، فلعن الله ابن مرجانة إذ أقدم على مثل الحسين بن فاطمة لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله أمرا فلم يكن له مرد وفي رواية أن يزيد أسر إلى عبد الرحمان وقال: سبحان الله أفي هذا الموضع؟ أما يسعك السكوت وقال المفيد: ولما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليه السلام قال يزيد:

نفلق هاما من أناس أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال يحيى بن الحكم ما مر ذكره، فضرب يزيد على صدر يحيى يده وقال: اسكت ثم أقبل على أهل مجلسه، فقال: إن هذا كان يفخر علي ويقول:

" أبي خير من أب يزيد، وأمي خير من أمه، وجدي خير من جده، وأنا خير منه فهذا الذي قتله " فأما قوله بأن أبي خير من أب يزيد، فلقد حاج أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه، وأما قوله بأن أمي خير من أم يزيد، فلعمري لقد صدق إن فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما قوله جدي خير من جده، فليس لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر يقول بأنه خير من محمد، وأما قوله بأنه خير مني فلعله لم يقرء هذه الآية " قل اللهم مالك الملك " وقال ابن نما: نقلت من تاريخ دمشق عن ربيعة بن عمرو الجرشي قال: أنا عند يزيد إذ سمعت صوت مخفر يقول: هذا مخفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه يزيد: ما ولدت أم مخفر أشر وألام وقال السيد: ثم ادخل ثقل الحسين عليه السلام ونساؤه ومن تخلف من أهله على يزيد وهم مقرنون في الحبال فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي

ابن الحسين: أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحالة؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، فرآه علي بن الحسين فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبدا وقال ابن نما: قال علي بن الحسين عليه السلام: أدخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلا مغللون، فلما وقفنا بين يديه قلت: أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال؟ وقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد بنات رسول الله سبايا؟ فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات، فقال علي بن الحسين:

فقلت وأنا مغلول: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: قل ولا تقل هجرا؟ فقال: لقد وقفت موقفا لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر، ما ظنك برسول الله لو رآني في الغل؟

فقال لمن حوله:، حلوه حدث عبد الملك بن مروان: لما اتي يزيد برأس الحسين عليه السلام قال: لو كان بينك وبين ابن مرجانة قرابة لأعطاك ما سألت ثم أنشد يزيد:

نفلق هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما قال علي بن الحسين عليهما السلام: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير " ثم قالوا: وأما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين تفزع القلوب: يا حسيناه! يا حبيب رسول الله! يا ابن مكة ومنى!

يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء! يا ابن بنت المصطفى! قال: فأبكت والله كل من كان في المجلس، ويزيد ساكت ثم جعلت امرأة من بني هاشم في دار يزيد تندب على الحسين عليه السلام وتنادي:

وا حبيباه! يا سيد أهل بيتاه! يا ابن محمداه! يا ربيع الأرامل واليتامى! يا قتيل أولاد الأدعياء! قال: فأبكت كل من سمعها ثم دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين عليه السلام فأقبل عليه

أبو برزة الأسلمي وقال: ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة؟

أشهد لقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا، قال: فغضب يزيد وأمر باخراجه فاخرج سحبا قال: فجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى شعر ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل أقول: وزاد محمد بن أبي طالب:

لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل وفي المناقب: " لست من عتبة إن لم أنتقم " قال السيد وغيره: فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن " أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، مهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين "

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي؟ وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟ وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟ ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

وأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل منتحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم يكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت " اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا " فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا جززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، حسبك بالله حاكما، وبمحمد خصيما وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من سوى لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا ولئن جرت على علي الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من

دمائنا والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفوها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت وما ربك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى، وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل فقال يزيد:

يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح قال: ثم استشار أهل الشام فيما يصنع بهم، فقالوا: لا تتخذ من كلب سوء جروا فقال له النعمان بن بشير: انظر ما كان الرسول يصنعه بهم فاصنعه بهم وقال المفيد - رحمه الله -: ثم قال لعلي بن الحسين: يا ابن حسين أبوك قطع رحمي وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت، فقال علي ابن الحسين: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير " فقال يزيد لابنه خالد: أردد عليه! فلم يدر خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " وقال صاحب المناقب: بعد ذلك فقال علي بن الحسين: يا ابن معاوية وهند وصخر لم تزل النبوة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في يوم بدر واحد والأحزاب في يده راية رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوك

وجدك في أيديهما رايات الكفار، ثم جعل علي بن الحسين عليهما السلام يقول:

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟

بعترتي وبأهلي عند مفتقدي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ثم قال علي بن الحسين: ويلك يا يزيد! إنك لو تدري ماذا صنعت؟ وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذا لهربت في الجبال، وافترشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور، أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوبا على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله فيكم، فأبشر بالخزي والندامة غدا إذا جمع الناس ليوم القيامة وقال المفيد: ثم دعا بالنساء والصبيان فاجلسوا بين يديه فرأى هيئة قبيحة فقال: قبح الله ابن مرجانة لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم على هذا فقالت فاطمة بنت الحسين: ولما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدت وظننت أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون وفي رواية السيد قلت: أوتمت وأستخدم؟ فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولؤمت، والله ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت له:

أنت أمير تشتم ظالما وتقهر لسلطانك، فكأنه استحيا وسكت، وعاد الشامي فقال:

هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: أعزب وهب الله لك حتفا قاضيا

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.