بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 3 البداء والنسخ 2
ج ۴، ص ۱۱۷–۱۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
51 - تفسير العياشي: عن علي بن عبد الله بن مروان، عن أيوب بن نوح قال: قال لي أبو الحسن العسكري عليه السلام - وأنا واقف بين يديه بالمدينة ابتداءا من غير مسألة -:
يا أيوب إنه ما نبأ الله من نبي إلا بعد أن يأخذ عليه ثلاث خلال: شهادة أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد من دون الله، وأن المشيئة يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، أما إنه إذا جرى الاختلاف بينهم لم يزل الاختلاف بينهم إلى أن يقوم صاحب هذا الامر.
52 - تفسير العياشي: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول:
لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. فقلت: أية آية؟ قال:
قول الله: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ".
53 - تفسير العياشي: عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " قال: هل يثبت إلا ما لم يكن، وهل يمحو إلا ما كان؟.
54 - تفسير العياشي: عن الفضل بن بشار عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله لم يدع شيئا كان أو يكون إلا كتبه في كتاب فهو موضوع بين يديه ينظر إليه فما شاء منه قدم
وما شاء منه أخر، وما شاء منه محا، وما شاء منه كان، وما لم يشأ لم يكن.
55 - تفسير العياشي: عن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " فقال: يا حمران إنه إذا كان ليلة القدر ونزلت الملائكة الكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يقضى في تلك السنة من أمر فإذا أراد الله أن يقدم شيئا أو يؤخره أو ينقص منه أو يزيد أمر الملك فمحا ما شاء ثم أثبت الذي. أراد قال: فقلت له عند ذلك: فكل شئ يكون فهو عند الله في كتاب؟ قال: نعم فقلت: فيكون كذا وكذا ثم كذا وكذا حتى ينتهي إلى آخره؟ قال: نعم. قلت: فأي شئ يكون بيده بعده؟
قال: سبحان الله ثم يحدث الله أيضا ما شاء تبارك وتعالى.
56 - تفسير العياشي: عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: العلم علمان: علم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه آخر، يحدث فيه ما يشاء.
57 - تفسير العياشي: عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله كتب كتابا فيه ما كان وما هو كائن فوضعه بين يديه فما شاء منه قدم، وما شاء منه أخر، وما شاء منه محا، وما شاء منه أثبت، وما شاء منه كان، وما لم يشأ منه لم يكن.
58 - تفسير العياشي: عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من الأمور أمور محتومة جائية لا محالة، ومن الأمور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء، ويمحو منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحدا - يعني الموقوفة - فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته.
59 - تفسير العياشي: عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: يا أبا حمزة إن حدثناك بأمر أنه يجيئ من هاهنا فجاء من هاهنا فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حد ثناك اليوم بحديث وحد ثناك غدا بخلافه فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت.
60 - تفسير العياشي: عن عمرو بن الحمق قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام حين ضرب
على قرنه فقال لي: يا عمرو إني مفارقكم ثم قال: سنة السبعين فيها بلاء - قالها ثلاثا - فقلت:
فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني وأغمي عليه فبكت أم كلثوم فأفاق فقال: يا أم كلثوم لا تؤذيني فإنك لوقد ترين ما أرى لم تبكي، إن الملائكة في السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيون خلفهم، وهذا محمد صلى الله عليه وآله آخذ بيدي يقول: انطلق يا علي فما أمامك خير لك مما أنت فيه، فقلت بأبي أنت وأمي قلت إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: نعم يا عمرو إن بعد البلاء رخاءا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
61 - قال أبو حمزة: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: إن عليا عليه السلام كان يقول: إلى السبعين بلاء وبعد السبعين رخاء، فقد مضت السبعين ولم يروا رخاءا، فقال لي أبو جعفر عليه السلام: يا ثابت إن الله كان قد وقت هذا الامر في السبعين فلما قتل الحسين عليه السلام اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثنا كم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السر فأخره الله ولم يجعل لذلك عندنا وقتا، ثم قال: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
62 - تفسير العياشي: عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله إذا أراد فناء قوم أمر الفلك فأسرع الدور بهم، فكان ما يريد من النقصان، فإذا أراد الله بقاء قوم أمر الفلك فأبطأ الدور بهم فكان ما يريد من الزيادة، فلا تنكروا فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
63 - تفسير العياشي: عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: إن الله يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب. وقال: فكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شئ يبدو له إلا وقد كان في علمه، إن الله لا يبدو له من جهل.
64 - تفسير العياشي: عن أبي ميثم بن أبي يحيى، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: ما من مولود يولد إلا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فان علم الله أنه من شيعتنا حجبه من ذلك الشيطان، وإن لم يكن من شيعتنا أثبت الشيطان إصبعه السبابة في دبره فكان مأبونا فإن كان امرأة أثبت في فرجها فكانت فاجرة فعند ذلك يبكي الصبي بكاءا شديدا إذا هو خرج من بطن أمه، والله بعد ذلك يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
65 - تفسير العياشي: عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عن قول الله " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " قال: إن ذلك الكتاب كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء، وذلك الدعاء مكتوب عليه: الذي يرد به القضاء، حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا.
66 - تفسير العياشي: عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المرء ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاث سنين فيمدها الله إلى ثلاث و ثلاثين سنة، وإن المرء ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة فيقصرها الله إلى ثلاث سنين أو أدنى. قال الحسين: وكان جعفر يتلو هذه الآية: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ".
67 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن محمد الأسدي، عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وآله فقال: السام عليك. فقال النبي صلى الله عليه وآله: عليك، فقال أصحابه: إنما سلم عليك بالموت فقال: الموت عليك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وكذلك رددت، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله
ثم لم يلبث أن انصرف. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملا إلا حطبي هذا حملته فجئت به وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بها دفع الله عنه، وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الانسان
68 - كتاب زيد النرسي، عن محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قلت له: كانت الدنيا قط منذ كانت وليس في الأرض حجة؟ قال: قد كانت الأرض وليس فيها رسول ولا نبي ولا حجة وذلك بين آدم ونوح في الفترة، ولو سألت هؤلاء عن هذا لقالوا: لن تخلو الأرض من الحجة - وكذبوا - إنما ذلك شئ بد الله عز وجل فيه فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وقد كان بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله فترة من الزمان لم يكن في الأرض نبي ولا رسول ولا عالم فبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بشيرا ونذيرا وداعيا إليه.
بيان: لعل المراد عدم الحجة والعالم الظاهرين لتظافر الاخبار بعدم خلو الأرض من حجة قط.
69 - ومن كتاب المذكور عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بد الله بداء أعظم من بداء بدا له في إسماعيل ابني.
70 - كتاب حسين بن عثمان، عن سليمان الطلحي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أخبرني عما أخبرت به الرسل عن ربها وأنهت ذلك إلى قومها أيكون لله البداء فيه؟ قال: أما إني لا أقول لك: إنه يفعل، ولكن إن شاء فعل بسط كلام لرفع شكوك وأوهام: إعلم أن البداء مما ظن أن الامامية قد تفردت به
وقد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين، والاخبار في ثبوتها كثيرة مستفيضة من الجانبين كما عرفت، ولنشر إلى بعض ما قيل في تحقيق ذلك، ثم إلى ما ظهر لي من الاخبار مما هو الحق في المقام.
اعلم أنه لما كان البداء - ممدودا - في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن - يقال: بدا الامر بدوا: ظهر، وبدا له في هذا الامر بداءا أي نشأ له فيه رأي، كما ذكره الجوهري وغيره - فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحق تعالى، لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشئ بعد جهله وهذا محال، ولهذا شنع كثير من المخالفين على الامامية في ذلك نظرا إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم حتى أن الناصبي المتعصب " الفخر الرازي " ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكيا عن سليمان بن جرير أن الأئمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم فإذا قالوا: إنه سيكون لهم أمر وشوكة ثم لا يكون الامر على ما أخبروه قالوا: بد الله تعالى فيه، وأعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي رحمه الله في نقد المحصل عن ذلك - لعدم إحاطته كثيرا بالاخبار -: بأنهم لا يقولون بالبداء، وإنما القول به ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق عليه السلام أنه جعل إسماعيل القائم مقامه بعده فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه فجعل القائم مقامه موسى عليه السلام، فسئل عن ذلك فقال: بدا لله في إسماعيل، وهذه رواية وعندهم أن خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا انتهى.
فانظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبية عينه حيث نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف ولا مؤالف في فضلهم وعلمهم وورعهم وكونهم أتقى الناس وأعلاهم شأنا ورفعة الكذب والحيلة والخديعة، ولم يعلم أن مثل هذه الألفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القرآن الكريم وأخبار الطرفين كقوله تعالى: " الله يستهزئ بهم " ومكر الله، وليبلوكم، ولنعلم، ويد الله، ووجه الله، وجنب الله إلى غير ذلك مما لا يحصى، وقد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعني الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا، كخبر دعاء النبي صلى الله عليه وآله على اليهودي، وإخبار عيسى على نبينا وآله وعليه السلام، وأن الصدقة والدعاء يغير ان القضاء وغير ذلك. وقال ابن الأثير في النهاية:
في حديث الأقرع والأبرص والأعمى: بدا لله عز وجل أن يبتليهم أي قضى بذلك، وهو معنى البداء ههنا لان القضاء سابق والبداء استصواب شئ علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله غير جائز انتهى.
وقد دلت الآية على الأجلين وفسرهما أخيرا بما عرفت، وقد قال تعالى: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " وقال هذا الناصبي في تفسيرها: في هذه الآية قولان:
الأول: أنها عامة في كل شئ كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا: " إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والايمان والكفر، وهو مذهب عمرو بن مسعود، ورواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله والثاني: أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض ففيها وجوه: الأول: أن المراد من المحو والاثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الأول. الثاني: أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل ويثبت غيره. الثالث: أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محا عن ديوانه الرابع: يمحو الله ما يشاء وهو من جاء أجله، ويدع من لم يجئ أجله ويثبته الخامس: أنه تعالى يثبت في أول السنة فإذا مضت السنة محيت وأثبت كتاب آخر للمستقبل. السادس: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس. السابع:
يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. الثامن: أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى. التاسع: تعير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، وما حضر وحصل فهو الاثبات العاشر: يزيل ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحد فهو المتفرد بالحكم كما يشاء، وهو المستقل بالايجاد والاعدام والاحياء والإماتة والاغناء والافقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه.
واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم فكيف يستقيم مع هذا المعني المحو والاثبات؟ قلنا: ذلك المحو
والاثبات أيضا مما قد جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه، ثم قال:
قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الامر بخلاف ما اعتقده، وتمسكوا فيه بقوله تعالى: " يمحو الله ما يشاء " انتهى كلامه لعنه الله.
ولا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى عليهم مع أن كتب الامامية المتقدمين عليه كالصدوق والمفيد والشيخ والمرتضى وغيرهم رضوان الله عليهم مشحونة بالتبري عن ذلك، ولا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف، والعجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الرب تعالى مالا يليق به، والامامية قدس الله أسرارهم يبالغون في تنزيهه تعالى ويفحمونهم بالحجج البالغة، ولما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم ويفترون عليهم بأمثال تلك الأقاويل الفاسدة، وهل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين؟ ولو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك فالامامية يتبرؤون منه ومن قوله كما يتبرؤون من هذا الناصبي وأمثاله وأقاويلهم الفاسدة.
فأما ما قيل في توجيه البداء فقد عرفت ما ذكره الصدوق والشيخ قدس الله روحهما في ذلك
وقد قيل فيه وجوه أخر:
الأول: ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه في نبراس الضياء حيث قال:
البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الامر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ فهو في الامر التكويني والمكونات الزمانية بداء فالنسخ كأنه بداء تشريعي، والبداء كأنه نسخ تكويني، ولا بداء في القضاء ولا بالنسبة إلى جناب القدس
الحق، والمفارقات المحضة من ملائكته القدسية، وفي متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار والثبات البات ووعاء عالم الوجود كله، وإنما البداء في القدر وفي امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي والتجدد، وظرف التدريج والتعاقب، وبالنسبة إلى الكائنات الزمانية ومن في عالم الزمان والمكان وإقليم المادة والطبيعة، وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لارفعه وارتفاعه من وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الامر التكويني، وانتهاء
اتصال الإفاضة، ومرجعه إلى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الإفاضة لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حد حصوله. انتهى.
الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي وتبعه غيره من معاصرينا، وهو أن القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الأمور بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا وجملة فجملة، مع أسبابها وعللها على نهج مستمر ونظام مستقر فإن ما يحدث في عالم الكون والفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى ونتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، وربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لولا ذلك السبب، ولم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحى عنها نقش الحكم السابق ويثبت الحكم الآخر، مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا لأسباب تقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدقة الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به وكان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء، وإذا كانت الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيئ أو ان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الامر ولا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع أخرى فهذا هو السبب في البداء والمحو والاثبات والتردد وأمثال ذلك في أمور العالم فإذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي أو الامام عليهما الصلاة والسلام وقرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمع باذن قلبه، وأما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلان كل ما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه حيث إنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله عز وجل لاستهلاك
إرادتهم في إرادته تعالى، ومثلهم كمثل الحواس للانسان كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به فكل كتابة تكون في هذه الألواح والصحف فهو أيضا مكتوب لله عز وجل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول فيصح أن يوصف الله عز وجل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار، وإن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير والسنوح، وهو سبحانه منزه عنه، فإن كل ما وجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته.
الثالث: ما ذكره بعض المحققين حيث قال: تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها وخاصها، ومطلقها ومقيدها، وناسخها ومنسوخها، ومفرداتها ومركباتها، وإخباراتها وإنشاءاتها، بحيث لا يشذ عنها شئ منتقشة في اللوح، والفائض منه على الملائكة والنفوس العلوية والنفوس السفلية قد يكون الامر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، ويتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، وهذه النفوس العلوية وما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو والاثبات، والبداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب.
الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رضوان الله عليه في جواب مسائل أهل الري وهو أنه قال: المراد بالبداء النسخ، وادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي. أقول: هذا ما قيل في هذا الباب وقد قيل فيه: وجوه أخر لا طائل في إيرادها، والوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء وبينهما كما بين الأرض والسماء، وبعضها مبنية على مقدمات لم تثبت في الدين بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين، وكلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه، وتفصيل القول في كل منها يفضي إلى الاطناب، ولنذكر ما ظهر لنا من الآيات والاخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة وتأبى عنه العقول الصحيحة.
فنقول - وبالله التوفيق -: إنهم عليهم السلام إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين
يقولون: إن الله قد فرغ من الامر وعلى النظام، وبعض المعتزلة الذين يقولون: إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، والتقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها و وجودها، وإنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة، و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكية، وبأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، وينسبون الحوادث إلى هؤلاء، فنفوا عليهم السلام ذلك وأثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شئ وإحداث آخر، وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك، لئلا يتركوا العباد التضرع إلى الله ومسألته وطاعته والتقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والاحسان ما وعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك.
ثم اعلم أن الآيات والاخبار تدل على أن الله خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات:
أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا وهو مطابق لعلمه تعالى. والآخر لوح المحو والاثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على اولي الألباب، مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة، ومعناه أن مقتضي الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون، وإذا قطعها يكتب مكانه أربعون، وفي اللوح المحفوظ أنه يصل وعمره ستون كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة، فإذا شرب سما ومات أو قتله إنسان فنقص من ذلك، أو استعمل دواءا قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب، والتغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء والاستهزاء والسخرية وأمثالها، أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا، وأي استبعاد في تحقق هذين اللوحين
وأية استحالة في هذا المحو والاثبات حتى يحتاج إلى التأويل والتكلف وإن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها مع أن الحكم فيه ظاهرة: منها أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح والمطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة.
ومنها أن يعلم بإخبار الرسل والحجج عليهم الصلاة والسلام أن لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم، ولأعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا لهم إلى الخيرات صارفا لهم عن السيئات فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ من جهة لصيرورته سببا لحصول بعض الاعمال فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو والاثبات.
ومنها أنه إذا أخبر الأنبياء والأوصياء أحيانا من كتاب المحو والاثبات ثم أخبروا بخلافه يلزمهم الاذعان به، ويكون ذلك تشديدا للتكليف عليهم، تسبيبا لمزيد الاجر لهم كما في سائر ما يبتلي الله عباده منه من التكاليف الشاقة وإيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها، وبها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين.
ومنها أن يكون هذه الأخبار تسلية من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله وغلبة الحق وأهله كما روى في قصة نوح على نبينا وآله وعليه السلام حين أخبر بهلاك القوم ثم أخر ذلك مرارا، وكما روي في فرج أهل البيت عليهم السلام وغلبتهم، لأنهم عليهم السلام لو كانوا أخبر والشيعة في أول ابتلائهم باستيلاء المخالفين وشدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد ألف سنة ليئسوا ورجعوا عن الدين. ولكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج، وربما أخبروهم بأنه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين ويثابوا بانتظار الفرج كما مر في خبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
وروى الكليني عن محمد بن يحيى، وأحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن السياري عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن أبيه علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة، قال: وقال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له: علي: إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد غير أن أمر كم حضر فأعطيتم محضة فكان كما قيل لكم، وأن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الامر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاث مائة سنة لقست القلوب، ولرجع عامة الناس عن الاسلام، ولكن قالوا:
ما أسرعه وما أقربه تأليفا لقلوب الناس وتقريبا للفرج. وقوله: قيل لنا أي في خلافة العباسية - وكان من شيعتهم - أوفي دولة آل يقطين. وقيل لكم أي في أمر القائم وظهور فرج الشيعة.
وروى أيضا عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الخزاز، عن عبد الكريم بن عمر والخثعمي، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت:
لهذا الامر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، إن موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما فلما زاد الله إلى الثلاثين عشرا قال قومه: قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدثنا كم الحديث فجاء على ما حدثنا كم فقولوا: صدق الله، وإذا حدثنا كم الحديث فجاء على خلاف ما حدثنا كم به فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين.
وسيأتي كثير من الاخبار في ذلك في كتاب النبوة لا سيما في أبواب قصص نوح و موسى وشعيا على نبينا وآله وعليهم السلام، وسيأتي أيضا في كتاب الغيبة، فأخبارهم عليهم السلام بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات والمتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها وبيانها، وقولهم: يقع الامر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا، أو إن لم يقع الامر الفلاني الذي ينافيه، وإن لم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل، وقد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل على نبينا وآله وعليه السلام، فمعنى قولهم عليهم السلام: ما عبد الله بمثل البداء: أن الايمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية
لصعوبته ومعارضته الوساوس الشيطانية فيه، ولكونه إقرارا بأن له الخلق والامر، وهذا كمال التوحيد، أو المعنى أنه من أعظم الأسباب والدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت. وكذا قولهم عليهم السلام: ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين وإن كان الأول فيه أظهر. وأما قول الصادق عليه السلام: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الاجر ما فتروا عن الكلام فيه فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلابد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شئ من مطالبهم، وما تضرعوا إليه، وما استكانوا لديه، ولا خافوا منه ولا رجعوا إليه، إلى غير ذلك مما قد أومأنا إليه. وأما أن هذه الأمور من جملة الأسباب المقدرة في الأزل أن يقع الامر بها لا بدونها فمما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق فظهر أن هذا اللوح وعلمهم بما يقع فيه من المحو والاثبات أصلح لهم من كل شئ.
بقي ههنا إشكال آخر وهو أنه يظهر من كثير من الأخبار المتقدمة أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام، ويظهر من كثير منها وقوع البداء فيما وصل إليهم أيضا، ويمكن الجمع بينها بوجوه:
الأول: أن يكون المراد بالاخبار الأولة عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على سبيل التبليغ بأن يؤمروا بتبليغه ليكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ.
الثاني: أن يكون المراد بالأولة الوحي ويكون وما يخبرون به من جهة الالهام واطلاع نفوسهم على الصحف السماوية، وهذا قريب من الأول.
الثالث: أن تكون الأولة محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة.
الرابع: ما أشار إليه الشيخ قدس الله روحه من أن المراد بالاخبار الأولة عدم وصول الخبر إليهم وأخبارهم على سبيل الحتم فيكون أخبارهم على قسمين: أحدهما ما أوحي إليهم أنه من الأمور المحتومة فهم يخبرون كذلك ولا بداء فيه وثانيهما ما يوحي
إليهم لا على هذا الوجه فهم يخبرون كذلك، وربما أشعروا أيضا باحتمال وقوع البداء فيه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام بعد الاخبار بالسبعين: ويمحو الله ما يشاء وهذا وجه قريب.
الخامس: أن يكون المراد بالاخبار الأولة أنهم لا يخبرون بشئ لا يظهر وجه الحكمة فيه على الخلق لئلا يوجب تكذيبهم، بل لو أخبروا بشئ من ذلك يظهر وجه الصدق فيما أخبروا به، كخبر عيسى على نبينا وآله وعليه السلام، والنبي صلى الله عليه وآله حيث ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما. وسيأتي بعض القول في ذلك في باب ليلة القدر، وسيأتي بعض أخبار البداء في باب القضاء، وإيفاء حق الكلام في هذه المسألة يقتضي رسالة مفردة والله الموفق.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.