بحارالانوار · المجلد التاسع
116. باب جوامع معجزاته صلوات الله عليه ونوادرها
ج ۴۲، ص ۱۶–۴۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
يا شاب لو قرأت القرآن لكان خيرا لك، فقال: إني لا أحسنه ولوددت أن أحسن منه شيئا، فقال: ادن مني، فدنا منه فتكلم في اذنه بشئ خفي، فصور الله القرآن كله في قلبه فحفظ كله.
2 - الخرائج: روي عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: قرئت عند أمير المؤمنين عليه السلام " إذا زلزلت الأرض زلزالها " إلى أن بلغ قوله: " وقال الانسان مالها يومئذ تحدث أخبارها " قال: أنا الانسان وإياي تحدث أخبارها، فقال له ابن الكواء: يا أمير المؤمنين " وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم " قال نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن أصحاب الأعراف نوقف بين الجنة والنار، ولا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه، وكان علي عليه السلام يخاطبه بويحك، وكان يتشيع، فلما كان يوم النهروان قاتل عليا عليه السلام ابن الكواء.
وجاءه عليه السلام رجل فقال: إني أحبك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كذبت فقال الرجل: سبحان الله كأنك تعلم ما في قلبي! وجاءه آخر فقال: إني أحبكم أهل البيت - وكان فيه لين - فأثنى عليه عنده، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كذبتم لا
يحبنا مخنث ولا ديوث ولا ولد زناء ولا من حملته أمه في حيضها، فذهب الرجل فلما كان يوم صفين قتل مع معاوية.
3 - الخرائج: روي أنه صعب على المسلمين قلعة فيها كفار ويئسوا من فتحها فقعد في المنجنيق ورماه الناس إليها وفي يده ذو الفقار، فنزل عليهم وفتح القلعة.
4 - الخرائج: روي عن محمد بن سنان قال: دخلت على الصادق عليه السلام فقال لي: من بالباب؟ قلت: رجل من الصين، قال: فأدخله، فلما دخل قال له أبو عبد الله عليه السلام:
هل تعرفونا بالصين؟ قال: نعم يا سيدي، قال: وبما ذا تعرفوننا؟ قال: يا ابن رسول الله إن عندنا شجرة تحمل كل سنة وردا يتلون كل يوم مرتين، فإذا كان أول النهار نجد مكتوبا عليه " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وإذا كان آخر النهار فإنا نجد مكتوبا عليه " لا إله إلا الله علي خليفة رسول الله ".
5 - الخرائج: روي أن أبا طالب قال لفاطمة بنت أسد - وكان علي عليه السلام صبيا: - رأيته يكسر الأصنام فخفت أن يعلم كبار قريش، فقالت: يا عجبا أخبرك بأعجب من هذا، إني اجتزت بالموضع الذي كانت أصنامهم فيه منصوبة وعلي في بطني، فوضع رجليه في جوفي شديدا لا يتركني أن أقرب من ذلك الموضع الذي فيه، وإنما كنت أطوف بالبيت لعبادة الله لا للأصنام.
6 - الإرشاد: ومن آيات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبيناته التي انفرد بها ممن عداه ظهور مناقبه في الخاصة والعامة، وتسخير الجمهور لنقل فضائله وما خصه الله من كرائمه، وتسليم العدو من ذلك بما فيه الحجة عليه، هذا مع كثرة المنحرفين عنه والأعداء له، وتوافر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله وجحد حقه، وكون الدنيا في يد خصومه وانحرافها عن أوليائه، وما اتفق لأضداده من
سلطان الدنيا، وحمل الجمهور على إطفاء نوره ودحض أمره، فخرق الله العادة بنشر فضائله وظهور مناقبه، وتسخير الكل للاعتراف بذلك والاقرار بصحته، واندحاض ما احتال به أعداؤه في كتمان مناقبه وجحد حقوقه، حتى تمت الحجة له وظهر البرهان بحقه، ولما كانت العادة جارية بخلاف ما ذكرناه فيمن اتفق له من أسباب خمول أمره ما اتفق لأمير المؤمنين عليه السلام فانخرقت العادة فيه دل ذلك على بينونته من الكافة بباهر الآية على ما وصفناه، وقد شاع الخبر واستفاض عن الشعبي أنه كان يقول: لقد كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على منابرهم وكأنما يشال بضبعه إلى السماء، وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم وكأنهم يكشفون عن جيفة.
وقال الوليد بن عبد الملك لبنيه يوما: يا بني عليكم بالدين فإني لم أر الدين بنى شيئا فهدمته الدنيا، ورأيت الدنيا قد بنت بنيانا فهدمه الدين، ما زالت أصحابنا وأهلنا يسبون علي بن أبي طالب عليه السلام ويدفنون فضائله ويحملون الناس على شنآنه ولا يزيده ذلك من القلوب إلا قربا، ويجهدون في تقريبهم من نفوس الخلق ولا يزيدهم ذلك إلا بعدا، وفيما انتهى إليه الامر من دفن فضائل أمير المؤمنين والحيلولة بين العلماء ونشرها ما لا شبهة فيه على عاقل، حتى كان الرجل إذا أراد أن يروي عن أمير المؤمنين عليه السلام رواية لن يستطيع أن يصفها بذكر اسمه ونسبه ويدعوه الضرورة إلى أن يقول: حدثني رجل من أصحاب رسول الله، ويقول:
حدثني رجل من قريش، ومنهم من يقول: حدثني أبو زينب، وروى عكرمة عن
عائشة في حديثها له بمرض رسول الله صلى الله عليه وآله ووفاته فقالت في جملة ذلك: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله متوكئا على رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل بن العباس، فلما حكي عنها ذلك لعبد الله بن العباس قال له: أتعرف الرجل الآخر؟ قال: لا لم تسمه لي قال: ذلك علي بن أبي طالب، وما كانت امنا تذكره بخير وهي تستطيع.
وكانت الولاة الجورة تضرب بالسياط من ذكره بخير، بل تضرب الرقاب على ذلك، وتعرض للناس بالبراءة منه، والعادة جارية فيمن اتفق له ذلك أن لا يذكر على وجه بخير فضلا عن أن يذكر له فضائل أو يروى له مناقب أو يثبت له حجة لحق وإذا كان ظهور فضائله عليه السلام وانتشار مناقبه على ما قدمنا ذكره من شياع ذلك في الخاصة والعامة وتسخير العدو والولي لنقله ثبت خرق العادة فيه، و بان وجه البرهان فيه بالآية الباهرة على ما قدمناه.
ومن آيات الله تعالى فيه أنه لم يمن أحد في ولده وذريته بما مني عليه السلام في ذريته، وذلك أنه لم يعرف خوف شمل جماعة من ولد نبي ولا إمام ولا ملك زمان ولا بر ولا فاجر كالخوف الذي شمل ذرية أمير المؤمنين عليه السلام، ولا لحق أحدا من القتل والطرد عن الديار والأوطان والإخافة والارهاب ما لحق ذرية أمير المؤمنين عليه السلام وولده، ولم يجر على طائفة من الناس من صروف النكال ما جرى عليهم من ذلك، فقتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال، وبني على كثير منهم - وهم أحياء - البنيان، وعذبوا بالجوع والعطش حتى ذهبت أنفسهم على الهلاك، وأحوجهم ذلك إلى التمزق في ذلك ومفارقة الديار والأهل والأوطان، وكتمان نسبهم
عن أكثر الناس، وبلغ بهم الخوف إلى الاستخفاء عن أحبائهم فضلا عن الأعداء وبلغ هربهم من أعدائهم إلى أقصى الشرق والغرب، والمواضع النائية عن العمارة وزهد في معرفتهم أكثر الناس، ورغبوا عن تقريبهم والاختلاط بهم مخافة على أنفسهم وذراريهم من جبابرة الزمان، وهذه كلها أسباب يقتضي انقطاع نظامهم واجتثاث أصولهم وقلة عددهم، وهم مع ما وصفناه أكثر ذرية أحد من الأنبياء والصالحين والأولياء، بل أكثر من ذراري أحد من الناس قد طبقوا الأرض بكثرتهم البلاد، وغلبوا في الكثرة على ذراري أكثر العباد، هذا مع اختصاص مناكحهم في أنفسهم دون البعداء، وحصرها في ذوي أنسابهم دنية من الأقرباء، وفي ذلك خرق العادة على ما بيناه، وهو دليل الآية الباهرة في أمير المؤمنين عليه السلام كما وصفناه و بيناه، وهذا ما لا شبهة فيه والحمد لله.
7 - تفسير الإمام العسكري: قال الصادق عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أظهر لليهود ولجماعة من المنافقين المعجزات فقابلوها بالكفر أخبر الله عز وجل عنهم بأنه جل ذكره ختم على قلوبهم وعلى سمعهم ختما يكون علامة لملائكته المقربين القراء لما في اللوح المحفوظ من أخبار هؤلاء المكذبين المذكورين فيه أحوالهم، حتى إذا نظروا إلى أحوالهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وشاهدوا ما هناك من ختم الله عز وجل عليها ازدادوا بالله معرفة، وبعلمه بما يكون قبل أن يكون يقينا، حتى إذا شاهدوا هؤلاء المختوم عليهم وعلى جوارحهم يخبرون على ما قرؤوا من اللوح المحفوظ وشاهدوه في قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ازدادوا بعلم الله عز وجل بالغائبات يقينا، قال: فقالوا:
يا رسول الله فهل في عباد الله من يشاهد هذا الختم كما تشاهده الملائكة؟ فقال رسول -
الله صلى الله عليه وآله: بلى محمد رسول الله شاهده بإشهاد الله تعالى له، ويشاهده من أمته أطوعهم لله عز وجل وأشدهم جدا في طاعة الله عز وجل وأفضلهم في دين الله عز وجل، فقالوا:
بينه يا رسول الله، وكل منهم يتمنى أن يكون هو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: دعوه يكن ممن شاء الله، فليس الجلالة في المراتب عند الله عز وجل بالتمني ولا بالتظني ولا بالاقتراح، ولكنه فضل من الله عز وجل على من يشاء يوفقه للأعمال الصالحة يكرمه بها، فيبلغه أفضل الدرجات وأفضل المراتب، إن الله تعالى سيكرم بذلك من يريكموه في غد، فجدوا في الأعمال الصالحة، فمن وفقه الله لما يوجب عظيم كرامته عليه فلله عليه في ذلك الفضل العظيم.
قال عليه السلام: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وغص مجلسه بأهله وقد جد بالأمس كل من خيارهم في خيار عمله وإحسانه إلى ربه قدمه يرجو أن يكون هو ذلك الخير الأفضل، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله من هذا عرفناه بصفته إن لم تنص لنا على اسمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا الجامع للمكارم، الحاوي للفضائل، المشتمل على الجميل، قاض عن أخيه دينا مجحفا إلى غريم سغب غاضب لله تعالى، قاتل لغضبه ذاك عدو الله، مستحي من مؤمن معرضا عنه بخجلة، مكايدا في ذلك الشيطان الرجيم حتى أخزاه الله عنه ووقى بنفسه نفس عبد الله مؤمن حتى أنقذه من الهلكة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيكم قضى البارحة ألف درهم وسبعمائة درهم؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي فحدث إخوانك المؤمنين كيف كانت قصته أصدقك لتصديق الله إياك، فهذا الروح الأمين أخبرني عن الله تعالى أنه قد هذبك عن القبيح كله، ونزهك عن المساوي بأجمعها وخصك بالفضائل من أشرفها وأفضلها، لا يتهمك إلا من كفر به وأخطأ حظ نفسه.
فقال علي عليه السلام: مررت البارحة بفلان بن فلان المؤمن، فوجدت فلانا وأنا أتهمه بالنفاق، وقد لازمه وضيق عليه، فناداني المؤمن: يا أخا رسول الله وكشاف الكرب عن وجه رسول الله وقامع أعدائه عن حبيبه أغثني واكشف كربتي ونجني من غمي، سل غريمي هذا لعله يجيبك ويؤجلني فإني معسر، فقلت له: الله إنك لمعسر؟ فقال: يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله لان كنت أستحل الكذب فلا تأمنني على يميني أيضا، فإني معسر وفي قولي هذا صادق، وأوقر الله واجله أن أحلف به صادقا أو كاذبا، فأقبلت على الرجل فقلت: إني لأجل نفسي عن أن يكون لهذا علي يد، وأجلك أيضا عن أن يكون له عليك يد أو منة، وأسأل مالك الملك الذي لا يؤنف من سؤاله ولا يستحيى من التعرض لثوابه، ثم قلت: اللهم بحق محمد وآله الطيبين لما قضيت عن عبدك هذا هذا الدين، فرأيت أبواب السماء تنادي أملاكها: يا أبا الحسن مر هذا العبد؟ يضرب بيده إلى ما شاء مما بين يديه من حجر ومدر وحصاة وتراب يستحيل في يده ذهبا، ثم يقضي منه دينه ويجعل ما يبقى نفقته وبضاعته التي يسد بها فاقته ويمون بها عياله، فقلت: يا عبد الله قد أذن الله بقضاء دينك وايسارك بعد فقرك، اضرب بيدك إلى ما تشاء مما أمامك فتناوله، فإن الله يحوله في يدك ذهبا إبريزا، فتناول أحجارا ثم مدرا فانقلبت له ذهبا أحمر، ثم قلت له: افصل له منها قدر دينه فأعطه ، ففعل، قلت: فالباقي لك رزق ساقه الله تعالى إليك فكان الذي قضاه من دينه ألفا وسبعمائة درهم، وكان الذي بقي أكثر من مائة ألف درهم، فهو من أيسر أهل المدينة.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يعلم من الحساب ما لا يبلغه عقول الخلق إنه يضرب ألفا وسبعمائة في ألف وسبعمائة، ثم ما ارتفع من ذلك في مثله إلى أن يفعل ذلك ألف مرة، ثم آخر ما يرتفع من ذلك عدد ما يهبه الله لك في الجنة من القصور قصر من ذهب وقصر من فضة وقصر من لؤلؤ وقصر من زبرجد وقصر من
جوهر وقصر من نور رب العزة، وأضعاف ذلك من العبيد والخدم والخيل والنجب تطير بين سماء الجنة وأرضها، فقال علي عليه السلام: حمدا لربي وشكرا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهذا العدد فهو عدد من يدخلهم الجنة ويرضى عنهم لمحبتهم لك، و أضعاف هذا العدد من يدخلهم النار من الشياطين من الجن والإنس ببغضهم لك و وقيعتهم فيك وتنقيصهم إياك.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيكم قتل البارحة رجلا غضبا لله ولرسوله؟ فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنا، وسيأتيكم الخصوم الآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حدث إخوانك المؤمنين القصة، فقال علي عليه السلام: كنت في منزلي إذ سمعت رجلين خارج داري يتدارءان فدخلا إلي، فإذا فلان اليهودي وفلان رجل معروف في الأنصار، فقال اليهودي: يا أبا الحسن اعلم أنه قد بدت لي مع هذا حكومة فاحتكمنا إلى محمد صاحبكم فقضى لي عليه، فهو يقول: لست أرضى بقضائه فقد حاف ومال وليكن بيني وبينك كعب بن الأشرف، فأبيت عليه، فقال: أفترضي بعلي؟ فقلت:
نعم، فها هو قد جاء بي إليك، فقلت لصاحبه: أكما يقول؟ قال: نعم، ثم قلت: أعد علي الحديث، فأعاد كما قال اليهودي، ثم قال لي: يا علي فاقض بيننا بالحق، فقمت أدخل منزلي، فقال الرجل: إلى أين؟ قلت: أدخل آتيك بما به أحكم بالحكم العدل، فدخلت واشتملت على سيفي وضربته على حبل عاتقه، فلو كان جبلا لقددته فوقع رأسه بين يديه.
فلما فرغ علي عليه السلام من حديثه جاء أهل ذلك الرجل بالرجل المقتول و قالوا: هذا ابن عمك قتل صاحبنا فاقتص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا قصاص فقالوا أودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا دية لكم، هذا والله قتيل الله لا يؤدى، إن عليا قد شهد على صاحبكم بشهادة، والله يلعنه بشهادة علي، ولو شهد علي على الثقلين لقبل الله شهادته عليهم، إنه الصادق الأمين، ارفعوا صاحبكم هذا وادفنوه مع اليهود
فقد كان منهم، فرفع وإذا أوداجه تشخب دما وبدنه قد كسي شعرا، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ما أشبهه إلا بالخنزير في شعره! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أو ليس لو جئت بعدد كل شعرة منه مثل عدد رمال الدنيا حسنات لكان كثيرا؟
قال: بلى يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن إن هذا القتل الذي قتلت به هذا الرجل قد أوجب الله لك به من الثواب كأنما أعتقت رقابا بعدد رمل عالج الدنيا، وبعدد كل شعرة على هذا المنافق، وإن أقل ما يعطي الله بعتق رقبة لمن يهب له بعدد كل شعرة من تلك الرقبة ألف حسنة، ويمحو عنه ألف سيئة، فإن لم يكن له فلأبيه، فإن لم يكن لأبيه فلامه، فإن لم يكن لها فلأخيه، فإن لم يكن له فلذويه وجيرانه وقراباته.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيكم استحيا البارحة من أخ له في الله لما رأى به خلة ثم كايد الشيطان في ذلك الأخ ولم يزل به حتى غلبه؟ فقال علي عليه السلام:
أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حدث به يا علي إخوانك المؤمنين ليتأسوا بحسن صنيعك فيما يمكنهم، وإن كان أحد منهم لم يلحق شأنك ولم يسبق عبادتك ولا يرمقك في سابقة لك إلى الفضائل إلا كما يرمق الشمس إلى الأرض وأقصى المشرق من أقصى المغرب، فقال علي عليه السلام: مررت بمزبلة بني فلان فرأيت رجلا من الأنصار مؤمنا قد أخذ من تلك المزبلة قشور البطيخ والقثاء والتين، فهو يأكلها من شدة الجوع، فلما رأيته استحييت من أن يراني فيخجل، وأعرضت عنه و مررت إلى منزلي وكنت أعددت لفطوري وسحوري قرصين من شعير، فجئت بهما إلى الرجل فناولته إياهما، وقلت: أصب من هذا كلما جعت فإن الله عز وجل يجعل البركة فيهما، فقال: يا أبا الحسن أنا أريد أن أمتحن هذه البركة لعلمي بصدقك في قيلك، إني أشتهي لحم فراخ وأشتهاه على أهل منزلي فقلت: أكسر منه لقما بعدد ما تريده من فراخ، فإن الله تعالى يقلبها فراخا بمسألتي إياه بجاه
محمد وآله الطيبين الطاهرين، فأخطر الشيطان ببالي فقال: يا أبا الحسن تفعل هذا به ولعله منافق؟ فرددت عليه وقلت: إن يكن مؤمنا فهو أهل لما أفعل معه وإن يكن منافقا فأنا للإحسان أهل، فليس كل معروف يلحق مستحقه، وقلت: أنا أدعو الله بمحمد وآله الطيبين ليوفقه للاخلاص والنزوع عن الكفر إن كان منافقا فإن تصدقي عليه بهذا أفضل من تصدقي عليه بالطعام الشريف الموجب للثروة و الغناء، وكابدت الشيطان ودعوت الله سرا من الرجل بالاخلاص بجاه محمد وآله الطيبين فارتعدت فرائص الرجل وسقط لوجهه، فأقمته وقلت ماذا شأنك؟ قال كنت منافقا شاكا فيما يقوله محمد وفيما تقوله أنت، فكشف لي الله عن السماوات والأرض فأبصرت كل ما تواعدان من العقوبات، فذلك حين وقر الايمان في قلبي وأخلص به جناني، وزال عني الشك الذي كان يعتورني، فأخذ الرجل القرصين وقلت له:
كل شئ تشتهيه فاكسر من القرص قليلا فإن الله يحوله ما تشتهيه وتتمناه وتريده فما زال ذلك يتقلب شحما ولحما وحلوا ورطبا وبطيخا وفواكه الشتاء وفواكه الصيف حتى أظهره الله تعالى من الرغيفين عجبا، وصار الرجل من عتقاء الله من النار ومن عبيده المصطفين الأخيار فذلك حين رأيت جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت قد قصد الشيطان كل واحد منهم بمثل جبل أبي قبيس، فوضع أحدهم عليه يبنيها بعضهم على بعض فيهشم، وجعل إبليس يقول: يا رب وعدك وعدك ألم تنظرني إلى يوم يبعثون؟ فإذا نداء بعض الملائكة: أنظرتك لئلا تموت ما أنظرتك لئلا تهشم و ترضض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن كما عاندت الشيطان فأعطيت في الله حين نهاك عنه وغلبته فإن الله يخزي عنك الشيطان وعن محبيك، ويعطيك في الآخرة بعدد كل حبة مما أعطيت صاحبك وفيما تتمناه الله منه درجة في الجنة أكبر من الدنيا من الأرض إلى السماء، وبعدد كل حبة منها جبلا من فضة كذلك، و
جبلا من لؤلؤ وجبلا من ياقوت وجبلا من جوهر وجبلا من نور رب العزة كذلك وجبلا من زمرد وجبلا من زبرجد كذلك، وجبلا من مسك وجبلا من عنبر كذلك، وإن عدد خدمك في الجنة أكثر من عدد قطر المطر والنبات وشعور الحيوانات، بك يتم الله الخيرات ويمحو عن محبيك السيئات، وبك يميز الله المؤمنين من الكافرين والمخلصين من المنافقين، وأولاد الرشد من أولاد الغي.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأيكم وقى بنفسه نفس رجل مؤمن البارحة؟ فقال علي عليه السلام: أنا يا رسول الله وقيت بنفسي نفس ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حدث بالقصة إخوانك المؤمنين ولا تكشف عن اسم المنافقين المكايدين لنا، فقد كفاكما الله شرهم وأخرهم للتوبة لعلهم يتذكرون أو يخشون فقال علي عليه السلام: إني بينا أسير في بني فلان بظاهر المدينة وبين يدي بعيدا مني ثابت بن قيس: إذ بلغ بئرا عادية عميقة بعيدة القعر، وهناك رجال من المنافقين، فدفعوه ليرموه في البئر فتماسك ثابت، ثم عاد فدفعه، والرجل لا يشعر بي حتى وصلت إليه، وقد اندفع ثابت في البئر، فكرهت أن أشغل بطلب المنافقين خوفا على ثابت، فوقعت في البئر لعلي آخذه، فنظرت فإذا أنا سبقته إلى قعر البئر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وكيف لا تسبقه وأنت أرزن منه، ولو لم يكن من رزانتك إلا ما في جوفك من علم الأولين والآخرين الذي أودع الله رسوله وأودعك رسوله لكان من حقك أن تكون أرزن من كل شئ، فكيف كان حالك وحال ثابت؟ قال: يا رسول الله صرت إلى قرار البئر واستقررت قائما وكان ذلك أسهل علي وأخف على رجلي من خطاي التي كنت أخطوها رويدا رويدا، ثم جاء ثابت فانحدر فوقع على يدي، وقد بسطتها له، فخشيت أن يضرني سقوطه علي أو يضره، فما كان إلا كباقة ريحان تناولتها بيدي، ثم نظرت فإذا ذاك المنافق ومعه آخران على شفير البئر وهو يقول: أردنا واحدا فصار اثنين! فجاؤوا بصخرة فيها مائتا من فأرسلوها علينا،
فخشيت أن تصيب ثابتا فاحتضنته، وجعلت رأسه إلى صدري وانحنيت عليه، فوقعت الصخرة على مؤخر رأسي، فما كانت إلا كترويحة بمروحة روحت بها في حمارة القيظ، ثم جاؤوا بصخرة أخرى فيها قدر ثلاثمائة من فأرسلوها علينا، فانحنيت على ثابت فأصابت مؤخر رأسي، فكانت كماء صببت على رأسي وبدني في يوم شديد الحر، ثم جاؤوا بصخرة ثالثة فيها قدر خمسمائة من يد يرونها على الأرض لا يمكنهم أن يقلبوها، فأرسلوها علينا، فانحنيت على ثابت فأصابت مؤخر رأسي وظهري، فكانت كثوب ناعم صببته على بدني ولبسته و تنعمت به، ثم سمعتهم يقولون: لو أن لابن أبي طالب وابن قيس مائة ألف روح ما نجت واحدة منها من بلاء هذه الصخور، ثم انصرفوا وقد دفع الله عنا شرهم، فأذن الله لشفير البئر فانحط ولقرار البئر فارتفع، فاستوى القرار والشفير بعد بالأرض، فخطونا وخرجنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن إن الله عزو جل قد أوجب لك بذلك من الفضائل والثواب ما لا يعرفه غيره، ينادي مناد يوم القيامة: أين محبو علي بن أبي - طالب؟ فيقوم قوم من الصالحين، فيقال لهم: خذوا بأيدي من شئتم من عرصات القيامة فأدخلوهم الجنة ، فأقل رجل منهم ينجو بشفاعته من أهل تلك العرصات ألف ألف رجل، ثم ينادي مناد أين البقية من محبي علي بن أبي طالب؟ فيقومون مقتصدون، فيقال لهم: تمنوا على الله عز وجل ما شئتم، فيتمنون فيفعل بكل واحد منهم ما تمنى، ثم يضعف له مائة ألف ضعف، ثم ينادي مناد: أين البقية من محبي علي بن أبي طالب؟ فيقوم قوم ظالمون لأنفسهم معتدون عليها، فيقال: أين المبغضون لعلي بن أبي طالب؟ فيؤتى بهم جم غفير وعدد عظيم كثير، فيقال: ألا نجعل كل ألف من هؤلاء فداء لواحد من محبي علي بن أبي طالب عليه السلام ليدخلوا
الجنة، فينجي الله عز وجل محبيك ويجعل أعداءهم فداءهم.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا الأفضل الأكرم، محبه محب الله ومحب رسوله ومبغضه مبغض الله ومبغض رسوله، هم خيار خلق الله من أمة محمد صلى الله عليه وآله.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: انظر فنظر إلى عبد الله بن أبي وإلى سبعة نفر من اليهود، فقال: قد شاهدت ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت يا علي أفضل شهداء الله في الأرض بعد محمد رسول الله، قال: فذلك قوله: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " تبصرها الملائكة فيعرفونهم بها، ويبصرها رسول الله صلى الله عليه وآله ويبصرها خير خلق الله بعده علي بن أبي طالب عليه السلام ثم قال: " ولهم عذاب عظيم " في الآخرة بما كان من كفرهم بالله وكفرهم بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله.
بيان: قد مضى تمام الخبر في باب هداية الله وإضلاله وباب نوادر معجزات الرسول صلى الله عليه وآله، والذهب الابريز بالكسر: الخالص، والباقة: الحزمة من بقل والحمارة بتخفيف وتشديد الراء: شدة الحر.
8 - تفسير الإمام العسكري: قال علي بن محمد عليهما السلام: لما رجع أمير المؤمنين من صفين - وسقى القوم من الماء التي تحت الصخرة التي قلبها - ليقعد لحاجته فقال بعض منافقي عسكره سوف أنظر إلى سوأته وإلى ما يخرج منه، فإنه يدعي مرتبة النبي صلى الله عليه وآله لأخبر أصحابي بكذبه، فقال علي عليه السلام لقنبر: يا قنبر اذهب إلى تلك الشجرة وإلى التي تقابلها - وقد كان بينهما أكثر من فرسخ - فنادهما أن وصي محمد يأمركما أن تتلاصقا فقال قنبر: يا أمير المؤمنين أو يبلغهما صوتي؟ قال علي عليه السلام: إن الذي يبلغ بصر عينك السماء وبينك و بينها مسيرة خمسمائة عام سيبلغهما صوتك، فذهب قنبر فنادى فسعت
إحداهما إلى الأخرى سعي المتحابين طالت غيبة أحدهما عن الآخر واشتد شوقه وانضما، فقال قوم من منافقي العسكر: إن عليا يضاهي في سحره رسول الله ابن عمه! ما ذاك رسول الله ولا هذا إمام، وإنما هما ساحران! لكنا سندور من خلفه فننظر إلى عورته وما يخرج منه، فأوصل الله عزو جل ذلك إلى اذن علي من قبلهم فقال جهرا: يا قنبر إن المنافقين أرادوا مكايدة وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وظنوا أنه لا يمتنع منهم إلا بالشجرتين، فارجع إليهما - يعني الشجرتين - فقل لهما: إن وصي رسول الله صلى الله عليه وآله يأمر كما أن تعودا إلى مكانكما، ففعل ما أمره به فانقلعتا وعدت كل واحدة تفارق الأخرى كهزيمة الجبان من الشجاع البطل، ثم ذهب علي عليه السلام ورفع ثوبه ليقعد، وقد مضى من المنافقين جماعة لينظروا إليه، فلما رفع ثوبه أعمى الله تعالى أبصارهم فلم يبصروا شيئا، فولوا عنه وجوههم فأبصروا كما كانوا يبصرون، فنظروا إلى جهته فعموا، فما زالوا ينظرون إلى جهته ويعمون ويصرفون عنه وجوههم ويبصرون إلى أن فرغ علي عليه السلام وقام ورجع، وذلك ثمانون مرة من كل واحدة. ثم ذهبوا ينظرون ما خرج عنه فاعتقلوا في مواضعهم فلم يقدروا أن يروها، فإذا انصرفوا أمكنهم الانصراف، أصابهم ذلك مائة مرة حتى نودي فيهم بالرحيل، فرحلوا وما وصلوا إلى ما أرادوا من ذلك، ولم يزدهم ذلك إلا عتوا وطغيانا وتماريا في كفرهم وعنادهم.
فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى هذا العجب من هذه آياته و معجزاته ويعجز عن معاوية وعمرو ويزيد! فنظروا، فأوصل الله عز وجل ذلك من قبلهم إلى اذنه فقال علي عليه السلام: يا ملائكة ائتوني بمعاوية وعمرو ويزيد، فنظروا في الهواء فإذا ملائكة كأنهم السودان قد علق كل واحد منهم بواحد، فأنزلوهم إلى حضرته فإذا أحدهم معاوية والآخر عمرو والآخر يزيد، فقال علي عليه السلام: تعالوا فانظروا
إليهم، أما لو شئت لقتلتهم ولكني أنظرهم كما أنظر الله عز وجل إبليس إلى الوقت المعلوم، إن الذي ترونه بصاحبكم ليس لعجز ولا دل؟؟، ولكنه محنة من الله عز وجل لينظر كيف تعملون، ولئن طعنتم على علي فلقد طعن الكافرون والمنافقون قبلكم على رسول رب العالمين، فقالوا: إن من طاف ملكوت السماوات والجنان في ليلة ورجع كيف يحتاج إلى أن يهرب ويدخل الغار ويأتي إلى المدينة من مكة في أحد عشر يوما؟ وإنما هو من الله إذا شاء أراكم القدرة لتعرفوا صدق أنبياء الله، وإذا شاء امتحنكم بما تكرهون لينظر كيف تعملون، وليظهر حجته عليكم.
9 - تفسير الإمام العسكري: قال علي بن الحسين صلوات الله عليه: كان جد بن قيس تالي عبد الله في النفاق، كما أن عليا عليه السلام كان تالي رسول الله صلى الله عليه وآله في الكمال والجلال والجمال وتفرد جد مع عبد الله بن أبي بعد ما سم الرسول صلى الله عليه وآله ولم يؤثر فيه، فقال له:
إن محمدا صلى الله عليه وآله ماهر في السحر وليس علي كمثله، فاتخذ أنت يا جد لعلي دعوة بعد أن تتقدم في تنبيش أصل حائط بستانك، ثم توقف رجالا خلف الحائط بخشب يعتمدون بها على الحائط ويدفعونه على علي ومن معه ليموتوا تحته، فجلس علي عليه السلام تحت الحائط فتلقاه بيساره وأوقفه، وكان الطعام بين أيديهم، فقال عليه السلام:
كلوا بسم الله، وجعل يأكل معهم حتى أكلوا وفرغوا، وهو يمسك الحائط بشماله والحائط ثلاثون ذراعا طوله في خمسة عشر سمكة في ذراعين غلظة، فجعل أصحاب علي عليه السلام يأكلون وهم يقولون: يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله أفتحامي هذا وأنت تأكل؟
فإنك تتعب في حبسك هذا الحائط عنا، فقال علي عليه السلام: إني لست أجد له من المس بيساري إلا أقل مما أجد من ثقل هذه اللقمة بيميني، وهرب جد بن قيس، وخشي أن يكون علي قد مات وصحبه، وإن محمدا يطلبه لينتقم منه، واختفى عند عبد الله بن أبي، فبلغهم أن عليا عليه السلام قد أمسك الحائط بيساره وهو يأكل بيمينه وأصحابه تحت الحائط لم يموتوا، فقال: أبو الشرور وأبو الدواهي اللذان أصل التدبير في ذلك: إن عليا قد مهر بسحر محمد فلا سبيل لنا عليه، فلما فرغ القوم أقام
علي عليه السلام الحائط بيساره فأقامه وسواه وأرأب صدعه وألم شعبه وخرج هو والقوم من تحته، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن ضاهيت اليوم أخي الخضر لما أقام الجدار، وما سهل الله ذلك له إلا بدعائه بنا أهل البيت.
10 - مناقب ابن شهرآشوب: صالح بن كيسان وابن رومان رفعاه إلى جابر الأنصاري قال:
جاء العباس إلي علي عليه السلام يطالبه بميراث النبي صلى الله عليه وآله، فقال له ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله شئ يورث إلا بغلته دلدل وسيفه ذو الفقار ودرعه وعمامته السحاب، وأنا أربأ بك أن تطالب بما ليس لك، فقال: لا بد من ذلك وأنا أحق، عمه ووارثه دون الناس كلهم، فنهض أمير المؤمنين عليه السلام ومعه الناس حتى دخل المسجد، ثم أمر بإحضار الدرع والعمامة والسيف والبغلة فأحضر، فقال للعباس: يا عم إن أطقت النهوض بشئ منها فجميعه لك، فإن ميراث الأنبياء لأوصيائهم دون العالم ولأولادهم فإن لم تطق النهوض فلا حق لك فيه، قال: نعم فألبسه أمير المؤمنين عليه السلام الدرع بيده وألقى عليه العمامة والسيف، ثم قال: انهض بالسيف والعمامة يا عم، فلم يطق النهوض، فأخذ السيف منه وقال له: انهض بالعمامة فإنها آية من نبينا صلى الله عليه وآله فأراد النهوض فلم يقدر على ذلك، وبقي متحيرا، ثم قال له: يا عم وهذه البغلة بالباب لي خاصة ولولدي، فإن أطقت ركوبها فاركبها، فخرج ومعه عدوي، فقال له:
يا عم رسول الله خدعك علي فيما كنت فيه فلا تخدع نفسك في البغلة، إذا وضعت رجلك في الركاب فاذكر الله وسم واقرأ " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " قال: فلما نظرت البغلة إليه مقبلا مع العباس نفرت وصاحت صياحا ما سمعناه منها قط، فوقع العباس مغشيا عليه، واجتمع الناس وأمر بإمساكها فلم يقدر عليها، ثم إن عليا عليه السلام دعا البغلة باسم ما سمعناه، فجاءت خاضعة ذليلة، فوضع رجله في الركاب ووثب عليها فاستوى عليها راكبا، فاستدعى أن يركب الحسن
والحسين عليهما السلام فأمرهما بذلك، ثم لبس علي الدرع والعمامة والسيف وركبها و سار عليها إلى منزله وهو يقول: هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أنا وهما أم تكفر أنت يا فلان.
11 - مناقب ابن شهرآشوب: من عجائبه عليه السلام طول ما لقي من الحروب لم ينهزم قط، ولم ينله فيها شين ولا جراح سوء، ولم يبارز أحدا إلا ظفر به، ولا نجا من ضربته أحد فصلح منها، ولم يفلت منه قرن، ولم يخرج في حروبه إلا وهو ماش يهرول طول الدهر بغير جند إلى العدو، وما قدمت راية قوتل تحتها علي إلا انقلبوا صاغرين.
ويروى وثبته أربعون ذراعا إلى عمرو ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعا وذلك خارج عن العادة، وروي ضربته على رجليه وقطعهما بضربة واحدة مع ما كان عليه من الثياب والسلاح، وروي أنه ضرب مرحب الكافر يوم خيبر على رأسه فقطع العمامة والخوذة والرأس والحلق وما عليه من الجوشن من قدام و خلف إلى أن قده بنصفين، ثم حمل على سبعين فارس فبددهم، وتحير الفريقان من فعله فانهزموا إلى الحصن.
وأصل مشهد البوق عند رحبة الشام أنه عليه السلام أخبر أن الساعة خرج معاوية في خيله من دمشق، وضرب البوق وسمع ذلك من مسيرة ثمانية عشر يوما، وهو خرق العادة.
ومنه الدكة المشهورة في الكوفة التي يقال: إنه رأى منها مكة وسلم عليها وذلك مثل قولكم: يا سارية الجبل.
ومسجد المجذاف في الرقة، وهو أنه لما طلب الزواريق لحمل الشهداء قالوا: الزواريق ترعى، فقال عليه السلام: كلامكم غث وقمصانكم رث لا شد الله
بكم صفا ولا أشبعكم إلا على قتب، وعمل جائزة عظيمة بمنزلة المجذاف و حمل الشهداء عليها، فخربت الرقة وعمرت الرافقة ولا يزالون في ضنك العيش.
وروت الغلاة أنه عليه السلام صعد إلى السماء على فرس وينظر إليه أصحابه وقال:
لو أردت لحملت إليكم ابن أبي سفيان، وذلك نحو قوله: " ورفعناه مكانا عليا ".
وخرج عن أبي زهرة وقطع مسيرة ثلاثة أيام بليلة واحدة، وأصبح عند الكفار وفتح عليه فنزل " والعاديات ضبحا ".
وروي أنه رمي إلى حصن ذات السلاسل في المنجنيق ونزل على حائط الحصن وكان الحصن قد شد على حيطانه سلاسل فيها غرائر من نبن أو قطن، حتى لا يعمل فيها المنجنيق إذا رمي الحجر، فقالت الغلاة: فمر في الهواء والترس تحت قدميه، ونزل على الحائط وضرب السلاسل ضربة واحدة فقطعها، وسقطت الغرائر وفتح الحصن.
وروت الغلاة أنه نزلت فيه " وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " وذلك إن صح مثل صعود الملائكة ونزولهم وإسراء النبي صلى الله عليه وآله.
تفسير أبي محمد العسكري عليه السلام أنه أرادت الفجرة ليلة العقبة قتل النبي صلى الله عليه وآله ومن بقي في المدينة قتل علي عليه السلام فلما تبعه وقص عليه بغضاءهم فقال: أما ترضى
أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ الخبر، فحفروا له حفيرة طويلة وغطوها فلما انصرف وبلغها أنطق الله فرسه فقال: سر بإذن الله، فطفرت، ثم أمر بكشفه فرآه عجيبا.
مسند أحمد وفضائله وسنن ابن ماجة: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: كان أمير المؤمنين عليه السلام يلبس في البرد الشديد الثوب الرقيق، وفي الحر الشديد القباء والثوب الثقيل، وكان لا يجد الحر والبرد، فكان النبي صلى الله عليه وآله دعا له يوم خيبر فقال: كفاك الله الحر والبرد، وفي رواية: اللهم قه الحر والبرد، وفي رواية:
اللهم اكفه الحر والبرد.
سهل بن حنيف في حديثه أنه لما أخذ معاوية مورد الفرات أمر أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر أن يقول لمن على جانب الفرات: يقول لكم علي: اعدلوا عن الماء، فلما قال ذلك عدلوا عنه، فورد قوم أمير المؤمنين الماء وأخذوا منه، فبلغ ذلك معاوية فأحضرهم وقال لهم في ذلك، فقال إن عمرو بن العاص جاء وقال: إن معاوية يأمركم أن تفرجوا عن الماء، فقال معاوية لعمرو: إنك لتأتي أمرا ثم تقول ما فعلته؟! فلما كان من غد وكل معاوية حجل بن العتاب النخعي في خمسة آلاف، فأنفذ أمير المؤمنين عليه السلام مالكا فنادى مثل الأول، فمال حجل عن الشريعة فورد أصحاب علي عليه السلام وأخذوا منه، فبلغ ذلك معاوية فأحضر حجلا وقال له في ذلك، فقال: إن ابنك يزيد أتاني فقال: إنك أمرت بالتنحي عنه! فقال ليزيد في ذلك فأنكر، فقال معاوية: فإذا كان غدا فلا تقبل من أحد ولو أتيتك حتى تأخذ خاتمي، فلما كان اليوم الثالث أمر أمير المؤمنين عليه السلام لمالك مثل ذلك، فرأى حجل معاوية وأخذ منه خاتمه وانصرف عن الماء: وبلغ معاوية فدعاه وقال له في ذلك، فأراه خاتمه، فضرب معاوية يده على يده فقال: نعم وإن هذا من دواهي علي.
وحدثني محمد الشوهاني بإسناده أنه قدم أبو الصمصام العبسي إلى النبي عليه السلام وقال متى يجئ المطر؟ وأي شئ في بطن ناقتي هذه؟ وأي شئ يكون غدا؟
ومتى أموت؟ فنزل " إن الله عنده علم الساعة " الآيات، فأسلم الرجل ووعد النبي صلى الله عليه وآله أن يأتي بأهله، فقال: اكتب يا أبا الحسن: " بسم الله الرحمن الرحيم أقر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأشهد على نفسه في صحة عقله وبدنه وجواز أمره أن لأبي الصمصام العبسي عليه وعنده وفي ذمته ثمانين ناقة حمر الظهور بيض العيون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز " وخرج أبو الصمصام ثم جاء في قومه بني عبس كلهم مسلمين، وسأل عن النبي صلى الله عليه وآله فقالوا:
قبض، قال: فمن الخليفة من بعده؟ فقالوا: أبو بكر، فدخل أبو الصمصام المسجد وقال: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إن لي على رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانين ناقة حمر الظهور بيض العيون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، فقال: يا أخا العرب سألت ما فوق العقل، والله ما خلف رسول الله إلا بغلته الدلدل وحمارة اليعفور وسيفه ذا الفقار ودرعه الفاضل، أخذها كلها علي بن أبي طالب عليه السلام وخلف فينا فدك فأخذناها بحق، ونبينا صلى الله عليه وآله لا يورث، فصاح سلمان " كردي ونكردي، و حق أزمير ببردي، ردوا العمل إلى أهله " ثم ضرب بيده إلى أبي الصمصام فأقامه إلى منزل علي بن أبي طالب عليه السلام فقرع الباب فنادى علي ادخل يا سلمان ادخل أنت وأبو الصمصام، فقال أبو الصمصام: هذه أعجوبة من هذا الذي سماني باسمي ولم يعرفني؟ فعد سلمان فضائل علي عليه السلام فلما دخل وسلم عليه قال: يا أبا الحسن إن لي على رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانين ناقة ووصفها، فقال علي عليه السلام: أمعك حجة؟
فدفع إليه الوثيقة، فقال علي عليه السلام: يا سلمان ناد في الناس ألا من أراد أن ينظر إلى دين رسول الله صلى الله عليه وآله فليخرج غدا إلى خارج المدينة، فلما كان الغد خرج الناس و خرج علي عليه السلام وأسر إلى ابنه الحسن سرا وقال: امض يا أبا الصمصام مع ابني
الحسن إلى الكثيب من الرمل، فمضى عليه السلام ومعه أبو الصمصام، فصلى الحسن عليه السلام ركعتين عند الكثيب، وكلم الأرض بكلمات لا ندري ما هي، وضرب الكثيب بقضيب رسول الله صلى الله عليه وآله فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة، مكتوب عليها سطران من نور، السطر الأول " بسم الله الرحمن الرحيم " والثاني " لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله " فضرب الحسن عليه السلام الصخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، فقال الحسن عليه السلام: اقتد يا أبا الصمصام، فاقتاد أبو الصمصام ثمانين ناقة حمر الظهور بيض العيون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، ورجع إلى علي بن أبي طالب فقال عليه السلام: استوفيت يا أبا الصمصام؟ قال: نعم، قال: فسلم الوثيقة فسلمها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذها وخرقها، ثم قال: هكذا أخبرني أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله خلق هذه النوق من هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة صالح بألفي عام فقال المنافقون هذا من سحر علي قليل.
بيان: قوله: " نقط الحجاز " أقول: الظاهر أنه تصحيف لقط باللام، قال الفيروزآبادي: اللقط محركة: ما يلتقط من السنابل، وقطع ذهب توجد في المعدن.
12 - مناقب ابن شهرآشوب: من معجزاته عليه السلام تسخيره الجماعة اضطرارا لنقل فضائله مع ما فيها من الحجة عليهم، حتى إن أنكره واحد رد عليه صاحبه وقال: هذا في التواريخ والصحاح والسنن والجوامع والسير والتفاسير مما أجمعوا على صحته، فإن لم يكن في واحد يكن في آخر، ومن جملة ذلك ما أجمعوا عليه، وروى مناقبه خلق كثير منهم حتى صار علما ضروريا، كما صنف ابن جرير الطبري كتاب الغدير، وابن الشاهين كتاب المناقب وكتاب فضائل فاطمة عليها السلام، ويعقوب بن شيبة تفضيل الحسن والحسين عليهما السلام ومسند أمير المؤمنين عليه السلام وأخباره وفضائله، والجاحظ كتاب العلوية وكتاب فضل بني هاشم على بني أمية، وأبو نعيم الأصفهاني منقبة المطهرين في فضائل
أمير المؤمنين عليه السلام وما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام وأبو المحاسن الروياني الجعفريات، والموفق المكي كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام وكتاب رد الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام، وأبو بكر محمد بن مؤمن الشيرازي كتاب نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين عليه السلام، وأبو صالح عبد الملك المؤذن كتاب الأربعين في فضائل الزهراء عليها السلام، وأحمد بن حنبل مسند أهل البيت وفضائل الصحابة، وأبو عبد الله محمد بن أحمد النطنزي الخصائص العلوية على سائر البرية، وابن المغازلي كتاب المناقب، و أبو القاسم البستي كتاب الدرجات، والخطيب أبو تراب كتاب الحدائق مع الكتمان والميل. وذلك خرق العادة، شهد بفضائله معادوه وأقر بمناقبه جاحدوه.
ومن جملة ذلك كثرة مناقبه مع ما كانوا يدفنونها ويتوعدون على روايتها، روى مسلم والبخاري وابن بطة والنطنزي عن عائشة في حديثها بمرض النبي صلى الله عليه وآله فقالت في جملة ذلك: فخرج النبي صلى الله عليه وآله بين رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل و رجل آخر، يخط قدماه عاصبا رأسه. يعني عليا عليه السلام.
وقال معاوية لابن عباس: إنا كتبنا في الآفاق ننهي عن ذكر مناقب علي عليه السلام فكف لسانك، قال: أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، قال: أفتنهانا عن تأويله قال:
نعم، قال: أفنقرؤه ولا نسأل؟ قال سل عن غير أهل بيتك! قال: إنه منزل علينا أفتسأل غيرنا؟ أتنهانا أن نعبد الله؟ فإذا تهلك الأمة، قال: اقرؤوا ولا ترووا ما أنزل الله فيكم " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم " ثم نادى معاوية: أن برئت الذمة ممن روى حديثا من مناقب علي، حتى قال عبد الله بن شداد الليثي: وددت أني اترك أن أحدث بفضائل علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى الليل وأن عنقي ضربت فكان المحدث يحدث بحديث في الفقه أو يأتي بحديث المبارزة فيقول: قال رجل من قريش، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الحسن البصري يقول: قال أبو زينب.
وسئل ابن جبير عن حامل اللواء فقال: كأنك رخي البال. ورأى رجل أعرابية في مسجد تقول: يا مشهورا في السماوات ويا مشهورا في الأرضين (ويا مشهورا في الدنيا) ويا مشهورا في الآخرة جهدت الجبابرة والملوك على إطفاء نورك وإخماد ذكرك فأبى الله لذكرك إلا علوا ولنورك إلا ضياء ونماء ولو كره المشركون، فقيل: لمن تصفين؟ قالت: ذاك أمير المؤمنين عليه السلام، فالتفت فلم ير أحدا. ومن ذلك ما طبقت الأرض بالمشاهد لأولاده، وفشت المنامات من مناقبه، فيبرئ الزمني ويفرج المبتلى وما سمع هذا لغيره عليه السلام.
13 - تفسير الإمام العسكري: قال الإمام عليه السلام: إن رجلا من محبي علي بن أبي طالب عليه السلام كتب إليه من الشام: يا أمير المؤمنين أنا بعيالي مثقل، وعليهم إن خرجت خائف وبأموالي التي أخلفها إن خرجت ظنين، وأخر اللحاق بك والكون في جملتك و الخفوق في خدمتك، فجد لي يا أمير المؤمنين، فبعث إليه علي عليه السلام: أجمع أهلك و عيالك وحصل عندهم مالك، وصل على ذلك كله على محمد وآله الطاهرين، ثم قل:
اللهم هذه كلها ودائعي عندك بأمر عبدك ووليك علي بن أبي طالب، ثم قم وانهض إلي، ففعل الرجل ذلك وأخبر معاوية بهربه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فأمر معاوية أن تسبى عياله ويسترقوا، وأن تنهب أمواله، فذهبوا فألقى الله عليهم شبه عيال معاوية وحاشيته وأخص حاشيته كيزيد بن معاوية يقولون: نحن أخذنا هذا المال وهو لنا، وأما عياله فقد استرققناهم وبعثناهم إلى السوق، فكفوا لما رأو ذلك، وعرف الله عياله أنه قد ألقى عليهم شبه عيال معاوية وعيال خاصة يزيد، فأشفقوا من أموالهم أن تسرقها اللصوص، فمسخ المال عقارب وحيات، كلما قصد اللصوص ليأخذوا منه لذعوا ولسعوا، فمات منهم قوم وضني آخرون، ودفع الله عن ماله بذلك إلى أن قال علي عليه السلام يوما للرجل: أتحب أن يأتيك عيالك ومالك؟ قال: بلى، قال علي عليه السلام: ائت بهم، فإذا هم بحضرة الرجل لا يفقد من عياله وماله شيئا، فأخبروه
بما ألقى الله تعالى من شبه عيال معاوية وخاصته وحاشية يزيد عليهم. وبما مسخه من أمواله عقارب وحيات تلسع اللص الذي يريد أخذ شئ منه، وقال علي عليه السلام إن الله تعالى ربما أظهر آية لبعض المؤمنين ليزيد في بصيرته ولبعض الكافرين ليبالغ في الاعذار إليه.
بيان: الخفوق: التحرك والاضطراب، وفي بعض النسخ بالفائين بمعنى الإحاطة، وضني كرضي: مرض مرضا مخامرا كلما ظن برؤه نكس.
14 - تفسير الإمام العسكري: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نص على علي عليه السلام بالفضيلة والإمامة و سكن إلى ذلك قلوب المؤمنين وعاند فيه أصناف الجاحدين من المعاندين وشك في ذلك ضعفاء من الشاكين وغاض في صدور المنافقين العداوة والبغضاء والحسد والشحناء حتى قال قائل من المنافقين: لقد أسرف محمد صلى الله عليه وآله في مدح نفسه ثم أسرف في مدح أخيه علي عليه السلام وما ذلك من عند رب العالمين ولكنه في ذلك من المقبولين يريد أن يثبت لنفسه الرئاسة علينا ولعلي بعد موته قال الله تعالى: يا محمد قل لهم: وأي شئ أنكرتم من ذلك؟ هو عظيم كريم حكيم، ارتضى عبادا من عباده واختصهم بكرامات لما علم من حسن طاعتهم وانقيادهم لامره، ففوض إليهم أمور عباده وجعل عليهم سياسة خلقه بالتدبير الحكيم الذي وفقهم له، أو لا ترون ملوك الأرض إذا ارتضى أحدهم خدمة بعض عبيده ووثق بحسن إطاعته فيما يندبه له من أمور ممالكه جعل ما وراء بابه إليه، واعتمد في سياسة جيوشه ورعاياه عليه، كذلك محمد في التدبير الذي رفعه له ربه، وعلي من بعده الذي جعله وصيه وخليفته في أهله وقاضي دينه ومنجز عداته والمؤازر لأوليائه والمناصب لأعدائه، فلم يقنعوا بذلك ولم يسلموا وقالوا: ليس الذي يسنده إلى ابن أبي طالب بأمر صغير، إنما هو دماء الخلق ونساؤهم
وأولادهم وأموالهم وحقوقهم وأنسابهم ودنياهم وآخرتهم، فليأتنا بآية يليق بجلالة هذه الولاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما كفاكم نور علي المشرق في الظلمات الذي رأيتموه ليلة خروجه من عند رسول الله إلى منزله؟ أما كفاكم أن عليا جاز و الحيطان بين يديه، ففتحت له وطرقت ثم عادت والتأمت؟ أما كفاكم يوم غدير خم أن عليا لما أقامه رسول الله رأيتم أبواب السماء مفتحة والملائكة منها مطلعين تناديكم هذا ولي الله فاتبعوه وإلا حل بكم عذاب الله فاحذروه؟ أما كفاكم رؤيتكم علي بن أبي طالب وهو يمشي والجبال يسير بين يديه لئلا يحتاج إلى الانحراف عنها فلما جاز رجعت الجبال إلى أماكنها؟ ثم قال: اللهم زدهم آيات فإنها عليك سهلات يسيرات لتزيد حجتك عليهم تأكيدا، قال: فرجع القوم إلى بيوتهم فأرادوا دخولها فاعتقلتهم الأرض ومنعتهم ونادتهم: حرام عليكم دخولها حتى تؤمنوا بولاية علي عليه السلام قالوا: آمنا ودخلوا، ثم ذهبوا ينزعون ثيابهم ليلبسوا غيرها فثقلت عليهم ولم يقلوها ونادتهم: حرام عليكم سهولة نزعها حتى تقروا بولاية علي عليه السلام فأقروا ونزعوها، ثم ذهبوا ليلبسوا ثياب الليل فثقلت عليهم ونادتهم: حرام عليكم لبسنا حتى تعترفوا بولاية علي عليه السلام فاعترفوا، فذهبوا يأكلون فثقلت عليهم اللقم وما لم يثقل منها استحجر في أفواههم، ونادتهم: حرام عليكم أكلنا حتى تعترفوا بولاية علي عليه السلام فاعترفوا، ثم ذهبوا يبولون ويتغوطون فتعذر عليهم ونادتهم بطونهم ومذاكيرهم: حرام عليكم السلامة منا حتى تعترفوا بولاية علي بن أبي - طالب عليه السلام فاعترفوا، ثم ضجر بعضهم وقال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " قال الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " فإن عذاب الاصطلام العام إذا نزل نزل بعد خروج
النبي صلى الله عليه وآله من بين أظهرهم، ثم قال الله عز وجل: " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " يظهرون التوبة والإنابة، فإن من حكمه في الدنيا أن يأمرك بقبول الظاهر وترك التفتيش عن الباطن، لان الدنيا دار إمهال وإنظار والآخرة دار الجزاء بلا بعد، قال: " وما كان الله معذبهم " وفيهم من يستغفر لان هؤلاء لولا أن فيهم من علم الله أنه سيؤمن أو أنه سيخرج من نسله ذرية طيبة يجود ربك على هؤلاء بالايمان وثوابه ولا يقتطعهم باخترام آبائهم الكفار ولولا ذلك لأهلكهم، فذلك قول رسول الله: كذلك اقترح الناصبون آيات في علي عليه السلام حتى اقترحوا ما لا يجوز في حكمته، جهلا بأحكام الله واقتراحا للأباطيل على الله.
15 - الفضائل: روي عن الصادق عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام بلغه عن عمر بن الخطاب أمر، فأرسل إليه سلمان رضي الله عنه وقال: قل له: قد بلغني عنك كيت وكيت، وكرهت أن أعتب عليك في وجهك، فينبغي أن لا يقال في إلا الحق، فقد غصبت حقي على القذى وصبرت حتى تبلغ الكتاب أجله، فنهض سلمان رضي الله عنه وبلغه ذلك وعاتبه، وذكر مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وذكر فضائله وبراهينه فقال عمر: عندي الكثير من فضائل علي عليه السلام ولست بمنكر فضله إلا أنه يتنفس الصعداء ويظهر البغضاء، فقال له سلمان رضي الله عنه: حدثني بشئ مما رأيته منه فقال عمر: يا أبا عبد الله نعم خلوت به ذات يوم في شئ من أمر الجيش، فقطع حديثي وقام من عندي وقال: مكانك حتى أعود إليك، فقد عرضت لي حاجة، فما كان أسرع أن رجع علي ثانية وعلى ثيابه وعمامته غبار كثير، فقلت له: ما شأنك؟
فقال: أقبل نفر من الملائكة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله يريدون مدينة بالمشرق يريدون مدينة جيحون، فخرجت لأسلم عليه، وهذه الغبرة ركبتني من سرعة المشي، فقال عمر: فضحكت متعجبا حتى استلقيت على قفائي، وقلت له: النبي صلى الله عليه وآله قد مات
وبلي وتزعم أنك لقيته الساعة وسلمت عليه؟! فهذا من العجائب ومما لا يكون فغضب علي عليه السلام ونظر إلي وقال: تكذبني يا ابن الخطاب؟ فقلت: لا تغضب وعد إلى ما كنا فيه فإن هذا مما لا يكون أبدا، قال: فإن أنت رأيته حتى لا تنكر منه شيئا استغفرت الله مما قلت وأضمرت وأحدثت توبة مما أنت فيه وتركت حقا لي؟ فقلت: نعم، فقال: قم، فقمت معه فخرجنا إلى طرف المدينة، وقال لي:
غمض عينيك فغمضتهما، فقال: افتحهما ففعلت ذلك، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله معه نفر من الملائكة، فلما أطلت النظر قال لي: هل رأيته؟ فقلت: نعم، قال: غمض عينيك فغمضتهما، ثم قال: افتحهما فإذا لا عين ولا أثر.
فقلت له: هل رأيت من علي عليه السلام غير ذلك؟ قال: نعم إنه استقبلني يوما وأخذ بيدي ومضى بي إلى الجبانة، وكنا نتحدث في الطريق، وكان بيده قوس فلما صرنا في الجبانة رمى بقوسه من يده فصار ثعبانا عظيما مثل ثعبان موسى عليه السلام وفتح فاه وأقبل ليبتلعني، فلما رأيت ذلك طار قلبي من الخوف وتنحيت وضحكت في وجه علي عليه السلام وقلت: الأمان يا علي بن أبي طالب واذكر ما بيني وبينك من الجميل، فلما سمع هذا القول افتر ضاحكا وقال: لطفت في الكلام ونحن أهل بيت نشكر القليل، فضرب بيده إلى الثعبان وأخذه بيده فإذا هو قوسه الذي كان بيده.
ثم قال عمر: يا سلمان إني كتمت ذلك عن كل أحد وأخبرتك به يا أبا - عبد الله، فإنهم أهل بيت يتوارثون هذه الأعجوبة كابر عن كابر، ولقد كان إبراهيم يأتي بمثل ذلك وكان أبو طالب وعبد الله يأتيان بمثل ذلك في الجاهلية، وأنا لا أنكر فضل علي عليه السلام وسابقته ونجدته وكثرة علمه، فارجع إليه واعتذر عني إليه واثن عني عليه بالجميل.
16 - الفضائل: روى عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.