پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

114 باب معجزات كلامه من اخباره بالغائبات، وعلمه باللغات، وبلاغته

ج ۴۱، ص ۳۴۳–۳۶۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۱

عليه السلام في ذلك إلى المخرفة والايهام والتدليس، حتى قال له يوما بمحضر من خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص: يا ميثم إنك تؤخذ بعدي و تصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما حتى تخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة فيقضى عليك، فانتظر ذلك، والموضع الذي تصلب فيه على دار عمرو بن حريث، إنك لعاشر عشرة، أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة - يعني الأرض - ولأرينك النخلة التي تصلب على جذعها، ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين، فكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول: بوركت من نخلة، لك خلقت ولي بنت، فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي على السلام حتى قطعت، فكان يرصد جذعها ويتعاهده ويتردد إليه ويبصره، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إني مجاورك فأحسن جواري، فلا يعلم عمرو ما يريد، فيقول له: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم دار ابن حكيم؟ قال: وحج في السنة التي قتل فيها، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها، فقالت له: من أنت؟ قال: عراقي، فاستنسبته فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت: أنت هيثم؟ قال: بل أنا ميثم، فقالت: سبحان الله والله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يوصي بك عليا في جوف الليل، فسألها عن الحسين بن علي عليهما السلام فقالت: هو في حائط له، قال: أخبريه أني أحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله، ولا أقدر اليوم على لقائه، وأريد الرجوع، فدعت بطيب فطيبت لحيته، فقال لها: أما إنها ستخضب بدم، قالت:

من أنبأك هذا؟ قال: أنبأني سيدي، فبكت أم سلمة وقالت: إنه ليس بسيدك وحدك هو سيدي وسيد المسلمين أجمعين، ثم ودعته، فقدم الكوفة فاخذ وادخل على عبيد الله بن زياد، وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب، قال:

ويحكم هذا الأعجمي؟ قالوا: نعم، فقال له عبيد الله: أين ربك؟ قال: بالمرصاد قال: قد بلغني اختصاص أبي تراب لك، قال: قد كان بعض ذلك، فما تريد؟ قال:

وإنه ليقال: إنه قد أخبرك بما سيلقاك، قال: نعم إنه أخبرني أنك تصلبني عاشر - عشرة وأنا أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة، قال: لأخالفنه، قال: ويحك كيف تخالفه إنما أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل و أخبر جبرئيل عن الله؟ فكيف تخالف هؤلاء؟ أما والله لقد عرفت الموضع الذي أصلب فيه أين هو من الكوفة، وإني لأول خلق الله الجم في الاسلام بلجام كما يلجم الخيل، فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنك تفلت وتخرج ثائرا بدم الحسين عليه السلام، فتقتل هذا الجبار الذي نحن في سجنه، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخديه، فلما دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله يأمره بتخلية سبيله، وذلك أن أخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد، فشفع فأمضى شفاعته، فكتب بتخلية سبيل المختار على البريد فوافى البريد وقد اخرج ليضرب عنقه فأطلق، وأما ميثم فاخرج بعده ليصلب، و قال عبيد الله: لأمضين حكم أبي تراب فيه، فلقيه رجل فقال له: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم؟! فتبسم وقال: لها خلقت ولي غذيت، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث، فقال عمرو: لقد كان يقول: إني مجاورك وكان يأمر جاريته كل عشية أن تكنس تحت خشبته وترشه وتجمر بمجمرة تحته فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني أمية وهو مصلوب على الخشبة فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد، فقال: ألجموه، فألجم، فكان أول خلق الله الجم في الاسلام، فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دما، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات، وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين عليه السلام العراق بعشرة أيام.

قال إبراهيم: وحدثني إبراهيم بن العباس النهدي قال: حدثني مبارك البجلي عن أبي بكر بن عياش قال: حدثني المجالد عن الشعبي عن زياد بن

النصر الحارثي قال: كنت عند زياد وقد اتي برشيد الهجري - وكان من خواص أصحاب علي عليه السلام - فقال له زياد: ما قال لك خليلك إنا فاعلون بك؟ قال تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لأكذبن حديثه، خلوا سبيله، فلما أراد أن يخرج قال: ردوه لا نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوء إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم فقال: أصلبوه خنقا في عنقه، فقال رشيد: وقد بقي لي عندكم شئ ما أراكم فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانه، فلما أخرجوا لسانه قال: نفسوا عني أتكلم كلمة واحدة، فنفسوا عنه فقال: والله هذا تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني، فقطعوا لسانه وصلبوه.

وروى أبو داود الطيالسي، عن سليمان بن زريق، عن عبد العزيز بن صهيب قال: حدثني أبو العالية قال: حدثني مزرع صاحب علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: ليقبلن جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، قال أبو العالية: فقلت: لأنك لتحدثني بالغيب! فقال: احفظ ما أقوله لك، فإنما حدثني به الثقة علي بن أبي طالب عليه السلام وحدثني أيضا شيئا آخر: ليؤخذن فليقتلن وليصلبن بين شرفتين من شرف المسجد، فقلت له: إنك لتحدثني بالغيب! فقال: احفظ ما أقول لك، قال أبو العالية: فوالله ما أتت علينا جمعة حتى اخذ مزرع فقتل، وصلب بين شرفتين من شرف المسجد.

قلت: حديث الخسف بالجيش قد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يعوذ قوم بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فقلت: يا رسول الله لعل فيهم المكره أو الكاره، فقال:

يخسف بهم، ولكن قال: يحشرون - أو قال: يبعثون - على نياتهم يوم القيامة، قال:

فسئل أبو جعفر محمد بن علي أهي بيداء من الأرض؟ فقال: كلا والله إنها بيداء المدينة أخرج البخاري بعضه وأخرج مسلم الباقي.

وروى محمد بن موسى العنزي قال: كان مالك بن ضمرة الرواسي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وممن استبطن من جهته علما كثيرا. وكان أيضا قد صحب أبا ذر فأخذ من عمله، وكان يقول في أيام بني أمية: اللهم لا تجعلني من الثلاثة، فيقال له: وما الثلاثة؟ فيقول: رجل يرمى به من فوق طمار، ورجل تقطع يداه ورجلاه ولسانه ويصلب، ورجل يموت على فراشه، فكان من الناس من يهزأ به ويقول:

هذا من أكاذيب أبي تراب، قال: فكان الذي رمي به في طمار: هانئ بن عروة، والذي قطع وصلب رشيد الهجري، ومات مالك على فراشه.

قال: وقال نصر بن مزاحم: حدثنا عبد العزيز بن سباه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال: كنا مع علي عليه السلام في مسيره إلى الشام، حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا علي عليه السلام حتى أتى إلى صخرة مضرس في الأرض كأنها ربضة عنز، فأمرنا فاقتلعناها، فخرج لنا من تحتها ماء، فشرب الناس منه حتى ارتووا، ثم أمرنا فأكفاناها عليه، وسار الناس حتى إذا مضى قليلا، قال عليه السلام:

أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال:

فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي يرى أنه فيه، فطلبناه فلم نقدر على شئ، حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا، فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم؟ قالوا: ليس قربنا ماء، فقلنا: بلى إنا شربنا منه، قالوا: أنتم شربتم منه؟ قلنا: نعم، فقال صاحب

الدير: والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء، ما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي.

60 - نهج البلاغة: وقال عليه السلام لما عزم على حرب الخوارج - وقيل له: إن القوم قد عبروا جسر النهروان -: مصارعهم دون النطفة، والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة.

قال السيد الرضي رضي الله عنه: يعني بالنطفة ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء.

وقال ابن أبي الحديد: هذا الخبر من الاخبار التي تكاد تكون متواترة لاشتهاره ونقل الناس كافة له، وهو من معجزاته وأخباره المفصلة عن الغيوب التي لا يحتمل التلبيس، لتقييده بالعدد المعين في أصحابه وفي الخوارج، ووقع الامر بعد الحرب من غير زيادة ولا نقصان، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره ولمشاهدة الناس من معجزاته وأحواله المنافية لقوى البشر غلافيه من غلا، حتى نسب إلى أن الجوهر الإلهي حل في بدنه، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام انتهى.

61 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: أما بعد أيها الناس فأنا فقأت عين الفتنة، و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها، فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولاعن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها قتلا ويموت منهم موتا، ولو قد فقدتموني و نزلت كرائه الأمور وحوازب الخطوب لأطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين، وذلك إذا قلصت حربكم وشمرت عن ساق، وضاقت الدنيا عليكم ضيقا

تستطيلون أيام البلاء عليكم، ثم يفتح الله لبقية الأبرار منكم إن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات يحمن حوم الرياح يصبن بلدا ويخطئن بلدا، ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية فإنها فتنة عميا. مظلمة، عمت خطتها وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها، وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس تعذم بفيها وتخبط بيدها وتزبن برجلها وتمنع درها، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضائر، ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة، ثم يفرجها الله عنهم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا ويسوقهم عنفا ويسقيهم بكأس مصبرة، لا يعطيهم إلا السيف ولا يحلسهم إلا الخوف، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يرونني مقاما واحدا ولو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني.

تبيين: فقأ العين: شقها وعدم اجترائهم كان لاستعظامهم قتال أهل القبلة لجهالتهم. والغيهب: الظلمة وتموجه كناية عن عمومه وشموله للأماكن. و اشتد كلبها أي شرها وأذاها، يقال للقحط الشديد: الكلب، وكذلك للقر الشديد.

قوله: " بناعقها " أي الداعي إليها، يقال: نعق ينعق - بالكسر - أي صاح وزجر.

والمناخ بضم الميم مصدر أو اسم مكان من أناخ البعير. الركاب: الإبل التي تسار عليها، الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها. والكرائه جمع الكريهة وهي الشدة.

وقال الجزري: الحوازب جمع حازب وهو الامر الشديد. وقوله عليه السلام: " لأطرق

كثير من السائلين " أي لشدة الامر وصعوبته، حتى أن السائل ليبهت ويدهش فيطرق ولا يستطيع السؤال. الفشل: الجبن.

وقال ابن أبي الحديد: قلصت يروى بالتشديد أي انضمت واجتمعت فيكون أشد وأصعب من أن ينفرق في مواطن متعددة، وبالتخفيف أي كثرت وتزايدت من قلصت البئر أي ارتفع ماؤها وروي " إذا قلصت عن حربكم " أي إذا قلصت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها.

قوله عليه السلام: وشمرت عن ساق " أي كشفت عن شدة ومشقة، كقوله تعالى: " يوم يكشف عن ساق " أو كناية عن قيام الحرب وتمام أسبابها، فإنه كناية عن الاهتمام في الامر. قوله عليه السلام: " إذا أقبلت شبهت " إي في ابتدائها تلتبس الأمور ولا يعلم الحق من الباطل إلى أن تنقضي فيظهر بطلانها لظهور آثار الفساد منها. وحام الطائر حول الماء يحوم حوما وحومانا أي دار، شبه عليه السلام الفتن في دورانها ووقوعها من دعاة الضلال في بلد دون بلد بالرياح. الخطة: الحال والامر وعمومها لأنها كانت ولاية عامة وخصت بليتها بالصالحين والأئمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، فالمبصر العارف للحق يصيبه البلاء لما يرى من الجور فيه وفي غيره، وأما الجاهل المنقاد لهم فهو في راحة. والناب: الناقة المسنة. والضروس:

السيئة الخلق. والعذم: العض والأكل بجفاء. والزبن: الدفع. والدر في الأصل: اللبن ثم أطلق على كل خير، وهو كناية عن منع حقوق المسلمين و الاستبداد بأموالهم.

قوله: " أو غير ضائر " يعني من لا ينكر أفعالهم. والانتصار: الانتقام، وقد جاء في كلامه عليه السلام تفسير انتصار العبد من ربه في غير هذا الموضع حيث عقبه بقوله:

" إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه " والمرد بالصاحب هنا التابع. والشوهاء:

القبيحة، وفي بعض النسخ " شوها " بالضم بغير مد جمع الشوهاء.

قوله عليه السلام: " وقطعا جاهلية " شبهها بقطع السحاب لتراكمها، أو قطع الحبل لورودها دفعات. قوله عليه السلام: بمنجاة " أي بمعزل لا تلحقنا آثامها ولسنا من أنصار تلك الدعوة. قوله: " كتفريج الأديم " الأديم، الجلد، ووجه الشبه انكشاف الجلد عما تحته من اللحم. قوله عليه السلام: " يسومهم خسفا " أي يوليهم ذلا والخسف: النقصان والهوان. قوله عليه السلام: " مصبرة " أي ممزوجة بالصبر المر أو مملوءة إلى أصبارها أي جوانبها قوله عليه السلام: " ولا يحلسهم " أي لا يلبسهم، والحلس كساء رقيق يكون تحت البرذعة، والجزور من الإبل يقع على الذكر والأنثى، و جزرها: ذبحها.

قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة: هذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبية ولا ادعاء النبوة، ولكنه كان يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، ولقد امتحنا أخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة التي يضرب في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل الحسين عليه السلام ابنه، وما قاله في كربلاء حيث مر بها، وإخباره بملك معاوية الامر من بعده، وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمر وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان، وما قدمه إلى أصحابه من اخباره بقتل من يقتل منهم وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها، وإخباره عن عبد الله بن الزبير وقوله عليه السلام فيه: " خب صب يروم أمرا ولا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا وهو بعد مصلوب قريش ". وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة أخرى بالزنج، وهو الذي صحفه قوم فقالوا: بالريح.

وكإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي و غيرهما في قوله عليه السلام: " وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء، دعاة حق تقوم بإذن الله فتدعو إلى دين الله " وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة وقوله: " إنه يقتل عند أحجار الزيت " وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا :

" يقتل بعد أن يظهر ويقهر بعد أن يقهر " وقوله عليه السلام فيه أيضا: " يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيا بؤس الرامي شلت يده ووهن عضده " وكإخباره عن قتلى فخ وقوله عليه السلام: " هم خير أهل الأرض أو من خير أهل الأرض " وكإخباره عن المملكة العلوية بالغرب وتصريحه بذكر كتامة وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم. كقوله وهو يشير إلى عبيد الله المهدي وهو أولهم: ثم يظهر صاحب القيروان الفض البض، ذو النسب المحض، المنتجب من سلالة ذي البداء، المسجى بالرداء " وكان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا حمرة رخص البدن تار الأطراف وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد عليهما السلام وهو المسجى بالرداء، لان أباه أبا عبد الله جعفر عليه السلام سجاه بردائه لما مات، وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة في أمره.

وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: " ويخرج من ديلمان بنو الصياد " إشارة إليهم، وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة، ونشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم.

وكقوله عليه السلام فيهم: " ثم يستقوي أمرهم حتى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء " فقال له قائل: فكم مدتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مائة أو تزيد قليلا. وكقوله

فيهم: " والمترف ابن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة " وهو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين، وكان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده التكوض في الحرب ، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفا صاحب لهو وشرب وقتله عضد الدولة فنا خسره ابن عمه بقصر الجفن على دجلة في الحرب و سلبه ملكه، فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي ورتب عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتب عوضه القادر، و كانت مدة ملكهم كما أخبر به عليه السلام. وكإخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس - رحمه الله - عن انتقال الامر إلى أولاده، فإن علي بن عبد الله لما ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي عليه السلام فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها ودفعه إليه وقال: " خذ إليك أبا الاملاك " هكذا الرواية الصحيحة وهي التي ذكرها أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل، وليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة ولا منقولة في كتاب معتمد عليه.

وكم له من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكرسنا كراريس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة، ثم قال:

وهذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة وانقراض ملك بني أمية، ووقع الامر بموجب اخباره صلوات الله عليه، حتى لقد صدق قوله عليه السلام: " تود قريش " إلى

آخره، فإن أرباب، لسيرة كلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال يوم الراب لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان: " لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى " والقصة طويلة مشهورة وهذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة، وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه الله من قوله عليه السلام: " ولم يكن ليجترئ عليها غيري ولو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل والنهروان، وأيم الله لولا أن تنكلوا فتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله لمن قاتلهم مبصرا بضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن عليه، سلوني قبل أن تفقدوني فإني ميت عن قريب أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم؟ " وضرب بيده إلى لحيته.

ومنها في ذكر بني أمية " يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا، إلى أن يضع الله عز وجل جبروتها ويكسر عمدها وينزع أوتادها، ألا وإنكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤجروا، ولا تمالؤوا عليهم عدوهم فيصير عليهم ويحل بكم النقمة " ومنها " إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه، وإن توارى عنه شتمه، وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم " ومنها " فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله منا أهل البيت بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا، موضوعا على عاتقه ثمانية حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، يغريه الله ببني أمية حتى

يجعلهم حطاما ورفاتا، ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا، سنة الله في الذين خلوا من قبل لن تجد لسنة الله تبديلا ".

بيان: الخب: الخداع. والصبابة: الشوق، وفي بعض النسخ بالهمز فيهما فالخبء: السر، وهو أيضا كناية عن الغدر والحيلة، وصبأ - كمنع وكرم - صبأ خرج من دين إلى آخر، وعليهم العدو: دلهم، قاله الفيروزآبادي. وقال:

أصابه سهم غرب ويحرك وسهم غرب نعتا أي لا يدرى راميه والفض: الكسر بالتفرقة، والنفر المتفرقون. والبض: الرخص الجسد الرقيق الجلد الممتلئ.

والتار: المسترخي.

أقول: أوردت تمام تلك الخطبة برواية سليم بن قيس في كتاب الفتن.

62 - نهج البلاغة: قال عليه السلام لما قتل الخوارج فقيل: يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم فقال عليه السلام: كلا والله إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين.

بيان: نجم: طلع وظهر. والقرن كناية عن رؤسائهم. قطعه: قتله.

63 - - نهج البلاغة: قالوا: اخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل، فاستشفع الحسن والحسين إلى أمير المؤمنين عليهم السلام فكلماه فيه، فخلى سبيله، فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين ، فقال عليه السلام: أو لم يبايعني بعد قتل عثمان (6)؟ لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية، لو بايعني بيده لغدرني بسبته، أما إن له إمرة كلعقة الكلب

أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمة منه ومن ولده يوما أحمر.

توضيح: كف يهودية أي من شأنها الغدر والمكر، فإنه من شأنهم. و السبة: الاست. والامرة بالكسر: الولاية. وكبش القوم: رئيسهم، والتشبيه لمدة ملكه بلعقة الكلب أنفه للتنبيه على قصر أمرها، وكانت مدة إمرته أربعة أشهر وعشرا، وروي ستة أشهر، والأكبش الأربعة أربعة ذكور لصلبه، وهم عبد الملك وولي الخلافة، وعبد العزيز وولي مصر، وبشر وولي العراق، ومحمد وولي الجزيرة، ويحتمل أن يريد بالأربعة أولاد عبد الملك، وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام لعنهم الله، وكلهم ولي الخلافة ولم يلها أربعة إخوة إلا هم. واليوم الأحمر كناية عن شدته، ومن لسان العرب وصف الامر الشديد بالأحمر، ولعله لكون الحمرة وصف الدم كني به عن القتل، ويروى: موتا أحمر.

64 - نهج البلاغة: لكأني أنظر إلى ضليل قد نعق بالشام، وفحص براياته في ضواحي كوفان، فإذا فغرت فاغرته واشتدت شكيمته وثقلت في الأرض وطأته، عضت الفتنة أبناءها بأنيابها، وماجت الأرض بأمواجها، وبدا من الأيام كلوحها ومن الليالي كدوحها، فإذا أينع زرعه وقام على ينعه وهدرت شقاشقه وبرقت بوارقه عقدت رايات الفتن المعضلة، وأقبلن كالليل المظلم والبحر الملتطم، هذا وكم يخرق الكوفة من قاصف ويمر عليها وعن قليل تلتف القرون بالقرون، ويحصد القائم ويحطم المحصود.

بيان: قيل: المراد بالضليل معاوية، وقيل: السفياني.

وقال ابن أبي الحديد: هذا كناية عن عبد الملك بن مروان، لأن هذه الصفات

كانت فيه أتم منها في غيره، لأنه أقام بالشام حين دعا إلى نفسه، وهو معنى نعيقه وفحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق وقتل مصعبا، وتارة لما استخلف الأمراء على الكوفة، فلما كمل أمر عبد الملك وهو معنى " أينع زرعه " هلك، وعقدت رايات الفتن المعضلة بعده، كحروب أولاده مع بني المهلب، ومع زيد بن علي عليه السلام وأيام يوسف بن عمر وغير ذلك.

والضواحي: النواحي البارزة القريبة. قوله: فغرت فاغرته " أي فتح فاه والشكيمة في الأصل حديدة معترضة في اللجام في فم الدابة، وفلان شديد الشكيمة إذا كان عسر الانقياد شديد النفس وثقلت في الأرض وطأنه أي عظم جوره وظلمه.

والكلوح بالضم تكشر في العبوس. والكدوح: الخدوش وأينع الزرع: أدرك ونضج، والينع جمع يانع، ويجوز أن يكون مصدرا. وهدرت أي صوتت والشقاشق جمع شقشقة، وهي بالكسر شئ كالراية يخرج من فم البعير إذا هاج وبرقت بوارقه أي سيوفه ورماحه والمعضلة: العسرة العلاج. والقاصف: الريح القوية تكسر كلما تمر عليه، القرون: الأجيال من الناس، واحدها قرن بالفتح، وهذا كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني أمية في الحرب، ثم قتل المأمورين منهم صبرا، فحصد القائم قبل المحاربة وحطم الحصيد بالقتل صبرا. المراد بالتفاف بعضهم ببعض اجتماعهم في بطن الأرض، وبحصدهم قتلهم أو موتهم، وبحطم محصودهم تفرق أوصالهم في التراب، أو التفافهم كناية عن جمعهم في موقف الحساب أو طلب بعضهم مظالمهم من بعض، وحصدهم عن إزالتهم عن موضع قيامهم أي الموقف، وسوقهم إلى النار وحطمهم عن تعذيبهم في نار جهنم.

أقول: سيأتي كثير من الاخبار في كتاب الفتن.

65 - البرسي في المشارق عن ابن نباتة أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يوما جالسا

في نجف الكوفة فقال لمن حوله: من يرى ما أرى؟ فقالوا: وما ترى يا عين الله الناظرة في عباده؟ فقال: أرى بعيرا يحمل جنازة ورجلا يسوقه ورجلا يقوده، وسيأتيكم بعد ثلاث فلما كان اليوم الثالث قدم البعير والجنازة مشدودة عليه ورجلان معه، فسلما على الجماعة، فقال لهما أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن حياهم: من أنتم ومن أين أقبلتم و من هذه الجنازة ولماذا قدمتم؟ فقالوا: نحن من اليمن، وأما الميت فأبونا وإنه عند الموت أوصى إلينا فقال: إذا غسلتموني وكفنتموني وصليتم علي فاحملوني على بعيري هذا إلى العراق فادفنوني هناك بنجف الكوفة، فقال لهما أمير المؤمنين عليه السلام: هل سألتماه لماذا؟ فقالا: أجل قد سألناه فقال: يدفن هناك رجل لو شفع يوم القيامة لأهل الموقف لشفع، فقام أمير المؤمنين عليه السلام وقال: صدق، أنا والله ذلك الرجل.

66 - قال ابن أبي الحديد في موضع آخر: قال شيخنا أبو عثمان: حدثني ثمامة قال: سمعت جعفر بن يحيى - وكان من أبلغ الناس وأفصحهم للقول والكتابة بضم اللفظة إلى أختها -: ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر وقد تفاخرا: أنا أشعر منك لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه! ثم قال: وناهيك حسنا بقول علي بن أبي طالب عليه السلام:

" هل من مناص أو خلاص؟ أو معاذ أو ملاذ؟ أو قرار أو محار؟ " قال أبو عثمان: وكان جعفر يتعجب أيضا بقول علي عليه السلام: أين من جد واجتهد، وجمع واحتشد وبني فشيد، وفرش فمهد، وزخرف فنجد (4)؟ " قال:

ألا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينها جاذبة إياها إلى نفسها دالة عليها بذاتها؟ قال أبو عثمان: فكان جعفر يسميه فصيح قريش. واعلم أننا لا يتخالجنا

الشك في أنه أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين إلا ما كان من كلام الله سبحانه وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك لان فضيلة الخطيب أو الكاتب في خطابته وكتابته يعتمد على أمرين هما مفردات الألفاظ ومركباتها، أما المفردات فأن تكون سهلة سلسلة غير وحشية ولا معقدة، وألفاظه عليه السلام كلها كذلك، وأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الافهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض، وتلك الصفات هي الصناعة التي سماها المتأخرون البديع، من المقابلة والمطابقة وحسن التقسيم، ورد آخر الكلام على صدره، والترصيع والتسهيم والتوشيح والمماثلة والاستعارة، ولطافة استعمال المجاز والموازنة والتكافؤ والتسميط والمشاكلة، ولا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبه وكتبه، مبثوثة متفرقة في فرش كلامه عليه السلام وليس يوجد هذان الأمران في كلام لاحد غيره فإن كان قد تعملها وأفكر فيها وأعمل رويته في وضعها ونثرها فلقد أتى بالعجب العجائب، ووجب أن يكون إمام الناس كلهم في ذلك لأنه ابتكره ولم يعرف من قبله. وإن كان اقتضبها ابتداء، وفاضت عليها لسانه مرتجلة وجاش بها طبعه بديهة من غير روية ولا اعتمال فأعجب، وأعجب على كلا الامرين، فلقد جاء مجليا والفصحاء ينقطع أنفاسهم على أثره، ويحق ما قال معاوية لمحقن الضبي لما قال له: " جئتك من عند أعيى الناس ": يا ابن اللخناء

لعلي تقول هذا؟ وهل سن الفصاحة لقريش غيره؟ واعلم أن تكلف الاستدلال على أن الشمس مضيئة يتعب، وصاحبه منسوب إلى السفه، وليس جاحد الأمور المعلومة علما ضروريا بأشد سفها ممن رام الاستدلال بالأدلة النظرية عليها.

أقول: قد أثبتنا اخباره عليه السلام بالمغيبات في باب علمه، وباب اخباره بسبه، وأبواب شهادته، وباب جوامع معجزاته وأبواب شهادة الحسين عليه السلام وأبواب أحوال أصحابه.

بسم الله الرحمن الرحيم 115.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.