بحارالانوار · المجلد التاسع
106 باب مهابته ms13694 وشجاعته، والاستدلال بسابقته في الجهاد على
ج ۴۱، ص ۸۸–۱۰۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز - ووقفت إذ جبن الشجاع * بموقف البطل المناجز - إني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز - إن الشجاعة والسماحة * في الفتى خير الغرائز في كل ذلك يقوم علي ليبارزه فيأمره النبي صلى الله عليه وآله بالجلوس لمكان بكاء فاطمة عليها السلام عليه من جراحاته في يوم أحد، وقولها: ما أسرع أن يأتم الحسن والحسين باقتحامه الهلكات، فنزل جبرئيل عليه السلام فأمره عن الله تعالى أن يأمر عليا عليه السلام بمبارزته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي ادن مني، وعممه بعمامته وأعطاه سيفه وقال: امض لشأنك، ثم قال: اللهم أعنه، فلما توجه إليه قال النبي صلى الله عليه وآله: خرج الايمان سائره إلى الكفر سائره، قال محمد بن إسحاق:
فلما لاقاه علي عليه السلام أنشأ يقول:
لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز - ذو نية وبصيرة والصبر * منجي كل فائز - إني لأرضى أن أقيم * عليك نائحة الجنائز - من ضربة نجلاء يبقى * ذكرها عند الهزاهز ويروى له عليه السلام في أمالي النيسابوري:
يا عمرو قد لاقيت فارس بهمة * عند اللقاء معاود الاقدام - يدعو إلى دين الاله ونصره * وإلى الهدى وشرائع الاسلام إلى قوله:
شهدت قريش والبراجم كلها * أن ليس فيها من يقوم مقامي
وروي أن عمروا قال: ما أكرمك قرنا!
الطبري والثعلبي قال علي عليه السلام: يا عمرو إنك كنت في الجاهلية تقول:
لا يدعوني أحد إلى ثلاثة إلا قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال: فإني أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن تسلم لرب العالمين، قال: أخر عني هذه، قال: أما إنها خير لك لو أخذتها، ثم قال: ترجع من حيث جئت قال: لا تحدث نساء قريش بهذا أبدا، قال: تنزل تقاتلني، فضحك عمرو وقال: ما كنت أظن أحدا من العرب يرومني عليها، وإني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وكان أبوك لي نديما، قال: لكني أحب أن أقتلك، قال: فتناوشا فضربه عمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على عاتقه فسقط، وفي رواية حذيفة: ضربه على رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه.
قال جابر: فثار بينهما قترة فما رأيتهما، وسمعت التكبير تحتها، وانكشف أصحابه حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادر المسلمون يكبرون، فوجدوه على فرسه برجل واحدة يحارب عليا عليه السلام ورمى رجله نحو علي، فخاف من هيبتها رجلان ووقعا في الخندق، وقال الطبري: ووجدوا نوفلا في الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة، فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل بعضكم لقتالي، فنزل إلى علي عليه السلام فطعنه في ترقوته بالسيف حتى أخرجه من مراقه، ثم خرج منية بن عثمان العبدري فانصرف، ومات بمكة، وروي: ولحق هبيرة فأعجزه، فضرب على قربوس سرجه وسقط درعه، وفر عكرمة وضرار فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام يقول:
وكانوا على الاسلام إلبا ثلاثة * وقد فر من تحت الثلاثة واحد -
وفر أبو عمر وهبيرة لم يعد * إلينا وذو الحرب المجرب عائد - نهتهم سيوف الهند أن يقفوا لنا * غداة التقينا والرماح القواصد قال جابر: شبهت قصته بقصة داود عليه السلام قوله تعالى: " فهزموهم بإذن الله " الآية، قالوا فلما جز رأسه من قفاه بسؤال منه قال علي عليه السلام:
أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم خبروا أصحابي - نصر الحجارة من سفاهة رأيه * وعبدت رب محمد بصواب - اليوم تمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الهام ليس بناب - أرديت عمروا إذ طغى بمهند * صافي الحديد مجرب قصاب - لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب عمرو بن عبيد: لما قدم علي برأس عمرو استقبله الصحابة، فقبل أبو بكر رأسه وقال: المهاجرون والأنصار رهين شكرك ما بقوا.
الواحدي والخطيب الخوارزمي، عن عبد الرحمن السعدي، بإسناده عن بهرم بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة.
أبو بكر بن عياش: لقد ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها، وضرب ضربة ما كان فيه أشأم منها، ويقال: إن ضربة ابن ملجم وقعت على ضربة عمرو.
ايضاح: النواصي: الرؤساء والاشراف. والمفارع: الذين يكفون بين الناس الواحد كمنبر، وفي بعض النسخ بالزاي المعجمة، أي الذين يفزعون الناس بسوادهم
وفي بعضها بالقاف والراء المهملة، أي الذين يقرعون الابطال وجزع الأرض والوادي:
قطعه. والمداد بمعنى الخندق غير معروف. والبراجم: قوم من أولاد حنظلة بن مالك، ويقال: صمم السيف إذا مضى في العظم وقطعه. ونبا السيف إذا لم يعمل في الضريبة. والقصاب في بعض النسخ بالمعجمة وفي بعضها بالمهملة، وعلى التقديرين معناه القطاع.
13 - مناقب ابن شهرآشوب: فصل فيما ظهر منه عليه السلام في غزاة السلاسل: السلاسل اسم ماء.
أبو القاسم بن شبل الوكيل وأبو الفتح الحفار بإسنادهما عن الصادق عليه السلام ومقاتل والزجاج ووكيع والثوري والسدي وأبو صالح وابن عباس أنه أنفذ النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر في سبعمائة رجل، فلما صار إلى الوادي وأراد الانحدار فخرجوا إليه فهزموه وقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله بعث عمر فرجع منهزما فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله فإن الحرب خدعة ولعلي أخدعهم، فبعثه فرجع منهزما، وفي رواية أنه أنفذ خالدا فعاد كذلك، فساء النبي صلى الله عليه وآله فدعا عليا عليه السلام وقال: أرسلته كرارا غير فرار، فشيعه إلى مسجد الأحزاب، فسار بالقوم متنكبا عن الطريق يسير بالليل ويكمن بالنهار، ثم أخذ علي عليه السلام محجة غامضة، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه، ثم أمرهم أن يعكموا الخيل وأوقفهم في مكان وقال: لا تبرحوا، وانتبذ أمامهم وأقام ناحية منهم، فقال خالد - وفي رواية قال عمر -: أنزلنا هذا الغلام في واد كثير الحيات والهوام والسباع، إما سبع يأكلنا أو يأكل دوابنا، وإما حياة تعقرنا وتعقر دوابنا، وإما يعلم بنا عدونا فيأتينا ويقتلنا، فكلموه: نعلو الوادي، فكلمه أبو بكر فلم يجبه، فكلمه عمر فلم يجبه، فقال عمرو بن العاص: إنه لا ينبغي أن نضيع أنفسنا، انطلقوا بنا نعلو الوادي، فأبى ذلك المسلمون، ومن روايات أهل البيت عليهم السلام أنه أبت الأرض أن تحملهم، قالوا: فلما أحس عليه السلام الفجر قال: اركبوا بارك الله فيكم، وطلع الجبل حتى إذا انحدر على القوم وأشرف عليهم قال لهم: اتركوا عكمة دوابكم
قال: فشمت الخيل ريح الإناث فصهلت، فسمع القوم صهيل خيلهم فولوا هاربين.
وفي رواية مقاتل والزجاج أنه كبس القوم وهم غادون، فقال: يا هؤلاء أنا رسول رسول الله إليكم أن تقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإلا ضربتكم بالسيف، فقالوا: انصرف عنا كما انصرف عنا كما انصرف ثلاثة، فإنك لا تقاومنا، فقال عليه السلام:
إنني لا أنصرف أنا علي بن أبي طالب، فاضطربوا، وخرج إليه إلا الأشداء السبعة، وناصحوه وطلبوا الصلح، فقال عليه السلام: إما الاسلام وإما المقاومة فبرز إليه واحد بعد واحد، وكان أشدهم آخرهم، وهو سعد بن مالك العجلي، وهو صاحب الحصن، فقتلهم وانهزموا، فدخل بعضهم في الحصن وبعضهم استأمنوا وبعضهم أسلموا وأتوه بمفاتيح الخزائن، قالت أم سلمة: انتبه النبي صلى الله عليه وآله من القيلولة فقلت: الله جارك مالك؟ فقال: أخبرني جبرئيل بالفتح، ونزلت " والعاديات ضبحا " فبشر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بذلك، وأمرهم باستقباله والنبي يتقدمهم، فلما رأى علي عليه السلام النبي ترجل عن فرسه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اركب فإن الله ورسوله عنك راضيان، فبكى علي عليه السلام فرحا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي لولا أني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح، الخبر.
بيان: عكم المتاع: شده، ولعل المراد هنا شد أفواههم لئلا يصهلوا، ولذا قال عليه السلام آخرا: اتركوا عكمة دوابكم أي ليصهلوا ويسمع القوم.
14 - مناقب ابن شهرآشوب: فصل في غزوات شتى: قوله تعالى: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " قال الضحاك: " وعلى المؤمنين " يعني عليا وثمانية من بني هاشم.
ابن قتيبة في المعارف والثعلبي في الكشف: الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وآله يوم
حنين بعد هزيمة الناس: علي، والعباس، والفضل ابنه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ونوفل وربيعة أخواه، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب: وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وأيمن مولى النبي صلى الله عليه وآله، وكان العباس عن يمينه والفضل عن يساره، وأبو سفيان ممسك بسرجه عند تفر بغلته، وسائرهم حوله، وعلي يضرب بالسيف بين يديه، وفيه يقول العباس:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا فكانت الأنصار خاصة تنصرف إذ كمن أبو جرول على المسلمين. وكان على جمل أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن، إذا أدرك أحدا طعنه برمحه وإذا فاته الناس دفع لمن وراءه، وجعل يقتلهم وهو يرتجز:
أنا أبو جرول لا براح * حتى نبيح القوم أو نباح فصمد له أمير المؤمنين عليه السلام فضرب عجز بعيره فصرعه، ثم ضربه فقطره ثم قال:
قد علم القوم لدى الصباح * أني لدى الهيجاء ذو نصاح فانهزموا، وعد قتلى علي فكانوا أربعين، وقال علي عليه السلام:
ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذا اقتدار وذا فضل - بما أنزل الكفار دار مذلة * فذاقوا هوانا من إسار ومن قتل - فأمسى رسول الله قد عز نصره * وكان رسول الله أرسل بالعدل - فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوي العقل - فأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم الرحمن خبلا إلى خبل
وفي غزاة الطائف كان النبي صلى الله عليه وآله حاصرهم أياما، وأنفذ عليا في خيل، وأمره أن يطأ ما وجد، ويكسر كل صنم وجده، فلقيه خيل خثعم وقت الصبوح في جموع، فبرز فارسهم وقال: هل من مبارز؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: من له؟ فلم يقم أحد فقام إليه علي عليه السلام وهو يقول:
إن على كل رئيس حقا * أن يروي الصعدة أو يدقا ثم ضربه فقتله، ومضى حتى كسر الأصنام، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله كبر للفتح، وأخذ بيده وناجاه طويلا، ثم خرج من الحصن نافع بن غيلان بن مغيث فلقيه علي عليه السلام ببطن وج فقتله وانهزموا.
وفي يوم الفتح برز أسد بن غويلم قاتل العرب، فقال النبي صلى الله عليه وآله: من خرج إلى هذا المشرك فقتله فله على الله الجنة وله الإمامة بعدي، فاحرنجم الناس، فبرز علي عليه السلام وقال:
ضربته بالسيف وسط الهامة * بضربة صارمة هدامة - فبتكت من جسمه عظامه * وبينت من رأسه عظامة وقتل عليه السلام من بني النضير خلقا منهم غرور الرامي إلى خيمة النبي صلى الله عليه وآله فقال حسان:
لله أي كريهة أبليتها * ببني قريظة والنفوس تطلع - أردى رئيسهم وآب بتسعة * طورا يشلهم وطورا يدفع.
وأنفذ النبي صلى الله عليه وآله عليا إلى بني قريظة وقال: سر على بركة الله، فلما أشرفوا ورأوا عليا عليه السلام قالوا: أقبل إليكم قاتل عمرو، وقال آخر:
قتل علي عمروا صار علي صقرا * قصم علي ظهرا هتك علي سترا فقال علي عليه السلام: الحمد لله الذي أظهر الاسلام وقمع الشرك، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقتل علي عليه السلام منهم عشرة، وقتل عليه السلام من بني المصطلق مالكا وابنه.
تاريخ الطبري ومحمد بن إسحاق: لما انهزمت هوازن كان رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتله علي عليه السلام أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فقاتل بها حتى قتل. ومن حديث عمرو بن معد يكرب أنه رأى أباه منهزما من خثعم على فرس له قال: انزل عنها فاليوم ظلم، فقال له: إليك يا مائق، فقالوا: أعطه، فركب ثم رمى خثعم بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم، ثم كر عليهم، وفعل ذلك مرارا فحمل عليه بنو زبيد، فانهزمت خثعم، فقيل له فارس اليمن، ومائق بنو زبيد.
الزمخشري في ربيع الأبرار: كان إذا رأى عمر بن الخطاب معد يكرب قال: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمروا. وكان كثيرا ما يسأل عن غاراته فيقول:
قد محا سيف علي الصنائع، ومع مبارزته جذبه أمير المؤمنين عليه السلام والمنديل في عنقه حتى أسلم، وكان أكثر فتوح العجم على يديه.
بيان: الإباحة والاستباحة: السبي والنهب. قوله عليه السلام: (ذو نصاح) أي أنصح النبي ولا أغشه. والصعدة بالفتح: القناة المستوية تنبت كذلك، وترويتها كناية عن كثرة القتل بها. واحر نجم: أراد الامر ثم رجع عنه.
كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي عن حليم عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لمبارزة علي بن أبي طالب عليه السلام لعمرو بن ود يوم الخندق أفضل من عمل أمتي
إلى يوم القيامة.
أقول: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول: مما يشهد بشجاعة أمير المؤمنين عليه السلام وعظيم بلائه في الجهاد ونكايته في الأعداء من النظم الذي يشهد بصحته النثر في النقل قول أسد بن أبي أياس بن رهم ابن محمد بن عبد بن عدي يحرض مشركي قريش على أمير المؤمنين عليه السلام:
في كل مجمع غاية أخزاكم * جزع أبر على المذاكي القرح - لله دركم ألما تنكروا * قد ينكر الحر الكريم ويستحي - هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * ذبحا ويمشي بيننا لم يذبح - أعطوه خرجا واتقوا بضربته * فعل الدليل وبيعة لم تربح - أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الأبطح؟ - أفناهم قعصا وضربا تعتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح ومما يشهد لذلك قول أخت عمرو بن عبد ود وقد رأته قتيلا فقالت: من قتله؟ فقيل لها : علي بن أبي طالب عليه السلام، فقالت: كفو كريم، ثم أنشأت تقول:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الأبد - لكن قاتل عمرو لا يعاب به * من كان يدعى قديما بيضة البلد أفلا نرى إلى قريش كيف يحرض عليه بذكر من قتله وكثرتهم وفناء رؤسائهم بسيفه عليه السلام وقتله لشجعانهم وأبطالهم؟ ثم لا يجسر أحد من القوم ينكر
ذلك، ولا ينفع في جماعتهم التحريض لعجزهم عنه عليه السلام، ولا ترى أنه عليه السلام قد بلغ من فضله في الشجاعة أنها قد صارت يفخر بقتله من قتل منها، وينفي العار عنه بإضافته إليه، وهذا لا يكون إلا وقد سلم الجميع له واصطلحوا على إظهار العجز عنه عليه السلام. وقد روى أهل السير أن أمير المؤمنين عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود نعي إلى أخته، فقالت: [لو] لم يعد يومه على يد كفو كريم لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الابطال وبارز الاقران وكانت منيته على يد كفو كريم، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر، ثم أنشأت تقول:
أسدان في ضيق المكر تصاولا * وكلاهما كفو كريم باسل - فتخالسا مهج النفوس كلاهما * وسط المدار مخاتل ومقاتل - وكلاهما حضر القراع حفيظة * لم يثنه عن ذاك شغل شاغل - فاذهب علي فما ظفرت بمثله * قول سديد ليس فيه تحامل - فالثار عندي يا علي فليتني * أدركته والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل فارس * فالذل مهلكها وخزي شامل ثم قالت: والله لا ثارت قريش بأخي ما حنت النيب. وقد كان حسان بن ثابت افتخر للاسلام بقتل عمرو بن عبد ود، فقال في ذلك أقوالا كثيرة، منها:
أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغي * بجنوب يثرب غارة لم ينظر - فلقد وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا لم تقصر - ولقد رأيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب المخسر أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر
فلما بلغ شعره بني عامر قال فتى منهم يرد عليه قوله في ذلك:
كذبتم وبيت الله لم تقتلوننا * ولكن بسيف الهاشمين فافخروا - بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغى * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا - فلم تقتلوا عمرو بن ود ولا ابنه * ولكنه الكفؤ الهزبر الغضنفر - علي الذي في الفخر طال ثناؤه * فلا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا - ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة وتأخروا - فلما أتاهم حمزة وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر - فقالوا نعم أكفاء صدق وأقبلوا * إليهم سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم لما عتوا وتكبروا - فليس لكم فخر علينا بغيرنا * وليس لكم فخر يعد ويذكر وقد جاء الأثر من طرق شتى بأسانيد مختلفة عن زيد بن وهب قال: سمعت عليا عليه السلام يقول - وقد ذكر حديث بدر فقال -: قتلنا من المشركين سبعين، وأسرنا سبعين، وكان الذي أسر العباس رجل قصير من الأنصار، فأدركته فألقى العباس علي عمامته لئلا يأخذها الأنصاري، وأحب أن أكون أنا الذي أسرته، وجيئ به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الأنصاري: يا رسول الله قد جئت بعمك العباس أسيرا فقال العباس: كذبت ما أسرني إلا ابن أخي علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له الأنصاري: يا هذا أنا أسرتك، فقال: والله يا رسول الله ما أسرني إلا ابن أخي، و لكأني بجلحته في النقع تبين لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: صدق عمي ذاك ملك كريم، فقال العباس: يا رسول الله لقد عرفته بجلحته وحسن وجهه، فقال له:
إن الملائكة الذين أيدني الله بهم على صورة علي بن أبي طالب عليه السلام ليكون ذلك
أهيب لهم في صدور الأعداء، قال: فهذه عمامتي على رأس علي عليه السلام فمره فليردها علي، فقال: ويحك إن يعلم الله فيك خيرا يعوضك أحسن العوض.
أفلا ترون أن هذا الحديث يؤيد ما تقدم ويؤكد القول بأن أمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع البرية، وأنه بلغ من بأسه وخوف الأعداء منه عليه السلام أن جعل الله عز وجل الملائكة على صورته، ليكون ذلك أرعب لقلوبهم، وأن هذا المعنى لم يحصل لبشر قبله ولا بعده، ويؤيد ما رويناه ما جاء من الأثر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في حديث بدر فقال: لقد كان يسأل الجريح من المشركين فيقال: من جرحك؟ فيقول: علي بن أبي طالب. فإذا قالها: مات. وفي بلاء أمير المؤمنين عليه السلام يوم بدر يقول أبو هاشم السيد بن محمد الحميري:
من كعلي الذي يبارزه * الاقران إذ بالسيوف يصطلم - إذا الوغى نارها مسعرة * يحرق فرسانها إذا اقتحموا - في يوم بدر وفي مشاهده * العظمى ونار الحرب تضطرم - بارز أبطالها وسادتها * قعصا لهم بالحسام قد علموا - دعوه كي تدركون عزته * فما علوا ذلكم ولا سلموا - جذ بسيف النبي هامات * أقوام هم سادة وهم قدم - سيدنا الماجد الجليل أبو * السبطين رأس الأنام والعلم - إن عليا وإن فاطمة * وإن سبطيهما وإن ظلموا - لصفوة الله بعد صفوته * لا عرب مثلهم ولا عجم انتهى.
وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر بن نمير الأنصاري قال: والله لكأني أسمع عليا عليه السلام يوم الهرير وذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فيما بينها وبين عك ولخم وحذام و
الأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي، حتى استقلت الشمس وقام قائم الظهيرة وعلي عليه السلام يقول لأصحابه: حتى متى نخلي بين هذين الحيين؟ قد فنينا و أنتم وقوف تنظرون، أما تخافون مقت الله؟ ثم انفتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله عز وجل ثم نادى " يا الله يا رحمن يا واحد يا صمد يا الله يا إله محمد، إليك اللهم نقلت الاقدام، وأفضت القلوب، ورفعت الأيدي، ومدت الأعناق، و شخصت الابصار، وطلبت الحوائج، اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وتشتت أهوائنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين سيروا على بركة الله " ثم نادى: لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى، قال: فلا والذي بعث محمدا نبيا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق السماوات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب، إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمس مائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنيا فيقول: معذرة إلى الله وإليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " وأنا أقاتل به دونه، قال: فكنا نأخذه و نقومه، ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به عرض الصف، فلا والله ما ليث بأشد نكاية منه في عدوه.
وقال في موضع آخر: روى أبو عبيدة أن عليا عليه السلام استنطق الخوارج بقتل عبد الله بن خباب فأقروا به، فقال: انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة، فتكتبوا كتائب وأقرت كل كتيبة بمثل ما أقرت به الأخرى من قتل ابن خباب
وقالوا: ولنقتلنك كما قتلناه، فقال عليه السلام: والله لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم، ثم التفت إلى أصحابه فقال: شدوا عليهم فأنا أول من يشد عليهم، وحمل بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرات، كل حملة يضرب به حتى يعوج متنه، ثم يخرج فيسويه بركبتيه، ثم يحمل به حتى أفناهم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.