پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

53 - باب أخبار المنزلة والاستدلال بها على إمامته صلوات الله

ج ۳۷، ص ۲۸۱–۲۸۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۷

فإن قال: فيجب على هذه الطريقة أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مفترض الطاعة على الأمة في حال حياة النبي كما كان هارون كذلك في حال حياة موسى قيل: لو خلينا وظاهر الكلام لأوجبنا ما ذكرته، غير أنه الاجماع مانع منه، لان الأمة لا تختلف في أنه عليه السلام لم يكن مشاركا للرسول في فرض الطاعة على الأمة على جميع أحوال حياته حسب ما كان عليه هارون في حياة موسى، ومن قال منهم: إنه كان مفترض الطاعة في تلك الأحوال يجعل ذلك في أحوال غيبة الرسول صلى الله عليه وآله على وجه الخلافة، لا في أحوال حضوره، وإذا خرجت أحوال الحياة بالدليل ثبتت الأحوال بعد الوفاة بمقتضى اللفظ.

فإن قال: ظاهر قوله صلى الله عليه وآله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " يمنع ما

ذكرتموه لأنه يقتضي من المنازل ما حصل لهارون من جهة موسى واستفادة به، وإلا فلا معنى لنسبة المنازل إلى أنها منه، وفرض الطاعة الحاصل عن النبوة غير متعلق بموسى ولا واجب من جهته.

قيل له: أما سؤالك فظاهر السقوط على كلامنا، لان خلافة هارون لموسى عليهما السلام في حياته لاشك في أنها منزلة منه وواجبة بقوله الذي ورد به القرآن، فأما ما أوجبناه من استحقاقه للخلافة بعده فلا مانع من إضافته أيضا إلى موسى، لأنه من حيث استخلفه في حياته وفوض إليه تدبير قومه ولم يجز أن يخرج عن ولاية جعلت له، وجب حصول هذه المنزلة بعد الوفاة، فتعلقها بموسى عليه السلام تعلق قوي، فلم يبق إلا أن يبين الجواب على الطريقة التي استأنفناها.

والذي يبينه أن قوله صلى الله عليه وآله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " لا يقتضي ما ظنه السائل من حصول المنازل بموسى ومن جهته، كما أن قول أحدنا: أنت مني بمنزلة أخي مني أو بمنزلة أبي مني لا يقتضي كون الاخوة والأبوة به ومن جهته، وليس يمكن أحدا أن يقول في هذا القول إنه مجاز أو خارج عن حكم الحقيقة، ولو كانت هذه الصيغة تقتضي ما ادعي لوجب أيضا أن لا يصح استعمالها في الجمادات وكل ما لا يصح منه فعل، وقد علمنا صحة استعمالها فيما ذكرناه، وأنهم لا يمنعون من القول بأن منزلة دار زيد من دار عمرو، بمنزلة دار خالد من دار بكر، ومنزلة بعض أعضاء الانسان منه منزلة بعض آخر منه وإنما يفيدون تشابه الأحوال وتقاربها، ويجري لفظة " من " في هذه الوجوه مجرى " عند " و " مع " وكأن القائل أراد: محلك عندي وحالك معي في الاكرام والاعطاء كحال أبي عندي ومحله فيهما.

ومما يكشف عن صحة ما ذكرناه حسن استثناء الرسول النبوة من جملة المنازل، ونحن نعلم أنه لم يستثن إلا ما يجوز دخوله تحت اللفظ عندنا أو يجب دخوله عند مخالفينا

ونحن نعلم أيضا أن النبوة المستثناة لم تكن بموسى، وإذا ساغ استثناء النبوة من جملة ما اقتضى اللفظ مع أنها لم تكن بموسى بطل أن يكون اللفظ متناولا لما وجب من جهة موسى من المنازل.

وأما الذي يدل على أن اللفظ يوجب حصول جميع المنازل إلا ما أخرجه الاستثناء وما جرى مجراه وإن لم يكن من ألفاظ العموم الموجبة للاشتمال والاستغراق ولا كان أيضا من مذهبنا أن في اللفظ المستغرق للجنس على سبيل الوجوب لفظا موضوعا له فهو أن دخول الاستثناء في اللفظ الذي يقتضي على سبيل الاجمال أشياء كثيرة متى صدر من حكيم يريد البيان والافهام، دليل على أن ما يقتضيه اللفظ ويحتمله بعد ما خرج بالاستثناء مراد بالخطاب وداخل ما تحته، ويصير دخول الاستثناء كالقرينة أو الدلالة التي توجب الاستغراق والشمول، يدل على صحة ما ذكروه أن الحكيم منا إذا قال:

من دخل داري أكرمه إلا زيدا، فهمنا من كلامه بدخول الاستثناء أن من عدا زيد مراد بالقول، لأنه لو لم يكن مرادا لوجب استثناؤه مع إرادة الافهام والبيان، وهذا وجه.

ووجه آخر وهو أنا وجدنا الناس في هذا الخبر على فرقتين: منهم من ذهب إلى أن المراد منزلة واحدة لأجل السبب الذي يدعون خروج الخبر عليه، ولأجل عهد أو عرف، والفرقة الأخرى تذهب إلى عموم القول لجميع ما هو منزلة هارون من موسى بعد ما أخرج الدليل، على اختلافهم في تفصيل المنازل وتعيينها، وهؤلاء هم الشيعة وأكثر مخالفيهم، لان القول الأول لم يذهب إليه إلا الواحد والاثنان، وإنما يمتنع من خالف الشيعة من إيجاب كون أمير المؤمنين صلوات الله عليه خليفة للنبي بعده، حيث لم يثبت عندهم أن هارون لو بقي بعد موسى لخلفه، ولا أن ذلك مما يصح أن يعد في جملة منازله، فكان كل من ذهب إلى أن اللفظ يصح تعديه المنزلة الواحدة ذهب إلى

عمومه، فإذا فسد قول من قصر القول على المنزلة الواحدة - لما سنذكره - وبطل وجب عمومه، لان أحدا لم يقل بصحة تعديه مع الشك في عمومه، بل القول بأنه مما يصح أن يتعدى وليس بعام خروج عن الاجماع.

فإن قال: وبأي شئ تفسدون أن يكون الخبر مقصورا على منزلة واحدة؟ قيل له: أما ما تدعي من السبب الذي هو إرجاف المنافقين ووجوب حمل الكلام عليه وأن لا يتعداه فيبطل من وجوه:

منها أن ذلك غير معلوم على حد نفس الخبر بل غير معلوم أصلا، وإنما وردت به أخبار آحاد، وأكثر الاخبار واردة بخلافه، وأن أمير المؤمنين عليه السلام لما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة في غزوة تبوك كره أن يتخلف عنه وأن ينقطع عن العادة التي كان يجري عليه السلام عليها في مواساته له بنفسه وذبه الأعداء عن وجهه، فلحق به وسكن إليه ما يجده من ألم الوحشة، فقال له هذا القول، وليس لنا أن نخصص خبرا معلوما بأمر غير معلوم، على أن كثيرا من الروايات قد أتت بأن النبي صلى الله عليه وآله قال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " في أماكن مختلفة وأحوال شتى، وليس لنا أيضا أن نخصه بغزاة تبوك دون غيرها، بل الواجب القطع على الخبر والرجوع إلى ما يقتضيه، والشك فيما لم تثبت صحته من الأسباب والأحوال.

ومنها أن الذي يقتضيه السبب مطابقة القول له، وليس يقتضي مع مطابقته له أن لا يتعداه، وإذا كان السبب ما يدعونه من إرجاف المنافقين واستثقاله صلى الله عليه وآله إذا كان الاستخلاف في حال الغيبة والسفر، فالقول على مذهبنا وتأويلنا يطابقه ويتناوله، وإن تعداه إلى غير من الاستخلاف بعد الوفاة الذي لا ينافي ما يقتضيه السبب ، يبين ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح بما ذهبنا إليه حتى يقول: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى في المحبة والفضل والاختصاص والخلافة في الحياة وبعد الوفاة " لكان السبب الذي يدعى

غير مانع من صحة الكلام واستقامته.

ومنها أن القول لو اقتضى منزلة واحدة إما الخلافة في السفر أو ما ينافي إرجاف المنافقين من المحبة فكيف يصح الاستثناء؟ لان ظاهره لا يقتضي تناول الكلام لأكثر من منزلة واحدة، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحدنا لغيره: " منزلتك مني في الشركة في المتاع المخصوص دون غيرها منزلة فلان من فلان إلا أنك لست بجاري " و إن كان الجوار ثابتا بينه وبين من ذكره، من حيث لم يصح تناول قوله الأول ما يصح دخول منزلة الجوار فيه، وكذلك لا يصح أن يقول: " ضربت غلامي زيدا إلا غلامي عمرا " وإن صح أن يقول: " ضربت غلماني إلا غلامي عمرا " من حيث تناول اللفظ الواحد دون الجميع.

وبهذا الوجه يسقط قول من ادعى أن الخبر يقتضي منزلة واحدة لان ظاهر اللفظ لم يتناول أكثر من المنزلة الواحدة وأنه لو أراد منازل كثيرة لقال: " أنت مني بمنازل هارون من موسى " وذلك أن اعتبار الاستثناء يدل على أن الكلام يتناول أكثر من منزلة واحدة، والعادة في الاستعمال جارية بأن يستعمل مثل هذا الخطاب، وإن كان المراد المنازل الكثيرة، لأنهم يقولون: " منزلة فلان من الأمير كمنزلة فلان منه " وإن أشاروا إلى أحوال مختلفة ومنازل كثيرة، ولا يكادون يقولون بدلا مما ذكرناه: " منازل فلان كمنازل فلان " وإنما حسن منهم ذلك من حيث اعتقدوا أن ذوي المنازل الكثيرة والرتب المختلفة قد حصل لهم بمجموعها منزلة واحدة كأنها جملة متفرعة إلى غيرها، فتقع الإشارة منهم إلى الجملة بلفظ الوحدة.

وباعتبار ما اعتبرناه من الاستثناء يبطل قول من حمل الكلام على منزلة يقتضيها العهد أو العرف، ولأنه ليس في العرف أن لا يستعمل لفظ " منزلة " إلا في شئ مخصوص دون ما عداه، لان لا حال من الأحوال يحصل لاحد مع غيره من نسب وجوار وولاية

ومحبة واختصاص إلى سائر الأحوال إلا ويصح أن يقال فيه: إنه منزلة، ومن ادعى عرفا في بعض المنازل كمن ادعاه في غيره، وكذلك لا عهد يشار إليه في منزلة من منازل هارون من موسى عليه السلام دون غيرها، فلا اختصاص بشئ من منازله ليس في غيره، بل سائر منازله كالمعهود من جهة أنها معلومة بالأدلة عليها، وكل ما ذكرناه واضح لمن أنصف من نفسه.

طريقة أخرى من الاستدلال بالخبر على النص، وهي أنه إذا ثبت كون هارون خليفة لموسى على أمته في حياته ومفترض الطاعة عليهم وأن هذه المنزلة من جملة منازله ووجدنا النبي صلى الله عليه وآله استثنى ما لم يرده من المنازل بعده بقوله: " إلا أنه لا نبي بعدي " دل هذا الاستثناء على أن ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده، وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة فتثبت بعده، فقد صح وجه النص بالإمامة.

فإن قال: ولم قلتم: إن الاستثناء في الخبر يدل على بقاء ما لم يستثن من المنازل وثبوته بعده؟ قيل له: بأن الاستثناء كما من شأنه إذا كان مطلقا أن يوجب ما لم يستثن مطلقا كذلك من شأنه إذا قيد بحال أو وقت أن يوجب ثبوت ما لم يستثن في تلك الحال وفي ذلك الوقت، لأنه لا فرق بين أن يستثنى من الجملة في حال مخصوص ما لم تتضمنه الجملة في تلك الحال وبين أن يستثنى منها ما لم تتضمنه على وجه من الوجوه، ألا ترى أن قول القائل " ضربت غلماني إلا زيدا في الدار وإلا زيدا فإني لم أضربه في الدار " يدل على أن ضربه غلمانه كان في الدار لموضع تعلق الاستثناء بها، وأن الضرب لو لم يكن في الدار لكان تضمن الاستثناء لذكر الدار كتضمنه ذكر ما لا تشتمل عليه الجملة الأولى من بهيمة وغيرها، وليس لاحد أن يقول ويتعلق بأن لفظ " بعدي " مستثنى بمشية الله، ولا له أن يقول: من أين لكم ثبوت ما لم يدخل تحت الاستثناء من المنازل لأنا قد دللنا على ذلك في الطريقة الأولى.

فإن قيل: لعل المعنى: بعد كوني نبيا لا بعد وفاتي قلنا: لا يخل ذلك بصحة تأويلنا، لأنا نعلم أن الذي أشاروا إليه من الأحوال تشتمل على أحوال الحياة وأحوال الممات إلى قيام الساعة، ويجب بظاهر الكلام وبما حكمنا به من مطابقة الاستثناء في الحال التي فيها المستثنى منه أن يجب لأمير المؤمنين عليه السلام الإمامة في جميع الأحوال التي تعلق النفي بها، فإن أخرجت دلالة شيئا من هذه الأحوال أخرجناه لها وأبقينا ما عداه لاقتضاء ظاهر الكلام له، فكان ما طعن به مخالفونا إنما زاد قولنا صحة وتأكيدا، انتهى كلامه قدس الله روحه ملخصا، وقد أطنب رحمه الله بعد ذلك في رد الشبه والاشكالات الموردة على الاستدلالات بالخبر بما لا مزيد عليه، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى الكتاب.

ثم أقول: لا يخفى على منصف بعد الاطلاع على الاخبار التي أوردناها وما اشتملت عليه من القرائن الدالة على أن المراد بها ما ذكرناه على ما مر في كلام الفاضلين أن مدلول الخبر صريح في النص عليه عليه السلام لا سيما وقد انضمت إليها قرائن اخر، منها الحديث المشهور الدال على أنه يقع في هذه الأمة كل ما وقع في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، ولم يقع في هذه الأمة ما يشبه قصة هارون وعبادة العجل إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله من غصب الخلافة وترك نصرة الوصي، وقد ورد في روايات الفريقين أن أمير المؤمنين استقبل قبر الرسول - صلوات الله عليهما - عند ذلك وقال ما قاله هارون: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني " ومنها ما ذكره جماعة من المخالفين أن وصاية موسى وخلافته انتهى إلى أولاد هارون، فمن منازل هارون من موسى كون أولاده خليفة موسى، فيلزم بمقتضى المنزلة أن يكون الحسنان عليهما السلام المسميان باسمي ابني هارون باتفاق الخاص و العام خليفتي الرسول، فيلزم خلافة أبيهما لعدم القول بالفصل، وممن ذكر ذلك محمد

الشهرستاني حيث قال في أثناء بيان أحوال اليهود: إن الامر كان مشتركا بين موسى عليه السلام وبين أخيه هارون إذ قال: " وأشركه في أمري " وكان هو الوصي، فلما مات هارون في حياته انتقلت الوصاية إلى يوشع وديعة ليوصلها إلى شبير وشبر ابني هارون عليهم السلام قرارا، وذلك أن الوصية والإمامة بعضها مستقر وبعضها مستودع انتهى.

مع أنك إذا رجعت إلى الأخبار الواردة في تسميتها وجدتها صريحة في عموم المنزلة لجميع الأحوال والأوصاف ومنها ما مر، وسيأتي من الأخبار المتواترة الدالة بأجمعها على أنه صلى الله عليه وآله كان بصدد تعيينه للخلافة وإظهار فضله لذلك في كل موطن ومقام، إلى غير ذلك مما سيأتي في الأبواب الآتية وسنشير إليها، وأقول بعد ذلك أيضا: إنا لو سلمنا للخصم جميع ما يناقشنا فيه مع أنا قد أقمنا الدلائل على خلافها فلا يناقشنا في أنه يدل على أنه عليه السلام كان أخص الناس بالرسول وأحبهم إليه ولا يكون أحبهم إليه إلا لكونه أفضلهم كما مر بيانه في الأبواب السابقة، فتقديم غيره عليه مما لا يقبله العقل ويعده قبيحا، وأي عقل يجوز كون صاحب المنزلة الهارونية مع ما انضم إليها من سائر المناقب العظيمة والفضائل الجليلة رعية وتابعا لمن ليس له إلا المثالب الفظيعة والمقابح الشنيعة؟! والحمد لله الذي أوضح الحق لطالبيه ولم يدع لاحد شبهة فيه *.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.